Strict Standards: Only variables should be passed by reference in /home/shiaorg/public_html/html/ara/others/index.php on line 3

Warning: Creating default object from empty value in /home/shiaorg/public_html/html/ara/others/index.php on line 24

Warning: session_start(): Cannot send session cookie - headers already sent by (output started at /home/shiaorg/public_html/html/ara/others/index.php:3) in /home/shiaorg/public_html/html/ara/others/index.php on line 47

Warning: session_start(): Cannot send session cache limiter - headers already sent (output started at /home/shiaorg/public_html/html/ara/others/index.php:3) in /home/shiaorg/public_html/html/ara/others/index.php on line 47
فن الخطابة في سطور
 
مقالات مجلات الشيعة و التشيع مناسبات مناظرات مكتبات مواضيع اخلاقية مراكز و مؤسسات مدارس و حوزات مراكز تابعة لمكتب المرجعية الصفحة الرئيسية

فن الخطابة في سطور

الحمد لله الذي علّم الإنسان ، والصلاة والسلام على أشرف الخلق سيّد الأنبياء والمرسلين محمّد وآله الطاهرين .

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم : ( ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أحْسَنُ )(1) .

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « كلّكم راع ، وكلّكم مسؤولٌ عن رعيّته » .

إنّ الله عزّ وجلّ خلق الخلق برحمته ، وقد كتب على نفسه الرحمة ، فمن باب اللطف الواجب عليه عقلا ، أرسل الرسل ، وبعث الأنبياء ، وأنزل الكتب ، لهداية الناس وليقيموا بالقسط ، فقاموا بواجبهم على أحسن ما يرام ، يدعون الناس إلى ربّهم وخالقهم ، وجعل لكلّ نبيّ شرعةً ومنهاجاً ، يتلائم ويطابق عصره ، ثمّ ختم النبوّة بمحمّد خاتم النبيّين وسيّد المرسلين (صلى الله عليه وآله) ، وأمره بالاستقامة وبدعوة الناس إلى سبيل ربّه ، وهذا خطاب عامّ لا يختصّ برسول الله ، بل خطاب إلهي لكلّ الأنبياء ثمّ الأوصياء والأولياء ، ثمّ الأمثل فالأمثل من ورثة الأنبياء من العلماء الصالحين والخطباء الرساليين ، وكلّ مؤمن ومؤمنة ، وكلّ مسلم رسالي يحسّ بالمسؤولية ، ويرى على عاتقه فريضتي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فالخطاب لكلّ المسلمين لوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كلّ مسلم بالغ عاقل فإنّه مكلّف بفروع الدين كما أ نّه مكلّف باُصوله .

وقد عيّن النبيّ مسؤولية كلّ فرد بأنّه راع ، وأنّه مسؤول عن رعيّته ، فالمسلم إنّما يرعى نفسه أوّلا لقوله تعالى : ( قُوا أنفُسَكُمْ )(2) ، فالنفس التي يحملها الإنسان في وجوده هو المراعى الأصغر ، ثمّ يجب رعاية الاُسرة ( وَأهْلِيكُمْ ) ، فالعائلة هي المراعى الصغير ، ثمّ لا بدّ أن يرعى المسلم مجتمعه الصغير من المحلّة والقرية والدولة وهو المراعى الأكبر ، وهذه المراعاة جارية على مرّ الدهور والأحقاب ، وفي كلّ الأمصار .

فيلزم على كلّ واحد منّا ، أن يكون داعية إلى الله سبحانه ، ويرغب في دولة كريمة فيقود الناس إلى سبيل الله ، ويدعوهم باُسلوب رزين ، وطريقة صحيحة ، وصراط مستقيم .

والله سبحانه يؤدّب عباده اُولئك الدعاة إلى الله سبحانه ، ويعلّمهم اُسلوب الدعوة إلى الله عزّ وجلّ :

أوّلا : بالحكمة ، ثمّ الموعظة ، ثمّ الجدل بالتي هي أحسن .

قال المحقّق نصير الدين الطوسي (3) ، في قوله تعالى : ( ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ ... )(4) : إنّ الآية الشريفة تشير إلى فنون ثلاثة من الصناعات الخمسة في علم المنطق ، تشير إلى فنّ البرهان وفنّ الخطابة وفنّ الجدل .

وبنظري أنّ الناس إمّا أن يكونوا من الطبقة الخاصّة ذات مستوى رفيع من الثقافة والحضارة ، أو من الطبقة العامة ـ عامّة الناس ـ ثمّ كلّ طبقة إمّا أن تكون موافقة لك في أفكارك ومبادئك وعقائدك أو تكون من المخالفين ، فاُسلوب البرهان الذي يتألّف قياسه من الموادّ الأوليّات كاليقينيّات ، إنّما جعل للطبقة الخاصّة سواء المخالفة أو الموافقة ، وأمّا الجدل فقد قرّر للخصوم وإلزامهم ، وأمّا الخطابة فهي للطبقة العامة الموافقة غالباً ، وفي بعض الموارد ينتفع منها الإنسان للعامّة المخالفة .

ومقصود هذه العجالة يدور حول فنّ الخطابة ، وطبيعة البحث يستلزم أن يكون حول معالمها وفنّها وآدابها وقواعدها ونماذج ناجحة في مقام الخطابة ، فإنّه لا بدّ أوّلا من تعلّم الفنّ كما هو المطلوب ، ثمّ التطبيق ، فإنّ النظرية الناجحة والاُسلوب الصحيح ذلك الذي يطبّق بعد دراسته وتحليله ووعيه ، كما أنّ التطبيق الناجح ذلك الذي يتقدّمه الفكر الواعي والعلم النافع والمعرفة التامّة والإدراك الصحيح والفهم السليم والتعقّل الكامل والنظرية القويّة والدراسة الحكيمة ، وإلاّ فإنّه يقسم ظهر الإمامة ـ كما قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) ـ عالم متهتّك لا يعمل بعلمه ، وجاهل متنسّك يعمل بلا علم ولا دراية .

فمن الإجحاف لمن يصعد المنبر ويلقي الخطب ، لم يتعلّم فنّ الخطابة واُسلوبها الصحيح ، ولم يقرأ ولا كتاب في علم الخطابة ، وكيف يكون التطبيق وصعود الأعواد من دون خلفيّة ثقافية ، ودراية تامة في فنّ الخطابة ، فهذا ما يعوزنا اليوم في حوزاتنا العلمية ، فإنّه سرعان ما يصعد طالب العلم المنبر ولم يدرس فنّ الخطبة ، ولو في كتاب واحد ـ كمنطق المرحوم المحقّق المظفّر (قدس سره) ـ فهذا ممّـا يقطع أنياط القلب . فعلينا أوّلا أن ندرس الخطابة جيّداً ، ثمّ نطبّق ما درسناه تحت إشراف مدرّس خبير صاحب علم وتجربة في وادي المنبر والخطابة .

واعلم أنّ الخطابة من المطالب المهمّة والقيّمة ، يبحث عنها في علوم مختلفة ، فإنّها تارةً من مسائل علم الفقه وذلك في صلاة الجمعة والعيدين وخطبتهما ، فإنّ الفقيه يبحث عن الخطبة وشرائطها وأركانها . واُخرى يبحث في علم النفس من حيث تأثير الخطيب في نفوس الجماهير ، وثالثة في علم الاجتماع من جهة تأثّر المجتمع بكلمات الخطيب وأفعاله ، وكيف يتحمّس للجهاد من خطبه وما شابه ذلك ، وربما يبحث عنها في علم التفسير أيضاً باعتبار الآية الشريفة ونصائح لقمان ومواعظه وخطب الأنبياء وإرشاداتهم ، كما يبحث عنها في علم الحديث باعتبار صفات الوعّاظ وبيان المواعظ وما جاء في نهج البلاغة وغيره من خطب الأئمة الأطهار (عليهم السلام) ، وربما يبحث عن الخطابة والخطباء في علم التأريخ ، وكذلك في علم الرجال وطبقات الخطباء ، وأشهرهم في العالم على مرّ العصور ، كما يبحث عن الخطابة في الفلسفة والحكمة أيضاً ، بأنّها من أيّ مقولة ؟ كما يبحث عنها الساسة في علم السياسة ، بأنّ الخطابة السياسية لها دور كبير في قلب المعادلات السياسية والتأثير على الجمهور في قبول فكرة سياسية أو رفضها ، كما أنّ علماء الاقتصاد يلوذون بفنّ الخطابة لتعجيل حركة دولاب الاقتصاد وتحريك العمّـال لمصالحهم الاقتصادية ، وأخيراً يبحث عن الخطابة كفنّ من الفنون وصناعة من الصناعات في علم المنطق الذي يعدّ اُمّ العلوم وأساسها ، فعلماء المنطق يبحثون في الأقيسة وموادّها عن الخطابة واُصولها وقواعدها وأركانها ، وما ينفع طالب العلوم الدينية إنّما في هذا العلم ، وإنّه يجري في كلّ العلوم والميادين كجري الدم في العروق ، فإنّ من يتعلّم فنّ الخطابة من علم المنطق يكفيه أن يضيف إليه طابع سياسي حتّى يدخل خطابه في الخطب السياسية ، ويبحث عنه في علم السياسة ، وهكذا باقي العلوم والفنون .

وأغلب الكتب المنطقيّة تبحث عن الخطابة ، كجوهر النضيد ، وشرح المطالع وحاشية اليزدي على تهذيب المنطق ، والشمسية ، ومنطق المظفّر عليه الرحمة .

الخطابة لغةً واصطلاحاً :

إذا أردنا أن نعرف المعنى كما هو المطلوب ، فلا بدّ أن نطرق أبواب اللغة أوّلا لنعرف المعنى اللغوي ، ثمّ ما نقل إلى المعنى ، الجديد والمصطلح .

الخطابة لغةً : من خطب يخطب خطبة وخَطباً وخطابةً : وعظ ، قرأ الخطبة على الحاضرين . خاطب : كالمه اختطب على المنبر خطب ، الخطيب جمعه خطباء ، من يقرأ الخطبة يقال رجل خطيب أي حسن الخطبة ، والخطب جمع خطبة بالضمّ ـ ضمّ الخاء المعجمة ـ وهي تختصّ بالموعظة والكلام المخطوب به ، وبالكسر وهي خطبة الرجل من النساء وطلب الزواج .

والخطابة اصطلاحاً : عبارة عن الكلام الذي يُلقى على المسامع لإقناعهم أو لتهييجهم ، وفنّ الخطابة : تعليم صناعة الإقناع وأساليبه ، والمقصود من الخطابة أن ينفعل المستمع بقول الخطيب وفعله ، فالخطابة بين الفعل والانفعال ، ومقدّمات قياسها ـ أي الصغريات والكبريات ـ تكون من المشهورات والقضايا المظنونة والمقبولات عند الناس ، فالخطيب يستشهد على كلامه ومقوله ومدّعاه بأقوال الأنبياء والأولياء مثلا ، مع لحن خاصّ متناسب بين المفاهيم والألفاظ ومع حركات خاصّة ، فيدخل كلامه في القلوب وينفذ في العقول ، بل مع المهارة في الفنّ بإمكانه أن يقلع القلوب من أماكنها ويثير الجماهير ، ويجعل الداني عالياً ، والعالي دانياً ، والوضيع شريفاً والشريف وضيعاً ، ممّـا يدهش العقول ويحيّر ذوي الألباب ، حتّى قال المحقّق الطوسي في تأثير الخطابة : لا صناعة من الصناعات الخمس ـ البرهان والخطابة والشعر والجدل والسفسطة ـ كصناعة الخطابة في إفادة التصديق الإقناعي ، فإنّ عقول العامة قاصرة عن إدراك القياسات البرهانية ، بل من الجدل أيضاً ، فإنّ الجدل في تعلّق الكليات مجراه مجرى القياس البرهاني .

فالصناعة المتكفّلة لإقناع الجمهور ليست إلاّ الخطابة ، وهذا حقّ لا ينكر ، فإنّ البرهان إنّما يتقبّله الخواصّ والطبقة المثقّفة ـ إن صحّ التعبير ـ أمّا العوام وجمهور الناس إنّما يتأثّرون بالخطابة ، ويقول المعلّم الأوّل أرسطو : « إيمان بعض بظنوناتهم لا يقلّ عن إيمان بعض بيقينياتهم » .

ثمّ من العوامل المؤثّرة في الخطابة وحسن أدائها : التمثيل ونقل القصص والحكايات ، فإنّ التمثيل أقرب لطبع العوام من القياس ، وصفّ الصغرى والكبرى وأخذ النتائج .

فالخطابة اصطلاحاً ـ كما جاء في جوهر النضيد ـ : صناعة علمية يمكن إقناع الجمهور فيما يراد أن يصدّقوا به بقدر الإمكان ، وتقرير تلك القواعد لا يمكن بالقياس البرهاني والجدلي ، لقصور العامة عن إدراكهما ، فدعت الضرورة إلى وضع هذه الصناعة المتكفّلة بذلك ، وهي في الإقناع أنجح من غيرها ، كما أنّ الجدل في الإلزام أنفع .

وجاء في مطالع الأنوار(5) : والقياس الخطابي ما يؤلف من المظنونات أو منها ومن المقبولات ، وصاحبه يسمّى خطيباً واعظاً ، والغرض منه ترغيب الجمهور إلى فعل الخير ، وتنفيرهم عن الشرّ .

وقال التفتازاني في تهذيب المنطق : القياس إمّا برهاني يتألف من اليقينيات واُصولها : الأوّليات والمشاهدات والتجربيّات والحدسيّات والمتواترات والفطريات ، ثمّ إن كان الأوسط ـ أي الحدّ الوسط بين الأصغر والأكبر في مقدّمتي الصغرى والكبرى ـ مع علّيته للنسبة في الذهن علّة لها في الواقع فبرهان لمّي ـ أي نصل من العلّة إلى المعلول ـ وإلاّ فإنّي ـ أي نصل من المعلول إلى العلّة ـ وإمّا جدلي يتألف من المشهورات والمسلّمات ، وإمّا خطابي يتألف من المقبولات والمظنونات .

وجاء في الحاشية : المشهورات هي القضايا التي تطابق فيها آراء الكلّ ، كحسن الإحسان وقبح العدوان ، وذلك لاشتمالها على مصلحة عامة كالمثالين المذكورين ، أو لموافقتها لطبائعهم كقولهم مواساة الفقير محمودة ، وإعانة الضعفاء مرضيّة ، أو لموافقتها لحميّتهم كقولنا : كشف العورة مذموم . أو لتطابق آراء طائفة خاصّة كقبح ذبح الحيوانات عند أهل الهند ، وذلك بحسب عاداتهم ، أو مشهورات من جهة الشرائع كاستحباب النكاح وحرمة السفاح ، أو من جهة الآداب كالاحترام للكبار والرفق بالصغار ، ولكلّ قوم مشهورات بسبب عاداتهم وتقاليدهم وآدابهم الخاصّة ، وكذلك لكلّ أهل صناعة بحسب صناعاتهم .

ثمّ ربما تبلغ الشهرة إلى درجة يحصل الاشتباه بينها وبين الأوّليات ، إلاّ أنّ الفرق أ نّه إذا خلّى النفس وطبعه يحكم بالأوّليات ، ولا يحكم بالمشهورات ، كما أنّ المشهورات قد تكون صادقة وقد لا تكون ، بخلاف الأوّليات فإنّها صادقة أبداً ، كاجتماع النقيضين محال .

والمقبولات هي القضايا التي تؤخذ عمّن يُعتقد فيه كالأولياء والصلحاء والعلماء والحكماء ، والمظنونات هي قضايا يحكم العقل بها حكماً راجحاً غير جازم ، كقولنا : فلان يطوف بالليل ، وكلّ من يطوف بالليل فهو سارق ، ففلان سارق . ومقابلة المظنونات مع المقبولات من قبيل مقابلة العام بالخاص ، فكلّ مقبول هو مظنون ولا عكس . فالمراد منه ما سوى الخاصّ أي المظنونات غير المقبولة .

أركان الخطابة :

ثمّ الهدف المنشود من فنّ الخطابة وفائدتها : إنّما هو ترغيب الناس فيما ينفعهم من اُمور معاشهم ومعادهم كما يفعله الخطباء والوعّاظ .

ومن أركانها وشرائطها : وحدة الخطبة من البداية إلى النهاية ، فإنّ الخطيب الناجح من يتسلسل في كلامه ، ولا يطير من غصن لآخر ، بل عليه أن يهذّب كلامه ، ويرتّبه بتنسيق خاصّ ، وترتيب متناسق ومتجانس ، حتّى قال أفلاطون : الخطابة بمنزلة موجود حيّ له رأس وصدر وأيدي وأرجل ، ولا بدّ من التناسب بين الأعضاء ومن الترابط .

وتشتمل الخطابة على عمود وأعوان ، والعمود الكلام الذي يثبت المطلوب مستقيماً ، والأعوان الأقوال والأحوال الخارجة عن العمود .

فالخطابة من أفضل الأدوات والوسائل التي يتمكّن بها الإنسان من ترويج الفضائل ورفع مستوى الناس ، وتثقيف نفوسهم وتقويم أودهم ، ومن أحسن الوسائط في نشر الدعوة : ( ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ )(6) ، وتبليغ الحجّة وبثّ المواعظ والحكم والقيم والمثل الإنسانية .

والخطابة كالشعر من أقدم الآثار الأدبية عهداً وتأريخاً ، وإنّها أجلّ قدراً وأعظم قدرةً من الشعر ، وأقوى أثراً ، لذهابها في الدفاع مذهب التأثير والإقناع .

والخطابة هي من مستودعات سرّ البلاغة ، ومجامع الحكم ، بها تفاخرت العرب في مشاهدهم ، وبها نطقت الخلفاء والاُمراء على منابرهم ، وبها يتميّز الكلام ، ويخاطب الخاصّ والعامّ ، فمن قديم الأيام كان يعتنى بالخطابة أكثر من اعتنائهم بالشعر .

فالخطابة ضرب من الكلام غايتها : التأثير في الجمهور من طرق السمع والبصر ، وهي فطرية في الإنسان كالنطق ، تخاطب الوجدان وتثير الإحساس والشعور ليذعن المخاطب للحكم ويسلّم به .

وأوّل من كتب في علم الخطابة اليونانيّون ، فقد استنبطوا قواعده وأشادوا أركانه ووضعوا اُسسه واُصوله .

وقيل : أوّل من وضع قواعد للخطابة ، ثلاثة من أعلام السوفسطائيين ، وهم : پرويكوس ( ت سنة 430 ق م ) ، وبروتاغوراس ( 485ـ 411 ق م ) ، وجروجباس ( 485ـ 380 ق م ) ، ثمّ جاء أرسطو فجمع قواعد الخطابة وضبطها في كتاب سمّـاه ( الخطابة ) ، فيعدّ كتابه هذا اللبنة الاُولى في علم الخطابة والكتاب الأوّل ، فمنه أخذوا واستقوا ، وعليه عوّلوا واعتمدوا ، وقد ترجمه إلى العربية إسحاق ابن حنين ، وشرحه الفارابي المعلّم الثاني ، ونقل الشيخ الرئيس ابن سينا في كتابه الشفاء لباب كتاب الخطابة لأرسطو مع تصرّف غير ضارّ(7) .

وجاء في كتاب ( تاريخ گويندگان اسلام ) بقلم الشيخ أحمد بيان الإصفهاني(8) : إنّ أوّل من خطب هو آدم (عليه السلام) أبو البشر بعد هبوطه إلى الأرض وعند قرب موته ، بعد 936 سنة من هبوطه ، فجمع أهله وأولاده ، وقيل : كان عددهم أربعين ألفاً ، فقال : « الحمد لله ربّ العالمين ، الذي خلقني بيده ، وسوّى خلقي ، وصوّرني وأحسن صورتي ، وأكرمني بسجود ملائكته ، وعلّمني الأسماء كلّها ، وأسكنني جنّته ، إلاّ أ نّه لم يكن خلقني للعاجل لها ، فمضت مشيّته فيّ كما شاء من قدره ، فله الحمد حين أقالني عثرتي ، ورحم صولتي وبكائي ، وتاب عليّ ، وهداني لطاعته وقوّاني عليها بعد معصيته ، وأيّدني على محاربة عدوّي إبليس بعد طاعتي له ، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، الباقي بعد فناء خلقه ، يا بُنيّ ، عليكم بتقوى الله ، ولزوم طاعته ، وإيّاكم وطاعة النساء ، فإنّها ينبت الوزيرة وينسب الشريكة ، ولا بدّ منها ، وعليكم بمناقب الخير فالزموها » ، ثمّ مات ليلة السادس من نيسان الموافق لأحد عشر محرّم الحرام .

ثمّ كان الخطيب بعد آدم شيت هبة الله ، ثمّ إدريس (عليه السلام) وكان من ألقابه مثلّث النعمة ، حيث جمع بين السلطنة والنبوّة والحكمة ، ثمّ عبد الغفّار المسمّى بنوح (عليه السلام) ، ثمّ لقمان الحكيم بعد الطوفان :

( وَإذْ قَالَ لُقْمَانُ لإ بْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُـنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ )(9) .

ثمّ قيس بن ساعدة الإيادي خطيب العرب ، فهو أوّل من قال : أمّا بعد ، واعتمد على السيف ، ثمّ سحبان ، ويضرب به المثل .

آداب الخطيب :

وكثير من كتب الخطابة ومصنّفاتها يذكر فيها ما يلزم الخطيب ، حتّى يكون خطيباً ناجحاً بارعاً في فنّها وغايتها وغرضها .

جاء في ( خطباء المنبر الحسيني ) لحيدر صالح المرجاني ما ينبغي للخطيب مراعاته ، نذكر ذلك إجمالا واقتباساً مع بعض الملاحظات :

1ـ أن يأخذ الخطيب من أفضل الكتب المعوّل عليها في التأريخ والسير والتراجم والفقه والحديث والتفسير والمجادلة ونحو ذلك .

2ـ أن يكتب خلاصة ما يراه وينتقيه ، ولو كرؤوس أقلام ، ثمّ يتفهّم ذلك جيّداً ويستوعبه حتّى يصبح له ملكة فيها .

3ـ أن يتحرّى المعاني التي يلقيها ، ولا يشغل ذهنه في الألفاظ ، فإنّ الألفاظ تأتي من نفسها .

4ـ أن يتحرّى الألفاظ الجيّدة ، وينتقي الكلمات الجذّابة ، ولا سيّما العصرية المفهومة لدى كلّ واحد ، فلا يستعمل الألفاظ العامية ، إلاّ في مقام الضرورة ، فإنّ مرتبة الخطابة تسقط بمثل تلك الألفاظ الركيكة ، وإن كان أبلغ القوم من تكلّم بلسان قومه .

5ـ أن يعلم جيّداً أنّ رياضة اللسان ورياضة العقل ورياضة الجسم من عناصر الثقافة الحديثة ، وما على الخطيب إلاّ أن يمرّن نفسه عليها بالإنشاء والإلقاء والمناظرة زمناً طويلا ، من شبابه إلى كهولته ، ليمتلك ناصية الخطابة .

6ـ أن يكون سديد الرأي صائب الفكر كيّساً فطناً ، يضع الأشياء في مواضعها ، فلا بدّ أن يكون له دراسة تامة للموضوع الذي يخطب فيه ، فإنّ الرأي المحكم لا يكون إلاّ بدراسة عميقة ، وإحاطة تامة ، واطلاع واسع ، وعلم غزير .

7ـ أن يكون صادق اللهجة ، ينبع الصدق من سريرته .

8ـ النطق الحسن ، فإنّه الدعامة الاُولى للإلقاء الجيّد ، وإذا اعترى النطق ما يفسده فإنّه يضيع الإلقاء ، فضاعت الخطبة وضاع أثرها .

9ـ شجاعة القلب ورباطة الجأش ، فمن كان ضعيف النفس جباناً يخشى الناس ويهابهم ، فإنّه لا يفلح في الخطابة ، فعليه أن يحمل في وجوده قوّة القلب ، وقوّة البيان ، فهما روح الخطابة وقوامها .

10ـ أن يكون الخطيب عارفاً بالله وبدينه وبزمانه وأهله وبيئته ومحيطه الذي يعيش فيه .

فالخطابة منصب خطير ومقام شامخ ، لا ينالها إلاّ ذو حظٍّ عظيم ، فمن لم يكن له مؤهلات الخطابة سرعان ما يفشل ويتراجع أمام النقد الهدّام ، فإنّه قد تعترض الخطيب زوابع من كلّ ناحية ، وقد يقابل بالسخرية والاستهزاء ، وقد يكون المستمعون ممّن يقتصّون عوراته في الكلام والحركات والسكنات وهو على المنبر ، ويتسقّطون هفواته ، ويكونوا له رقيباً عتيداً ، فإذا لم يدرج الخطيب بضبط نفسي وسيطرة تامة على أحاسيسه ومشاعره ، لم يستطع السير إلى غاياته وأهدافه ... وقديماً قال خطيب عربي : لقد شيّبني ارتقاء المنابر . وقيل : إنّ أحد الخلفاء لمّـا تولّى الخلافة ورقي منبر الخطابة ، ارتجّ عليه لهيبة الموقف ، فقال : إنّ فلاناً وفلان كانا يعدّان لهذا المقام مقالا ، وأنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى خطيب ، فإنّها طالما أثّرت على الخطباء ، فألحنوا وتعتعوا وجهلوا موضع خطاباتهم وعنوان كلامهم .

فالخطابة الناجحة لا ينالها يد الفرد ، ولا تلمسها قدرة الشخص إلاّ بما ذكر ممّـا يلزم الخطيب . لا سيّما شجاعة القلب التي يتمكّن معها من إلقاء خطبه الصاعقة ، غير هيّاب ولا وجِل ، ولا متلعثم ولا خائف .

ـــــــــــ

([1]) النحل : 125 .

(2) التحريم : 6 .

(3) أساس الاقتباس : 531 .

(4 النحل : 125 .

(5) مطالع الأنوار : 335 .

(6) النحل : 125 .

(7) راجع كتاب الخطابة تأريخها قواعدها آدابها ; للشيخ حسين جمعة العاملي .

(8) تاريخ گويندگان اسلام : 20 .

(9) لقمان : 13 .

الصفحة الرئيسية | القرآن الكريم | المعصومون | مراجع وعلماء | كتب | مكتبة صوتية | مواقع شيعية | معرض الصور | أسئلة واجابات | الأسرة | المرأة | الشباب | الأطفال