(322)

يعطي من ذلك، لان جميعه حكم. وقيل: الحكم على ثلاثة أوجه لارابع لها: معنى يعمل عليه فيما يخشى ويتقى، وموعظة تلين القلب للعمل بالحق، وحجة تؤدي إلى تمييز الحق من الباطل في علم دين أو دنيا، وعلم الدين أشرفهما وجميع ذلك موجود في القران.

وقوله (في لوح محفوظ) عن التغيير والتبديل والنقصان والزيادة. وقال مجاهد: المحفوظ أم الكتاب، وقيل: انه اللوح المحفوظ الذي كتب الله جميع ما كان ويكون فيه - ذكره أنس بن مالك - أي كأنه بما ضمن الله من حفظه في لوح محفوظ ومن رفع (محفوظ) جعله صفة القرآن. ومن قرأه بالخفض جعله صفة اللوح.

86 - سورة الطارق مكية في قول ابن عباس والضحاك، وهي سبع عشرة آية في الكوفي والبصري والمدني الاخير وست عشرة آية في المدني الاول بسم الله الرحمن الرحيم (والسماء والطارق (1) وما أدريك ما الطارق (2) النجم الثاقب (3) إن كل نفس لما عليها حافظ (4) فلينظر الانسان مم خلق (5) خلق من ماء دافق (6) يخرج من بين الصلب

 

===============

(323)

والترائب (7) إنه على رجعه لقادر (8) يوم تبلى السرائر (9) فما له من قوة ولا ناصر) (10) عشر ايات.

قرأ (لما) بالتشديد عاصم وحمزة وابن عامر بمعنى (إلا) وقد جاء (لما)

مشددا بمعنى (إلا) في موضعين: إن، والقسم، كقولهم سئلتك لما فعلت بمعنى إلا فعلت قال قوم: تقديره لمما، فحذفت إحدى الميمات كراهة اجتماع الامثال. وقرأ الباقون بالتخفيف جعلوا (ما) صلة مؤكدة. وتقديره لعليها حافظ، واللام لام الابتداء التي يدخل في خبر (إن) و (أن) مخففة من الثقيلة.

هذا قسم من الله تعالى بالسماء وبالطارق، وقد بينا القول فيه فالطارق هو الذي يجيئ ليلا وقد فسره الله تعالى وبينه بأنه (النجم الثاقب) فالنجم هو الكوكب قال الحسن: المراد بالنجم جميع النجوم. وقال ابن زيد: هو زحل.

وقوله (وما أدراك) معناه أنه لم تدر حتى أعلمتك، وكل ما يعلمه الانسان فالله أعلمه بالضرورة أو بالدليل قال قتادة: طروق النجم ظهورها بالليل وخفاؤها بالنهار.

وقوله (والطارق) تبيين عن معنى وصفه بالطارق. وقوله (النجم الثاقب)

تبيين عن ماهيته نفسه يقال: طرقني فلان إذا أتاني ليلا وأصل الطرق الدق، ومنه المطرقة، لانه يدق بها، والطريق لان المارة تدقه بارجلها، والطارق لانه يحتاج إلى الدق للتنبيه، والنجم هو الكوكب الطالع في السماء، يقال لكل طالع ناجم تشبيها به، ونجم النجم إذا طلع، وكذلك السن والقرن. ويوصف بالطالع والغارب، لانه إذا طلع من المشرق غاب رقيبه من المغرب، والثاقب المضئ المنير، وثقوبه توقده وتنوره، تقول العرب: اثقب نارك أي اشعلها حتى تضئ. وثقب لسانها

 

===============

(324)

بخروج الشعاع منها والثاقب أيضا العالي الشديد العلو، تقول: العرب للطائر اذا ارتفع ارتفاعا شديدا قد ثقب. كله كأنه ثقب الجو الاعلى. وقال مجاهد وقتادة وابن عباس: الثاقب المضئ. وقال ابن زيد: هو العالي وهو زحل.

وقوله (إن كل نفس لما عليها حافظ) جواب القسم و (إن) ههنا المخففة من الثقيلة التي يتلقى بها القسم، والمعنى إن كل نفس لعليها حافظ - فيمن خفف - ومن شدد قال: (ان) بمعنى (ما) وتقديره ليس كل نفس إلا عليها حافظ. وقال قتادة: حافظ من الملائكة يحفظون عمله ورزقه وأجله، فالحافظ المانع من هلاك الشئ حفظه يحفظه حفظا واحتفظ به احتفاظا فأما أحفظه فمعناه أغضبه، وتحفظ من الامر إذا أمتنع بحفظ نفسه منه وحافظ عليه إذا واظب عليه بالحفظ.

وقوله (فلينظر الانسان مم خلق) أمر من الله تعالى للمكلفين من الناس أن يفكروا ويعتبروا مماذا خلقهم الله. ثم بين تعالى مماذا خلقهم فقال (خلق من ماء دافق) فالدفق هو صب الماء الكثير باعتماد قوي، ومثله الدفع، فالماء الذي يكون منه الولد يكون دفقا وهي النطفة التي يخلق الله منها الولد إنسانا أو غيره، وماء دافق معناه مدفوق، ومثله شر كاتم، وعيشة راضية.

ثم بين ذلك من أي موضع يخرج هذا الماء، فقال (يخرج من بين الصلب والترائب) فالصلب هو الظهر، والترائب جمع تريبة وهو موضع القلادة من صدر المرأة - في قول ابن عباس - وهو مأخوذ من تذليل حركتها كالتراب. قال المثقب.

ومن ذهب يشن إلى تريب * كلون العاج ليس بذي غصون (1)

وقال آخر:

والزعفران على ترائبها * شرقا به اللبات والنحر (2)

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) اللسان والتاج (ترب) ومجاز القرآن 2 / 294 (2) قائله المخبل تفسير القرطبي 20 / 5 (*)

 

===============

(325)

وقيل: إن نطفة الرجل تخرج من ظهره، ونطفة المرأة من صدرها، فاذا غلب ماء الرجل خرج الولد إلى شبه أهل بيت أبيه وإذا غلب ماء المرأة خرج إلى شبه أهل بيت أمه.

وقوله (إنه على رجعه لقادر) قال عكرمة ومجاهد: معناه إنه تعالى على رد الماء في الصلب قادر. وقال الضحاك: إنه على رد الانسان ماء كما كان قادر، والرجع الماء وأنشد ابوعبيدة: للمنخل في صفة سيف:

ابيض كالرجع رسوب إذا * ما ثاخ في محتفل يختلي (1)

ومعنى الاية إن الذي ابتدأ الخلق من ماء دافق أخرجه من بين الصلب والترائب حيا قادر على اعادته (يوم تبلى السرائر) لان الاعادة أهون من ابتداء.

النشأة، وقال الحسن وقتادة معناه أنه على رجع الانسان بالاحياء بعد الممات قادر.

وقوله (يوم تبلى السرائر) معناه تختبر باظهارها وإظهار موجبها لان الابتلاء والاختبار والاعتبار كله إنما هو باظهار موجب المعنى، ففي الطاعة الحمد والثواب وفى المعصية الذم والعقاب، وواحد السرائر سريرة وهي الطوية في النفس، وهو اسرار المعنى في النفس، وقد يكون الاسرار من واحد بعينه مع إطلاع غيره عليه فلا يكون سريرة. وقيل: إن الله يفضح العاصي بما كان يستر من معاصيه ويجل المؤمن باظهار ما كان يسره من طاعته ليكرمه الناس بذلك ويجلوه.

ثم بين تعالى أنه لاقدرة لهذا الانسان الذي يعيده الله - على معاصيه - ويعاقبه على دفع ذلك عن نفسه ولا ناصر له يدفعه فالقدرة هي القوة بعينها.

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) تفسير القرطبي 20 / 10 (*)

 

===============

(326)

قوله تعالى:

(والسماء ذات الرجع (11) والارض ذات الصدع (12)

إنه لقول فصل (13) وما هو بالهزل (14) إنهم يكيدون كيدا (15)

وأكيد كيدا (16) فمهل الكافرين أمهلهم رويدا) (17) سبع آيات.

هذا قسم من الله تعالى بالسماء ذات الرجع. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: ذات المطر. وقال ابن زيد: يعني شمسها وقمرها ونجومها تغيب ثم تطلع.

وقيل: رجع السماء إعطاؤها الخير يكون من جهتها حالا بعد حال على مرور الازمان رجعه يرجعه رجعا إذا أعطاه مرة بعد مرة. وقيل: الرجع الماء الكثير تردده بالرياح التي تمر عليه قال المنخل في صفة سيف:

أبيض كالرجع رسوب إذا * ما ثاخ في محتفل يختلى.

وقال الفراء: تبتدئ بالمطر ثم ترجع به في كل عام. وقوله (والارض ذات الصدع) قسم آخر بالارض ذات الصدع. وقال ابن عباس وقتادة والضحاك

 وابن زيد: ذات الصدع انشقاقها بالنبات لضروب الزروع والاشجار: صدع يصدع صدعا وتصدع الشئ تصدعا وانصدع إنصداعا وصدعه تصديعا (وقوله إنه لقول فصل) جواب القسم، ومعناه ان ما ذكره من اعادة الخلق وإنشائهم النشأة الثانية قول فصل أي هو قول يفصل الحق من الباطل. ومثله فصل القضاء، وكل معنى فانه يحتاج فيه إلى فصل حقه من باطله. ثم قال (وما هو بالهزل) أي مع أنه فصل ليس بهزل والهزل نقيض الجد ومثله اللهو واللعب والعبث

 

===============

(327)

يقال: هزل يهزل هزلا.

ثم اخبر تعالى عن الكفار فقال (إنهم يكيدون كيدا) أي يحتالون في رفع الحجج وإنكار الايات ويفعلون ما يوجب الغيظ يقال: كاده يكيدا كيدا وكايده مكايدة وتكايد القوم تكايدا أي يحتالون في رفع الحجج وإنكار الايات، فقال تعالى (وأكيد كيدا) أي أجازيهم على كيدهم، وسمي الجزاء على الكيد باسمه لازدواج الكلام. وقيل: المعنى أنهم يحتالون لهلاك النبي وأصحابه، وأنا أسبب لهم النصر والغلبة وأقوي دواعيهم إلى القتال، فسمى ذلك كيدا من حيث يخفى عليهم ذلك.

وقوله (فمهل الكافرين أمهلهم رويدا) خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله) بأن يمهلهم قليلا وأجرى المصدر على غير لفظه كما قال (أنبتكم من الارض نباتا) (1) و (رويدا)

معناه إمهالا يقال: أرودته اروادا وتصغيره رويد. وقال قتادة: معناه قليلا، والمعنى لا تعجل على طلب هلاكهم بل اصبر عليهم قليلا، فان الله يهلكهم لا محالة بالقتل والذل في الدنيا وما ينزل عليهم في الاخرة من أنواع العقاب، وإن ما وعدتك لا يبعد عنهم.

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 71 نوح آية 17 (*)

 

===============

(328)

87 - سورة الاعلى مكية في قول ابن عباس وقال الضحاك هي مدنية، وهي تسع عشرة آية بلا خلاف بسم الله الرحمن الرحيم (سبح اسم ربك الاعلى (1) الذي خلق فسوى (2) والذي قدر فهدى (3) والذي أخرج المرعى (4) فجعله غثاء أحوى (5)

سنقرئك فلا تنسى (6) إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى (7)

ونيسرك لليسرى (8) فذكر إن نفعت الذكرى (9) سيذكر من يخشى) (10) عشر آيات.

قرأ الكسائي وحده (قدر فهدى) خفيفا. الباقون بالتشديد وهما لغتان على ما فسرناه فيما مضى.

هذا امر من الله تعالى للنبي (صلى الله عليه وآله) ويدخل في ذلك جميع امته يأمرهم بأن يسبحوا الله، ومعناه ان ينزهوه عن كل ما لا يليق به من الصفات المذمومة والافعال القبيحة والاخلال بالواجبات، لان التسبيح هو التنزيه لله عما لا يجوز عليه كوصفه بأنه لا إله إلا هو، فينفي ما لا يجوز في صفته من شريك في عبادته مع الاقرار بأنه

 

===============

(329)

لا إله إلا هو وحده. وقال ابن عباس وقتادة: معنا (سبح...) قل سبحان ربي الاعلى، وروي أنه لما نزلت هذه السورة، قال النبي (صلى الله عليه وآله) ضعوا هذا في سجودكم وقيل: معناه أن نزه إسم ربك بأن لاتسمي به سواه. وقيل: معناه نزه ربك عما يصفه به المشركون وأراد بالاسم المسمى، وقيل معناه صل باسم ربك الاعلى.

وقيل: ذكر الاسم والمرادبه تعظيم المسمى، كما قال الشاعر:

إلى الحول ثم اسم السلام عليكما * ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر (1)

والاعلى معناه القادر الذي لا قادر أقدر منه. وصفة الاعلى منقولة إلى معنى الاقدر حتى لو بطل معنى علو المكان لم يبطل أن يفهم بحقيقتها او هي غير مضمنة بغيرها ولم ينقل إلى صفة الارفع وإنما يعرف في رفعة المكان.

وقوله (الذي خلق فسوى) نعت لقوله (ربك) وموضعه الجر ومعناه الذى خلق الخلق فسوى بينهم في باب الاحكام. وقيل: معنا فسوى أي عدل خلقهم، فالتسوية الجمع بين الشيئين بما هما فيه (والذى قدر فهدى) فالتقدير تنزيل الشئ على مقدار غيره، فالله تعالى خلق الخلق وقدرهم على ما اقتضته الحكمة (فهدى) معناه أرشدهم إلى طريق الرشد من الغي، وهدى كل حيوان إلى ما فيه منفعته ومضرته حتى انه تعالى هدى الطفل إلى ثدي أمه وميزه من غيره، واعطى الفرخ حتى طلب الرزق من أبيه وأمه. والعصفور على صغره يطلب مثل ذلك بهداية الله تعالى له إلى ذلك (والذي اخرج المرعى) معناه الذي أنبت الحشيش من الارض لمنافع جميع الحيوان (فجعله غثاء أحوى) فالغثاء ما يقذف به السيل على جانب الوادي من الحشيش والنبات. والاحوى الاسود، والحوة السوداء قال ذو الرمة:

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) مر في 5 / 569 (ج 10 م 42 من التبيان) (*)

 

===============

(330)

لمياء في شفتيها حوة لعس * وفي اللثات وفي أنيابها شنب (1)

وقيل: أحوى معناه يضرب إلى السواد وقال الفراء: فيه تقديم وتأخير وتقديره الذي أخرج المرعى أحوى، فجعله غثاء، وقيل: الغثاء الهشيم اليابس المتفتت اسود من احتراقه بعد خضرته ونعمته، قال ذو الرمة:

فرخاء حواء أشراطية وكفت * فيها الذهاب وحفتها البراعيم (2)

وقوله (سنقرئك فلا تنسى) معناه سنأخذ عليك قراءة القرآن، فلا تنسى ذلك، فالاقراء اخذ القراءة على القاري بالاستماع لتقويم الزلل، والقراءة التلاوة والقاري التالي، والنسيان ذهاب المعنى عن النفس بعد ان كان حاضرا لها، ونقيضه الذكر، ومثله السهو، يقال: نسي ينسى نسيانا فهو ناس، والشئ منسي.

والتذكير لما نسي والتنبيه لما غفل. وقيل (فلا تنسى إلا ما شاء الله) أي ما شاء نسيانه مما لا يكلفك القيام بأدائه، لان التكليف مضمن بالذكر. وقيل: إلا ما شاء الله كالاستثناء في الايمان، وإن لم يقع مشيئة النسيان وقيل: معناه إلا ما شاء الله.

أن يؤخر انزاله. وقال الفراء: لم يشأ الله أن ينسى شيئا فهو كقوله (خالدين فيها ما دامت السموات والارض إلا ما شاء ربك) ولا يشاء. ويقول القائل: لا عطينك كل ما سألت إلا ما شئت وإلا أن اشاء أن امنعك، والنية ألا يمنعه، ومثله الاستثناء في الايمان.

وقوله (إنه يعلم الجهر وما يخفى) معناه إن الله تعالى يعلم السر والعلانية، فالجهر رفع الصوت ونقيضه الهمس، وهو ضعف الصوت أي يحفظ عليك ما جهرت به وما أخفيته مما تريد أن تعيه، جهر بالقراءة يجهر جهرا. ومنه قوله (ولا تجهر

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) مر في 1 / 15 و 5 / 308 (2) اللسان والصحاح والتاج (ذهب، برعم) (*)

 

===============

(331)

بصلاتك ولا تخافت بها) (1).

قوله (ونيسرك لليسرى) أي نسهل لك العمل المؤدي إلى الجنة فاليسرى عبارة عن الجنة هنا، واليسرى الكبرى في تسهيل الخير بها واليسرى الفعلى من اليسر، وهو سهولة عمل الخير. وقوله (فذكر) أمر للنبي (صلى الله عليه وآله) أن يذكر الخلق ويعظهم (إن نفعت الذكرى) وإنما قال ذلك، وهى تنفع لا محالة في عمل الايمان والامتناع من العصيان، كما يقال: سله إن نفع السؤال أي فيما يجوز عندك، وقيل:

معناه ذكرهم ما بعثتك به قبلوا أولم يقبلوا، فان إزاحة علتهم تقتضي اعلامهم وتذكيرهم وإن لم يقبلوا. وقوله (سيذكر من يخشى) معناه سيتعظ وينتفع بدعائك وذكرك من يخاف الله ويخشى عقابه: لان من لا يخافه لا ينتفع بها.

قوله تعالى:

(ويتجنبها الاشقى (11) الذي يصلي النار الكبرى (12)

ثم لا يموت فيها ولا يحيى (13) قد أفلح من تزكى (14) وذكر اسم ربه فصلى (15) بل تؤثرون الحيوة الدنيا (16) والاخرة خير وأبقى (17) إن هذا لفي الصحف الاولى (18) صحف إبرهيم وموسى) (19) تسع آيات.

قرأ ابوعمر ووحمزة (بل يؤثرون) بالياء على الخبر عن الغائب. الباقون بالتاء على الخطا ب للمواجهين، وأدغم اللام في التاء حمزة والكسائي إلا قتيبة والحلوائي عن هشام في كل موضع.

لما أمر الله تعالى النبي (صلى الله عليه وآله) بالتذكرة وبين انه ينتفع بها من يخاف عقابه

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 17 الاسرى آية 110 (*)

 

===============

(332)

ذكر - ههنا - يتجنبها أي يتجنب الذكرى الاشقى، فالتجنب المصير في جانب عن الشئ بما ينافي كونه، فهذا الشقي تجنب الذكرى بأن صار بمعزل عنها بما ينافي كونها، فالشقوة حالة تؤدي إلى شدة العقاب ونقيضها السعادة، شقي يشقى شقوة وشقاء وأشقاه الله يشقيه اشقاء عاقبه عقابا بكفره وسوء عمله.

ثم بين ان هذا الشقي هو (الذي يصلى النار الكبرى) يعني نار جهنم، ووصفها بالكبرى لان الحاجة إلى اتقائها أشد وذلك من كبر الشأن إذ الكبير الشأن هو المختص بشدة الحاجة اليه أولى باتقائه، فكلما كان اكبر شأنا فالحاجة اليه أشد. وقال الحسن: النار الكبرى نار جهنم، والنار الصغرى نار الدنيا، وقال الفراء: النار الكبرى التي في الطبقة السفلى من جهنم.

وقوله (ثم لا يموت فيها ولا يحيى) معناه إن هذا الشقي لا يموت في النار فيتخلص من العذاب، ولا يحيى حياة له فيها لذة، بل هو في ألوان العذاب وفنون العقاف. وقيل: لا يجد روح الحياة. وقوله (قد أفلح من تزكى) معناه قد فاز من تزكى يعني صار زاكيا بأن عمل الطاعات - في قول ابن عباس والحسن - وقال ابو الاحوص وقتادة: يعني من زكى ماله (وذكر اسم ربه) على كل حال (وصلى) على ما أمره الله به. ثم خاطب الخلق فقال (بل تؤرون الحياة الدنيا) أي تختارون الحياة الدنيا على الاخرة بأن تعملوا الدنيا ولا تعملوا للاخرة، وذلك على وجهين:

احدهما - يجوز للرخصة. والاخر - محظور معصية لله ثم قال تعالى (والاخرة خير وأبقى) أي منافع الاخرة من الثواب وغيره خير من منافع الدنيا وأبقى، لانها باقية وهذه فانية منقطعة.

وقوله (إن هذا لفي الصحف الاولى صحف إبراهيم وموسى) يعني ما ذكره الله وفصله من حكم المؤمن والكافر وما أعد الله لكل واحد من الفريقين مذكور في

 

===============

(333)

كتب الاولين في الصحف المنزلة على إبراهيم والتوراة المنزلة على موسى: وقيل من قوله (قد أفلح من تزكى) إلى آخر السورة هو المذكور فيها، وقيل (من تزكى وذكر اسم ربه فصلى) فهو ممدوح في الصحف الاولى، كما هو ممدوح في القرآن.

وقيل: كتب الله كلها أنزلت في شهر رمضان فأما القرآن فانه أنزل لاربع عشرة منه. وفى ذلك دلالة على أن إبراهيم كان قد أنزل عليه كتاب بخلاف قول من ينكر نبوته ويزعم أنه لم ينزل عليه كتاب، ولا يكون نبي إلا ومعه كتاب، حكي ذلك عن النصارى أنهم قالوا: لم يكن ابراهيم نبيا، وإنما كان رجلا صالحا.

88 - سورة الغاشية مكية في قول ابن عباس والضحاك، وهي ست وعشرون آية بلا خلاف.

بسم الله الرحمن الرحيم (هل أتيك حديث الغاشية (1) وجوه يومئذ خاشعة (2)

عاملة ناصبة (3) تصلى نارا حامية (4) تسقى من عين آنية (5)

ليس لهم طعام إلا من ضريع (6) لا يسمن ولا يغني من جوع (7)

وجوه يومئذ ناعمة (8) لسعيها راضية (9) في جنة عالية) (10)

عشر آيات.

 

===============

(334)

قرأ اهل البصرة وأبوبكر عن عاصم (تصلى) بضم التاء على مالم يسم فاعله يعني تصلى الوجوه (نارا حامية) الباقون بفتح التاء على أن تكون الوجوه هي الفاعلة هذا خطاب من الله تعالى للنبي (صلى الله عليه وآله) يقول له هل أتاك يامحمد ومعناه قد أتاك (حديث الغاشية) قال ابن عباس والحسن وقتادة: الغاشية يوم القيامة تغشى الناس بالاهوال. وقال سعيد بن جبير: الغاشية النار تغشى وجوه الكفار بالعذاب والشواظ. والغاشية المجللة لجميع الجملة، غشيت تغش غشيانا فهي غاشية، وأغشاها غيرها إغشاء إذا جعلها تغشى. وغشاها تغشية، وتغشى بها تغشيا.

وقوله (وجوه يومئذ خاشعة) معناه إن وجوه العصاة والكفار في ذلك ذليلة خاضعة من ذلك المعاصي التي فعلتها في دار الدنيا. والمراد بالوجوه أصحاب الوجوه وإنما ذكر الوجوه، لان الذل والخضوع يظهر فيها.

وقوله (عاملة ناصبة) قال الحسن وقتادة: معناه لم تعمل لله في الدنيا، فاعمالها في النار. وقال قوم: معناه عاملة ناصبة في دار الدنيا بما يؤديها إلى النار، وهو مما اتصلت صفتهم في الدنيا بصفتهم في الاخرة. ومعنى الناصبة والنصبة التعبة وهي التي اضعفها الانتصاب للعمل يقال: نصب الرجل ينصب نصبا إذا تعب في العمل ثم بين تعالى ما يعمل بمن وصفه من ذوي الوجوه، فقال (تصلى نارا حامية).

أي تلزم الاحراق بالنار الحامية التي في غاية الحرارة و (تسقى) أيضا (من عين آنية) قال ابن عباس وقتادة: آنية بالغة النهاية في شدة الحر.

وقوله (ليس لهم طعام الا من ضريع) فالضريع نبات تأكله الابل يضر ولا ينفع كما وصفه الله (لا يسمن ولا يغني من رجوع) وإنما يشتبه الامر عليهم فيتوهموا انه كغيره من النبت الذى ينفع، لان المضارعة المشابهة، ومنه أخذ الضرع وقيل: الضريع الشرق. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: هو سم. وقال الحسن:

 

===============

(335)

لا أدري ما الضريع لم أسمع من اصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) فيه شيئا. وقال قوم: ضريع بمعنى مضرع أي يضرعهم يذلهم. وقيل: من ضريع يضرع آكله في الاعفاء منه لخشونته وشدة كراهته.

ثم بين وجوه المطيعين المؤمنين الذين عملوا الطاعات فقال (وجوه يومئذ ناعمة) أي منعمة في أنواع اللذات (لسعيها راضية) بما أداها اليه من الثواب والجزاء والكرامة جزاء لطاعاته التى عملها في الدنيا. وقوله (في جنة عالية) أي في بستان أجنه الشجر على الشرف والجلالة وعلو المكان والمنزلة، بمعنى أنها مشرفة على غيرها من البساتين وهي انزه ما يكون.

قوله تعالى:، (لا تسمع فيها لاغية (11) فيها عين جارية (12) فيها سرر مرفوعة (13) وأكواب موضوعة (14) ونمارق مصفوفة (15)

وزرابي مبثوثة (16) أفلا ينظرون إلى الابل كيف خلقت (17)

وإلى السماء كيف رفعت (18) وإلى الجبال كيف نصبت (19)

وإلى الارض كيف سطحت) (20) عشر آيات.

قرأ (لا يسمع) بالياء المضمومة (فيها لاغية) رفعا على ما لم يسم فاعله لان التأنيث ليس بحقيقي وقد فصل بينهما ب (فيها) ابن كثير وأب وعمرو وريس. وقرأ نافع وحده (لا تسمع) بالتاء مضمومة (لاغية) مرفوعة، لان اللفظ لفظ التأنيث.

الباقون بفتح التاء على الخطاب (لاغية) منصوبة، لانها مفعول بها.

لما ذكر الله تعالى ان المؤمنين يحصلون في جنة عالية في الشرف والمكان

 

===============

(336)

بين انه (لا يسمع فيها) في تلك الجنة (لاغية) وهي كلمة لا فائدة فيها قال الشاعر:

عن اللغا ورفث التكلم (1)

واللغو واللغا بمنزلة واحدة، ولغي يلغي، ولغا يلغو، والغاه الغاه. وقيل (لاغية) بمعنى ذات لغو، كقولهم نابل ودارع أي ذو نبل ودرع، وتامر ذو تمر قال الحطيئة:

وغررتني وزعمت إنك * لابن باليضف تامر (2)

وقيل: إنها المصدر مثل العاقية. ويجوز أن يكون نعتا، وتقديره لا يسمع فيها كلمة لاغية والاول أصح، لقوله (لا لغو فيها ولا تأثيم) (3) وإنم انفى اللاغية عن الجنة، لان في سماع ما لا فائدة فيه ثقلا على النفس، ثم بين أن فيها أيضا أي في تلك الجنة عينا من الماء جارية، لان في العين الجارية متعة ليس في الواقف.

وقوله (فيها سرر مرفوعة) ليرى المؤمن بجلوسه عليها جميع ما حوله من الملك.

وقوله (واكواب موضوعة) أي على حافة العين الجارية، كلما أراد شربها وجدها مملوءة، فالاكواب جمع ركوب، وهي الاباريق التى ليس لها خراطيم، فهي للشراب من الذهب والفضة والجوهر يتمتعون بالنظر اليها بين أيديهم ويشربون بها ما يشتهون من لذيذ الشراب، وهي كأفخر الاكواز التى توضع بين يدي الملوك.

وقيل: الاكواب كالا باريق لاعرى لها ولا خراطيم وهي آنية تتخذ للشراب فاخرة حسنة الصورة. وقوله (ونمارق مصفوفة) قال قتادة: النمارق الوسائد واحدها نمرقة وهي الوسادة، وهي تصلح للراحة، ورفع المنزلة. وقوله (وزرابي مبثوثة) فالزرابي البسط الفاخرة واحد هما زربية. وقيل قد سمع (نمرقة) بضم النون والراء وكسرهما

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) مر في 2 / 132، 164، 230 و 7 / 38 و 8 / 193 و 9 / 120 (2) مر في 8 / 468 (3) سورة 52 الطور آية 23 (*)

 

===============

(337)

ثم نبه تعالى على الادلة التي يستدل بها على توحيده ووجوب إخلاص العبادة له فقال (أفلا ينظرون) أي أفلا يتفكرون بنظرهم (إلى الابل كيف خلقت)

ويعتبرون بما خلقه الله عليه من عجيب الخلق، ومع عظمه وقوته يذلله الصبي الصغير فينقاد له بتسخير الله ويبركه ويحمل عليه ثم يقوم، وليس ذلك في شئ من الحيوان، بتسخير الله لعباده ونعمته به على خلقه (وإلى السماء) أى وينظرون إلى السماء (كيف رفعت) رفعها فوق الارض وجعل بينهما هذا الفضاء الذي به قوام الخلق وحياتهم. ثم ما خلقه فيه من عجائب الخلق من النجوم والشمس والقمر والليل والنهار الذي بجميع ذلك ينتفع الخلق وبه يتم عيشهم ونفعهم (والى الجبال كيف نصبت) * أي ويفكرون في خلق الله تعالى الجبال اوتاد الارض ومسكه لها ولولاها لمادت الارض بأهلها، ولما صح من الخلق التصرف عليها (وإلى الارض كيف سطحت) أى وينظرون إلى الارض كيف بسطها الله وسطحها ووسعها ولولا ذلك لما صح الانتفاع بها والاستقرار عليها، وهذه نعم من الله تعالى على خلقه لا يوازيها نعمة منعم، ولا يقاربها إحسان محسن فيجب أن يقابل ذلك باعظم الشكر.

قوله تعالى:

(فذكر إنما أنت مذكر (21) لست عليهم بمصيطر (22)

إلا من تولى وكفر (23) فيعذبه الله العذاب الاكبر (24) إن إلينا إيابهم (25) ثم إن علينا حسابهم) (26) ست آيات.

قرأ ابوعمرو والكسائي بمسيطر بالسين باختلاف عنهما. الباقون بالصاد إلا حمزة، فانه اشم الصاد زايا.

(ج 10 م 43 من التبيان)

 

===============

(338)

لما بين الله تعالى الدلالة على وحدانيته ونبه على الاستدلال بها، قال لنبيه محمد صلى الله عليه وا له (فذكر) يامحمد (إنما أنت مذكر) فالتذكير التعريف للذكر بالبيان الذي يقع به الفهم، والنفع بالتذكير عظيم، لانه طريق للعلم بالامور التي نحتاج اليها وملين القلب للعمل بها، ومذكر يعني بنعم الله تعالى عندهم وما يجب عليهم في مقابلتها من الشكر والعبادة فقد أوضح الله تعالى طريق الحجج في الدين وأكده غاية التأكيد بما لا يسع فيه التقليد بقوله (إنما أنت مذكر) وقوله (وذكر فان الذكرى تنفع المؤمنين) (1) وقوله (إن في ذلك لاية لقوم يعقلون) (2) و (آية لقوم يتفكرون) (3) و (آية لقوم يذكرون) (4) و (لايات لاولى الالباب) (5) وقوله (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) (6) وقوله (وجادلهم بالتي هي احسن) (7)

ومحاجة إبراهيم (عليه السلام)للكافر بربه (8) وقوله (فاعتبروا يااولى الابصار) (9)

وقوله (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب اقفالها) (10)

وقوله (لست عليهم بمسيطر) فالمسيطر المسلط على غيره بالقهر له يقال تسيطر فلان على فلان، وسيطر إذا تسلط، وعلى وزن مسيطر مبيطر. وقال ابوعبيدة:

لا ثالث لهما من كلام العرب، وقيل: كان هذا قبل فرض الجهاد، ثم نسخ،

ــــــــــــــــــــ

(1) سورة 51 الذاريات آية 55 (2) سورة 16 النحل آية 67 (3) سورة 16 النحل آية 11، 69 (4) سورة 16 النحل آية 13 (5) سورة 3 آل عمران آية 190 (6) سورة 2 البقرة آية 111 وسورة 27 النمل آية 64 (7) سورة 16 النحل آية 25 (8) انظر 2 / 316 من هذا الكتاب (9) سورة 59 الحشر آية 2 (10) سورة 47 محمد آية 24 (*)

 

===============

(339)

ويجوز أن يكون غير منسوخ، لان الجهاد ليس باكراه القلوب.

وقوله (إلا من تولى وكفر) قيل في هذا الاستثناء قولان:

احدهما - انه منقطع وتقديره، لكن من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الاكبر الثاني - إلا من تولى فانك مسلط عليه بالجهاد، فالله يعذبه العذاب الاكبر.

وقال الحسن المعنى: إلامن تولى وكفر، فكله إلى الله. وقيل معناه إلامن تولى وكفر فلست له بمذكر، لانه لا يقبل منك، فكذلك لست تذكرة.

وقوله (إن الينا إيابهم) فالاياب الرجوع، آب يؤب أوبا وإيابا وتأوب تأوبا وأوب يؤوب تأويبا، ويقال: أيب إيابا على (فيعل، فيعالا) من الاوب وعلى هذا قرئ في الشواذ (أيابهم) بالتشديد، قال عبيد:

وكل ذي غيبة يؤوب * وغائب الموت لا يؤوب (1)

والمعنى ان مرجع الخلق يوم القيامة - إلى الله فيحاسبهم ويجازي كل واحد منهم على قدر عمله، فحساب الكفار مقدار ما لهم وعليهم من استحقاق العقاب، وحساب المؤمن بيان ما له وعليه حتى يظهر استحقاق الثواب.

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) مر في 6 / 468 (*)

 

===============

(340)

89 سورة الفجر مكية في قول ابن عباس وقال الضحاك هي مدنية وهي ثلاثون آية في الكوفى وتسع وعشرون في البصري واثنتان وثلاثون في المدنيين بسم الله الرحمن الرحيم (والفجر (1) وليال عشر (2) والشفع والوتر (3) والليل إذا يسر (4) هل في ذلك قسم لذي حجر (5) ألم تر كيف فعل ربك بعاد (6) إرم ذات العماد (7) التى لم يخلق مثلها في البلاد (8)

وثمود الذين جابوا الصخر بالواد (9) وفرعون ذي الاوتاد (10)

الذين طغوا في البلاد (11) فأكثروا فيها الفساد (12) فصب عليهم ربك سوط عذاب (13) إن ربك لبالمرصاد) (14) أربع عشرة آية قرأ حمزة والكسائي وخلف (والوتر) بكسر الواو. الباقون بفتحها وهما لغتان. قال ابوعبيدة: الشفع الزكا والوتر الخسا. وقرأ نافع وابوعمرو (يسري)

بياء في الوصل دون الوقف. وقرأ ابن كثير بياء في الوصل والوقف، وكذلك (بالوادي) الباقون بغير ياء في وصل ولا وقف. من أثبت الياء، فلانها الاصل ومن حذفها، فلانها رأس آية والفواصل تحذف منها الياآت.

 

===============

(341)

هذا قسم من الله تعالى بالفجر وليال عشر، وقسم منه بالشفع والوتر والليل إذا يسري، وجواب القسم قوله (إن ربك لبالمرصاد) و (الفجر) شق عمود الصبح فجره الله لعباده يفجره فجرا إذا أظهره في أفق المشرق ومبشرا بادبار الليل المظلم وإقبال النهار المضئ، والفجر فجران: احدهما المستطيل، وهوالذي يصعد طولا كذنب السرحان، ولا حكم له في الشرع، والاخر هو المستطير، وهو الذي ينشر في افق السماء، وهوالذي يحرم عنده الاكل والشرب لمن أراد الصوم في شهر رمضان، وهو ابتداء اليوم. وقال عكرمة والحسن: الفجر فجر الصبح.

وقوله (وليال عشر) قال ابن عباس والحسن وعبدالله بن الزبير ومجاهد ومسروق والضحاك وابن زيد: وهي العشر الاول من ذي الحجة شرفها الله تعالى ليسارع الناس فيها إلى عمل الخير واتقاء الشر على طاعة الله في تعظيم ماعظم وتصغير ما صغره، وينالون بحسن الطاعة الجزاء بالجنة. وقال قوم: هي العشر من أول محرم، والاول هوالمعتمد.

وقوله (والشفع والوتر) قال ابن عباس وكثير من أهل العلم: الشفع الخلق بما له من الشكل والمثل، والوتر الخالق الفرد الذي لامثل له، وقال الحسن: الشفع الزوج، والوتر الفرد من العدد، كأنه تنبيه على ما في العدد من العبرة بما يضبط لانه من المقادير التى يقع بها التعديل. وقال ابن عباس وعكرمة والضحاك: الشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفه، ووجه ذلك أن يوم النحر مشفع بيوم نحر بعده، وينفرد يوم عرفه بالموقف وفي رواية أخرى عن ابن عباس ومجاهد ومسروق وابي صالح:، أن الشفع الخلق، والوتر الله تعالى. وقال ابن زيد: الشفع والوتر كله من الخلق.

فقال عمران بن حصين: الصلاة فيها شفع وفيها وتر، وقال ابن الزبير: الشفع:

اليومان الاولان من يوم النحر والوتر اليوم الثالث. وفي رواية أخرى عن ابن

 

===============

(342)

عباس: الوتر آدم والشفع زوجته. قال ابوعبيدة: يقال أوترت ووترت.

وقوله (والليل اذا يسري) معناه يسير ظلاما حتى ينقضي بالضياء المبتدئ ففي تسييره على المقادير المرتبة، ومجيئه بالضياء عند تقضيه في الفصول أدل دليل على أن فاعله يختص بالعز والاقتدار الذي يجل عن الاشباه والامثال.

وقوله (هل في ذلك قسم لذي حجر) أى لذي عقل - في قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن - وقيل العقل الحجر، لانه يعقل عن المقبحات ويزجر عن فعلها، يقال: حجر يحجر حجرا إذا منع من الشئ بالتضييق، ومنه حجر الرجل الذي يحجر على ما فيه، ومنه الحجر لا متناعه بصلابته.

وقوله (ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد) خطاب من الله تعالى للنبي (صلى الله عليه وآله) ، وتنبيه للكفار على ما فعل بالامم الماضية لما كفروا بوحدانية الله، واعلام لهم كيفية إهلاكهم. وقيل: عاد الاولى عاد ابن آرم. وقيل: إن (إرم) بلد منه الاسكندرية - في قول القرطي - وقال المعري: هو دمشق. وقال مجاهد: هم أمة من الامم. وقال قتادة: هم قبيلة من عاد. وقوله (ذات العماد) قال ابن عباس ومجاهد: ذات الطول من قولهم: رجل معمد إذاكان طويلا. وقيل ذات عمد للابيات ينتقلون من مكان إلى مكان، للانتجاع - ذكره قتادة - وقال ابن زيد: ذات العماد في إحكام البنيان. وقال الضحاك: معناه ذات القوى الشداد.

وقال الحسن: العماد الابنية العظام. وقيل: ان (ارم) هو سام بن نوح، وترك صرفه لانه أعجمي معرفة.

وقوله (التى لم يخلق مثلها في البلاد) يعني في عظم أجسامهم وشدة قوتهم وقوله (وثمود الذين جابوا الصخر بالوادي) موضع (ثمود) جر بالعطف على قوله (بعاد) أى وثمود ولم يجره لانه أعجمى معرفة، ومعنى (جابوا الصخر) أى

 

===============

(343)

قطعوا الصخر من الجبال بشدة قوتهم، يقال: جاب يجوب إذا قطع قال النابغة:

اتاك ابوليلي يجوب به الدجى * دجى الليل جواب الغلاة غشمشم

قال مجاهد: قطعوا الجبال بيوتا كما قال (وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين) (1) وقوله (وفرعون ذى الاوتاد) قال ابن عباس: معناه ذي الجنود الذين كانوا يشدون أمره. وقال مجاهد: كان يوتد الاوتاد في ايدي الناس. وقال قتادة: ملاعب كان يلعب له فيها، ويضرب تحتها بالاوتاد. وقيل: ذى الاوتاد لكثرة الاوتاد التي كانوا يتخذونها للمضارب ولكثرة جموعهم، وكان فيهم أكثر منه في غيرهم، وقيل: إن فرعون كان إذا غضب على الرجل مده بين أربعة أوتاد حتى يموت.

وقوله (الذين طغوا في البلاد) معناه إن هؤلاء الذين ذكرناهم تجاوزوا في الظلم الحد في البلاد، وخرجوا عن حد القلة وفسر ذلك بقوله (فاكثروا فيها الفساد) يعني اكثروا في البلاد الفساد، ثم بين ما فعل بهم عاجلا فقال (فصب عليهم ربك) يا محمد (صلى الله عليه وآله) (سوط عذاب) أى قسط عذاب كالعذاب بالسوط الذى يعرف إلا أنه اعظم، ويجوز أن يكون عنى قست عذاب يخالط اللحوم والدماء كما يخالط بالسوط من قولهم: ساطه يسوطه سوطا فهو سائط قال الشاعر:

أحارث إنا لو تساط دماؤنا * تزايلن حتى لا يمس دم دما (2)

وقيل: المعنى إنه جعل سوطه الذى ضربهم به انه صب عليهم العذاب. وقوله (إن ربك لبالمرصاد) معناه إن ربك يا محمد لا يفوته شئ من اعمال العباد كما لا يفوت من بالمرصاد. والمرصاد مفعال من رصده يرصده رصدا، فهو راصد إذا راعى ما يكون منه ليقابله بما يقتضيه، وقيل لامير المؤمنين (عليه السلام)اين كان ربنا قبل

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 26 الشعراء آية 149 (2) تفسير الشوكاني 5 / 424 (*)

 

===============

(344)

أن يخلق السموات والارض؟ فقال: (أبن) سؤال عن مكان، وكان الله ولا مكان. وقيل لا عرابي: أين ربك يااعرابي؟ ! قال بالمرصاد. وقال ابن عباس معناه إنه يسمع ويرى أعمال العباد. وقال الحسن والضحاك: لبالمرصاد بانصاف المظلوم من الظالم، ومعناه لا يجوزه ظلم ظالم حتى ينصف المظلوم منه.

قوله تعالى:

(فأما الانسان إذا ما ابتليه ربه فاكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن (15) وأما إذا ما ابتليه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن (16) كلا بل لا تكرمون اليتيم (17) ولا تحاضون على طعام المسكين (18) وتأكلون التراث أكلا لما (19)

وتحبون المال حبا جما (20) كلا إذا دكت الارض دكا دكا (21) وجاء ربك والملك صفا صفا (22) وجئ يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الانسان وأنى له الذكرى (23) يقول ياليتني قدمت لحياتي (24) فيومئذ لا يعذب عذابه أحد (25) ولا يوثق وثاقه أحد (26) يا أيتها النفس المطمئنة (27) إرجعي إلى ربك راضية مرضية (28) فادخلي في عبادي (29) وادخلي جنتي) (30)

ست عشرة آية.

قرأ ابن عامر وابوجعفر (فقدر) مشدد الدال. وقرأ ابوعمرو واهل

 

===============

(345)

البصرة (بل لا تكرمون اليتيم ولا تحاضون على طعام المسكين وتأكلون التراث)

ثلاثتهن بالياء. الباقون ثلاثتهن بالتاء. والاول على وجه الخبر عن الذين تقدم ذكرهم من الكفار. والثاني على وجه الخطاب، وتقديره قل لهم يا محمد (صلى الله عليه وآله) . وقرأ اهل الكوفة (تحاضون) بالتاء والالف. الباقون بغير الف والياء في جميع ذلك مفتوحة يقال:

حضضته وحثثته و (تحاضون) مثل فاعلته وفعلته إلا أن المفاعلة بين إثنين فأكثر وقرأ الكسائي ويعقوب (فيومئذ لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد)

على ما لم يسم فاعله، والفعل مسند إلى (أحد)، والمعنى لا يعذب عذابه أحد فداء له من العذاب، لانه المستحق له، فلا يؤخذ بذنب غيره. الباقون بكسر ا لذال (ولا يوثق) بكسر الثاء وتأويله لا يعذب عذاب الله أحد، ولا يوثق وثاقه احد وهو قول الحسن وقتادة.

لما توعد الله تعالى الكفار وجميع العصاة بما قدمه من الوعيد على المعاصي وأخبرهم بما فعل بالامم الماضية جزاء على كفرهم. وحكى أنه لبالمرصاد لكل عاص قسم أحوال الخلق من البشر، فقال (فأما الانسان إذا ما ابتلاه ربه) أى اختبره والابتلاء هو إظهار ما في العبد من خير أو شر من الشدة والرخاء والغنى والفقر حسب ما تقتضيه المصلحة، فان عمل بداعي العقل ظهر الخير، وإن عمل بداعي الطبع ظهر الشر. ومثل الابتلاء الامتحان والاختبار.

وقوله (فاكرمه ونعمه) معناه أعطاه الخير وأنعم عليه به، والاكرام إعطاء الخير للنفع به على ما تقتضيه الحكمة إلا إنه كثر فيما يستحق بالاحسان، ونقيض الاكرام الهوان (فيقول) العبد عند ذلك (ربي أكرمني) أي أنعم علي وأحسن الي. ومن أثبت الياء، فلانها الاصل ومن حذفها فلانها رأس آية، واجتز أبكسرة والنون الدالة على حذفها.

(ج 10 م 44 من التبيان)

 

===============

(346)

ثم قال (وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه) أي اختبره بعد ذلك بأن يضيق عليه رزقه قدر البلغة والاصل القدر، وهو كون الشئ على مقدار، ومنه تقدير الشئ طلب قدره من مقدار غيره (فيقول) العبد عند ذلك (ربي اهانني) فقال الله تعالى ردا لتوهم من ظن أن الاكرام بالغنى والاهانة بالفقر بأن قال (كلا) ليس الامر على ما توهمه. وإنما الاكرام في الحقيقة بالطاعة، والاهانة بالمعصية، وقوله (كلا) معناه ليس الامر على ما ظن هذا الانسان الكافر الذي لا يؤمن بالله واليوم الاخر - ذكره قتادة - ثم بين ما يستحق به الهوان بقوله (بل لا تكرمون اليتيم ولا تحضون على طعام المسكين) أي الهوان لهذا، لا لما توهمتم، تقول: حضضته بمعنى حثثته و (تحاضون) بمعنى تحضون فاعلته وفعلته إلا أن المفاعلة بين اثنين فأكثر. وقال الفراء: لا تحاضون بمعنى لا تحافضون، واصله تتحاضون، فحذف إحدى التائين.

وقوله (وتأكلون التراث، أكلا لما) أي جمعا، يقال لممت ما على اهوان ألمه لما إذا أكلته اجمع، والتراث الميراث. وقيل: هو من يأكل نصيبه ونصيب صاحبه. وقوله (وتحبون المال حبا جما) قال ابن عباس ومجاهد وابن زيد: معناه كثيرا شديدا يقال: جم الماء في الحوض إذا أجتمع وكثر قال زهير:

فلما وردن الماء زرقا جماعه * وضعن عصي الحاضر المتخيم (1)

وقوله (كلا إذا دكت الارض دكا دكا) معناه التهديد والوعيد الشديد أي حقا إذا دكت الارض بأن جعلت مثل الدكة مستوية لا خلل فيها ولا تلول، كما قال (لا ترى فيها عوجا ولا أمتا) (2) وهو يوم القيامة، فالدك حط المرتفع بالبسط، يقال اندك سنام البعير إذا انفرش في ظهره وناقة دكاء إذا كانت كذلك، ومنه الدكان لاستوائه فكذلك

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) مر في 7 / 143 (2) سورة 20 طه آية 107 (*)

 

===============

(347)

الارض إذا دكت استوت في فراشها فذهبت دورها، وقصورها وسائر أبنيتها حتى تصير كالصحراء الملساء بها. قال ابن عباس: يوم القيامة تمد الارض مدا كالاديم.

وقوله (وجاء ربك والملك صفا صفا) معناه وجاء أمر الله أو عذاب الله وقيل: معناه وجاء جلائل آياته، فجعل مجيئ جلائل الايات مجيئا له تفخيما لشأنها وقال الحسن: معناه وجاء قضاء الله، كما يقول القائل: جاءتنا الروم أي سيرتهم.

وقال بعضهم: معنى (جاء) ظهر بضرورة المعرفة، كما توصف الاية إذا وقعت ضرورة تقوم مقام الرؤية.

وقوله (والملك صفا صفا) معناه كصفوف الناس في الصلاة يأتي الصف الاول ثم الصف الثاني ثم الثالث على هذا الترتيب، لان ذلك أشكل بحال الاستواء من التشويش والتخليط بالتعديل في الامور، والتقويم أولى.

وقوله (وجيئ يومئذ بجهنم) أي احضرت جهنم ليعاقب بها المستحقون لها ويرى أهل الموقف هو لها، وعظم منظرها. وقوله (يتذكر الانسان) اخبار منه تعالى بأن الانسان يتذكر ما فرط فيه في دار التكليف من ترك الواجب وفعل القبيح ويندم عليه. ثم قال تعالى (وأنى له الذكرى) ومعناه من اين له الذكرى التي كان أمر بها في دار الدنيا، فانها تقوده إلى طريق الاستواء وتبصره الضلال من الهدى، فكأنه قال وأنى له الذكرى التي ينتفع بها، كما لو قيل يتندم وأنى له الندم.

ثم حكى ما يقول الكافر المفرط الجائي على نفسه ويتمناه، فانه يقول (ياليتني قدمت لحياتي) أي يتمنى انه كان عمل الصالحات لحياته بعد موته أو عمل للحياة التي تدوم له، فكان أولى بي من التمسك بحياة زائلة. ثم قال (فيومئذ لا يعذب عذابه أحد) معناه في قراءة من كسر الذال إخبار من الله تعالى أنه لا يعذب عذاب الله

 

===============

(348)

أحد في ذلك اليوم. ومن فتح الذال قال: المعنى لا يعذب عذاب الجائي الكافر الذي لم يقدم لحياته أحد من الناس لانا علمنا أن إبليس أشد عذابا من غيره بحسب إجرامه وإذا أطلق الكلام لقيام الدلالة على ذلك قيل معناه لا يؤاخذ أحد بذنب غيره، لانه المستحق للعذاب ولا يؤاخذ الله أحدا بجرم غيره.

وقوله (ولا يوثق وثاقه) أي لا يشد بالسلاسل والاغلال (أحد) على المعنيين اللذين ذكرناهما.

وقوله (يا ايتها النفس المطمئنة) قال ابن زيد عن أبيه: إن النفس المطمئنة التى فعلت طاعة الله وتجنبت معاصيه تبشر عند الموت ويوم البعث بالثواب والنعيم. وقيل: ان المطمئنة بالمعرفة لله وبالايمان به - في قول مجاهد - وقيل:

المطمئنة بالبشارة بالجنة. وقال الفراء: تقديره ياأيتها النفس المطمئنة بالايمان والمصدقة بالثواب والبعث (ارجعي) تقول لهم الملائكة إذا اعطوهم كتبهم بايمانهم (ارجعي إلى ربك) أي إلى ما اعده الله لك من الثواب، وقد يجوز أن يقولوا لهم هذا القول يريدون ارجعوا من الدنيا إلى هذا المرجع.

ثم بين ما يقال لها وتبشر به بأنه يقال لها (ارجعي إلى ربك) أي إلى الموضع الذي يختص الله تعالى بالامر والنهي به دون خلقه (راضية) بثواب الله وجزيل عطائه (مرضية) الافعال من الطاعات، وإنه يقال لها (ادخلي في عبادي) الذين رضيت عنهم ورضيت أفعالهم (وادخلي جنتي) التي وعدتكم بها وأعددت نعيمكم فيها، وروي عن ابن عباس أنه قرأ ادخلي في عبدي بمعنى في جسم عبدي، قال ابن خالويه: هي قراءة حسنة. قال المبرد: تقديره ياايتها الروح ارجعي إلى ربك فادخلي في عبادي في كل واحد من عبادي تدخل فيه روحه.

 

===============

(349)

90 - سورة البلد مكية في قول ابن عباس وقال الضحاك، انزلت حين افتتحت مكة وهي عشرون آية بلا خلاف.

بسم الله الرحمن الرحيم (لا أقسم بهذا البلد (1) وأنت حل بهذا البلد (2) ووالد وما ولد (3) لقد خلقنا الانسان في كبد (4) أيحسب أن لن يقدر عليه أحد (5) يقول أهلكت مالا لبدا (6) أيحسب أن لم يره أحد (7)

ألم نجعل له عينين (8) ولسانا وشفتين (9) وهديناه النجدين) (10)

عشر آيات.

قرأ ابوجعفر (لبدا) بتشديد الباء. الباقون بالتخفيف.

قوله (لااقسم) معناه أقسم، ولا صلة، كما قال الشاعر:

ولا ألوم البيض ان لا تسخرا (1)

أي ان تسخر. وقيل: هي ردا لكلام على طريق الجواب، لمن قد ظهر منه

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) مر في 1 / 45 (*)

 

===============

(350)

الخلاف أى ليس الامر على ما يتوهم. وقد بينا نظائر ذلك فيما مضى. فاذا أثبت انه اقسم، فلا ينافي قوله (وهذا البلد الامين) لان هذا قسم آخر مثله. وإنما يكون مناقضة لو أراد نفي القسم بقوله (لا اقسم) فأما إذا كان الامر على ما بيناه فلا تنافي بينهما. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: يعني بالبلد مكة.

وقوله (وانت حل بهذا البلد) فمعناه في قول ابن عباس أنه حلال لك به قتل من رأيت حين أمر بالقتال، فقتل ابن حنظل صبرا، وهو آخذ باستار الكعبة ولم يحل لاحد بعده. وبه قال مجاهد وابن زيد والضحاك. وقال عطاء: لم يحل إلا لنبيكم ساعة من النهار. وقال الحسن: معناه وأنت فيه محسن وأنا عنك راض.

وقيل: معناه أنت حل بهذا البلد أي انت فيه مقيم، وهو محلل. والمعنى بذلك التنبيه على شرف البلد بشرف من حل فيه من الرسول الداعي إلى تعظيم الله وإخلاص عبادته المبشر بالثواب والمنذر بالعقاب، ويقال: رجل حل أي حلال وقالوا: حل معناه حال. أي ساكن.

وقوله (ووالد وما ولد) قسم آخر بالوالد وما ولد، قال ابن عباس وعكرمة:

المعني بذلك كل والد وما ولد يعني العاقل. وقال الحسن ومجاهد وقتادة والضحاك وسفيان وابوصالح: يعني آدم وولده. وقال ابوعمران الحوبي: يعني به إبراهيم (عليه السلام)وولده.

وقوله (لقد خلقنا الانسان في كبد) جواب القسم، ومعنى كبد قال ابن عباس والحسن: في شدة. وقال قتادة: معناه يكابد الدنيا والاخرة. قال مجاهد وابو صالح وإبراهيم النخعي وعبدالله بن شداد: معناه في إنتصاب قامة، فكأنه في شدة قوام مخصوص بذلك من سائر الحيوان، قال لبيد:

 

===============

(351)

يا عين هلا بكيت أربد إذ * قمنا وقام الخصوم في كبد (1) أي في شدة نصب، فالكبد في اللغة شدة الامر يقال: تكبد اللبن إذا غلظ واشتد، ومنه الكبد، كأنه دم يغلظ ويشتد، وتكبد الدم إذا صار كالكبد، والانسان مخلوق في شدة أمر بكونه في الرحم. ثم في القماط والرباط. ثم على خطر عظيم عند بلوغه حال التكليف، فينبغي له أن يعلم ان الدنيا دار كد ومشقة، وأن الجنة هي دار الراحة والنعمة.

وقوله (ايحسب أن لن يقدر عليه أحد) معناه أيظن هذا الانسان أن لن يقدر على عقابه أحد إذا عصى الله تعالى وارتكب معاصيه فبئس الظن ذلك. وقيل: إنها نزلت في رجل يقال له أبوالاسدين كان من القوة بحيث يقف على أديم عكاظي فيجري العسرة من تحته، فتنقطع ولا يبرح من عليه فقال الله تعالى (أيحسب)

لشدته وقوته (أن لن يقدر عليه احد) ثم حكى ما يقول هذا الانسان من قوله (أهلكت مالا لبدا) قال الحسن: معناه يقول أهلكت مالا كثيرا، فمن يحاسبني عليه، حميق ألم يعلم ان الله قادر على محاسبته، اللبد الكثير الذي قد تراكب بعضه على بعض، ومنه تلبد القطن والصوف إذا تراكب بعضه على بعض، وكذلك الشعر ومنه اللبد ومن قرأ (لبدا) بتشديد الباء، فهو جمع لابد.

وقوله (ايحسب أن لم يره احد) ايظن هذا الانسان انه لم يبصره أحد فيطالبه من اين كسب هذا المال، وفي أي شئ أنفقه - ذكره قتادة - وقيل: معنا ايظن أن لم يره أحد في انفاقه، لانه كاذب.. وقال الحسن: يقول: أنفقت مالا كثيرا فمن يحاسبني عليه. وقيل الايه نزلت في رجل من بني جمح يكنى أبا الاسدين، وكان قويا شديدا.

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) ديوانه 1 / 19 ومجاز القرآن 2 / 299 (*)

 

===============

(352)

ثم نبهه تعالى على وجوه النعمة التي أنعم بها عليه ليستدل بها على توحيده وخلع الانداد دونه بقوله (ألم نجعل له عينين) ليبصر بهما (ولسانا وشفتين)

لينطق بهما (وهديناه النجدين) ليستدل بهما. وفي ذلك دليل واضح على أنه صادر من مختار لهذه الافعال التي فعلها بهذه الوجوه، فأحكمها لهذه الامور، فالمحكم المتقن لا يكون إلا من عالم، وتعليقه بالمعاني لا يكون إلا من مختار، لانه لا يعلق الفعل بالمعاني إلا في الارادة. وقال ابن مسعود: وابن عباس: معنى هديناه النجدين: نجد الخير والشر، وبه قال الحسن ومجاهد والضحاك وقتادة، وفي رواية عن ابن عباس أنهما الثديان، والنجدان الطريقان للخير والشر. وأصل النجد للعلو ونجد بلد سمي نجد العلوة عن انجفاض تهامة، وكل عال من الارض نجد، والجمع نجود، ورجل نجد بين النجدة إذا كان جلدا قويا، لاستعلائه على قوته، واستنجدت فلانا فانجدني أي استعنته على خصمي فأعانني، والنجد الكرب والغم، والنجاد ما على العاتق من حمالة السيف، وشبه طريق الخير والشر بالطريقين العاليين لظهوره فيهما.

قوله تعالى:

فلا اقتحم العقبة (11) وما أدريك ما العقبة (12) فك رقبة (13)

أو إطعام في يوم ذي مسغبة (14) يتيما ذا مقربة (15) أو مسكينا ذا متربة (16) ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة (17) أولئك أصحاب الميمنة (18) والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشئمة (19) عليهم نارمؤصدة) (20)

عشر ايات.

 

===============

(353)

قرأ ابن كثير وابوعمرو والكسائي (فك رقبة أو اطعم في يوم ذي مسغبة)

بغير الف على انه فعل ماض. الباقون (فك رقبة) على الاضافة ويكون الاضافة إلى مفعول (او إطعام) فوجه الاول قوله (فلا أقتحم العقبة فك رقبة) الثاني أنه على جواب و (ما أدراك ما العقبة) فيكون الجواب بالاسم وتلخيصه هلا اقتحم العقبة ولا يجوز الصراط إلا من كان بهذه الصفة يفك رقبة او يطعم يتيما في يوم ذي مسغبة مجاعة، فلا اقتحم بمعنى لم، كما قال (فلا صدق ولاصلى) (1) ومعناه لم يصدق ولم يصل، وإنما لم يكرر (لا) لان معنا (ثم كان من الذين آمنوا) يدل على انه لم يقتحم ولم يؤمن، وقرأ ابوعمرو وحمزة وحفص وخلف (مؤصدة)

بالهمز. الباقون بغير همز وهما لغتان، يقال: أصدت الباب او صده إيصادا فهو مؤصد بالهمز، وأوصدته فهو موصد بغير همز. والوصيد الباب من أوصدت.

لما نبه الله تعالى الانسان على وحدانيته وإخلاص عبادته بقوله (ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين) وما فيهما من الدلالة على قدرته وعلمه وانه هدى الانسان طريق الخير والشر ورغبه في اتباع الخير وزجره عن إتباع الشر، قال حاثا له على فعل الخير بقوله (فلا أقتحم العقبة) قال الحسن: عقبة - والله شديدة - مجاهدة الانسان نفسه وهواه وعدوه والشيطان، ولم يكرر (لا) في اللفظ، وهي بمنزلة المكرر في المعنى كأنه قال: أفلا اقتحم العقبة وحذف الاستفهام، والمراد به التنبيه، والاقتحام الدخول على الشدة يقال اقتحم اقتحاما، واقحم إقحاما تقحم تقحما وقحم تقحيما ونظيره الادخال والايلاج. والمعنى هلا دخل في البر على صعوبة كصعوبة اقتحام العقبة، والعقبة الطريقة التي ترتقى على صعوبة. ويحتاج فيها إلى معاقبة الشدة بالتضييق

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 75 القيامة آية 31 (ج 10 م 45 من التبيان) (*)

 

===============

(354)

والمخاطرة، وقيل: العقبة الننئة الضيقة في رأس الجبل يتعاقبها الناس، فشبهت بها العقبة في وجوه البر التى ذكرها الله تعالى. وعاقب الرجل صاحبه إذا صار في موضعه بدلا منه. وقال قتادة: فلا اقتحم العقبة إنها قحمة شديدة، فاقتحموها بطاعة الله.

وقال أبوعبيدة: معناه فلم يقتحم في الدنيا.

ثم فسر العقبة فقال (وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو اطعام في يوم ذي مسغبة) وتقديره إقتحام العقبة فك رقبة، لان العقبة جثة والفك حدث، فلا يكون خبرا عن جثة. قال ابوعلي و (لا) إذا كانت بمعنى (لم) لم يلزم تكرارها.

ثم بين تعالى ما به يكون اقتحام العقبة فقال (فك رقبة) فالفك فرق يزيل المنع، ويمكن معه أمر لم يكن ممكنا قبل، كفك القيد والغل، لانه يزول به المنع، ويمكن به تصرف في الارض لم يكن قبل، ففك الرقبة فرق بينها وبين حال الرق بايجاب الحرية وإبطال العبودية. وقوله (او إطعام في يوم ذي مسغبة) فالمسغبة المجاعة سغب يسغب سغبا إذاجاع، فهو ساغب قال جرير:

تعلل وهي ساغبة بنيها * بأنفاس من الشبم القراح (1)

وقوله (يتيما) نصب ب (إطعام) في قراءة من نون نصبه بالمصدر. ومن قرأ على الفعل الماضي نصبه به، فهو مفعول به في الحالين، واليتيم الصبي الذي قد مات ابوه وأمه، والاغلب في اليتيم من الاب في الناس. وقوله (ذا مقربة) معناه ذا قرابة، ولا يقال: فلان قرابتي وإنما يقال ذو قرابتي، لانه مصدر، كما قال الشاعر:

يبكي الغريب عليه حين يعرفه * وذو قرابته في الناس مسرور

وقوله (او مسكينا) عطف على يتيما. و (ذا متربة) معناه ذا حاجة شديدة

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) اللسان (قرح) (*)

 

===============

(355)

من قولهم: ترب الرجل إذا افتقر - في قول ابن عباس - أيضا ومجاهد، يقال:

أترب الرجل إذا استغنى، وترب إذا افتقر.

وقوله (ثم كان من الذين آمنوا) معناه كان الانسان من جملة المؤمنين إذا فعل ذلك وعقد الايمان، ثم أقام على إيمانه (وتواصوا) أي وصى بعضهم بعضا (بالصبر) على الشدائد والمحن والمصائب (وتواصوا) أيضا (بالمرحمة) أي وصى بعضهم بعضا بأن يرحموا الفقراء وذوي المسكنة.

وقوله (أولئك اصحاب الميمنة) معناه إنهم متى فعلوا ذلك كانوا أصحاب الميمنة الذين يعطون كتابهم بأيمانهم أو يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، والميمنة اليمن والبركة، والمرحمة حال الرحمة.

وقوله (والذين كفروا بآياتنا) معناه إن الذين يجحدون نعم الله ويكذبون أنبياءه (هم اصحاب المشأمة) أي ذات الشمال فيؤخذ بهم إلى النار، ويعطون كتابهم بشمالهم، واشتقاقه من الشؤم خلاف البركة (عليهم نار مؤصدة) قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: معناه عليهم نار مطبقة.

 

===============

(356)

91 - سورة الشمس مكية في قول ابن عباس والضحاك وهي خمس عشرة آية في الكوفي والبصري وست عشرة في المدنيين بسم الله الرحمن الرحيم (والشمس وضحيها (1) والقمر إذا تليها (2) والنهار إذا جليها (3) والليل إذا يغشيها (4) والسماء وما بنيها (5) والارض وما طحيها (6) ونفس وما سويها (7) فألهمها فجورها وتقويها (8)

قد أفلح من زكيها (9) وقد خاب من دسيها) (10) عشر آيات.

قرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم (وضحاها) بفتح أواخر هذه السورة.

وقرأ الكسائي بامالة ذلك كله. وقرأ ابوعمرو ونافع جميع ذلك بين الكسر والفتح.

وقرأ حمزة (وضحها) كسرا وفتح (تلاها) و (طحاها) فمن فتح، فلانه الاصل، والامالة تخفيف. وبين بين تخفيف يشعر بالاصل. فأما حمزة فأمال بنات الياء. وفخم بنات الواو.

هذا قسم من الله تعالى بالشمس وضحاها، وقد بينا أن له تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه تنبيها على عظم شأنه وكثرة الانتفاع به، فلما كانت الشمس قد عظم الانتفاع بها وقوام العالم من الحيوان والنبات بطلوعها وغروبها، جاز القسم

 

===============

(357)

بها، ولما فيها من العبرة بنشئ الضوء حتى تقوى تلك القوة العظيمة باذن الله.

وقوله (وضحا) يعني ضحاها الشمس، وهو صدر وقت طلوعها، وضحى النهار صدر وقت كونه، قال الشاعر:

أعجلها اقدحي الضحاء ضحى * وهي تناصي ذوائب السلم (1)

وأضحى يفعل كذا إذا فعله في وقت الضحى، ويقال: ضحى بكبش أو غيره إذا ذبحه في وقت الضحى من ايام الاضحى. ثم كثر حتي قيل لو ذبحه آخر النهار.

وقوله (والقمر إذا تلاها) قسم آخر بالقمر وتلوه الشمس ووجه الدلالة من جهة تلو القمر للشمس من جهة المعاقبة على أمور مرتبة في النقصان.

والزيادة، لانه لا يزال ضوء الشمس ينقص إذا غاب جرمها، ويقوى ضوء القمر حتى يتكامل كذلك دائبين، تسخيرا من الله للعباد بما ليس في وسعهم أن يجروه على شئ من ذلك المنهاج. وقال ابن زيد: القمر إذا اتبع الشمس في النصف الاول من الشهر إذا غربت الشمس تلاها القمر بالطلوع، وفى آخر الشهر يتلوها في الغروب وقال الحسن (والشمس وضحاها) أي يضئ نورها (والقمر إذا تلاها) يعني ليلة الهلال. وقيل: تلاها في الضوء.

وقوله (والنهار إذا جلاها) قسم آخر بالنهار إذا جلاها يعني الشمس بضوءها المبين بجرمها. وقيل معناه إذا جلا الظلمة، فالهاء كناية عن الظلمة، ولم يتقدم لها ذكر لانه معروف غير ملتبس (والليل إذا يغشاها) قسم آخر بالليل إذا يغشاها يعني الشمس بظلمته عند سقوط الشمس.

وقوله (والسماء وما بناها) قال قتادة: معناه والسماء وبنائها جعل (ما)

مع ما بعدها بمنزلة المصدر. وقال مجاهد والحسن: معنى والسماء وما بناها والسماء

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) قائله النابغة الجعدي اللسان (ضحا) (*)

 

===============

(358)

من بنى السماء وهو الله تعالى. وقوله (والارض وما طحاها) قسم آخر بالارض ما طحاها، ويحتمل ذلك وجهين:

احدهما - ان يكون المعنى والارض وطحوها.

والثاني - والارض ومن طحاها، وهو الله تعالى ومعنى طحاها بسطها حتى مكن التصرف عليها. وقال مجاهد والحسن: طحاها ودحاها واحد، بمعنى بسطها يقال طحى يطحو طحوا ودحا يدحو دحوا وطحا بك عمك. ومعناه انبسط بك إلى مذهب بعيد، فهو يطحو بك طحوا قال علقمة:

طحا بك قلب في الحسان طروب.

ويقال: القوم يطحي بعضهم بعضا عن الشئ أي يدفع دفعا شديد الانبساط والطواحي النسور تنبسط حول القتلي، وأصل الطحو البسط الواسع. وقوله (ونفس وما سواها قسم آخر بالنفس وما سواها، وهو محتمل ايضا لامرين: احدهما - ونفس وتسويتها، والثاني - ونفس ومن سواها، وهو الله تعالى. وقال الحسن يعني بالنفس آدم ومن سواها الله تعالى. وقيل: ان (ما) في هذه الايات بمعنى (من)

كما قال (فانكحوا ما طاب لكم) (1) وإنما أراد (من) وقال ابوعمرو بن العلا: هي بمعنى الذي، وأهل مكة يقولون إذا سمعوا صوت الرعد: سبحان ما سبحت له بمعنى سبحان من سبحت له.

وقوله (فألهمها فجورها وتقواها، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وسفيان: معناه عرفها طريق الفجور والتقوى ورغبها في التقوى وزهدها في الفجور.

وقال قوم: خذلها حتى اختارت الفجور وألهمها تقواها بأن وفقها لها. وقوله (قد أفلح من زكاها) جواب القسم واللام مقدرة، وتقديره لقد أفلح من زكاها أي

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 4 النساء آية 3 (*)

 

===============

(359)

من زكى نفسه بالصدقة، وقد خاب من دساها وأخفى عن التصديق، والمعنى قد أفلح من زكى نفسه بالعمل الصالح أو اجتناب المعصية - وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة - وقال قوم: معناه قد أفلح من زكى الله نفسه، وقد خاب من دساها نفسه وقوله (وقد خاب من دساها) معناه قد خاب أي خسر من دس نفسه في معاصي الله منهمكا في القبائح التي نهاه الله عنها. وقيل: معناه دساها بالبخل، لان البخيل يخفي نفسه ومنزلة لئلا يطلب نائله، ودسا نفسه نقيض زكاها بالعمل الصالح، وكذلك دساها بالعمل الفاسد حتى صيرها في محاق وخسران. ويقال دسا فلان يدسو دسوا ودسوة فهو داس نقيض زكا يزكو زكا فهو زاك. وقيل معنى دساها أي دسها، بمعنى حملها ووضع منها بمعصية. وأبدل من أحدى السينين ياء، كما قالوا تظنيت بمعنى تظننت قال الشاعر:

تقضي البازي إذا الباري كسر (1)

بمعنى تقضض.

قوله تعالى:

(كذبت ثمود بطغويها (11) إذ انبعث أشقيها (12) فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقييها (13) فكذبوه فعقروها (14) فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسويها (15) ولا يخاف عقبيها) (16) ست آيات قرأ اهل المدينة وابن عامر (فلا يخاف) بالفاء وكذلك هي في مصاحف أهل المدينة وأهل الشام. الباقون بالواو، وكذلك في مصاحفهم.

يقول الله تعالى مخبرا عن ثمود وهم قوم صالح (كذبت ثمود بطغواها) قال

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) مر في 1 / 286 و 7 / 358 و 8 / 146 (*)

 

===============

(360)

ابن عباس: يعني بعذابها أي بعذاب الطاغية فأتاها ما كذبت به. وقال مجاهد: بمعصيتها - وهو قول ابن زيد - وهو وجه التأويل، والطغوى والطغيان مجاوزة الحد في الفساد وبلوغ غايته، تقول: طغى يطغي إذا جاوز الحد، ومنه قوله (لما طغى الماء) (1) أي لما تجاوز المقدار على ما جرت به العادة وكثر. وقوله (إذا انبعث أشقاها) أى كان تكذيبها حين انبعث أشقى ثمود، وقيل اسمه قدار بن سالف.

وقال قوم: عقر الناقة الناقة هو تكذيبهم. وقيل: لان، بل هو غيره. وقيل: كانوا أقروا بأن لها شربا ولهم شرب غير مصدقين بأنه حق. والشفاء شدة الحال في مقاساة الالام، فالاشقا هو الاعظم شقاء، ونقيض الشقاء السعادة، ونقيض السعود النحوس يقال: شقي يشقى شقاء، فهو شقي نقيض سعيد، واشقاه الله اشقاء.

وقوله (فقال لهم رسول الله) يعني صالحا، فانه قال لهم: ناقة الله وتقديره فاحذروا، ناقة الله، فهو نصب على الاغراء كما تقول: الاسد الاسد، أي احذره (وسقياها) فالسقاء الحظ من الماء. وهو النصيب منه، كما قال تعالى (لها شرب ولكم شرب يوم معلوم) (2) والسقي التعريض للشرب.

وقوله (فكذبوه) أي كذب قوم صالح صالحا ولم يلتفتوا إلى قوله (فعقروها)

يعني الناقة. فالعقر قطع اللحم بما يسيل الدم عقره يعقره عقرا فهو عاقر، ومنه عقر الحوض وهو أصله، والعقر نقض الشئ عن أصل بنية الحيوان، وعاقر الناقة أحمر ثمود، وهم يروه وكلهم رضوا بفعله. فعمهم البلاء بأن عاقبهم الله تعالى لرضاهم بفعله. وقوله (فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها) معناه أهلكهم الله تعالى عقوبة على ذنوبهم من تكذيب صالح وعقر الناقة. وقيل: معنى دمدم عليهم دمر

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 69 الحاقة آية 11 (2) سورة 26 الشعراء آية 155 (*)

 

===============

(361)

عليهم. وقيل: معناه أطبق عليهم بالعذاب يقال دمدمت على الشئ إذا ضيقت عليه، وناقة مدمدمة قد ألبسها الشحم، فاذا كررت الاطباق قلت دمدمت. وقيل (دمدم عليهم) أي غضب عليهم، فالدمدمة ترديد الحال المتكرهة، وهي مضاعفة ما فيه المشقة، فضاعف الله تعالى على ثمود العذاب بما ارتكبوا من الطغيان.

وقوله (فسواها) أي جعل بعضها على مقدار بعض في الاندكاك واللصوق بالارض، فالتسوية تصيير الشئ على مقدار غيره.

وقوله (ولا يخاف عقابها) قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد: معناه لا يخاف الله تعالى تبعة الدمدمة. وقال الضحاك: معناه لم يخف الذي عقرها عقباها والعقبي والعاقبة واحد، وهو ما أدى اليه الحال الاولى، قال ابوعلي: من قرأ بالفاء فللعطف على قوله (فكذبوه فعقروها) فلا يخاف كأنه تبع تكذيبهم عقرهم أي لم يخافوا. ومن قرأ (ولا) بالواو جعل الجملة في موضع الحال، وتقديره فسواها غير خائف عقباها أي غير خائف أن يتعقب عليه في شئ مما فعله.

(ج 10 م 46 من التبيان)

 

===============

(362)

92 - سورة الليل مكية في قول ابن عباس والضحاك وهي إحدى عشرون آية بلا خلاف.

بسم الله الرحمن الرحيم.

(والليل إذا يغشى (1) والنهار إذا تجلى (2) وما خلق الذكر والانثى (3) إن سعيكم لشتى (4) فأما من أعطى واتقى (5)

وصدق بالحسنى (6) فسنيسره لليسرى (7) وأما من بخل واستغنى (8)

وكذب بالحسنى (9) فسنيسره للعسرى (10) وما يغني عنه ماله إذا تردى (11) إن علينا للهدى (12) وإن لنا للاخرة والاولى) (13)

ثلاث عشرة آية.

هذا قسم من الله تعالى بالليل إذا غشية الظلام، فاظلم وادلهم وغشى الانام لما في ذلك من الهول المحرك للنفس بالاستعظام.

ثم اقسم بالنهار إذا تجلى، ومعناه إذا أنار وظهر للابصار لمافى ذلك من الاعتبار. وقيل التقدير والليل إذا يغشى النهار، فيذهب بضوئه (والنهار إذا تجل) أي جلى الليل، فأذهب ظلمته، ذكره الحسن. والغشي إلباس الشئ ما يغمر ويستر جملته، وإنما كرر ذكرهما في السورتين لعظم شأنهما، وجلالة موقعهما في باب

 

===============

(363)

الدلالة على توحيد الله - ذكره قتادة -.

وقوله (وما خلق الذكر والانثى) للتناسل بينهما. ويحتمل أن يكون المراد ومن خلق الذكر والانثى، وفى قراءة عبدالله (والذي خلق الذكر والانثى)

لان (ما) بمعني الذي، وهو الله، فيكون القسم بالله. وعلى الاول يكون القسم بخلق الله. وقيل: المراد بالذكر والانثى آدم وحواء (عليهما السلام).

وقوله (إن سعيكم لشتى) جواب للقسم، ومعناه إن سعيكم لمختلف، فسعي المؤمن خلاف سعي الكافر. ومعنى (شتى) أي متفرق على تباعد ما بين الشيئين جدا، ومنه شتان أي بعد ما بينهما جدا كبعد ما بين الثرى والثريا. ويقال:

تشتت أمر القوم وشتتهم ريب الزمان.

وقوله (فاما من اعطى واتقى) معناه من أعطى حق الله واتقى محارم الله - ذكره قتادة - (وصدق بالحسنى) قال ابن عباس وعكرمة: وصدق بالخلف.

وقال الضحاك: صدق بتوحيد الله، وقال مجاهد والحسن: يعني صدق بالجنة. وقال قتادة: بوعد الله، والحسنى النعمة العظمى بحسن موقعها عند صاحبها، وهذه صفة الجنة التي أعدها الله تعالى للمتقين وحرمها من كذب بها.

وقوله (فسنيسره لليسرى) معناه يسهل عليه الامر، فالتيسير تصيير الامر سهلا. ومثله التسهيل والتخفيف، ونقيض التيسير والتعسير وهو تصير الامر صعبا.

واليسير نقيض العسير، يقال: أيسر إذا كثر ماله ويوسر ايسارا. وتقديره فسنيسره للحال اليسرى، فلذلك أنث فحال اليسير اليسرى، وحال العسير العسرى والتيسير لليسرى يكون بأن يصيرهم إلى الجنة، والتيسير للعسرى بأن يصبرهم إلى النار. ويجوز أن يكون ا لمراد بالتمكين من سلوك طريق الجنة، والتمكين من سلوك طريق النار. ومعناه إنا لسنا نمنع المكلفين من سلوك أحد الطريقين ولا نضطرهم

 

===============

(364)

اليه، وإنما نمكنهم بالاقرار عليهما ورفع المنع، والترغيب في احداهما، والتزهيد في الاخرى. فان احسن الاختيار اختار ما يؤديه إلى الجنة. وإن أساء فاختار ما يؤد به إلى النار فمن قبل نفسه أتى.

وقوله (وأما من بخل واستغنى) يعني به من منع حق الله الذي أوجب عليه من الزكاة والحقوق الواجبة في ماله، واستغنى بذلك وكثر ماله، فسنيسره للعسرى يعني طريق النار. وقد بينا كيفية تيسير الله لذلك من التمكين أو التصيير فلا حاجة لا عادته. والعسرى البلية العظمى بما تؤدي اليه، ونقيضها اليسرى، وهو مأخوذ من العسر واليسر، فحال العسر العسرى وحال اليسر اليسرى، ومذكره الايسر، والامر الاعسر. وقال الفراء: المعنى فسنيسره للعود إلى الصالح من الاعمال ونيسره من الاعمال للعسرى على مزاوجة الكلام. والاولى أن تكون الايتان على عمومهما في كل من يعطي حق الله، وكل من يمنع حقه، لانه ليس - ههنا - دليل قاطع على أن المختص بها إنسان بعينه، وقد روي أنها نزلت في أبي الدحداح الانصاري، وسمرة بن حبيب، ورووا في ذلك قصة معروفة. وروي في غيره وقوله (وما يغنى عنه ماله إذا تردى) معناه أي شئ يغني عن هذا الذي بخل بماله، ولم يخرج حق الله منه (إذا تردى) يعني في نار جهنم - في قول قتادة وابي صالح - وهو المروي عن ابي جعفر (عليه السلام). وقال مجاهد: معناه إذا مات.

وقال قوم: معناه (إذا تردى) في القبر أي شئ يغنيه. وقيل (إذا تردى) في النار فما الذي يغنيه.

وقوله (إن علينا للهدى قال قتادة: معناه إن علينا لبيان الطاعة من المعصية وقيل في قوله (إن علينا للهدى) دلالة على وجوب هدى المكلفين إلى الدين، وإنه

 

===============

(365)

لا يجوز إضلالهم منه. وقوله (وإن لنا للاخرة) معناه الاخبار من الله بأن له دار الاخرة والجزاء فيها على الاعمال، والامر والنهي ليس لاحد سواه، لان دار الدنيا قد ملك فيها أقواما التصرف، وقوله (والاولى) معناه وإن لنا الاولى ايضا يعني دار الدنيا فانه الذي خلق الخلق فيها، وهو الذي مكنهم من التصرف فيها وهو الذى ملكهم ما ملكهم، فهي ايضا ماله على كل حال.

قوله تعالى:

(فأنذرتكم نارا تلظى (14) لا يصليها إلا الاشقى (15)

الذي كذب وتولى (16) وسيجنبها الاتقى (17) الذي يؤتي ماله يتزكى (18) وما لاحد عنده من نعمة تجزى (19) إلا ابتغاء وجه ربه الاعلى (20) ولسوف يرضى) 21) ثمان آيات.

قوله (فانذرتكم نارا تلظى) وعيد من الله تعالى للمكلفين. تقول خوفتكم المعاصي التي تؤديكم إلى نار تلظى.

وقرأ ابن كثير (نارا تلظى) بتشديد التاء ادغم احدى التاءين في الاخرى، لان الاصل تتلظى. وقيل: انه ادغم نون التنوين في التاء. الباقون بالتخفيف فحذفوا احدى التاءين. والتلظي تلهب النار بشدة الايقاد تلظت النار تتلظى تلظيا ولظى اسم من اسماء جهنم.

وقوله (لا يصلاها إلا الاشقى الذى كذب) وقصر عما أمرته كما تقول: لقي فلان العدو فكذب: إذا نكل ورجع - ذكره الفراء - فكأنه كذب في الطاعة أى لم يتحقق. وقال المفسرون فيها قولان:

 

===============

(366)

احدهما - الانذار بنار هذه صفتها، وهي درك مخصوص من أدراك جهنم فهي تختص هذا المتوعد الذى كذب بآيات الله وجحد توحيده (وتولى) عنها بأن لم ينظر فيها أو رجع عنها بعد أن كان نظر فيها فصار مرتدا. والثاني محذوف لما صحبه من دليل الاي الاخر، كأنه قال ومن جرى مجراه ممن عصى فعلى هذا لا متعلق للخوارج في أن مرتكب الكبيرة كافر.

وقوله (وسيجنبها الاتقى) معناه سيبعد من هذه النار من كان اتقى الله باجتناب معاصيه (الذي يؤتي ماله) أي يعطي ماله (يتزكى) يطلب بذلك طهارة نفسه، فالتجنب تصيير الشئ في جانب عن غيره، فالاتقى يصير في جانب الجنة عن جانب النار يقال: جنبه الشر تجنيبا وتجنب تجنبا وجانبه مجانبة، ورجل جنب، وقد اجنب إذا أصابه ما يجانب به الصلاة حتى يغتسل.

وقوله (وما لاحد عنده من نعمة تجزى) معناه ليس ذلك ليد سلفت تكافي عليها ولا ليد يتخذها عند أحد من العباد، وقوله (إلا ابتغاء وجه ربه الاعلى)

معناه بل إنما فعل ذلك طلب رضوان الله، وذكر الوجه طلبا لشرف الذكر. والمعنى إلا ابتغاء ثواب الله وطلب رضوانه. وقوله (ولسوف يرضى) معناه إن هذا العبد الذي فعل ما فعله لوجه الله سوف يرضى بما يعطيه الله على ذلك من الثواب وجزيل النعيم يوم القيامة.

 

===============

(367)

93 - سورة الضحى مكية في قول ابن عباس الضحاك، وهي إحدى عشرة آية بلا خلاف بسم الله الرحمن الرحيم (والضحى (1) والليل إذا سجى (2) ما ودعك ربك وما قلى (3) وللاخرة خير لك من الالولى (4) ولسوف يعطيك ربك فترضى (5) ألم يجدك يتيما فآوى (6) ووجدك ضالا فهدى (7)

ووجدك عائلا فأغنى (8) فأما اليتيم فلا تقهر (9) وأما السائل فلا تنهر (10) وأما بنعمة ربك فحدث) (11) احدى عشرة آية.

روي أن عروة ابن الزبير قرأ (ما ودعك ربك بالتخفيف من قولهم:

ودع يدع أي ترك يترك، وهو قليل، لان سيبويه قال: استغنوا ب (ترك) عن (ودع) فلم يستعملوه. والباقون بالتشديد.

هذا قسم من الله تعالى بالضحى، وهو صدر النهار، وهو الضحى المعروف - في قول قتادة - وقال الفراء: هو النهار كله من قولهم: ضحى فلان للشمس إذا ظهر لها. وفي التنزيل (وإنك لا تظمأ فيها ولا تضحى) (1).

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 20 طه آية 119 (*)

 

===============

(368)

وقوله (والليل إذا سجى) قسم آخر، وقال الحسن: معنى (سجى) غشي بظلامه وقال قتادة: معنى (سجى) سكن وهذا من قولهم: بحر ساج أي ساكن، وبه قال الضحاك، يقال: سجا يسجو سجوا إذا هدئ وسكن، وطرف ساج قال الاعشى:

فما ذنبنا ان جاش بحر ابن عمكم * وبحرك ساج لا يواري الدعا مصا (1)

وقال الراجز:

يا حبذا القمراء والليل الساج * وطرق مثل ملاء النساج (2)

وقوله (ما ودعك ربك وما قلى) جواب القسم. وقيل: إنه لما تأخر عنه الوحي خمس عشرة ليلة، قال قوم من المشركين: ودع الله محمدا وقلاه، فانزل الله تعالى هذه السورة تكذيبا لهم وتسلية للنبي (صلى الله عليه وآله) ، لانه كان اغتم بانقطاع الوحي عنه - ذكره ابن عباس وقتادة والضحاك - ومعنى (ما ودعك) ماقطع الوحي عنك، ومعنى (قلى) أبغض - في قول ابن عباس والحسن وابن زيد - والقالي المبغض يقال: قلاه يقلاه قلا إذا ابغضه. والعقل دال على انه لا يجوز ان يقلا الله احدا من أنبيائه، والتقدير ما قلاك، فحذف الكاف لدلالة الكلام عليه، ولان روس الاي بالياء، فلم يخالف بينها، ومثله (فآوى، وفهدى، وفأغنى) لان الكاف في جميع ذلك محذوفة، ولما قلناه.

وقوله (وللاخرة خير لك من الاولى) خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله) يقول الله تعالى له إن ثواب الاخرة والنعيم الدائم فيها خير لك من الاولى يعني من الدنيا، والكون فيها لكونها فانية. قال ابن عباس: له في الجنة الف قصر من اللؤلؤ ترابه المسك، وفيه من كل ما يشتهي على اعم الوصف.

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) تفسير القرطبي 20 / 91 وديوانه 100 (2) مجاز القرآن 2 / 302 واللسان (سحى) والكامل 204 (*)

 

===============

(369)

وقوله (ولسوف يعطيك ربك فترضى) وعد من الله له أن يعطيه من النعيم والثواب وفنون النعم ما يرضى النبي (صلى الله عليه وآله) به ويؤثره.

ثم عدد عليه النعمة في دار الدنيا فقال (ألم يجدك يتيما فآوى) ومعناه تقريره على نعم الله عليه حين مات أبوه وبقي يتيما فآواه بأن سخر له عبدالمطلب أولا، ولما مات عبدالمطلب آواه إلى إبي طالب، وسخره للاشفاق عليه والحنين على حفظه ومراعاته.

وقوله (ووجدك ضالا فهدى) قيل في معناه أقوال:

احدها - وجدك لا تعرف الحق فهداك اليه بأن نصب لك الادلة وارشدك اليها حتى عرفت الحق، وذلك من نعم الله.

وثانيها - وجدك ضالا عما أنت عليه الان من النبوة والشريعة، فهداك اليها وثالثها - وجدك في قوم ضلال أي فكأنك واحد منهم.

ورابعها - وجدك مضلولا عنك فهدى الخلق إلى الاقرار بنبوتك والاعتراف بصدقك فوجدك ضالا بمعنى مضلول كما قيل ماء دافق بمعنى مدفوق، وسر كاتم بمعنى مكتوم.

وخامسها - أنه لما هاجر إلى المدينة ضل في الطريق، وضل دليله فأرشدهم الله إلى الطريق الواضح حتى وصلوا فاذا قيل: السورة مكية أمكن أن يقال: المراد بذلك الاستقبال والاعلام له أنه يكون هذا على وجه البشارة له به، ولم يكن فعلا له معصية، لانه ليس ذهابا عما كلف.

وقوله (ووجدك عائلا فاغنى) فالعائل الفقير، وهو ذو العيلة من غير جدة عال يعيل عيلة إذا كثر عياله وافتقر قال الشاعر:

(ج 10 م 47 من التبيان)

 

===============

(370)

وما يدرى الفقير متى غناه * وما يدري الغني متى يعيل (1)

أي متى يفتقر. وقيل ان ذكر النعم من المنعم يحسن على وجهين:

احدهما - التذكير للشكر وطلب الزيادة منها فهذا جود وكرم.

والاخر - عند كفر المنعم عليه، فهذا التذكير على الوجه الاول.

وقوله (فاما اليتيم فلا تقهر) أي لا تقهره لظلمه بأخذ ماله فكذلك من لا ناصر له لا تغلظ في أمره، والخطاب متوجه إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وهو نهي لجميع المكلفين وقيل: معناه لا تقهره على ماله.

وقوله (وأما السائل فلا تنهر) فالانتهار هوالصياح في وجه السائل الطالب للرفد، يقال: نهره وانتهره بمعنى واحد، وهو متوجه إلى جميع المكلفين.

وقوله (وأما بنعمة ربك فحدث) معناه اذكر نعم الله واظهرها وتحدث بها.

وقد قيل: من شكر النعمة الحديث بها.

فان قيل: في هذا ونظائره مما عدده الله على خلقه من النعم وامتنائه عليهم كيف يمنن الله تعالى على خلقه بالنعم وذلك من فعل النجل، لان الواحد منا لو من على غيره بما يسدي اليه كان مقبحا؟ ! قبل: إنما يقبح الامتنان إذا كان الغرض الازراء بالنعم عليه والتفضيل به، فاما إذا كان الغرض تعريف النعمة وتعديدها وإعلامه وجوهها ليقابلها بالشكر فيستحق به الثواب والمدح، فانه نعمة اخرى وتفضل آخر يستحق به الشكر فبطل ما قالوه.

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) مجاز القرآن 2 / 302 وقد مر في 3 / 109 و 5 / 235 (*)

 

===============

(371)

94 - سورة الانشراح مكية في قول ابن عباس والضحاك، وهي ثمان آيات بلا خلاف بسم الله الرحمن الرحيم (ألم نشرح لك صدرك (1) ووضعنا عنك وزرك (2)

الذي أنقض ظهرك (3) ورفعنا لك ذكرك (4) فان مع العسر يسرا (5) إن مع العسر يسرا (6) فاذا فرغت فانصب (7) وإلى ربك فارغب) (8) ثمان آيات.

روى اصحابنا ان ألم نشرح من الضحى سورة واحدة لتعلق بعضها ببعض ولم يفصلوا بينهما ب (بسم الله الرحمن الرحيم) وأوجبوا قراءتهما في الفرائض في ركعة وألا يفصل بينهما. ومثله قالوا في سورة (ألم ترك كيف) و (الايلاف) وفى المصحف هما سورتان فصل بينهما ببسم الله.

والمعني بهذه الايات تعداد نعم الله تعالى على النبي (صلى الله عليه وآله) في الامتنان بها عليه فقال (ألم نشرح لك صدرك) فالشرح فتح الشئ باذهاب ما يصد عن إدراكه فالله تعالى قد فتح صدر نبيه باذهاب الشواغل التي تصد عن إدراك الحق وتعظيمه بما يجب له. ومنه قول القائل: أشرح صدري لهذا الامر. وشرح فلان كتاب كذا، ومنه تشريح اللحم إذا فتحه ورققه، ومنه قوله (أفمن شرح الله صدره

 

===============

(372)

للاسلام) (1) وقال البلخي: كان النبي (صلى الله عليه وآله) ضاق صدره بمغاضبة الجن والانس له فآتاه الله من آياته ووعده ما اتسع قلبه لكل ما حمله الله وأمره به. وقال الجبائي:

شرح الله صدره بأن فعل له لطفا بسنن منه إلى ما كلفه الله وسهل عليه، وكان ذلك ثوابا على طاعاته لا يجوز فعله بالكفار. وعكسه ضيق الصدر كما قيل في قوله (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون) (2) والصدر الموضع الارفع الذي فيه القلب، ومنه أخذ صدر المجلس تشبيها بصدر الانسان.

وصدرته بكذا إذا جعلته في أول كلامك. والصدر لان الاوامر تصدر عنه.

وصادره إذا اخذ ما يصدر عنه والاصل الانصراف عن الشئ.

وقوله (ووضعنا عنك وزرك) قال الحسن: يعني بالوزر الذي كان عليه في الجاهلية قبل النبوة. وقال مجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد: يعني ذنبك. قالوا:

وإنما وصفت ذنوب الانبياء بهذا الثقل مع انها صغائر مكفرة لشدة اغتمامهم بها وتحسرهم على وقوعها مع ندمهم عليها. وهذان التأويلان لا يصحان على مذهبنا، لان الانبياء (عليهم السلام)لا يفعلون شيئا من القبائح لا قبل النبوة ولا بعدها ولا صغيرة ولا كبيرة، فاذا ثبت هذا، فمعنى الاية هو أن الله تعالى لما بعث نبيه وأوحى اليه وانتشر أمره وظهر حكمه كان ما كان من كفار قومه وتتبعهم لاصحابه باذاهم له وتعرضهم إياهم ما كان يغمه ويسؤه ويضيق صدره ويثقل عليه، فازال الله ذلك بأن أعلى كلمته وأظهر دعوته وقهر عدوه. وانجز وعده ونصره على قومه، فكان ذلك من اعظم المنن وأجزل النعم.

فاذا قيل: السورة مكية، وكان ما ذكرتموه بعد الهجرة؟ !

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 39 الزمر آية 22 (2) سورة 6 الانعام آية 125 (*)