Strict Standards: Only variables should be passed by reference in /home/shiaorg/public_html/html/ara/others/index.php on line 3

Warning: Creating default object from empty value in /home/shiaorg/public_html/html/ara/others/index.php on line 24

Warning: session_start(): Cannot send session cookie - headers already sent by (output started at /home/shiaorg/public_html/html/ara/others/index.php:3) in /home/shiaorg/public_html/html/ara/others/index.php on line 47

Warning: session_start(): Cannot send session cache limiter - headers already sent (output started at /home/shiaorg/public_html/html/ara/others/index.php:3) in /home/shiaorg/public_html/html/ara/others/index.php on line 47
من خصائص المدرسة السلوكية للفقيه الهمداني
 
مقالات مجلات الشيعة و التشيع مناسبات مناظرات مكتبات مواضيع اخلاقية مراكز و مؤسسات مدارس و حوزات مراكز تابعة لمكتب المرجعية الصفحة الرئيسية

من خصائص المدرسة السلوكية للفقيه الهمداني

يعتبر المولى الهمداني مؤسسا لمدرسة تربوية اسلامية ربت مجموعة من صفوة علماء الامة الاسلامية كان لهم الاثر المشهود في الدفاع عن حياة القيم الاسلامية في حياة المسلمين خلال القرن الماضي ومواجهة الهجمة التغريبية التخريبية الشاملة التي شنها الغرب الاستعماري في نفس تلك الفترة سعيا لعزل الاسلام وابعاد المسلمين عنه مقدمة لاستعبادهم واستغلال ثرواتهم ، فتركزت جهود تلك الصفوة من خريجي مدرسة المولى الهمداني على نشر وترويج القيم الاسلامية والتربية المعنوية القادرة على مواجهة تلك الهجمة كما اثبتت ذلك عمليا تجربة الثورة الاسلامية في ايران هذا من جهة ومن جهة اخرى السعي لقيادة المؤمنين وهدايتهم لطي مدارج الكمال وتحقيق العبودية الحقة للّه تبارك وتعالى وهي الغاية من خلق الانسان : ( وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون ) (1) .

ضرورة التعرف على مدرسة المولى الهمداني :

تنبع اهمية البحث والتعرف على مدرسة المولى الهمداني التربوية

اولا : من قوة تاثيرها في الحياة الاسلامية المعاصرة ، ويمكن معرفة قوة هذا التاثير من خلال ملاحظة الادوار التاريخية التي قام بها عدد من خريجيها : كالسيد جمال الدين الاسد آبادي الشهير بالافغاني رائد الحركة الاصلاحية الاسلامية المعروفة التي ما زالت تاثيراتها مشهودة في العديد من بلدان العالم الاسلامي ، وكالعلامة السيد محمد حسين الطباطبائي الذي قاد حركة واسعة في نشر الثقافة والمعارف الاسلامية واحيائها ومواجهة الغزو الثقافي الغربي والمساهمة في توفير الارضية الثقافية اللازمة لتفجيرالثورة الاسلامية في ايران بقيادة الامام الخميني رضوان الله تعالى عليه ومعلوم ان الكثير من رجال هذه الثورة ومفكريها قد تتلمذوا على يديه وعلى يدي الامام الخميني امثال الشهيد المطهري وآية الله الخامنئي والسيد محمد البهشتي والشيخ ‌جوادي الاملي والشيخ مصباح اليزدي وغيرهم كثيرون والنماذج الاخرى كثيرة ستاتي الاشارة الى بعضها لاحقا ان شاء الله .

ثانيا : ان هذه المدرسة التربوية العرفانية قدمت نموذجا للعرفان الاسلامي الاصيل والمناهج السلوكية المستنبطة من المصادر الشرعية النقية والبعيدة عن الانحرافات التي وقعت فيها الطرق الصوفية التي تهاونت في التمسك بالشريعة ، كما عرضت طريقة في السير والسلوك الى الحق تبارك وتعالى وطي مدارج الكمال والتخلق بالاخلاق الالهية عن طريق الاعتصام القوي بعرى ائمة الهدى واهل بيت العصمة النبوية ، وهم سلام الله عليهم اجمعين الثقل الثاني الذي اوصى به سيد الرسل ( صلى الله عليه واله ) الى جانب القرآن الكريم واعتبرهما ضمانة النجاة من الضلال وسفينة الوصول الى مراتب الرقي ولقاء النبي الخاتم على حوضه .

وقد اثبت هذا النموذج العرفاني والسلوكي قوة تاثيره وشدة فاعليته واصالته الشرعية من خلال تربيته لكوكبة من الاولياء الذين لا يختلف احد بشان سمو مراتبهم المعنوية وزهدهم وتقواهم وصدقهم واخلاصهم للاسلام امثال آيات الله الشيخ علي القمي والميرزا جواد الملكي التبريزي الذي مدحه الامام الخميني مرارا وفي كتاب سر الصلاة (2) ، والسيد احمد الكربلائي الطهراني ، والسيد علي القاضي ، والسيد حسن الصدر ، والسيد محمد سعيد الحبوبي اضافة الى الذين تقدم ذكرهم والذين لم يذكرواهنا اكثر .

وثالثا : ان شخصية المولى حسين قلي الهمداني نفسه تشكل بحد ذاتها دافعا مستقلا للبحث حول هذا الموضوع حيث ذكره كل المترجمين لعلماء الامامية بعبارات من المدح والثناء قلما ذكروا غيره بامثالها فالعلامة المتتبع الشيخ آقا بزرك الطهراني يصفه في موسوعة اعلام الشيعة بقوله : ( هو الشيخ المولى حسين قلي بن رمضان الشوندي الدرجزيني الهمداني النجفي من اعاظم العلماء واكابر فقهاء الشيعة وخاتمة علماء الاخلاق في عصره وتتلمذ في الاخلاق للسيد علي التستري ففاق فيه اعلام الفن وهو في خصوص هذا العلم ( الاخلاق ) لا يحده وصف فقد مضت حقبة طويلة لم يجد خلالها الزمن بمن ماثله في علم الاخلاق وتهذيب النفوس وقد ختم به هذا الفن فلم ينبغ بعده من يكون له ما كان للمترجم له بحيث يعد نظيرا له ) (3) .

ويصفه تلميذه السيد حسن الصدر في التكملة بقوله : ( جمال السالكين ، ونخبة الفقها الربانيين ، وعمدة الحكماء والمتكلمين وزبدة المحققين والاصوليين ، كان من العلماء بالله وباحكام الله جالسا [ مجلس ] الاستقامة تشرق عليه انوار الملكوت ) (4) .

وضمن حديثه عن حوزة الحكيم المتاله واشهر الحكما الالهيين في القرون الاخيرة المولى هادي السبزواري صاحب المنظومة المشهورة في الحكمة يقول العلامة الشهيد آية الله المطهري : ( ان اكبر حسنات الحكيم السبزواري هو المرحوم الحكيم الرباني والعارف الكامل الالهي والفقيه المعروف الاخوند المولى حسين قلي الهمداني الدرجزيني (ره) هذا الرجل الكبير والكريم تشرف بلقاء الاقا السيد علي الشوشتري وطوى مراحل السير والسلوك الى الله لدى هذا العالم الجليل وتوصل هو الى مقام من الكمال والمعرفة لا يعلم له مثيل الا قليلا، ولو كان تلامذة حوزة الحكيم السبزواري يفتخرون بالحضور في تلك الحوزة فان تلك الحوزة تفتخر بحضور رجل كهذا ، المولى الهمداني ) (5) .

اذن فشخصية المولى الهمداني هي من نوادر الدهر كما يصفها العلامة الطباطبائي (6) ومن اكابر فقها الشيعة في نفس الوقت ، الامر الذي يشكل دافعا مستقلا كما تقدم للبحث والتعرف على مدرسته السلوكية العرفانية ونفس هذا الدافع يعززه عامل آخر يرتبط باعلام هذه المدرسة وهم اولياء وعلماء كبار يجمع المؤرخون على تمجيدهم والاقرار بسمو مراتبهم العلمية والاخلاقية كما هو ثابت في دراسة سيرهم وتراجمهم في الكتب المتخصصة كاعلام الشيعة ( نقباء البشر ) للعلامة الطهراني واعيان الشيعة للسيد محسن الامين العاملي وغيرهما .

شخصية المولى الهمداني :

من الضروري كما هو واضح التمهيد لمعرفة خصائص هذه المدرسة السلوكية الامامية بالتعرف

اولا : على شخصية مؤسسها الذي انعكست بقوة افكاره ومميزاته على مدرسته التربوية : فهو حسين قلي بن رمضان ، والده فلاح طاهر الطينة وكان راعيا للغنم ثم صار اسكافيا وكان له ولدان : اكبرهما حسين قلي والثاني كريم قلي وكان يرغب في ان يسلكا مسلك طلب العلوم الدينية فاهتم بهما .

ولد الشيخ حسين قلي في قرية (شوند) من توابع مدينة همدان الايرانية سنة ( 1239 هـ ق ) ، وهو من ذراري الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الانصاري ( ولذلك يلقب احيانا بلقب الانصاري نسبة الى هذا الصحابي ) وفي القرية من اولاد جابر جمع كثير ، وهذا ما ثبت بالتواتر ، روته طبقة عن طبقة .

بعثه والده الى طهران وكانت فيها آنذاك حوزة علمية دينية عامرة لتعلم العلوم الدينية فاجتاز المرحلة الدراسية الاولى بنشاط غريب يستكثر عليه حيث لم يكن حضريا ، وقد اختص فيها بحوزة العالم الاكبر الشيخ عبد الحسين الطهراني وهو من تلامذة الحكيم المتأله المولى هادي السبزواري صاحب المنظومة وكان المولى السبزواري يقطن آنذاك في مدينته ( سبزوار في طريق مدينة مشهد المقدسة ) فسافر اليها الشيخ الهمداني واقام فيها مدة لازم خلالها دروس الحكيم السبزواري .

وبعد برهة مكث خلالها في قريته بعد عودته من سبزوار هاجر الى النجف الاشرف حيث كانت رئاسة التدريس ومرجعية التقليد والافتاء يومذاك للشيخ ‌مرتضى الانصاري وهو استاذ المتاخرين والمقدم على سائر اعلام النجف ، فحضر عليه ولازم درسه سنين طويلة وكتب تقريراته في الفقه والاصول كثيرا ، ولما توفي الشيخ ‌الانصاري في سنة (1281 هـ ق ) لم يتتلمذ لغيره في الفقه والاصول اذ لم يكن محتاجا .

وتتلمذ في الاخلاق للسيد علي التستري في نفس تلك الفترة ففاق فيه اعلام الفن (7) .

اساتذة المولى الهمداني وتاثيرهم عليه :

اخذ الشيخ الهمداني العلوم الشرعية عن خيرة اساتذتها ليس في عصره وحسب بل هم من اعلام علماء وفقهاء الامامية : فالشيخ مرتضى الانصاري هو الشيخ الاعظم وهو الملقب ب ( خاتم الفقهاء والمجتهدين ، ويكاد ان يكون عديم المثيل في الدقة وعمق النظر ، ادخل اصول الفقه والفقه الشيعي مرحلة جديدة وله في الفقه والاصول آراجديدة لا سابقة لها حتى ان كتابيه ( الرسائل ) و( المكاسب ) اصبحا كتابين دراسيين ، وقد علق العلماء من بعده من تلامذته واتباعه ، على كتبه حواشي متعددة ، وهو الوحيد بعد المحقق الحلي والعلامة الحلي والشهيد الاول الذي علق العلماء بعده على كتبه وشرحوها كثيرا ، وكان يضرب به المثل في الزهد والتقوى وتنقل عنه امور من الكرامات والمواقف السامية ) (8) .

وما زالت آراء الشيخ الانصاري مدار البحث والتدريس في علمي الفقه والاصول في عموم الحوزات الشيعية ، وقد تاثر الشيخ الهمداني به كثيرا في هذين العلمين كما يفهم من اقتصاره على تدريس تقريرات بحوث الانصاري الفقهية والاصولية بعدوفاته .

والحكيم السبزواري هو الاخر من اساطين الحكمة الالهية المستندة الى القرآن والسنة ولم يبرز بين الفلاسفة الاسلاميين بعد صدر المتالهين الشيرازي نظير لهذا الحكيم في هذا العلم خلال العصور المتاخرة وما زالت منظومته الشهيرة في الحكمة من المتون الرئيسة لتدريس الحكمة في الحوزات الدينية وقد كتبت عليها الكثير من الشروح ، ( وكان الحكيم السبزواري حسن البيان والتقرير وتدريسه كان عن شوق وجاذبية وكان بالاضافة الى مقاماته العلمية والحكمية صاحب ذوق عرفاني عظيم وكان صاحب مراقبة وانضباط وتدين ، وسالكا الى الله ومجموعة هذه الاوصاف هي التي جعلت تلاميذه يحبونه بعشق شديد ، فلا مثيل له في جاذبيته في التدريس وعلاقته بطلابه حتى كان بعض تلامذته يذكرونه بعد اربعين عاما ( من وفاته ) فيتاثرون ويبكون لاجله ) (9) .

اما استاذه الاخر فهو السيد علي التستري الاخلاقي العظيم والفقيه الكبير الذي جلس من بين اعاظم تلامذة الشيخ الانصاري على كرسي تدريس الشيخ الاعظم بعد وفاته وواصل بحثه الفقهي من حيث انتهى الشيخ الانصاري قبل وفاته ، فوجدوه بحرا مواجا في هذا الباب ايضا ولكنه لم يعمر طويلا بعد الشيخ حيث توفي بعد ستة اشهر (10) .

كان السيد التستري يحضر دروس الشيخ الانصاري في الفقه والاصول فيما كان الشيخ يحضر درس السيد التستري في الاخلاق كل اسبوع ويدعو طلابه لحضور هذا الدرس والتزود من ثماره المعنوية وازالة الصدأ عن القلوب ، وهذه من الحالات النادرة في التاريخ حيث تجتمع التلمذة والاستاذية لاحد تجاه شخص آخر فالشيخ كان استاذ السيد في الفقه والاصول وتلميذه في الاخلاق (11) .

وينقل عن السيد التستري اضافة الى ما تقدم العديد من الروايات الحاكية عن سمو مقامه وعظم منزلته ويستفاد من قصة ينقلها العلامة الطباطبائي رضوان الله عليه

ان الالطاف الغيبية قد تدخلت في نقل السيد التستري نحو العرفان والسير والسلوك (12) ، وكان المولى الهمداني ابرز تلامذته في السير والسلوك الى الله تبارك وتعالى كما يستفاد مما ذكره المترجمون له .

اذن فالمولى الهمداني قد حظي بتوفيق الاستفادة من خير اساتذة العلوم الشرعية ، وتتلمذ في الفقه والاصول والحكمة والعرفان والسير والسلوك لصفوة واساطين هذه العلوم في عصره ، ومن اعلامها على مدى التاريخ الاسلامي ، وجميع اساتذته تحلوا اضافة الى مقاماتهم العلمية الشامخة بالزهد والتقوى والكمالات المعنوية السامية ، فهو في جانب الاساتذة قد حظي بصفوة ممتازة وتوفر له هذا العامل المهم في صياغة الشخصية بافضل وجه ، اذ ان من المعروف ان للاستاذ تاثيرا بالغا في صياغة شخصية التلميذ .

كما ان تنوع اختصاصات هؤلاء الاساتذة وشمولها لكافة فروع العلوم الشرعية اللازمة لصياغة الشخصية الدينية المتكاملة ، كان له التاثير البالغ في جامعية شخصية المولى الهمداني وجعلها شمولية متكاملة تتوفر فيها كافة متطلبات الشخصية الالهية وهذه الشمولية التكاملية انعكست في مدرسته التربوية بقوة كما سنلاحظ لاحقا ان شاء الله .

الكفاات الذاتية للمولى الهمداني :

معلوم ان توفر الاساتذة الماهرين لا يكفي وحده في صنع الشخصية العلمية القوية او الشخصية الالهية الراسخة في العلم ، بل يستلزم الامر ايضا توفر الارضية المتقبلة للتعليم والتربية التي يقدمها الاساتذة الماهرون ، وهذا العامل مهم للغاية فهو الذي يحقق ثمار جهود الاساتذة ، ولعل اوضح دليل على اهميته هي الشكاوى الكثيرة التي سجلها التاريخ والتي كان يطلقها الكثير من العلماء الربانيين بشان عدم عثورهم على اوعية صالحة تستفيد مما لديهم من علوم وتتقبل جهودهم المخلصة في مجال التربية .

ويستفاد مما نقلوه في ترجمة المولى الهمداني انه كان يتحلى بحظ وافر حباه به الله تبارك وتعالى من الكفاات الذاتية ومن الجدية الدؤوبة في استثمار هذه النعم الالهية لتربية نفسه وتهذيبها وطي مدارج الرقي والتكامل الانساني وقيادة الاخرين في هذا الطريق الالهي .

وتوجد العديد من الشواهد الدالة على الحقيقة المتقدمة ، منها ذاك ( النشاط الغريب ) الذي طوى به المرحوم الهمداني المرحلة الدراسية كما يقول العلامة الطهراني في ترجمته له ومنها تنقله في البلدان طلبا للعلم وهذا لا يتاتى خاصة في ذلك الزمن الذي كان السفر فيه يشتمل على الكثير من المصاعب والاخطار الا لمن كانت له همة عالية واصرار على الكدح لاكتساب المقامات والكمالات العلمية والعملية خاصة اذا لاحظنا ان الشيخ كان من عائلة فقيرة الامر الذي يزيد من صعوبة تلك الاسفار العلمية عليه ، ومنها دقة اختياره للاساتذة الذين كان يلازم دروسهم فهي تكشف عن بصيرة ثاقبة تحلى بها هذا الرجل الالهي الجليل ، وغير ذلك من الشواهد الاخرى الناطقة بالحقيقة المتقدمة .

وحيث ان الاستاذ المربي عادة ما يكون الاقدر على تشخيص الكفاات الذاتية لدى طلابه خاصة الذين يتولى تربيتهم وليس تعليمهم وحسب ، لذا نختار هنا شهادة من السيد علي التستري الاستاذ العرفاني والمربي السلوكي للمولى الهمداني رضوان الله تعالى عليهما بحق تلميذه البارع كما ينقلها العلامة المتتبع الشيخ آغا بزرك الطهراني في ترجمته للمولى الهمداني ، يقول (ره) : ( وكان استاذه السيد علي التستري ، وهو مشغوف بتربيته وصقل نفسه يحس منه الاستعداد واللياقة لا ليهذب نفسه فقط بل ليقود امامه جمهورا كبيرا ويبذر في اصحابه واتباعه هذه الروح المركوزة وقضية واحدة تعطينا صورة عن اهتمامه :

يحكى ان طبيبا من مهرة الفن دخل النجف الاشرف زائرا وكان من اصحاب السيد التستري استاذ المترجم له ومريديه ، فقصد السيد زائرا وكان المترجم له عند ذاك مريضا ، فلما وقعت عين السيد عليه ابتدره قائلا : اقصد المدرسة السليمية اولا فافحص بها ولدا لي اضناه السقم فما كان من الطبيب الا الامتثال ولما جاها وراى المترجم له ، عاد الى السيد فقال : ان هذا الشيخ فقير ومرضه صعب يحتاج ( علاجه ) الى مال كثير ، فاجابه السيد بقوله : ارجع اليه وعالجه على كل حال ، فلو صرفت عليه مائة تومان ( وكان هذا المبلغ يومئذ كبيرا يكفي لشرا بيت واسع وكان يضرب به المثل للكثرة ) وعاش ساعة واحدة كان خيرا ، والساعة من عمره اغلى من ذلك انتهى .

وهذه الواقعة كافية لان تعلمنا بما كان يعقده عليه استاذه من الامال ، وفي الحقيقة كان ينظر بنور الله ، فقد كان كما امل ( رض ) ، وصدق المترجم له ظن من تنباء فيه ، وقد اعاد ذكريات رجالنا الابدال من السلف الصالح رضوان الله عليهم ، فهو بقية السلف لمعاصريه ، ومفخرة الخلف لنا ) (13) .

اذن فشخصية المولى الهمداني هي وليدة كفاات ذاتية قوية وهمة عالية وجدية بالغة في العمل والاستفادة من المواهب التي حباه الله تبارك وتعالى بها حيث اودعها خيرة اساتذة عصره والعلماء الربانيين لصقلها وتهذيبها واكتسب منهم العلوم الالهية وتسلح بها لبلوغ المراتب السامية والكمالات العلمية والعملية فاصبح جديرا بتاسيس مدرسة تربوية اسلامية اصيلة كان لها التاثير البالغ في الحياة الاسلامية المعاصرة .

حوزة الهمداني مدرسة تربوية :

لقد اسس المولى حسين قلي الهمداني مدرسة اسلامية متميزة يصفها العلامة الشهيد آية الله المطهري بقوله : ( ان حوزة دراسة المرحوم الاخوند ( المولى حسين قلي ) كانت حوزة تربية اكثر من التعليم ، حوزة لتربية الانسان الاكثر كمالا ، وقد تخرج منها رجال كبار ويمكن التوصل الى سعة رقعة هذه التربية بمطالعة مواضع متفرقة من كتاب نقبا البشر ) (14) .

تميزت الحوزة التي اقامها المولى الهمداني عن الحوزات الاخرى بغلبة الجانب التربوي فيها على الجانب التعليمي المحض وهو المتعارف في حوزات تدريس او مجالس مواعظ اغلب الفقهاء والعلماء الاخرين رضوان الله عليهم اجمعين ، حيث تقتصر علاقة الاستاذ بالتلميذ فيها بالدرجة الاولى على القاء الدرس او الموعظة والتعليم وتوضيح الاشكالات التي تبرز في ذهن الطالب فلا تشتمل على متابعة وضع الطالب لمعرفة مدى تاثير ما اكتسبه وما القي عليه من علم او موعظة بهدف اعطاء المزيد مما يناسبه او رفع الموانع التي تمنع بلوغه المراتب المطلوبة ، كما لا تشتمل على قيادته بصورة مباشرة ، لطي مدارج اكتساب الكمالات العلمية فضلا عن الكمالات العملية ، اما حوزة الفقيه والعارف الهمداني فهي تربوية بالدرجة الاولى ، وتتسع دائرة علاقة الاستاذ فيها بالطالب لتشمل اضافة الى التعليم والوعظ والارشاد المتابعة المباشرة لتقدم حركة التلميذ وقيادته في طي مدارج الكمال ومعالجة العقبات والموانع والامراض الروحية التي يمكن ان تعترض طريقه خلال ترقيه في منازل السير والسلوك الى الله تبارك وتعالى وتزويده بما يحتاجه في هذا الطريق وبما يناسبه حيث تختلف الاحتياجات من شخص لاخر بحكم اختلاف مقومات الشخصية وغلبة الطباع المختلفة والامراض الطارئة .

المولى الهمداني كان يتولى مباشرة تربية تلامذته الذين يقبلون على الاستفادة منه ويتابع تدرجهم في مراقي الكمالات ويهذبهم ويزكيهم ويعلمهم اضافة لذلك الكتاب والحكمة قائما بذلك بالمهمة النبوية المقدسة التي ورثها العلماء عن الانبياء ( عليهم السلام ) ، يقول العلامة الطهراني في ترجمته له : ( على انه هذب زمرة من تلامذته كانوا بعده نجوما تزان بها سماء الفضيلة والعلم ، وانا وان لم ادرك فيض خدمته ، ولم يكتب لي التشرف برؤيته حيث دخلت العراق بعد وفاته بعامين في سنة (1313) لكني ادركت فريقا كبيرا من تلاميذه الذين لازموه ليلا ونهارا حتى حصلوا ما ارادوا وحظوا بالسعادة الابدية وقد طهرهم من اوزار هذه الحياة حتى قرنوا العلم بالعمل ، فقد رايت اثر تربيته الحسنة بينا عليهم باديا في سيماهم .

واجمالا فان له فضلا كبيرا على اكثر علماء الطبقة التي تليه ممن ادركنا فيض خدمته ووفقنا للمثول بين يديه ) ثم نقل عن تلميذه السيد حسن الصدر قوله في التكملة : ( ويصلي جماعة في داره ببعض خاصته من المؤمنين الذين رباهم واخرجهم من ظلمات الجهل الى نور المعرفة وطهرهم بالرياضات الشرعية والمجاهدات العملية من كل دنية ، حتى صاروا من عباد الله الصالحين السالكين في سبيله ) (15) .

مهمة التزكية النبوية :

اذن ما كان يقوم به المولى الهمداني هو القيام باحدى مهام العلماء باعتبارهم ورثة الانبياء وهي تزكية الناس وتعليمهم الكتاب والحكمة كما ينص على ذلك القرآن الكريم (16) ، وهداية ذوي الاستعدادات الخاصة والاوعية القابلة واصحاب الاجتهاد والجد في السعي للتخلق بالاخلاق الالهية ، وقيادتهم في طريق مراتب التكامل وتحقيق العبودية الحقة التي ينص القرآن الكريم على انها الغاية من خلق الانسان ، وذلك من خلال قيادتهم في منازل السير والسلوك الى الله تبارك وتعالى .

ولعل هذه الميزة المهمة التي امتازت بها حوزة المولى الهمداني وشمولية علاقة التلميذ فيها بالاستاذ باعتباره المربي والقائد والدليل في طي مدارج الكمال وليس معلما فقط ، هي احدى العوامل التي دفعت البعض الى اتخاذ موقف سلبي او متحفظ من هذه الحوزة التربوية المقتدية بالنهج النبوي في التزكية والتعليم ، حيث شبهوها بالطرق الصوفية غير الاصيلة التي جعلت شيخ الطريقة في مقام المعصوم والحجة الالهية في حين تعتبر مدرسة الهمداني التمسك بالمعصومين شرط الوصول الى اهداف السلوك الشرعي يضاف الى ذلك تبني هذه الحوزة كسائر المدارس العرفانية والسلوكية الامامية الاخرى لبعض الافكار والمصطلحات العرفانية ذات الاصول القرآنية المستخدمة لدى الطرق الصوفية في حين ان من الواضح ان الاشتراك في بعض الافكاروالممارسات بين فرقتين لا يعني بحال من الاحوال اتحادهما والا للزم ذلك اتحاد معظم الفرق الدينية لحتمية وجود مشتركات بينها ، بل المهم هو تمحيص الافكار والممارسات وتمييز الصحيح منها عن السقيم اي العمل بالمقولة العلوية الشهيرة : ( اعرف الحق تعرف اهله ) وليس العكس .

وحقيقة الامر ان مدرسة المولى الهمداني التربوية والسلوكية تمتاز بخصائص مهمة تميزها عن غيرها وتحصنها شانها شان سائر الطرق النقية والمناهج العرفانية الامامية الاصيلة الاخرى من الوقوع في الانحرافات التي سقط فيها جهال الصوفية الذين كافح المولى الهمداني وسائر تلامذته واعلام مدرسته عقائدهم وممارساتهم المنحرفة عن الشرع مثلما فعل العارف الكامل الامام الخميني (17) واستاذه العارف الكامل الشاه آبادي وسائر العرفاء الانقياء رضوان الله عليهم اجمعين وحفظ الاحيا منهم .

وتاكيدا لهذه الحقيقة نذكر ابرز مميزات هذه المدرسة السلوكية العرفانية النقية .

مميزات مدرسة المولى الهمداني :

1ـ التفقه في الدين :

اولى واهم مميزات المدرسة السلوكية للعارف الهمداني هي شدة تاكيدها على الفقه والتفقه في الدين الذي تؤكد عليه النصوص الشرعية ببالغ الاهتمام وقد لاحظنا ان المولى الهمداني نفسه هو فقيه كبير بل ومن اكابر الفقها كما يصفه المترجمون له ، وقد لازم دروس خيرة اساتذة الفقه والاصول في عصره ، الشيخ الانصاري رضوان الله عليه سنين طويلة وكتب تقريرات بحوثه وكان يدرسها ايضا وله بحوث فقهية في القضاء والشهادات (18) ويذكر المترجمون له انه كان يدرس يوميا هذه التقريرات بعد درسه الاخلاقي اليومي كما يذكر العلامة الطهراني في نقباء البشر والسيد حسن الصدر في التكملة ، بل وينقل انه كان لا يقبل بدخول احد الى حوزته السلوكية الخاصة الا بعد ان يبلغ رتبة الاجتهاد في العلوم الفقهية والاصولية .

كما ان استاذه في العرفان والسير والسلوك السيد علي التستري هو ايضا من كبار فقهاء الامامية كما لاحظنا ، وهذا التشديد على تعلم العلوم الفقهية والاصولية انعكس على طلبته بوضوح فان جميع خريجي مدرسته السلوكية كانوا عرفاء وفقهاء كبار في نفس الوقت ، اي انهم طووا منازل السير والسلوك وبلغوا مراتب الولاية الالهية السامية واخذوا بهداية طلاب الحقيقة اليها وكانوا في الوقت نفسه من كبار المجتهدين في الفقه والاصول ، وكان كثير منهم جديرا بمقام المرجعية الدينية والزعامة الشرعية لكنهم ساروا على نهج استاذهم الهمداني في عدم التصدي للفتوى وعدم تطلب الرئاسة حيث ( كان على نهج السيد ابن طاووس في القول والعمل حتى في عدم الافتاء وعدم التصدي لشي من امور الرئاسة الشرعية حتى صلاة الجماعة ) (19) ، وكل ذلك من اجل التفرغ لاقامة حوزات تربوية معنوية وسلوكية لسد النقص الشديد في هذا الجانب .

ان اية الله العظمى السيد احمد الكربلائي كان مرشحا بقوة لخلافة آية الله العظمى الميرزا محمد تقي الشيرازي زعيم ثورة العشرين العراقية الشهيرة في الزعامة العلمية والشرعية العامة وقد ارجع الميرزا مقلديه اليه في موارد الاحتياط مصرحا بانه لا يجد اجدر منه في ذلك ، الا انه رفض وامتنع وارسل رسالة الى الميرزا بهذا الخصوص اكد فيها الطلب منه وبلغة قوية على عدم اقحامه في هذه المسؤولية (20) ، ونفس الامر يصدق على سائر اعلام هذه المدرسة امثال آيات الله : الشيخ محمد باقر البهاري صاحب كتاب ( كتاب القضاء والشهادات في فقه الباقر ) والمولى محمد البهاري والسيد علي القاضي تلميذ السيد احمد الكربلائي المذكور واستاذ العلامة الطباطبائي ، وكذلك آية الله الشيخ الزاهد علي القمي الذي يقول عنه العلامة المتتبع آغا بزرك الطهراني : ( اتفقت كلمة اهل العلم والدين على انه اورع واتقى واعدل علماء عصره حتى لا يوجد بين الناس من يشك في ذلك وقد غطت شهرته بالزهد والصلاح مكانته العلمية ومقامه الشامخ في الفقه والاصول ومن المؤسف ان هذا الظن قد تسرب الى بعض الافاضل من الاعلام ومرجعه سكوته الطويل وعدم حبه للظهور والادعاء او الدعوة للنفس ) (21) .

وينبع تاكيد مدرسة المولى الهمداني على التفقه في الدين والاجتهاد في علوم الفقه والاصول من اهمية هذه العلوم كمفاتيح لفهم النصوص الشرعية وتشخيص ما ليس من الدين من الرياضات واساليب المجاهدات الروحية ، ومن ثم استخدام القواعد الفقهية والاصولية والملكة الاجتهادية التي تثمرها هذه العلوم كادوات لاستنباط المناهج السلوكية والرياضات الشرعية والمجاهدات النقية والادوية الالهية للامراض الروحية والعقبات التي تعترض طريق السالك الى الله جل وعلا وغيره من الشؤون السلوكية من مصادر التشريع الاسلامي الاساسية مثلما هو المتعارف والمعمول به في استنباطات المجتهدين للاحكام الشرعية ضمن ابواب الفقه المتعارفة .

واستنادا للحقيقة المتقدمة ندرك ان تاكيد مدرسة المولى الهمداني على الاجتهاد والتفقه في الدين نابع من كونه يمثل ضمانة مهمة لكي تكون المناهج السلوكية بكل اساليبها ورياضاتها وعلاجاتها هي التي ارادها الشرع الحنيف وليست تلك التي يمكن ان تفرزها العقول البشرية الناقصة التي يصعب ان تتخلص من تاثيرات الاهواء وتسويلات الشيطان وهو قاطع طريق السالكين الى الله تبارك وتعالى كما سقطت في ذلك العديد من الطرق الصوفية وجهالها من اصحاب البدع .

اي ان التاكيد على ضرورة التفقه في الدين في هذه المدرسة السلوكية انما يهدف الى ان تكون المناهج السلوكية مستنبطة من قناة الوحي الالهي والشريعة الخاتمة اي ضمان ان يكون السلوك الى الله تعالى على اساس المناهج النقية الموصلة اليه عزوجل حقا وليس الى (الارباب المتفرقين ) وما هم الا ( اسماء سميتموها انتم وآباؤكم ما انزل الله بها من سلطان ) (22) .

2ـ التمسك باحكام الشرع وآدابه :

وقد افرزت ميزة التاكيد على التفقه في الدين في مدرسة المولى الهمدانية السلوكية ميزة مهمة اخرى بارزة فيها ، وهي تاكيدها المشدد على التمسك باحكام الشريعة وكافة آدابها ومستحباتها ، فهي تعتبر التمسك بظواهر الشريعة والقيام بالفرائض والمستحبات واجتناب المعاصي والمكروهات ، تمسكا بالصراط المستقيم المؤدي الى الوصول الى الحقائق العرفانية وطي المنازل السلوكية والتخلق باخلاق الله ، وتؤكد ان اي تهاون في ذلك هو انحراف عن الصراط المستقيم لذا فهو لا يزيد صاحبه الا بعدا عن الله تبارك وتعالى بدلا من ان يقربه اليه .

والتاكيد على هذا المعنى نجده متكررا بقوة في وصايا ورسائل المولى الهمداني وسائر اعلام مدرسته السلوكية ، فهو يقول في احدى رسائله المنشورة في كتاب ( تذكرة المتقين ) : ( لا سبيل للتقرب من حضرة ملك الملوك جل جلاله سوى بالالتزام بالشرع الحنيف في كافة الحركات والسكنات والتكلمات واللحظات وغيرها ، وسلوك الخرافات الذوقية وان كان الذوق في غير هذا المقام جيد لا يوجب الا بعدا ( عن الله ) كما هو داب الجهال والصوفية خذلهم الله جل جلاله ، وليعلم الذي يؤمن بعصمة الائمة الاطهار ( عليهم السلام ) انه سيبتعد عن الحضرة الاحدية حتى لو التزم بمثل عدم حلق الشارب وعدم اكل اللحم ، ونفس الامر يصدق على كيفية الذكر بغير ما ورد عن السادات المعصومين ( عليهم السلام ) اذا عمل بها ، وبناء على هذا فعليه ( السالك الى الله ) ان يقدم الشرع الحنيف بما اهتم به ) (23) .

وبلغت شدة تاكيد المولى الهمداني على هذا الجانب حدا انه كان يامر بوقوف رجل على باب داره حيث كان يلقي دروسه التربوية وكان قد اعد له مرآة ومقصا ليقص شارب الذين يتشبهون بالصوفية في اطلاق شواربهم من الذين يريدون زيارته كما ينقل ذلك احد احفاده (24) .

واستنادا الى ذلك لم تكن تخرج توجيهات المولى الهمداني لطلابه ومريديه عن دائرة ما ورد في القرآن الكريم من اذكار كذكر ( اليونسية ) الذي كان يوصي به طلابه كثيرا وهو تسبيح نبي الله يونس عندما كان في بطن الحوت وهو يؤدي الى رفع الغم والخلاص منه كما يصرح بذلك القرآن الكريم في سورة الانبيا (25) كما لم تكن تخرج عن دائرة ما ورد في الادعية المروية عن اهل بيت العصمة ، ولم تكن تخرج سائر وصاياه عن اطار الاداب الواردة في الشرع المقدس بشان آداب المعاشرات والنوم والطعام والتهجد والعبادات وغير ذلك من الشؤون الفردية والاجتماعية ، فهو كان يوجه السالكين ويوصيهم كلا حسب استعداده ومستواه الى ما يناسبهم من الاداب الشرعية في مختلف المجالات المذكورة ، والى ما ورد في كتب الاداب الشرعية والادعية المروية عن اهل بيت العصمة ككتب السيد جمال الدين بن طاووس والفيض الكاشاني وخاصة كتابه منهاج النجاة او الشيخ بهاء الدين العاملي وخاصة كتابه ( مفتاح الفلاح ) .

ويلاحظ هنا ان سائر اعلام هذه المدرسة السلوكية كانوا من المتعبدين بصدق بالشريعة ومن المجتهدين بالالتزام بدابها الشرعية ، العلامة الطباطبائي مثلا يوصف بانه ( لم يرتكب مكروها في حياته ) واستاذه السيد علي القاضي كان يحرص على الالتزام بكافة المستحبات الشرعية وكذلك كان حال تلميذه الجليل السيد هاشم الحداد (26) .

اجل اكدت مدرسة المولى الهمداني السلوكية على عدم قصر الهمة على ظواهر الفرائض والاداب الشرعية والاتيان بها على الوجه الظاهري الصحيح فقط بل هي تدعو ايضا والى جانب التاكيد على التقيد الكامل والسليم بهذه الظواهر الى السعي باتجاه الحصول على حقائقها ومعرفة اسرارها والتحقق بها قلبيا مثلما يتحقق البدن ظاهريا بها ، وتجسيدها وجدانيا لان ذلك هو لبها ومضمونها الاساسي والهدف المراد منها والظواهر هي ابواب الوصول الى ذلك .

فمثلا عندما تدعو الى ادا السجود وفق الصورة المحددة شرعا والمعبرة عن اقصى اشكال الخضوع للّه تبارك وتعالى تؤكد ايضا على ضرورة السعي لتجسيد حقيقة هذا الخضوع قلبيا ووجدانيا والتقرب الى الله تبارك وتعالى بذلك فهذا هو الهدف الاساسي من تشريع السجود وحقيقته ولبه كما يصرح بذلك القرآن الكريم حيث يقول : ( كلا لا تطعه واسجد واقترب ) (27) .

وعلى هذا الاساس اهتمت مدرسة المولى الهمداني السلوكية وانطلاقا من تاكيدات النصوص الشرعية بتوجيه السالكين الى الله تعالى والساعين للتقرب منه الى تجسيد حقائق ما تريده العبادات والاداب والاذكار الشرعية وسائر الطاعات والاعمال الصالحة وهي وسائل السلوك وهذا الاهتمام ملحوظ في رسائل ومصنفات ووصايا سائر اعلام هذه المدرسة العرفانية كما هو مشهود مثلا في المنقول من رسائلهم وخاصة الشيخ محمد البهاري في كتاب تذكرة المتقين ، وكذلك في كتابي اسرار الصلاة والمراقبات للميرزا جواد الملكي .

3ـ التقوى واجتناب المعاصي :

وتاسيسا على الميزة السابقة تجلت في مدرسة الفقيه الهمداني العرفانية ميزة اخرى بارزة وهي التاكيد على ما اكده الشرع الحنيف من التمسك بعرى التقوى واجتناب المعصية وهي تعتبر ذلك امرا لازما لا يتحقق السلوك الى الله تعالى بدونه لان المعصية هي قاطعة طريق هذا السلوك ، يقول المولى الهمداني في احدى رسائله التربوية : ( وما فهمته انا الضعيف من العقل والنقل ( اي القرآن والسنة ) ان اهم شي لطالب القرب الالهي هو الجد والاجتهاد الكامل في ترك المعصية ، فاذا لم تقم بهذه الخدمة فلن ينفع قلبك شي لا ذكرك ولا تفكرك فافهم مما ذكرت لك ان طلبك المعرفة الالهية مع كونك مرتكبا للمعصية امر فاسد جدا وكيف يخفى عليك كون المعصية سببا للنفرة وان النفرة مانعة الجمع مع المحبة ؟ واذا تحقق عندك ان ترك المعصية اول الدين وآخره وظاهره وباطنه فبادرالى المجاهدة واشتغل بتمام الجد في المراقبة من اول قيامك من نومك في جميع آناتك الى نومك والزم الادب في مقدس حضرته واعلم انك بجميع اجزا وجودك ذرة ذرة اسير قدرته وراعي حرمة شريف حضوره واعبده كانك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك ) (28) .

ويقول رضوان الله عليه في رسالة اخرى لاحد مريديه : ( ان جميع وصاياي لك انا المسكين هي بالاهتمام بترك المعصية ولو قمت بهذه الخدمة فانها ستوصلك في النهاية الى مقامات سامية ، فلا تقصر ابدا ابدا في اجتناب المعصية واذا وقعت فيها لا سمح الله فبادر للتوبة فورا واقم ركعتي صلاة استغفر بعدها سبعين مرة ثم اسجد واطلب العفو من الله عسى ان يعفو عنك ، والمعاصي الكبيرة مذكورة في بعض الرسائل العملية فتعلمها واجتنبها ) (29) .

وقد خصص (رض) معظم هذه الرسالة للحديث عن سبل اجتناب المعاصي وهي الاساليب التي تذكرها النصوص الشرعية قرآن وسنة لترسيخ حالة الورع عن المعاصي لدى الانسان ، وهذا الهدف ملحوظ في سائر رسائله ووصاياه الاخرى وكذلك وصايا تلامذته وسائر اعلام مدرسته .

4ـ التمسك بولاية اهل البيت النبوي ( عليهم السلام ) :

ومن المميزات الاخرى التي تميز المدرسة السلوكية للمولى الهمداني هي شدة التمسك بعرى اهل بيت النبوة وموضع الرسالة الى جانب التمسك الحقيقي بالقرآن الكريم ، وفي ذلك تجسيد للالتزام العملي بوصية سيد الرسل ( صلى الله عليه واله ) الاخيرة التي ترجمها في حديث الثقلين الشهير والمتواتر بين جميع طوائف المسلمين ، حيث ينص على لزوم التمسك بكلا هذين الثقلين لانهما معا ( لن يفترقا ) يشكلان ضمانة النجاة من الانحرافات عن الصراط المستقيم ولانهما معا وسيلة الوصول الى القرب الالهي .

وتتجلى هذه الميزة بكل وضوح في مدرسة المولى الهمداني التي تجعل التمسك بعرى ولاية اهل بيت العصمة شاملا لكافة مجالات حياة وحركة السالك الى الله تبارك وتعالى ، بل تبلغ الغاية القصوى من التشديد على هذا الامر حتى نجد المولى الهمداني نفسه يؤكد عدم جدوى حتى الاذكار التي لم ترد عن السادة المعصومين ( عليهم السلام ) في التقريب من الله تبارك وتعالى بل على العكس انها تزيد عنه تعالى بعدا (30) ، وهذا يعني حصر الوصول الى الله تعالى بهم : ( من اراد الله بدا بكم ، ومن وحده قبل عنكم ) (31) .

وحيث ان هذا التمسك بولاية اهل البيت يستند الى اصول عقائدية راسخة في هذه المدرسة السلوكية ترجع الى الايمان العملي بعصمتهم والى نظرة عرفانية عميقة لدورهم ( عليهم السلام ) كوسائط لنقل الفيض الالهي الى الخلائق اجمعين ، لذا نجد حضور التمسك الولائي في المناهج التربوية لهذه المدرسة العرفانية حضورا قويا وراسخا ايضا يشمل كافة مجالات حركة السلوك الى الله تبارك وتعالى .

فالتوجيهات والاذكار والاداب والادعية ومجالات التفكير الممدوح والرياضات واساليب المجاهدات وغيرها من الشؤون السلوكية التي نجدها في رسائل وكلمات المولى الهمداني واعلام مدرسته ماخوذة من القرآن والاحاديث الشريفة الواردة عن اهل بيت العصمة النبوية ، ونفس الامر يصدق على جانب ( السير العرفاني ) والافكار والحقائق العرفانية فهي نتاج التدبر في الايات المليئة بالحقائق العرفانية وفيما ورد عنهم ( عليهم السلام ) في هذا الباب وهذا من ابرز المصاديق العملية الحقيقية لموالاة اهل البيت .

كما ان المشهود في هذه المدرسة شدة تاكيدها على الاتصال الروحي المستمر بهم ( عليهم السلام ) والاستمداد المستمر من ذواتهم المقدسة لا فرق في ذلك بين حياتهم ومماتهم كما يشير الى ذلك المولى محمد البهاري ابرز تلامذة المولى الهمداني في فصل آداب الزيارة من كتاب تذكرة المتقين حيث يؤكد على زيارتهم لان ( نسيم الطاف هؤلاء العظماء ورشحات انوارهم تصل لزائريهم وقاصديهم خصوصا للخلص من قاصديهم ، لذا فينبغي للزوار زيارتهم بنية تجديد العهد معهم واعلاء كلمتهم وارغاما لانوف اعدائهم وبنية زيارة المؤمن خالص الايمان وبرجاء الاستشفاع بهم لمغفرة الذنوب والحصول على فيوضاتهم العظيمة ، مع الالتزام بالاداب المذكورة في كتب المزار ) (32) كما ان هذا الارتباط المستمر والوجداني مشهود بقوة في الوصايا التربوية للمولى جواد الملكي التبريزي خاصة في كتابه ( المراقبات ) حيث يؤكد باستمرار على الاستشفاع بخفراء كل يوم من المعصومين صلوات الله عليهم اجمعين .

وهذا الارتباط القوي بولاية المعصومين ظاهر بقوة في السيرة العملية لسائر اعلام هذه المدرسة السلوكية ، وهو يتاكد اكثر بالنسبة لامام الزمان الحجة بن الحسن العسكري عجل الله تعالى فرجه ، والشواهد على ذلك كثيرة نشير منها الى الحادثة المؤثرة التي يرويها السيد محمد حسين الطهراني بشان العارف الكامل السيد احمد الكربلائي وتوسله المؤثر بصاحب الزمان عند مقامه في مسجد السهلة (33) ، وما ينقله عن العارف الجليل السيد هاشم الحداد من ابرز تلامذة السيد علي القاضي من قوله : ( عمياء كل عين تصبح ولا تكون نظرتها الاولى لصاحب الزمان ) (34) .

بل واستنادا الى النظرة العرفانية المستنبطة من القرآن والسنة التي اقاموا عليها الكثير من الادلة العقلية الحكمية والبراهين الشرعية والتي تتبناها هذه المدرسة فان الوصول الى المقامات السلوكية العالية ومراتب القرب السامية محال تحققه بصورة حقيقية بدون ولاية اهل بيت العصمة النبوية ، فمثلا كان آية الله السيد علي القاضي من ابرز اعلام مدرسة الهمداني السلوكية يؤكد ان من المحال ان يصل احد الى مرتبة الكمال دون ان تكون حقيقة ولاية اهل البيت قد انكشفت له ويقول : ( الوصول الى التوحيد ( الحقيقي ) ممكن فقط عن طريق الولاية ، والولاية والتوحيد هما حقيقة واحدة وعليه فان كبار المعروفين والمشهورين من عرفاء اهل السنة اما انهم كانوا يعملون بالتقية فهم شيعة في الحقيقة واما انهم لم يصلوا الى الكمال ( حقيقة ) (35) .

والمعنى المتقدم يمكن استنباطه بيسر من العديد من فقرات الزيارة المروية عن الامام الهادي ( عليه السلام ) والمعروفة باسم الزيارة الجامعة الكبيرة بل هذا هو ما تصرح به ، والزيارة يصفها العلامة المجلسي بانها من افضل نصوص الزيارات المروية التي يزار بها الائمة ( عليهم السلام ) متنا وسندا (36) وكان الكثير من العلماء الربانيين كالامام الخميني يواظبون على تلاوتها في مراقد الائمة كما اكد على الالتزام بتلاوتها ايضا الامام المهدي المنتظر عجل الله فرجه (37) .

5ـ التوحيد الخالص :

تعتبر مدرسة المولى الهمداني العرفانية الوصول الى مرتبة التوحيد الحقيقي الخالص هدفا اساسيا للحركة السلوكية كما وردت الاشارة لذلك في قول السيد علي القاضي المنقول آنفا ، ونفس الامر ملحوظ في سائر ما ورد عن اعلام هذه المدرسة السلوكية ، وهي ترى في الوصول الى هذه المرتبة تحقق الغاية الاساسية من خلق الانسان وهي الوصول الى مرتبة العبودية الحقة : ( وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون ) وقد فسرت الاحاديث الشريفة العبادة هنا بمعرفة الله (38) .

وهي تعتبر ان من الضروري للسالك الى الله ان يجعل سعيه وهمته في طلب الله وحده بالذات ، وكل ما سواه يكون مطلوبا بما هو وسيلة اليه وليس على نحو الاستقلال والا كان شركا يبعد عن الله ويسوق الى الارباب المتفرقين ، يقول آية الله العارف الكبير والفقيه البارع السيد احمد الكربلائي في احدى رسائله التربوية : ( ولا يخفى على طالب الحق جل وعلا ان سائر الاشياء والموجودات سوى الحق جل وعلا هي في معرض الفناء والزوال ، ولهذا فهي غير جديرة بان تطلب (لذاتها) اي ان يطلب الممكن بما هو ممكن ، فكل موجود لا ينفع ولا يفيد شيئا باستثناء الحق جل وعلا ، فكل شي تفرضه غيره تعالى فهو ممكن لذا فهو محتاج من جميع الجهات للّه جل وعلا وفي قبضة قدرته جل وعلا ، ولذا فلا يوجد لا في الارض ولا في السماء ولا في الدنيا ولا في الاخرة موجود جدير بان يطلبه العاقل العالم سوى الحق جل وعلا واذا طلب العاقل غيره فطلبه هو بالضرورة واليقين ليس لذاته بل لغيره ، كطلب الدين والايمان والاخرة ومحبة الحق جل وعلا ومعرفته وكذلك محبة ومعرفة حبيبه ووليه كالنبي ( صلى الله عليه واله ) وائمة الهدى ( عليهم السلام ) والعبودية له ( الله تعالى ) وطاعته وطاعتهم ( عليهم السلام ) وطلب الرضا والتسليم وسائر الاخلاق والملكات الحميدة ، فحب هذه وطلبها ومنفعتهاهي باعتبار نسبتها اليه جل وعلا وليس بالذات وفي نفسها .

لذا ينبغي للعاقل ان يصرف بصره وهمته عن طلب الاشياء ويحصر همة طلبه في الله جل وعلا وبذاته وبنفسه بمقتضى ( قوله ) : ( قل الله ثم ذرهم ) (39) لهذا لا شان لطالب الحق بغير القلب ومالكه ، اجل يجب عليه من باب المقدمة تطهير القلب وتنظيفه من الارجاس والانجاس اي من الاخلاق الرذيلة ، بل ومن كل ما سوى الحق جل وعلا وهذا ما يعبر عنه بتخلية القلب ، ثم تصفيته وصقله بالطاعات والعبادات والصفات الحسنة والاخلاق الكريمة لكي يحصل على اهلية ظهور الحق جل وعلاوحضوره فيه وهذا ما يعبر عنه بالتجلية والتحلية ) (40) .

والنص المتقدم معبر للغاية عن شدة رسوخ الصبغة التوحيدية في مدرسة المولى الهمداني وما ورد فيه يستند الى اصول قرآنية ونقلية وبراهين حكمية وعرفانية غاية في المتانة فهذه المدرسة الولائية التوحيدية تسعى لتحطيم كافة اشكال الشرك ومصاديقه الظاهرة والخفية وتربية السالكين عملا بالنهج القرآني على الابتعاد عنها واخلاص تحركهم وعبوديتهم للّه تبارك وتعالى وتجسيد التوحيد الخالص البعيد عن كل الشوائب والاوثان النفسية الظاهرة منها والخفية .

لقد اكدت مدرسة المولى الهمداني على ان الوجود الحقيقي المستقل مختص بالذات الالهية المقدسة وكل الموجودات الاخرى هي مظاهر ليس لها وجود مستقل بذاتها فهي قائمة بالله تبارك وتعالى ، وهذا بالطبع لا ينفي عنها الوجود الاعتباري غير الاستقلالي ولا يعني ان هذه الشجرة بوجودها التعيني المادي هي والعياذ بالله الله تبارك وتعالى كما يمثل لذلك العارف الكامل الامام الخميني (ره) لتوضيح هذه الفكرة (41) بل يعني انها قائمة بالقدرة الالهية وهي وحدها القدرة الحقيقية : ( لا مؤثرفي الوجود الا الله ) لان الله وحده هو الوجود الحقيقي المستقل وما عداه وجود ظلي غير مستقل والاثر التربوي لهذه الفكرة العرفانية القرآنية هو جعل السالك والمؤمن يتوجه بكل وجوده الى الله تعالى الذي يجده معه اينما كان والذي يراه في كل شي .

لقد اهتمت مدرسة العارف الهمداني بتركيز التوحيد الخالص والدفاع عنه بكل قوة حتى اصبح يمثل ميزة بارزة فيها وبينت ابعادا عميقة مهمة من التوحيد الاسلامي استنادا الى الايات الكريمة وخطب مولى الموحدين الامام علي ( عليه السلام ) واحاديث الائمة المعصومين في التوحيد ، وبينت المرامي العميقة لهذه النصوص ، ونقلت الحركة العرفانية في هذا الجانب التوحيدي الخالص الى مراتب سامية متقدمة ، يقول العلامة والعارف القرآني السيد محمد حسين الطباطبائي في وصف المولى الهمداني : ( كان المرحوم الاخوند لا نظير له في مسلك توحيد الحق تبارك وتعالى ) (42) ، ( وكان نموذجا شاخصا في الاخلاق ومجاهدة النفس والوصول الى المعارف الالهية وهو من نوادر الدهر في ذلك ) (43) .

6ـ القيام بمسؤوليات الحضور الاجتماعي والسياسي :

الى جانب ما عرف به اعلام مدرسة المولى الهمداني من الاعراض عن الدنيا والزهدفي زخارفها ، ومن عدم الرغبة في الظهور وفي المقامات الدنيوية ايثارا للاخرة عليها ، فالملاحظ انهم كانوا يقومون بخدمات اجتماعية ، جليلة ، للناس في مجال الهداية والتربية المعنوية بل وعموم الخدمات لخلق الله بما استطاعوا الى ذلك سبيلا .

وهذه الخصوصية ناتجة من شمولية التزامهم بالشرع الاسلامي المقدس الذي يربي اتباعه على العطاء والاندفاع في تقديم الخدمات المعنوية والمادية للناس ، كما انها ناتجة من الاطار العام للحركة السلوكية العرفانية الذي يدعو السالكين الى التخلق باخلاق الله ومن ابرز الاخلاق الالهية المقدسة الجود والكرم والعطاء غير المحدود للناس ، يضاف الى ذلك ان النظرة العرفانية القرآنية الراسخة في هذه المدرسة تعتبر ان كل ما في الوجود ملك للّه عزوجل وما سواه وسائط لنقل فيضه وعطائه للناس وخير هذه الوسائط هو ( من نفع الناس ) ، يقول المولى الهمداني في احدى رسائله التربوية : ( وليجتهد (السالك) في السعي البليغ لقضاء حوائج المسلمين ) (44) ، ويقول تلميذه العارف محمد البهاري في رسالة تربوية لاحد علماء آذربيجان : ( اعلم انه قد ورد ان العلماء ورثة الانبياء ، ولا شك ولا ريب ان المراد من هذا الارث ليس هو الدراهم والدنانير بل المراد هو النبوة وتبليغ الاحكام وارجاع العامة من الطرق المعوجة الى الجادة المستقيمة وصونهم فيها مهما امكن فعلى هذا لا بد للعالم من مراعاة امور كي تتحقق هذه الوراثة منها ان لا يقعد في بيته مع ما يرى من مواظبة الناس على المنكرات الواضحة ان كان قادرا على دفعها باجتماع شرائطه ، وترتيب ذلك انه يجب عليه اولا ان يبدا باصلاح نفسه بالمواظبة على فعل الطاعات وترك المحرمات ثم بتعليم اهله واقاربه ثم جيرانه ثم اهل سوقه ثم اهل محله وبلدته ثم السواد المكشف له ثم اهل القرى والبوادي وهكذا الى اقصى العالم بما يسعه ذلك ومنها ان يكون صابرا محتسبا كما كانوا (الانبياء) صابرين في جفاء المخلوق ويكون محتسبا يتحمل كل الاذى الذي يصيبونه به ويتقبله بطيب خاطر قائلا : ( اهد قومي انهم لا يعلمون ) لا ان يكون الناس على حذر منه مخافة ان يصيبهم اذاه ، فكم الفرق بين ذلك وبين ان يكون ملجأ وملاذا للمسلمين حقيقة في موارد حاجاتهم وابتلااتهم ومنها ان لا يكون له هم وغرض في جميع حركاته وسكناته الا اهتداء الناس وتشرعهم ( التزامهم بالشرع ) باي سبب حصل وباي حيلة تحقق وبيد كل من جرى هذا الامر ( على يده ) صغيرا كان او كبيرا وضيعا او شريفا وان كان في الباطن هو السبب لكن الامر يتم باسم غيره في الظاهر فلا ضير من ذلك ما دام الهدف قد تحقق ) (45) .

وواضح من النص المتقدم ان الاحساس بالمسؤولية الشرعية هو الدافع لهذاالحضور الفاعل في الوسط الاجتماعي وتقديم الخدمات المعنوية والمادية لخلق الله ، وما دام الامر كذلك فان هذا الحضور يصبح عاملا من عوامل التكامل والتقرب الى الله تبارك وتعالى لانه قيام بواجب شرعي بل ومن اعظم القربات والطاعات كما تؤكد على ذلك الكثير من النصوص الشرعية التي تصف بعض ثوابه بانه خير للانسان من ان يملك كل ما طلعت عليه الشمس كما ورد في الوصية النبوية الشهيرة لمولى الموحدين الامام علي ( عليه السلام ) .

واستنادا لذلك حرصت مدرسة المولى الهمداني على تربية اتباعها على القيام بهذه المسؤوليات الشرعية على الصعيد الاجتماعي وخدمة خلق الله من جهة والتاكيد المشدد على اخلاص النية فيها بقدر المستطاع كما يؤكد على ذلك المولى البهاري في نهاية النص المتقدم وذلك لان تحقق الثواب والاثر التربوي والتكاملي للاعمال يرتبط بمدى رسوخ الاخلاص للّه عز وجل والتقرب اليه في نية القيام بها كما تؤكد على ذلك النصوص الشرعية كالحديث النبوي الشهير : ( انما الاعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى ) .

وانطلاقا من الحقيقة المتقدمة ايضا جاء حضور اعلام مدرسة المولى الهمداني القوي والمؤثر على الصعيد السياسي ايضا والدفاع عن مصالح المسلمين وفاعلية الاسلام في حياتهم ومواجهة الهجمة الغربية والتغريبية على العالم الاسلامي والسعي لتقدم المسلمين والدفاع عن عقائدهم وهويتهم الاسلامية ، والخدمات التي قدمها اعلام هذه المدرسة جليلة مشهودة نظير النهضة الاصلاحية الدؤوبة للسيد جمال الدين الشهير بالافغاني والمساهمة الجهادية الفاعلة للسيد محمد سعيد الحبوبي في ثورة العشرين الاسلامية ضد الاستعمار البريطاني في العراق ، والخدمات الجليلة للسيد محمد حسين الطباطبائي في مواجهة الهجوم الثقافي الغربي ، والثورة الاسلامية التي فجرها السيد عبد الحسين اللاري من اعلام هذه المدرسة ضد الاقطاعيين في منطقة ( لرستان ) الايرانية بعد عودته اليها من النجف الاشرف واقامته حكما اسلاميا مستقلا في هذه المنطقة التي تمتد الى مدينة كرمان مرورا بمناطق ، بندر عباس ، بندر لنجه ، بوشهر ، واخرجها من سيطرة الحكومة الملكية الجائرة ونصب ولاة مستقلين وقضاة عليها واضافة الى مجاهدة ظلم الملك القاجاري محمد علي شاه اعلن السيد اللاري حكم الجهاد ضد الاستعمار البريطاني عندما انزل قواته في ميناء بوشهر الايراني وطردها من هذا الميناء بعد معارك دامية خاضها ضدها ) (46) .

كما واجه الشيخ محمد باقر البهاري وهو من خواص تلامذة المولى الهمداني الاطماع الروسية واعلن حرمة بيع وشراء البضائع الروسية التي كانت رائجة جدا في ايران آنذاك وافتى بالجهاد ضد الروس عندما ارادوا الاعتداء على ايران وتركيا واحتلال اراضيها ودعا الشعب والعلماء الى حمل السلاح ضدهم وارسل برقيات الى زعماء المسلمين محذرا من اخطار هذه النوايا الروسية واستطاع بكل ذلك اجبارهم على التراجع عن هذه الاعمال العدوانية (47) .

اذن فالمدرسة التربوية العرفانية للمولى الهمداني تعتبر الحضور الفاعل في ميادين الدفاع عن الاسلام والمسلمين والسعي لتقدمهم واقامة حكمهم الاسلامي المستقل ومواجهة التسلط الاجنبي عليهم جزاء اساسيا من مهمة المؤمن السالك والعالم العامل كما جسدت ذلك عمليا وهي في هذا تمتاز بخصوصية مهمة عن الكثير من الطرق الصوفية التي كان يدعمها الحكام الجائرون واعداء الاسلام ويروجونها لانها تجر الانسان المسلم الى اعتزال الحياة الاجتماعية والقضايا العامة الامر الذي يمكنهم من القيام بممارساتهم العدوانية دونما معارض ، فالتوجه الى الطاعات العبادية وتهذيب النفس وتزكيتها لا يشغل الانسان المؤمن السالك في مدرسة المولى الهمداني ولا يغفله عن الحضور الفاعل في القضايا الاسلامية العامة وخدمة المجتمع الاسلامي ومواجهة الظلمة لانها تعتبر هذا الحضور قياما بواجبات شرعية وطاعات مقربة الى الله تعالى والتزامها به هو ثمرة شمولية التزامها باحكام الشريعة المقدسة التي تهتم بكافة نواحي حياة الانسان الفردية والاجتماعية .

اجل ، الاهتمام بامر تهذيب النفس والرياضات الشرعية والتفرغ لها يعتبر في هذه المدرسة اعراضا وعزلة عن الحضور الاجتماعي غير المجدي الذي لا يؤدي الا الى الغفلة عن الله والتوجه اليه والجهاد للتقرب اليه ، والى الانغماس في عالم الكثرات والخضوع لاسر حجبها والاخلاد الى الارض (48) ، وهذا الحال تذمه النصوص الشرعية وتدعو الى اجتنابه .

وبالطبع فان القيام بواجبات الحضور الاجتماعي والسياسي النافع يستلزم توفر معرفة معمقة بالواقع القائم والظروف الزمانية والمكانية ووعيا بها يحصن المؤمن من لوابسها ، وهذا ما تجلى في اعلام مدرسة المولى الهمداني العرفانية كما تشهد بذلك مواقفهم وادوارهم التاريخية التي اشرنا اليها آنفا ، ومما يشير الى هذا المعنى مثلا التحذيرات المشددة التي يوجهها المولى الهمداني نفسه من مغبة الانسياق للتغريب الثقافي والاعراض عن الهوية الاسلامية الاصيلة (49) ، وكذلك ما ينقله احد احفاده من انه رفض قيام بعض طلبته بتهيئة مصباح كهربائي له في احدى غرف منزله ليعينه على مطالعته واعماله العلمية ، فرفض الاستفادة منه لانه كان آنذاك يؤدي الى الارتباط بالعدو الاجنبي ، فالاستفادة من مثل هذه الاكتشافات العلمية امر جيد اذا لم يحمل مخاطر التبعية والخضوع للعدو الكافر لان هذه المخاطر تستهدف الهوية الاسلامية في الصميم وهذا خط احمر لا يمكن تجاوزه لاي مصلحة اخرى ، ولذلك علل قدس الله نفسه الزكية رفضه الاستفادة من هذا المصباح يومذاك بقوله : ( لماذا قمتم بهذا العمل ؟ وربطكم بهم ) ولم يسمح بالاستفادة من هذا المصباح الى حين وفاته (50) لانه يحمل شر التبعية للاجانب وهذا اهم من منفعة الاستفادة منه كاكتشاف علمي لانه ليس اكتشافا علميا مجردا عندما يصدر الى البلدان المتخلفة بل كان يشكل وسيلة للاخضاع وللاستعباد ، وهذا نموذج لوعي مبكر للغاية يتقدم كثيرا على مستوى الوعي العام في تلك الايام .

_________

1ـ الذاريات : 56 .

2ـ كتاب سر الصلاة : 84 ، طبعة مؤسسة الاعلام الاسلامي ، ترجمة السيد احمد الفهري .

3ـ في كتب اعلام الشيعة ( نقباء البشر) 2 : 674 ، ( نقلا عن مقدمة كتاب المراقبات للملكي التبريزي ) .

4ـ المصدر السابق .

5ـ كتاب ( خدمات متقابل اسلام وايران ) للشهيد المطهري ، المترجم للعربية تحت عنوان ( الاسلام وايران ) 3: 171 172 .

6ـ رسالة لب اللباب في سير وسلوك اولي الالباب : 149 ( تقريرات السيد الطهراني للدروس العرفانية للعلامة الطباطبائي ) انتشارات حكمت في طهران .

7ـ ملخص ما ورد في ترجمته في كتابي نقبا البشر والاسلام وايران .

8 الاسلام وايران 3 : 99 .

9ـ المصدر السابق : 170 .

10ـ التوحيد العلمي والعيني ، مقدمة السيد الطهراني ، هامش الصفحة 14، نقلا عن نقباالبشر ، وكذلك رسالة لب اللباب : 157 .

11ـ المصدر السابق ، ومجلة (حوزة) الايرانية ، العدد الاول : 53، ورسالة لب اللباب : 156 .

12ـ نقلها ضمن دروسه العرفانية السلوكية ، رسالة لب اللباب : 154156 .

13ـ مقدمة كتاب المراقبات ، نقلا عن نقباء البشر 2 : 674 .

14ـ الاسلام وايران 2 : 172 .

15 مقدمة كتاب المراقبات ، نقلا عن نقباء البشر .

16 الجمعة : 2 ، والبقرة : 129 ، وغيرهما .

17ـ كما هو مشهود في مصنفاته (ره) ككتابي سر الصلاة وآداب الصلاة مثلا ، راجع مثلا الصفحة 79 من كتاب آداب الصلاة ، طبعة مؤسسة تنظيم ونشر آثار الامام الخميني ومن المفيد هنا ايضا مراجعة فصل ( اصناف المغرورين ) من كتاب تذكرة المتقين حيث هاجم الشيخ البهاري في نهايته العديد من انحرافات جهال الصوفية وهذا الفصل يبين بعض مميزات مدرسة المولى الهمداني السلوكية عنها .

18ـ طبع كتابه ( القضاء ) مؤخرا في بيروت ، راجع صحيفة ( جمهورى اسلامى ) ، الصفحة 14 من عددهاالصادر بتاريخ 9 / ربيع الاول / 1415 ه ق .

19ـ كما ينقل العلامة آقا بزرك الطهراني عما اورده السيد حسن الصدر في التكملة .

20ـ ينقل هذه الحادثة السيد محمد حسين الطهراني في مقدمة كتاب التوحيد العلمي والعيني ضمن حديثه عن احوال السيد الكربلائي ، الصفحة 25 انتشارات حكمت في طهران .

21ـ راجع كتاب اعلام الشيعة ( نقباء البشر ) 4 : 1326 .

22ـ النجم : 23 ، ويوسف : 38 و39 .

23ـ كتاب تذكرة المتقين : 177 انتشارات نور فاطمة ، والكتاب يشتمل على طائفة من الوصايا والرسائل السلوكية للشيخ محمد البهاري والسيد احمد الكربلائي من ابرز تلامذة المولى الهمداني اضافة الى بعض رسائل الهمداني نفسه .

24ـ راجع صحيفة ( جمهورى اسلامى ) الايرانية الصادرة بتاريخ 9 / ربيع الاول / 1415 ، الصفحة 14 .

25ـ الايتان 87 ، 88 وهذا الذكر وارد عن اهل بيت العصمة في العديد من الموارد كالدعاء الوارد بعد التكبيرة الثالثة من التكبيرات المستحبة قبل تكبيرة الاحرام كما ورد في كتاب مفتاح الفلاح للشيخ البهائي ، وورد الامر بقراءة هاتين الايتين في صلاة الغفيلة الوارد استحباب اقامتها بعد صلاة المغرب .

26ـ راجع كتاب ( روح مجرد ) للسيد محمد حسين الطهراني : 110 111 انتشارات حكمت .

27ـ العلق : 19 .

28ـ كتاب تذكرة المتقين : 177 178 .

29ـ المصدر السابق : 196 .

30ـ المصدر السابق : 177 .

31ـ كما ورد في الزيارة المروية عن الامام الهادي ( ع ) في كتابي من لا يحضره الفقيه ، وعيون اخبار الرضا ( ع ) للشيخ الصدوق ، الصفحة 548 من كتاب مفاتيح الجنان المعرب ، طبعة قم .

32ـ تذكرة المتقين : 43 .

33ـ الحادثة ينقلها السيد الطهراني في مقدمة كتاب التوحيد العلمي والعيني ضمن حديثه عن احوال السيد الكربلائي : 21 23 ، ويقول السيد الكربلائي في رسالة تربوية لاحد تلاميذه : ( وعليه ( السالك ) بالمواظبة المستمرة على دوام التوجه والتوسل بالامام الحجة عجل الله فرجه وهو واسطة الفيض ( الالهي ) في هذاالزمان ، وان يتلو بعد كل صلاة دعاء عصر الغيبة ( اللهم عرفني نفسك ) واهدا ( ثواب ) تلاوة سورة التوحيد ثلاث مرات له (ع ) ولا يترك تلاوة دعا الفرج ) تذكرة المتقين : 160 .

34ـ كتاب ( روح مجرد ) : 484 .

35ـ المصدر السابق : 386 .

36ـ مفاتيح الجنان المعرب : 550 .

37ـ كما ورد في قصة لقاء السيد الزاهد الصالح احمد الموسوي الرشتي بصاحب العصر عجل الله فرجه حيث اوصاه بالمواظبة على تلاوتها، راجع مفاتيح الجنان : 550 551 .

38ـ راجع الاحاديث الشريفة الواردة في تفسير الاية ( 56 من الذاريات ) في تفاسير البرهان ومجمع البيان والميزان وغيرها .

39ـ الانعام : 91 .

40ـ تذكرة المتقين : 163 166 .

41ـ راجع المحاضرة الخامسة من محاضرات الامام الخميني (ره) في تفسير سورة الحمد، الصفحة 107 من الطبعة المترجمة التي نشرتها دار الهادي البيروتية تحت عنوان ( تفسير آية البسملة محاضرات معرفية ) وقد وضح الامام في هذه المحاضرة الفكرة مورد الحديث بابلغ بيان ، ويقول الشيخ محمد البهاري ناقلا عن المولى الهمداني : ( لكن استاذنا رضوان الله عليه ( يقصد المولى الهمداني ) كان يقول دائما لاصحابه : لا ينبغي ابدا لاحد الخلط، فممكن الوجود لا يتحول الى واجب الوجود اصلا فهذا محال ) راجع تذكرة المتقين : 86 ، ويستفاد من تكراره لهذه المقولة حرصه على دفع هذا الوهم والدفاع عن التوحيد الخالص ، وقد هاجم الشيخ البهاري ضمن فصل اصناف المغرورين من كتاب تذكرة المتقين ( الصفحات 83 86 ) بعض المغرورين لسقوطهم في هذه المطبات والافكار المنحرفة لجهال الصوفية وممارسة الرياضات الروحية التي لم ترد في الشرع .

42ـ كتاب ( مهر تابان ) للسيد محمد حسين الطهراني : 139 .

43ـ رسالة لب الالباب : 157 .

44ـ تذكرة المتقين : 180 .

45ـ المصدر السابق : 106 108 .

46ـ راجع العدد 30 من مجلة نور علم الصادرة عن مركز النشر التابع لجماعة المدرسين في حوزة قم المقدسة حيث نشرت مقالا مفصلا عن حياة وجهاد هذا العالم الجليل بقلم السيد علي مير شريفي .

47ـ راجع مقدمة كتاب القضاء والشهادات للشيخ محمد باقر البهاري وقد نشرت في مقدمة الكتاب صورة للشيخ البهاري يتوسط مجموعة من العلماء المجاهدين وهم يحملون السلاح ايام اعلان حكم الجهاد ضد العدوان الروسي .

48ـ راجع تاكيد المولى الهمداني على اجتناب المعاشرات غير النافعة في كتاب تذكرة المتقين : 180 ، وغير ذلك .

49ـ المصدر السابق : 184 185 .

50ـ صحيفة (جمهورى اسلامى ) الايرانية الصادرة بتاريخ (9 / ربيع الاول / 1415) ، الصفحة : 14 .

الصفحة الرئيسية | القرآن الكريم | المعصومون | مراجع وعلماء | كتب | مكتبة صوتية | مواقع شيعية | معرض الصور | أسئلة واجابات | الأسرة | المرأة | الشباب | الأطفال