(270)

القرآن وغيره من الادلة.

وقوله (أما من استغنى) معناه أما من كان غنيا أو وجدته موسرا، فالاستغناء الاكتفاء بالامر فيما ينفي الضرر وقد يكتفى الاناء في ملئه بما فيه، فلا يستغني استغناء في الحقيقة. وقوله (فانت له تصدي) فالتصدى هو التعرض للشئ كتعرض العطشان للماء. وأصله الصدى، وهو العطش. ورجل صديان أي عطشان والصدى الصوت الذي يرده الجبل أو الحمام ونحوهما، قال مجاهد: المراد ب (من استغنى) عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة. وقال سفيان: نزلت في العباس، فقال الله تعالى (وما عليك ألا يتزكى) أي قل له وما عليك ألا يتزكى، فالتزكي هو التطهر من الذنوب، واصله الزكاء وهو النماء، فلما كان الخير ينمي للانسان بالتطهر من الذنوب كان تزكيا.

ثم قال (وأما من جاءك يسعى وهو يخشى) يعني عبدالله بن أم مكتوم جاء إلى النبي صلى الله عليه اله، وهو يخشى معصية الله والكفر، والخشية هي الحذر من مواقعة المعصية خوفا من عقاب الله تعالى (فانت عنه تلهى) أي تعرض عنه فالتلهي عن الشئ هو التروح بالاعراض عنه والتلهي به التروح والاقبال عليه ومنه قولهم إذا استأثر الله بشئ فاله عنه أي اتركه وأعرض عنه.

قوله تعالى:

(كلا إنها تذكرة (11) فمن شاء ذكره (12) في صحف مكرمة (13) مرفوعة مطهرة (14) بأيدي سفرة (15) كرام بررة (16) قتل الانسان ما أكفره (17) من أي شئ خلقه (18)

من نطفة خلقه فقدره (19) ثم السبيل يسره (20) ثم أماته

 

===============

(271)

فأقبره (21) ثم إذا شاء أنشره (22) كلا لما يقض ماأمره)

(23) ثلا ث عشرة آية.

يقول الله تعالى (كلا) أي ليس الامر ينبغي أن يكون على هذا، وقوله (إنها تذكرة) أي كلا إن السورة تذكرة (فمن شاء ذكره) أي التنزيل أو الوعظ.

وقال قوم: الهاء عماد، والمبتدأ محذوف وتقديره إنها هي تذكرة. والتذكرة حضور الموعظة ففيها أعظم الفائدة وفي الغفلة اكبر الافة.

والفرق بين التذكرة والمعرفة أن التذكرة ضد الغفلة والمعرفة تضاد الجهل والسهو، فكلاهما يتعاقبان على حال الذكر دون السهو، كتعاقب العلم وأضداده على حال الذكر دون السهو، والذكر معظم، لانه طريق إلى العلم بالحق من الباطل والصحيح من الفاسد. وقيل: إن قوله (كلا) دال على أنه ليس له ان يفعل ذلك في ما يستأنف. فاما الماضي فلم يدل على انه معصية، لانه لم يتقدم النهي عنه.

وقوله (فمن شاء ذكره) دليل على بطلان مذهب المجبرة في أن القدرة مع الفعل، وأن المؤمن لا قدرة له على الكفر، وأن الكافر لا يقدر على الايمان، لانه تعالى:

بين أن من شاء ان يذكره ذكره لانه قادر عليه.

وقوله (في صحف مكرمة) أي ما ذكرناه تذكرة في صحف مكرمة أي معظمة مبجلة، ووصفت الصحف بأنها مكرمة تعظيما لما تضمنته على الحكمة. وقوله (مرفوعة مطهرة) أي مصونة عن ان تنالها أيدي الكفار الانجاس. وقال الحسن:

مطهرة من كل دنس. وقوله (مرفوعة مطهرة) أي رفعها الله عن دنس الانجاس ونزهها عن ذلك. وقوله (بأيدي سفرة) قيل السفرة ملائكة موكلون بالاسفار من كتب الله. والسفرة الكتبة لاسفار الحكمة، واحدهم سافر، كقولك كاتب

 

===============

(272)

وكتبة، وواحد الاسفار سفر. وأصله الكشف من الامر، سفرت المرأة إذا كشفت عن وجهها، فالكاتب يسفر بالكتاب عما في النفس. وقال ابن عباس: السفرة الكتبة، وفي رواية أخرى عنه إنها الملائكة. وقال قتادة: هم القراء: وقيل: هم الملائكة الذين يسفرون بالوحي بين الله ورسوله، وسفير القوم الذي يسفر بينهم في الصلح، وسفرت بين القوم إذا أصلحت بينهم، قال الشاعر:

ولم أدع السفارة بين قومي * وما أمشي بغش إن مشيت (1)

واسفر الصبح إذا أضاء. وقوله (كرام بررة) من صفة السفرة، وصفهم الله بأنهم كرام، وهو جمع كريم، وهو الذي من شأنه أن يأتي بالخير من جهته مهنا من غير شائب يكدره. وهي صفة مدح ومنه أخذت الكرمة لشرف ثمرتها، والكرم يتعاظم فالنبي أكرم ممن ليس بنبي، والمؤمن اكرم ممن ليس بمؤمن. و (البررة)

جمع بار، تقول بر فلان فلانا يبره فهو بار إذا أحسن اليه ونفعه. والبر فعل النفع اجتلابا للمودة. والبار فاعل البر، وجمعه بررة مثل كاتب وكتبة. وأصله اتساع النفع منه ومنه البر سمي به تفاؤلا باتساع النفع به، ومنه البر لاتساع النفع به.

ورجل بر، وامرأة برة والجمع بررة ولا يجمع الا على هذا استغنا به.

وقوله (قتل الانسان ما اكفره) معناه لعن الانسان، قال مجاهد: وهو الكافر. وقيل: معناه إنه حل محل من يدعى عليه بالقتل في ما له بقبح الفعل، فيخرجه مخرج الدعاء عليه ولا يقال: إن الله دعا عليه بالقتل لقبح اللفظ بذلك لما يوهم من تمني المدعو به. ومعنى (ما اكفره) أي شئ اكفره؟ ! على وجه التقريع له والتوبيخ. وقيل معناه النفي، وتقديره ما أجحده لنعم الله مع ظهورها (من أى

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) الطبرى 30 / 30 والقرطبي 19 / 214 (*)

 

===============

(273)

شئ خلقه) تعجيبا له، لانه يعلم أن الله خلقه من نطفة، ثم بين تعالى مماذا خلقه فقال (من نطفة خلقه فقدره) فالتقدير جعل الشئ على مقدار غيره، فلما كان الانسان قد جعل على مقدار ما تقتضيه الحكمة في أمره من غير زيادة ولا نقصان كان قد قدر أحسن التقدير، ودبر أحسن التدبير (ثم السبيل يسره) أي سهل له سبيل الخير في دينه ودنياه بأن بينه له وأرشده اليه ورغبه فيه، فهو يكفر هذا كله ويجحده ويضيع حق الله عليه في ذلك من الشكر وإخلاص العبادة. وقال ابن عباس وقتادة والسدي: يسر خروجه من بطن أمه. وقال مجاهد: سهل له طريق الخير والشر، كقوله (إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا) (1). وقال الحسن: سبيل الخير، وقال ابن زيد: سبيل الثواب، وقال الحسن (يسره) معناه بصره طريق الهدى والضلال. وقيل يسر خروجه من بطن أمه، فانه كان رأسه إلى رأس أمه ورجلاه إلى رجليها، فقلبه الله عند الولادة ليسهل خروجه منها. وقالوا: يسرى ويسراة جمعوه على (فعلة) وأجروه مجرى (فاعل) من الصحيح.

وقوله (ثم اماته فاقبره) فالاماتة أحداث الموت. وفي الناس من قال:

الاماتة عرض يضاد الحياة مضادة المعاقبة على الحال الواحدة، وهي حال تعديل البنية الحيوانية، وذلك أن ما لا يصح أن تحله حياة لا يصح أن يحله موت. وقال قوم: الموت عبارة عن نقض البنية الحيوانية أو فعل ما ينافي ما تحتاج اليه الحياة من الرطوبات والمعاني. وقوله (فاقبره) الاقبار جعل القبر لدفن الميت فيه، يقال:

أقبره إقبارا، والقبر الحفر المهيأ للمدفن فيه، ويقال: أقبرني فلانا أي جعلني اقبره فالمقبر هو الله تعالى يأمر عباده أن يقبروا الناس إذا ماتوا، والقابر الدافن للميت

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 76 الانسان آية 3 (ج 10 م 35 من التبيان) (*)

 

===============

(274)

بيده قال الاعشى:

لو اسندت ميتا إلى نحرها * عاش ولم ينقل إلى قابر

حتى يقول الناس مما رأوا * يا عجبا للميت الناشر (1)

وقوله (ثم إذا شاء انشره) فالانشار الاحياء للتصرف بعد الموت كنشر الثوب بعد الطي انشر الله الموتى فنشروا كقولهم احياهم فحيوا، والمشيئة هي الارادة والمعنى إذا شاء الله تعالى أن يحيي الميت احياه - وهو قول الحسن - للجزاء بالثواب والعقاب.

وقوله (كلا لما يقض ما أمره) معناه كلا لما لم يقض ما عليه مما أمره الله به، لانه قد أمره بأشياء واجبة فلم يفعلها: من إخلاص عبادته وشكره بحسب مقتضى نعمه. وقال مجاهد: لا يقضي أحد أبدا كل ما افترض الله عليه.

قوله تعالى:

(فلينظر الانسان إلى طعامه (24) أنا صببنا الماء صبا 25)

ثم شققنا الارض شقا (26) فأنبتنا فيها حبا (27) وعنبا وقضبا (28) وزيتونا ونخلا (29) وحدائق غلبا (30) وفاكهة وأبا (31) متاعا لكم ولانعامكم) (32) تسع آيات.

قرأ اهل الكوفة (أنا صببنا) بفتح الالف على البدل من) طعامه) أو على انه خبر مبتدإ محذوف. الباقون بالكسر على الاستئناف.

يقول الله تعالى لخلقه منبها لهم على قدرته على احياء الخلق بعد موتهم ونشرهم

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) قد مر في 4 / 460 و 7 / 496 وهو في ديوانه 93 (*)

 

===============

(275)

ومجازاتهم بأن أمره ان ينظر إلى طعامه الذي يأكله ويتقوته، ويفكر كيف يخلقه الله ويوصله اليه ويمكنه من الانتفاع به. وبين كيفية ذلك فقال (إنا صببنا الماء صبا) أي انزلنا الغيث إنزالا (ثم شققنا الارض شقا) فالشق قطع الشئ طولا ومثله الصدع والفرج والفطر، ومن ذلك شق الارض وشق الخشبة وشق الشعرة فأما قطع الليطة، وقطع الشجر، فعلى خلاف ذلك، فبين تعالى أنه يشق الارض ويخرج منها ما أنبته من أنواع النبات. ومن فتح (أنا) على البدل، فعلى انه بدل اشتمال، ويكون موضعه جرا فتقديره فلينظر إلى أنا صببنا. وقال آخرون: موضعه نصب، لان الاصل ب (أنا) و (لانا) فلما أسقط الخافض نصب على المعنى، فتقديره فلينظر الانسان إلى حدوث طعامه او نبات طعامه، لانه موضع الاعتبار.

وقال المبرد: تقديره فلينظر الانسان إلى طعامه، لانا صببنا فأخرجنا أي لهذه العلة كان طعامه، لان قوله (إنا صببنا) ليس من الطعام في شئ، وقال ابوعلي:

وهو بدل الاشتمال، لان ما ذكره يشتمل على الطعام فهو بمنزلة قوله (قتل اصحاب الاخدود النار) (1).

وقوله (فانبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا...) فالانبات إخراج النامي حالا بعد حال، يقال أنبته الله انباتا فنبت نباتا، ففاعل النبات والانبات واحد إلا أن الانبات يؤخذ منه صفة المنبت، والنبات يؤخذ منه النابت. وليس النبات فاعلا لكنه الصائر على تلك الصفة بتصيير غيره، غير انه لما أسند الفعل اليه اشتق له منه اسم الفاعل. والحب جمع الحبة مثل الشعير والحنطة والسمسم والدخن والارز وغير ذلك، وكذلك يسمى حب اللؤلؤ تشبيها بذلك في تدويره. والقضب الرطبة - في قول الضحاك، والفراء - وأهل مكة يسمون القث قضبا. وأصله فيما يقطع رطبا من

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 85 البروج آية 4 - 5 (*)

 

===============

(276)

قولهم: قضبته وأقضبته قضبا إذا قطعته رطبا، ومنه القضيب والمقتضب. والزيتون معروف. وإنما ذكره الله تعالى لعظم النفع به والدهن الذي يكون منه (ونخلا)

أي وانبتنا من الارض نخلا وهو شجر الرطب والتمر (وحدائق غلبا) فالحديقة البستان المحوط وجمعه حدائق، ومنه أحدق به القوم إذا أحاطوا به، ومنه الحدقة لمااحاط بها من جفنها. والغلب جمع أغلب وغلبا، وهي الغلاظ بعظم الاشجار، وشجرة غلباء إذا كانت غليظة قال الفرزدق:

عوى فاثار اغلب ضيغميا * فويل ابن المراغة ما استثارا (1)

وقوله (وفاكهة وأبا) يعني ثمر الاشجار التي فيها النفع والالذاذ، يقال تفكه بكذا إذا استعمله للاستمتاع به والفاكهة تكون رطبة ويابسة. والاب المرعى من الحشيش وسائر النبات الذي ترعاه الانعام والدواب، ويقال أبا إلي سيفه فاستله كقولك هب اليه وبدر اليه، فيكون كبدور المرعى بالخروج قال الشاعر:

جدنا قيس ونجد دارنا * ولنا الاب بها والمكرع (2)

وقوله (متاعا لكم ولانعامكم) فالمتاع كل شئ فيه الذاذ الامساس من مأكل او منظر أومشمم أو ملمس، وأصله المصدر من قولهم: امتعته امتاعا ومتاعا ومتع النهار إذا ارتفع، لان ارتفاعه يستمتع به. فبين تعالى انه خلق ما خلق وانبت ما انبت من الارض لامتاع الخلق به من المكلفين وأنعامهم التي ينتفعون بها.

والانعام الماشية بنعمة المشي من الابل والبقر والغنم بخلاف الحافر بشدة وطئه بحافره من الخيل والبغال والحمير.

قوله تعالى:

(فاذا جاءت الصاخة (33) يوم يفر المرء من أخيه (34)

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) ديوانه 2 / 443 (2) القرطبي 19 / 220 (*)

 

===============

(277)

وأمه وأبيه (35) وصاحبته وبنيه (36) لكل أمرئ منهم يومئذ شأن يغنيه (37) وجوه يومئذ مسفرة (38) ضاحكة مستبشرة (39)

ووجوه يومئذ عليها غبرة (40) ترهقها قترة (41) أولئك هم الكفرة الفجرة) (42) عشر آيات.

قوله (فاذا جاءت الصاخة) قال ابن عباس: هي القيامة. وقيل: هي النفخة الثانية التي يحيا عندها الناس. وقال الحسن: الصاخة هي التي يصيخ لها الخلق، وهي النفخة الثانية. والصاخة هي الصاكة بشدة صوتها الاذان فتصمها، صخ يصخ صيخا، فهو صاخ. وقد قلبها المضاعف باكراهه التضعيف، فقال: أصاخ يصيخ اصاخة قال الشاعر:

يصيخ للنبأة أسماعه * إصاخة الناشد للمنشد (1)

ومثله تظنيت، والاصل تظننت. ثم بين شدة أهوال ذلك اليوم فقال (يوم يفر المرء من أخيه و) من (أمه وابيه و) من (صاحبته) التي هي زوجته في الدنيا (وبنيه) يعني أولاده الذكور نفر من هؤلاء حذرا، من مظلمة تكون عليه. وقيل: لئلا يرى ما ينزل به من الهوان والذل والعقاب. وقيل: نفر منه ضجرا به لعظم ما هو فيه. وقيل: لانه لا يمكنه ان ينفعه بشئ ولا ينتفع منه بشئ وقوله (لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه) فالمراد به الذكر من الناس وتأنيثه امرأة، فالمعنى إن كل انسان مكلف مشغول بنفسه لا يلتفت إلى غيره، من صعوبة الامر وشدة أهواله. والشأن الامر العظيم، يقال: لفلان شأن من

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) القرطبي 19 / 222 (*)

 

===============

(278)

الشأن أي له أمر عظيم، وأصله الواحد من شؤن الرأس، وهو موضع الوصل من متقابلاته التي بها قوام أمره. ومعنى (يغنيه) أي يكفيه من زيادة عليه أي ليس فيه فضل لغيره لما هو فيه من الامر الذي قد اكتنفه وملا صدره، فصار كالغني عن الشئ في أمر نفسه لا تنازع اليه.

ثم قسم تعالى احوال العصاة والمؤمنين، فقال (وجوه يومئذ مسفرة) أي مكشوفة مضيئة، فالاسفار الكشف عن ضياء من قولهم: أسفر الصبح إذا أضاء، وسفرت المرأة إذا كشفت عن وجهها، ومنه السفر، لانه يكشف عن أمور تظهر به، قال توبة الحميري.

وكنت إذا فاجأت ليلى تبرقعت * فقد رابني منها الغداة سفورها (1)

أي كشفها قناعها. وقوله (ضاحكة مستبشرة) أي من فرحها بما اعددنا لها من الثواب تكون ضاحكة مسرورة. والضحك الاستبشار وإن إضيف إلى الوجه، فالمراد به أصحاب الوجوه، فأما الاسفار والاشراف فيجوز ان يكون للوجوه خاصة بما جعل الله فيها من النور، لتفرق الملائكة بين المؤمنين والكفار.

ثم قال (ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة) أي يكون على تلك الوجوه غبار وجمعه غبرة (ترهقها) أي تغشاها (قترة) وهي ظلمة الدخان، ومنه قترة الصائد موضعه الذي يدخن فيه للتدفي به.

ثم اخبر أن من كان على وجهه الغبرة التي تغشاها القترة (هم الكفرة) جمع كافر (الفجرة) جمع فاجر، كما أن كاتبا يجمع كتبة، وساحرا يجمع سحرة. وليس في ذلك ما يدل على مذهب الخوارج من ان من ليس بمؤمن لابد أن يكون كافرا من حيث أن الله قسم الوجوه هذين القسمين. وذلك انه تعالى ذكر قسمين من

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) الطبري 30 / 34 (*)

 

===============

(279)

الوجوه متقابلين، وجوه المؤمنين ووجوه الكفار، ولم يذكر وجوه الفساق من أهل الملة. ويجوز ان يكون ثم صفة اخرى بخلاف ما لهذين، بان يكون عليها غبرة لا يغشاها قترة او يكون عليها صفرة، ولو دل ذلك على ما قالوه لوجب أن يدل قوله (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) (1) على أن كل من لا يبيض وجهه من المؤمنين يجب ان يكون مرتدا، لانه تعالى قال لهم (اكفرتم بعد إيمانكم) (2)

والخوارج لا تقول ذلك، لان من المعلوم ان - ههنا - كفارا في الاصل ليسوا مرتدين عن الايمان.

81 - سورة التكوير مكية في قول ابن عباس والضحاك، وهي تسع وعشرون آية بلا خلاف بسم الله الرحمن الرحيم (إذا الشمس كورت (1) وإذا النجوم انكدرت (2) وإذا الجبال سيرت (3) وإذا العشار عطلت (4) وإذا الوحوش حشرت (5)

وإذا البحار سجرت (6) وإذا النفوس زوجت (7) وإذ الموؤدة

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1، 2) سورة 3 آل عمران آية 106 (*)

 

===============

(280)

سئلت (8) بأي ذنب قتلت (9) وإذا الصحف نشرت (10)

وإذا السماء كشطت (11) وإذ الجحيم سعرت (12) وإذا الجنة أزلفت (13) علمت نفس ما أحضرت (14) أربع عشرة آية.

قرأ ابن كثير واهل البصرة (سجرت) خفيفة الجيم. الباقون بتشديدها وقرأ اهل المدينة وابن عامر وحفص عن عاصم (نشرت) خفيفة الشين. الباقون بالتشديد. وقرأ نافع وباقي أهل المدينة وابن عامر في رواية ابن ذكوان وعاصم إلا يحيى ورويس (سعرت) بتشديد العين. الباقون بتخفيفها. وقرأ ابوجعفر (قتلت)

مشددة التاء، الباقون بتخفيفها.

يقول الله تعالى مخبرا عن وقت حضور القيامة وحصول شدائدها (إذا الشمس كورت) فاللفظ وإن كان ماضيا فالمراد به الاستقبال، لانه إذا اخبر تعالى بشئ فلابد من كونه، فكأنه واقع. والفعل الماضي يكون بمعنى المستقبل في الشرط والجزاء، وفى أفعال الله، وفى الدعاء إذا تكرر كقولك حفظك الله وأطال بقاءك.

ومعنى كورت) - في قول ابن عباس وابي بن كعب ومجاهد وقتادة والضحاك - ذهب نورها. وقال الربيع بن خيثم: معناه رمي بها، والتكوير تلفيف على جهة الاستدارة ومنه كور العمامة، كور يكور تكويرا، ومنه الكارة، ويقال: كورت العمامة على رأسي اكورها كورا وكورتها تكويرا. ويقال: طعنه فكوره أى رمى به، ذكره الازهرى، ومنه قولهم: اعوذ بالله من الحور بعد الكور أى من النقصان بعد الزيادة فالشمس تكور بأن يجمع نورها حتى يصير كالكارة الملقاة فيذهب ضوءها ويجدد الله - عزوجل - للعباد ضياء غيرها.

وقوله (وإذا النجوم انكدرت) فالنجوم جمع نجم، وهو الكوكب وجمعه

 

===============

(281)

كواكب. ومنه نجم النبت إذا طلع ينجم نجما فهو ناجم، وكذلك نجم القرن، ونجم السن. والانكدار انقلاب الشئ حتى يصير الاعلى الاسفل بما لو كان ماء لتكدر. وقيل: اصل الانكدار الانصباب. قال العجاج:

ابصر خربان فضاء فانكدر (1)

وقال مجاهد والربيع بن خيثم وقتادة وابوصالح وابن زيد: انكدرت معناه تناثرت. وقوله (وإذا الجبال سيرت) فمعنى تسيير الجبال تصييرها هباء وسرابا وقوله (وإذا العشار عطلت) فالعشار جمع عشراء، وهي الناقة التي قد أنى عليها عشرة اشهر من حملها، وهو مأخوذ من العشرة. والناقة إذا وضعت لتمام ففي سنة، وقال الفراء: العشار لقح الابل التي عطلها أهلها الاشتغالهم بأنفسهم. وقال الجبائي:

معناه ان السحاب يعطل ما يكون فيها من المياه التى ينزلها الله على عباده في الدنيا.

وحكى الازهري عن ابي عمرو انه قال: العشار الحساب. قال الازهرى: وهذا لا اعرفه في اللغة. والمعنى إن هذه الحوامل التى يتنافس اهلها فيها قد اهملت وقوله (وإذا الوحوش حشرت) قال عكرمة: حشرها موتها. وغيره قال: معناه تغيرت الامور بأن صارت الوحوش التي تشرد في البلاد تجتمع مع الناس وذلك ان الله تعالى يحشر الوحوش ليوصل اليها ما تستحقه من الاعواض على الالام التي دخلت عليها، وينتصف لبعضها من بعض، فاذا عوضها الله تعالى، فمن قال:

العوض دائم قال تبقى منعمة على الابد. ومن قال: العوض يستحق منقطعا اختلفوا فمنهم من قال: يديمها الله تفضلا لئلا يدخل على العوض غم بانقطاعه. ومنهم من قال: إذا فعل بها ما تستحقه من الاعواض جعلها ترابا.

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) مر في 8 / 146 (ج 10 م 36 من التبيان) (*)

 

===============

(282)

وقوله (وإذا البحار سجرت) معناه ملئت نارا كما يسجر التنور، وأصل السجر الملا قال لبيد:

فتوسطا عرض السري وصدعا * مسجورة متجاوز أقدامها (1)

أي مملوءة، ومنه (البحر المسجور) (2) قال ابن عباس وأبي بن كعب:

سجرت او قدت، فصارت نارا. وقال شمر بن عطية: صارت بمنزلة التنور المسجور وقال الحسن ووالضحاك: معناه ملئت حتى فاضت على الارضين فتنسقها حتى تكون لحج البحار ورؤس الجبال بمنزلة واحدة، وقيل: معنى (سجرت) جعل ماؤها شرابا يعذب به أهل النار. وقال الفراء: معناه افضي بعضها إلى بعض فصارت بحرا واحدا. ومن ثقل أراد التكثير، ومن خفف، فلانه يدل على القليل والكثير.

وقوله (وإذا النفوس زوجت) معناه ضم كل واحد منها إلى شكله، والنفس قد يعبر به عن الانسان ويعبر به عن الروح، وقال عمر بن الخطاب وابن عباس ومجاهد وقتادة: كل إنسان بشكله من أهل النار وأهل الجنة. وقال عكرمة والشعبي: معنى زوجت ردت الارواح إلى الاجساد. وقيل: معناه يقرن الغاوي بمن اغواه من شيطان أو إنسان وقوله (وإذا الموؤدة سئلت) فالموؤدة المقتولة بدفنها حية، فكانت العرب تئد البنات خوف الاملاق، وأدها يئدها وأدا، فهي موؤدة أي مدفونة حية، وعلى هدا جاء قوله (ولا تقتلوا أولادكم من املاق) (3) وقال قتادة: جاء قيس ابن عاصم التميمي إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: اني وأدت ثماني بنات في الجاهلية، فقال النبي (صلى الله عليه وآله) (فاعتق عن كل واحدة رقبة) قال اني صاحب أبل. قال (فاهد إلى

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) مر في 7 / 118 و 9 / 403 (2) سورة 52 الطور اية 6 (3) سورة 6 الانعام آية 151 (*)

 

===============

(283)

من شئت عن كل واحدة بدنة) وقيل موؤدة للثقل الذي عليها من التراب وقوله (ولا يؤوده حفظهما) (1) أي لا يثقله، قال الفرزدق:

ومنا الذي منع الوائدا * ت وأحيا الوئيد فلم يوأد (2)

وإنما يسأل عن الموؤدة على وجه التوبيخ لقاتلهما، وهو أبلغ من سؤاله، لان هذا مما لا يصلح إلا بذنب، فاي ذنب كان لك، فاذا ظهر انه لا ذنب لها جاءت الطامة الكبرى على قاتلها، لانه رجع الامر اليه بحجة يقربها. وقال قوم:

تقديره سئلت قتلها بأي ذنب قتلت، فالكناية عنها أظهر. وروي في الشواذ، وهو المروي عن ابن عباس وغيره من الصحابة أنهم قرءوا (وإذا المؤودة سألت بأي ذنب قتلت) جعلوها هي السائلة عن سبب قتلها لا المسئولة وهو المروي في اخبارنا وقوله (وإذا الصحف نشرت) فالنشر بسط المطوي، والنشر للصحف والثياب ونحوها. والصحف جمع صحيفة وهي الصحيفة التى فيها اعمال الخلق من طاعة ومعصية، فتنشر عليه ليقف كل انسان على ما يستحقه.

وقوله (وإذا السماء كشطت) فالكشط القلع عن شدة التزاق كشط جلدة الرأس يكشطها كشطا إذا قلعها وفقلع السماء عن مكانها على شدة ما فيها من اعتماد كقلع جلدة الرأس عن مكانها، والكشط والنشط واحد. وفى قراءة عبدالله (وإذا السماء نشطت).

وقوله (وإذا الجحيم سعرت) معناه اشتعلت واضرمت، فالتسعير تهيج النار حتى تتأجج، ومنه السعر، لانه حال هيج الثمن بالارتفاع والانحاط، واسعرت الحرب والشربين القوم من هذا ومن شدد أراد التكثير، ومن خفف فلانه يدل على القليل والكثير. وقال قتادة: يسعرها غضب الله وخطايا بني آدم.

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 2 البقرة آية 255 (2) ديوانه 1 / 203 واللسان (وأد) (*)

 

===============

(284)

وقوله (وإذا الجنة أزلفت) أى قربت من أهلها يوم القيامة فالازلاف إدناء ما يجب، ومنه الزلفة القربة، وأزدلف إلى الامر اقترب منه. ومنه المزدلفة لانها قريب من مكة. وقوله (علمت نفس ما أحضرت) هو جواب (إذا الشمس كورت) وما بعدها من الشروط، والمعنى إن عند ظهور الاشياء التي ذكرها وعددها تعلم كل نفس ما عملته من طاعة أو معصية، وقد كان غافلا عنه. وهو كقوله (أحصاه الله ونسوه) (1)، قوله تعالى:

(فلا أقسم بالخنس (15) الجوار الكنس (16) والليل إذا عسعس (17) والصبح إذا تنفس (18) إنه لقول رسول كريم (19)

ذي قوة عند ذي العرش مكين (20) مطاع ثم أمين (21) وما صاحبكم بمجنون (22) ولقد رآه بالافق المبين (23) وما هو على الغيب بضنين (24) وما هو بقول شيطان رجيم (25) فأين تذهبون (26)

إن هو إلا ذكر للعالمين (27) لمن شاء منكم أن يستقيم (28) وما تشاؤن إأن يشاء الله رب العالمين (29) خمس عشرة آية.

قرأ ابن كثير وابوعمرو والكسائي ورويس (بظنين) بالظاء أي ليس على الغيب، بمتهم، والغيب هو القرآن، وما تضمنه من الاحكام وغير ذلك من اخباره عن الله. الباقون بالضاد - بمعنى انه ليس بخيلا لا يمنع أحدا من تعليمه ولا يكتمه

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 58 المجادلة آية 6 (*)

 

===============

(285)

دونه. وفى المصحف بالضاد.

قوله (فلا اقسم بالخنس) معناه إقسم و (لا) صلة. وقد بينا نظائره فيما مضى. و (الخنس) جمع خانس، وهو الغائب عن طلوع، خنست الوحشية في الكناس إذا غابت فيه بعد طلوع. وروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): أن الخنس

 النجوم لانها تخنس بالنهار وتبدو بالليل. وقيل: تخنس في مغيبها بعد طلوعها، وبه قال الحسن ومجاهد. وقال ابن مسعود وسعيد بن جبير والضحاك: هي الظباء.

وقيل: القسم بالنجوم الخنس بهرام وزحل والمشتري وعطارد والزهرة. وقوله (الجوار الكنس) معناه النجوم التى تجري في مسيرها ثم تغيب في مغاربها على ما دبره تعالى فيها ففي طلوعها، ثم جريها في مسيرها، ثم غيبتها في مواقفها من الاية العظيمة والدلالة الباهرة المؤدية إلى معرفته تعالى ما لا يخفى على متأمل معرفته وعظيم شأنه، فالجارية النجوم السيارة، والجارية السفن في البحار، والجارية المرأة الشابة.

وقوله (الكنس) نعت ل (الجوار) وهو جمع (كانس) وهي الغيب في مثل الكناس، وهو كناس الوحشية بيت تتخذه من الشجرة تختفي فيه، قال طرفة:

كأن كناسي ضالة مكنفانها * واطرقسي تحت صلب مؤيد (1)

وقوله (والليل إذا عسعس) قسم آخر، ومعنى (عسعس) أدبر بظلامه - في قول أمير المؤمنين علي (عليه السلام)وابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد - وقال الحسن ومجاهد في رواية والفضل بن عطية: أقبل بظلامه، وتقول العرب:

عسعس الليل إذا أدبر بظلامه. قال علقمة بن قرط:

حتى إذا الصبح لها تنفسا * وانجاب عنها ليلها وعسعسا (2)

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) ديوانه 25 وتفسير القرطبي 19 / 236 (2) مجاز القرآن 2 / 288 والطبري 30 / 43 (*)

 

===============

(286)

وقيل: عسعس دنا من أوله واظلم، والعس طلب الشئ بالليل، عس يعس عسا، ومنه أخذ العسس. وقال صاحب العين: العس نقض الليل عن أهل الريبة والعس قدح عظيم من خشب أو غيره، وكأن أصله امتلاء الشئ بما فيه، فقدح اللبن من شأنه أن يمتلئ به، ويمتلى، الليل بما فيه من الظلام، وعسعس أدبر بامتلاء ظلامه. وقال الحسن (والليل إذا عسعس) معناه إذا أظلم والصبح إذا تنفس إذا أسفر.

وقوله (والصبح إذا تنفس) قسم آخر بالصبح إذا أضاء وامتد ضوءه يقال:

تنفس الصبح وتنفس النهار إذا امتد بضوئه، والتنفس امتداد هواء الجوف بالخروج من الفم والانف يقال: تنفس الصعداء وقوله (إنه لقول رسول كريم) جواب الاقسام التى مضت، ومعنى (انه لقول) يعني القرآن (رسول كريم) وهو جبرائيل (عليه السلام)- في قول قتادة والحسن - بمعنى إنه سمعه من جبرائيل، ولم يقله من قبل نفسه. وقال: يجوز أن يراد به محمد (صلى الله عليه وآله) فانه أتى به من عند الله. وقوله (ذي قوة) معناه قوي على أمر الله. وقيل: معناه قوي في نفسه - في قول من قال: عنى به جبرائيل - لان من قوته قلبه قريات لوط بقوادم اجنحته.

وقوله (عند ذي العرش) معناه عند الله صاحب العرش (مكين) أى متمكن عنده وفي الكلام تعظيم للرسول بأنه كريم، وأنه مكين عند ذي العرش العظيم وأن الله تعالى أكد ذلك اتم التأكيد. وقوله (مطاع ثم أمين) من قال المراد بالرسول جبرائيل، قال معناه إنه مطاع في الملائكة، أمين على وحي الله. وقال: عنى به الرسول (صلى الله عليه وآله) قال: معناه إنه يجب أن يطاع وأن من أطاعه فيما يدعوه اليه كان فائزا بخير الدنيا والاخرة. ويرجو بطاعته الثواب ويأمن

 

===============

(287)

من العقاب، وإنه (صلى الله عليه وآله) كان يدعى الامين قبل البعث فالامين هو الحقيق بأن يؤتمن من حيث لا يخون، ولا يقول الزور، ويعمل بالحق في الامور.

ثم خاطب تعالى جماعة الكفار فقال (وما صاحبكم بمجنون) أي ليس صاحبكم الذي يدعوكم إلى الله وإخلاص عبادته بمؤف العقل على ما ترمونه به من الجنون.

والمجنون المغطى على عقله حتى لا يدرك الامور على ما هي به للافة الغامرة له، فبغمور الافة يتميز من النائم، لان النوم ليس بآفة ولا عاهة.

وقوله (ولقد رآه بالافق المبين) معناه إن النبي (صلى الله عليه وآله) رأى جبرائيل (عليه السلام)على صورته التى خلقه الله عليها بالافق المبين، فالافق ناحية من السماء يقال: هو كالنجم في الافق، وفلان ينظر في أفق السماء. وقوله (مبين) أي هو ظاهر انه في أفاق السماء من غير تخيل لا يرجع إلى يقين. وقال الحسن وقتادة: الافق المبين حيث تطلع الشمس. وقوله (وما هو على الغيب بضنين) قال ابن عباس وسعيد بن جبير وابراهيم والضحاك:، معناه ليس على وحي الله وما يخبر به من الاخبار بمتهم أي ليس ممن ينبغي أن يظن به الريبة، لان أحواله ناطقة بالصدق والامانة، ومن قرأ بالضاد معناه ليس ببخيل على الغيب.

وقوله (وما هو بقول شيطان رجيم) معناه أنه ليس هذا القرآن قولا لشيطان رجيم، قال الحسن: معناه رجمه الله باللعنة. وقيل رجيم بالشهب طردا من السماء، فهو (فعيل) بمعنى (مفعول). وقوله (فأين تذهبون) معناه أين تذهبون عن الحق الذي قد ظهر أمره وبدت أعلامه إلى الضلال الذي فيه البوار والهلاك، وهو استبطاء لهم في القعود عن النبي (صلى الله عليه وآله) ، والعمل بما يوجبه القرآن، فالذهاب هو المصير عن شئ إلى شئ بالنفوذ في الامر. قال بعض بني عقيل:

 

===============

(288)

تصيح بنا حنفية إذ رأتنا * وأي الارض نذهب بالصباح (1)

يعني إلى أي الارض، وقيل معناه فأي طريق يسلكون أبين من الطريق الذي بينه لكم (إن هو إلا ذكر للعالمين) يمكنكم أن تتوصلوا به إلى الحق. والذكر ضد السهو وعليه يتضاد العلم وأضداده، لان الذاكر لا يخلو من أن يكون عالما او جاهلا مقلدا أو شاكا، ولا يصح شئ من ذلك مع السهو الذي يضاد الذكر.

وقال الرماني: الذكر إدراك النفس الذي يضاد للمعنى بما يضاد السهو. و (العالمين) جمع عالم. وقد فسرناه في ما مضى.

وقوله (لمن شاء منكم ان يستقيم) على أمر الله ووعظ. وقوله (وما تشاؤه إلا أن يشاء الله رب العالمين) قيل في معناه ثلاثة اقوال:

احدها - وما تشاؤن من الاستقامة إلا وقد شاءها الله، لانه قد جرى ذكرها فرجعت الكناية اليها، ولا يجوز أن يشاء العبد الاستقامة إلا وقد شاءها الله، لانه أمر بها ورغب فيها أتم الترغيب، ومن ترغيبه فيه إرادته له.

والثاني - وما تشاؤن شيئا إلا أن يشاء الله تمكينكم منه، لان الكلام يقتضي الاقتدار على تمكينهم إذا شاء ومنعهم إذا شاء.

الثالث - وما تشاؤن إلا أن يشاء الله ان يلطف لكم في الاستقامة لما في الكلام من معنى النعمة.

وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال شيبتني (هود) وأخواتها (الواقعة) و (إذا الشمس كورت) وهو جميع ما وعظ الله به عباده.

فان قيل: اليس ان أنسا لما سئل هل اختضب رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال ما شأنه الشيب، فقال: أو شين هو ياأبا حمزة. فقال كلكم يكرهه؟

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) تفسير القرطبي 19 / 241 (*)

 

===============

(289)

قيل عنه جوابان احدهما - أنه روي أن عليا (عليه السلام)لما غسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجد في لحيته شعرات بيضاء، وما لا يظهر إلا بعد التفتيش لا يكون شيبا. الثاني - أنه أراد لو كان أمر يشيب منه إنسان لشبت من قراءة ما في هذه السورة، وما فيها من الوعيد كما قال (يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى) (1) وإنما أراد عظم الاهوال على ما بيناه.

82 - سورة الانفطار مكية في قول ابن عباس والضحاك، وهي تسع عشرة آية بلا خلاف بسم الله الرحمن الرحيم (إذا السماء انفطرت (1) وإذا الكواكب انتثرت (2) وإذا البحار فجرت (3) وإذا القبور بعثرت (4) علمت نفس ما قدمت وأخرت (5) يا أيها الانسان ما غرك بربك الكريم (6) الذي خلقك فسويك فعدلك (7) في أي صورة ما شاء ركبك (8) كلا بل

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 22 الحج آية 2 (ج 10 م 37 من التبيان) (*)

 

===============

(290)

تكذبون بالدين (9) وإن عليكم لحافظين (10) كراما كاتبين (11)

يعلمون ما تفعلون) (12) اثنتا عشرة آية.

قرأ أهل الكوفة (فعدلك) خفيفا. الباقون مشددا. وقرأ ابوجعفر (بل يكذبون) بالياء على الخبر الباقون بالتاء على الخطاب. وادغم حمزة والكسائي اللام في التاء ووافقهم الحلواني عن هشام.

هذاخطاب من الله تعالى للمكلفين من عباده، وفيه تهديد ووعيد فانه يقول (إذا السماء انفطرت) يعني انشقت، فالانفطار انقطاع الشئ من الجهات مثل تفطر، ومنه الفطير قطع العجين قبل بلوغه بما هو مناف لا ستوائه، فطره يفطره اذا أوجده بما هو لقطع ما يصد عنه. والانفطاره والانشقاق والانصداع واحد.

وقوله (وإذا الكواكب انتثرت) معناه إذا النجوم تساقطت وتواقعت، فالانتثار تساقط الشئ من الجهات يقال: انتثر ينثر انتثارا ونثره ينثره نثرا، واستنثر استنثارا والنثر من الكلام خلاف النظم (وإذا البحار فجرت) أي خرق بعض مواضع الماء إلى بعض يقال فجر الانهار يفجرها تفجيرا، ومنه الفجر لا نفجاره بالضياء، ومنه الفجور الانحراق لا نخراق صاحبه بالخروج إلى كثير من الذنوب. وقال قتادة معنى فجرت أى تفجر عذبها في مالحها، ومالحها في عذبها وقوله (وإذا القبور بعثر) معناه بحثر يقال: بعثر فلان حوضه وبحثره بمعنى واحد إذا جعل اسفله أعلاه، والبحثرة إثارة الشئ بقلب باطنه إلى ظاهره.

وقل ابن عباس: بعثرت بحثت.

وقوله (علمت نفس ما قدمت واخرت) جواب الشرط في قوله (إذا السماء انفطرت) وما بعده من الشروط. ومعنى (ما قدمت وأخرت) ما اخذت

 

===============

(291)

وتركت مما يستحق به الجزاء. وقيل: معناه كل ما يستحق به الجزاء مماكان في اول عمره اوآخره. وقيل: معناه ما قدمت من عملها وما أخرت من سنة سنتها يعمل بها - ذكره القرطي - وقال ابن عباس وقتادة: معناه ما قدمت من طاعة أو تركت وقيل ما قدمت بعمله.

وقوله (ياأيها الانسان) خطاب لجميع الناس من المكلفين يقول الله لهم لكل واحد منهم (ما غرك بربك الكريم) أي أي شئ غرك بخالقك حتى عصيته فيما أمرك به ونهاك عنه، فالغرور ظهور أمر يتوهم به جهل الامان من المحذور تقول:

غر يغر غرورا واغتره يغتره اغترارا قال الحلوث ابن حلزة:

لم يغروكم غرورا ولكن * رفع الال جمعهم والضحاء (1)

والكريم القادر على التكرم من غير مانع، ومن هذه صفته لا يجوز الاغترار به، لان تكرمه على ما يقتضيه الحكمة من مجازاة المحسن باحسانه والمسيئ باساءته.

قال قتادة: غر الشيطان غرورا، وقيل: غره بجهله الوجه في طول الامهال، وقوله (الذي خلقك فسواك) نعت ل (ربك)، وهو في موضع الجر. وقوله (فسواك)

التسوية التعديل، والمراد - ههنا - تسوية الله تعالى آلته من اليدين والرجلين والعينين ونحو ذلك (فعدلك) في المزاج على وجه يصح معه وجود الحياة. ومن خفف الدال أراد صرفك إلى أي صورة شاء من حسن أو قبح، ومن ثقل أراد جعلك معدل الخلق معتدلا. واختار الفراء التشديد، لان (في) مع التعديل أحسن و (إلى) مع العدل.

قوله (في أي صورة ما شاء ركبك) فالصورة البنية التي تميل بالتأليف إلى ممايلة الحكاية وهي من صاره يصوره صورا إذا ماله، ومنه قوله (فصرهن

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) مر في 8 / 322 (*)

 

===============

(292)

اليك) (1) أى املهن اليك، ولو كانت بنية من غير مما يلة لم يكن صورة. وقال مجاهد: معناه (في أي صورة ما شاء ركبك) من شبه أب او أم او خال او عم.

وقال قوم: معناه في أي صورة ما شاء ركبك من ذكر او أنثى وجسيم اونحيف وطويل اوقصير ومستحسن أو مستقبح، ومن قال: الانسان غير هذه الجملة أستدل بقوله (في أي صورة ما شاء ركبك) قالوا لانه بين أنه يركب القابل في أى صورة شاء، فدل على أنه غير الصورة. وقد بينا القول في تأويل ذلك، على أن عندهم أن ذلك الحي لا يصح عليه التركب والله تعالى بين أنه يركبه كيف شاء، وفي أي صورة شاء وذلك خلاف مذهبهم.

ثم قال (كلا بل تكذبون بالدين) ومعنى (كلا) الردع والزجر أي ارتدعوا وانزجروا، وقيل: معناه حقا بل تكذبون معاشر الكفار بالدين الذي هو الجزاء من الثواب والعقاب لانكاركم البعث والنشور - ذكره مجاهد وقتادة - وقيل: بل تكذبون بالدين الذي جاء به محمد (صلى الله عليه وآله) ثم قال مهددا لهم (وإن عليكم لحافظين)

يعني من الملائكة يحفظون عليكم ما تعملون من الطاعة والمعصية. ثم وصفهم فقال (كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون) أي لا يخفى عليهم شئ من الذي تعملونه فيثبتون ذلك كله. وقيل: إن الملائكة تعلم مايفعله العبد إما باضطرار كما تعلم أنه يقصد إلى خطابنا وأمرنا ونهينا وإما باستدلال إذا رآه وقد ظهر منه الامور التي لا تكون إلا عن علم وقصد من نحو التحري في الوزن والكيل، ورد الوديعة وقضاء الدين مما يتعمد فيه أهل الحقوق دون غيرهم، وقال الحسن: يعلمون ما تفعلون من الظاهر دون الباطن. وقيل: بل هو على ظاهر العموم لان الله تعالى يعلمهم إياه.

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 2 البقرة آية 260 (*)

 

===============

(293)

قوله تعالى:

(إن الابرار لفي نعيم (13) وإن الفجار لفي جحيم (14)

يصلونها يوم الدين (15) وما هم عنها بغائبين (16) وما أدريك ما يوم الدين (17) ثم ما أدريك ما يوم الدين (18) يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والامر يومئذ لله) (19) سبع آيات.

قرأ ابن كثير وأهل البصرة (يوم لا تملك) برفع الميم. الباقون بالنصب على الظرف، ويجوز أن ينصبه باضمار فعل أى نقول يوم لا تملك، ومن رفع استأنف ويجوز أن يجعله بدلا مما يفعله. وقيل: ان (يوم) إذا أضيف إلى فعل مضارع رفع وإذا اضيف إلى فعل ماض نصب، نحو قولهم: يوم يفعل، ويوم فعل، وقال ابو علي: من رفع جعله خبر ابتداء محذوف، وتقديره هو يوم: ومن نصب فعلى أن يكون الخبر على الجزاء، فكأنه قال الجزاء يوم لا تملك نفس.

يقول الله تعالى مخبرا (إن الابرار لفي نعيم) وهم الذين يفعلون الطاعات التي يستحقون بها الجنة والثواب بأنواع اللذات جزاء على طاعاتهم، واخبر ايضا (وإن الفجار) وهم الذين خرجوا عن طاعة الله إلى معصيته والمرادبه - ههنا - الكفار (لفي جحيم) جزاء على كفرهم ومعاصيهم (يصلونها يوم الدين وما هم عنها بغائبين)

يعني لا يكونون غائبين عن الجحيم بل يكونون مؤبدين فيها، وليس يدل ذلك على أن فساق أهل الملة لا يخرجون من النار، لانا بينا أن الاية مخصوصة بالكفار من حيث بينا في غير موضع أن معهم ثوابا دائما على - إيمانهم لم ينحبط لبطلان القول بالتحابط، فاذا لابد من إخراجهم من النار ليوفوا ثوابهم. وقوله (يصلونها يوم

 

===============

(294)

الدين) معناه إن الفجار يصلون في الجحيم يو م الجزاء على الاعمال. وسمي الاسلام دينا لانه يستحق به الجزاء لان أصل الدين الجزاء، ودين اليهودية وغيرها يستحق بها العقاب. ومعنى قوله (يصلونها) يلزمونها بكونهم فيها ومنه المصطلي الملازم للنار متدفيا، صلى يصلي صلا واصطلي يصطلي اصطلاء.

وقوله (وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين) تعظيم ليوم الجزاء بلفظ الاستفهام، والغرض فيه التنبيه على عظم حاله وما يستحق به من ثواب وعقاب ليعمل العباد بما يؤديهم إلى الثواب والجنة والنجاة من العقاب، وعظم يوم الدين لشدة الحاجة إلى نعيم الجنة، والنجاة من النار ومن جملة العصاة، فلا يوم أعظم من ذلك.

ثم فسر تعالى ذلك وبينه بعد أن عظمه فقال (يوم لا تملك نفس لنفس شيئا) ومعناه لا يملك أحد الدفاع عن غيره ممن يستحق العقاب كما يملك كثير من الناس ذلك في الدنيا، فان الامر في ذلك اليوم لله وحده لم يملك أحدا شيئا من الامور كما ملكهم اشياء كثيرة في دار الدنيا. وقيل: معناه إنه لا يمكن أحدا أن يجازي احدا إلا بالحق بأمر الله تعالى.

 

===============

(295)

83 - سورة المطففين مكية في قول ابن عباس وقال الضحاك هي مدنية وهي ست وثلاثون آية بلا خلاف بسم الله الرحمن الرحيم (ويل للمطففين (1) الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون (2) وإذا كالوهم أووزنوهم يخسرون (3) ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون (4) ليوم عظيم (5) يوم يقوم الناس لرب العالمين) (6) ست آيات.

(ويل) كلمة موضوعة للوعيد والتهديد، ويقال ذلك لمن وقع في هلاك وعقاب. وقيل: إن ويلا واد في جهنم قعره سبعون سنة. وقيل (ويل) دعاء عليهم. وقال ابن عباس: كان أهل المدينة من أخبث الناس كلا إلى أن انزل الله تعالى (ويل للمطففين) فاحسنوا الكيل، فهدد الله تعالى بهذا الخطاب كل من بخس غيره وحقه ونقصه ماله من مكيل اوموزون، فالمطفف المقلل حق صاحبه بنقصانه عن الحق في كيل أووزن. والطفيف النزر القليل، وهو مأخوذ من طف الشئ وهو جانبه، والتطفيف التنقيص على وجه الخيانة في الكيل أو الوزن، وأما التنقيص

 

===============

(296)

في ما يرجع إلى مقدار الحق فلا يكون تطفيفا، ولفظة (المطفف) صفة ذم لا تطلق على من طفف شيئا يسيرا إلى أن يصير إلى حال تتفاحش، وفي الناس من قال:

لا يطلق حتى يطفف أقل ما يجب فيه القطع في السيرقة، لانه المقطوع على أنه كبيرة.

وقوله (الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون) فالاكتيال الاخذ بالكيل ونظيره الاتزان وهو الاخذ بالوزن، والاعتداد الاخذ بالعدد، يقال: اكتان يكتال اكتيالا، وكاله يكيله كيلا وكايله مكايلة وتكايل تكايلا، وإنما ذكر في الذم (إذا اكتالوا على الناس يستوفون) ليبين منزلتهم في تعدي الحق بأنهم لم ينقصوا الناس عن طريق مسامحة يعاملون الناس بمثل ذلك بل على محض الظلم في البخس. ويقال:

اكتالوا ما عليهم بمعنى اخذوا ما عليهم، واكتالوا منهم أى استوفوا منهم. وقيل:

على الناس، فكنى عنهم. وقوله (وإذا كالوهم أووزنوهم يخسرون) كان عيسى ابن عمر يجعل (هم) فصلا في موضع رفع بمعنى الفاعل. والباقون يجعلونه في موضع نصب، وهو الصحيح، وهو قول اكثر المفسرين. وأهل الحجاز يقولون:

وزنتك حقك وكلتك طعامك. وغيرهم يقولون: كالوالهم ووزنوا لهم، وفي الكتاب (كالوهم أووزنوهم) بلا الف. ومن قال تقديره: كالواهم أووزنوا لهم، قال حذف (لهم) للايجاز من غير اخلال بالمعنى، ويقال أخسر وخسر لغتان إذا نقص الحق.

وقوله (ألا يظن أولئك انهم مبعوثون ليوم عظيم) تبكيت للكافر ولكل ظالم وباخس حق غيره في صورة الاستفهام. و (الظن) ههنا بمعنى العلم، وتقديره ألا يعلم انه يبعث يوم القيامة ويجازى على افعاله من طاعة او مصية فيجازى بحسبها في اليوم الذى وصفه بأنه يوم عظيم. ويحتمل أن يكون المراد بالظن الحسبان ايضا من ظن الجزاء والبعث وقوي في نفسه ذلك، وإن لم يكن عالما يجب عليه أن

 

===============

(297)

يتحرز ويجتنب المعاصي خوفا من العقاب الذي يجوزه ويظنه، كما أن من ظن العطب في سلوك طريق وجب أن يتجنب السلوك فيه. قال البلخي: قال قوم:، المعنى افما يوقنون انهم مبعوثون، جعله خطايا للمؤمنين المصدقين بالبعث. ثم زاد في صفة يوم القيامة الذي وصفه بأنه يوم عظيم وبينه فقال (يوم يقوم الناس لرب العالمين) أي يوم يبعثون يوم تقوم الناس من قبورهم ويجتمعون في ارض المحشر، وإنما يقومون من قبورهم إلى ارض المحشر لجزاء رب العالمين، وحذف ذلك الدلالة عليه، ويحتمل (يوم يقوم) ثلاث أوجه: النصب على ذلك اليوم يقوم او مبعوثون يوم يقوم. والرفع على الاستئناف، والجر على البدل من (ليوم عظيم) وقال قتادة: يقومون مقدار ثلثمائة سنة ويقصر على المؤمنين حتى يكون كأحدى صلاة المكتوبة، وروي في الخبر عن النبي (صلى الله عليه وآله) ان أحدهم ليغيب في رشجه إلى انصاف أذنيه.

قوله تعالى:

(كلا إن كتاب الفجار لفي سجين (7) وما أدريك ما سجين (8) كتاب مرقوم (9) ويل يومئذ للمكذبين 10) ألذين يكذبون بيوم الدين (11) وما يكذب به إلا كل معتد أثيم (12)

إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الاولين (13) كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون (14) كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون (15) ثم إنهم لصالوا الجحيم (16) ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون) (17) احدى عشرة آية.

(ج 10 م 38 من التبيان)

 

===============

(298)

روى حفص عن عاصم والمسيبئ إلا هبة (بل ران) باظهار اللام. الباقون بالادغام. وأمال اهل الكوفة إلا الاعشى والبرجمي (ران)

قيل في اصل قوله (كلا) قولان:

احدهما - إنها كلمة واحدة من غير تركيب وضعت المردع والزجر، وجرى ذلك مجرى الاصوات من نحو (صه، ومه) وما اشبههما والثاني - أن يكون الكاف للتشبيه دخلت على (لا) وشددت للمبالغة في الزجر مع الايذان بتركيب اللفظ.

ومعنى الاية ارتدعوا أيها الكفار والعصاة وانزجروا عن المعاصي معاشر الكفار، ليس الامر على ما تظنون بل (إن كتاب الفجار) يعني كتابهم الذي نبتت أعمالهم من المعاصي والفجور (لفي سجين) قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: يعني في الارض السابغة السفلى، وهو قول الضحاك. وقال مجاهد: تحت صخرة في الارض السابعة السفلى، وروي في الخبر أن (سجين) جب في جهنم. وقال ابو عبيدة: سجين شديد، وأنشد:

ضربا تواصى به الابطال سجينا (1)

يعني شديدا، فكأنه كشدة السجن، ويكون معناه شديد عذابه. وقيل:

السجين هوالسجن على التخليد فيه، فهو (فعيل) من سجنته أسجنه سجنا، وفيه مبالغة، كما يقال: شريب من الشرب، وسكير من السكر، وشرير من الشر.

وقيل: الوجه في جعل كتاب الفجار في سجبن أن تخليده فيه يقوم مقام التقريع وإن عقابهم لايفنى ولا يبيد كما لا يفنى كتاب سيئاتهم ولا يبيد، ثم قال على وجه التعظيم والتفخيم و (ما أدراك ما سجين) أي تفصيله لاتعلمه وإن علمته

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) مر في 6 / 45 (*)

 

===============

(299)

مجملا. ثم قال مفسرا لذلك (كتاب مرقوم) فالرقم طبع الخط بما فيه علامة لامر يقال: رقمه يرقمه رقما فهو راقم والشئ مرقوم ومنه قمت الثوب بعلامة لئلا يختلط، والمعنى إن هذا الكتاب الذي هو في السجن كتاب قد كتب فيه جميع أفعاله من المعاصي والكفر.

ثم قال (ويل يومئذ للمكذبين) فهو تهديد لمن كذب بيوم الجزاء ولم يصدق بصحة الخبر بكونه، ثم فسر من عنى من المكذبين، فقال (الذين يكذبون بيوم الدين) يعني يوم الجزاء، وهو يوم القيامة، لان من كذب بالباطل وجحده لا يتوجه اليه الوعيد بل هو ممدوح فلو أطلق كان فيه إبهام. ثم قال (وما يكذب به) أي ليس يكذب بيوم الجزاء (الا كل معتد أثيم) فالمعتدي المتجاوز الحق إلى الباطل، يقال: اعتدى اعتداء، فهو معتد. والعادي الخارج عن الحق، عدا يعدو عدوانا وأصله مجاوزة الحد ومن ذلك العداوة وهي مجاوزة الحد في الابغاض، والعدو مجاوزة الحد في اسراع المشي، والاثيم مكتسب القبيح أثم يأثم إثما فهو آثم واثيم وأثمه تأثيما إذا نسبه إلى الاثم، وتأثم من فعل كذا كقولك تحرج منه للاثم به وقال قتادة: اثيم في مريته، ثم وصف المعتدي الاثيم، فقال (إذا تتلى عليه آياتنا)

أي اذا قرئت عليه حجج الله من القرآن وما فيه من الادلة (قال الساطير الاولين)

فواحد الاساطير أسطورة مثل أحدوثه وأحاديث. وقيل: معناه أباطيل الاولين.

وقيل: معناه هذا ما سطره الاولون أي كتبوه، ولا أصل له. ثم قال تعالى (كلا بل ران على قلوبهم) معناه ليس الامر على ما قالوه بل غلب على قلوبهم يقال منه: رانت الخمر على عقله ترين رينا إذا سكر فغلبت على عقله، فالرين غلبة السكر على القلب. قال ابوزبيد الطائي:

ثم لما رأوه رانت به الخمر * وإن لا يرينه بالقاء

أي مخافة يسكر، فهي لا تبقيه وقال الراجز:

 

===============

(300)

لم تروحني نكرت ورين بي * ورين بالسافي الذي أمسى معي

وقال الحسن: وقتادة: الرين الذنب على الذنب حتى يموت القلب. وقال ابن زيد: غلبت الذنوب على القلوب، فلا يخلص اليها خير العلوم. وقيل: معنى (ران)

غطى وعشى. وقوله (ما كانوا يكسبون) (ما) في موضع رفع، لانها الفاعلة لران وما يكسبون يعني من المعاصي، لان الطاعات وان كسبوها فما رانت على قلوبهم قال البلخي: وفي ذلك دلالة على صحة ما يقوله أهل العدل في تفسير الطبع والختم والاضلال، لانه تعالى اخبر انهم الذين يجعلون الرين على قلوبهم.

ثم قال (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) قال الحسن وقتادة: هم محجوبون عن احسانه. وقيل: عن كرامته. وقيل: لممنوعون. وأصل الحجب المنع. ومنه قولهم: الاخوة تحجب الام عن الثلث إلى السدس.

ثم بين تعالى ما يفعل بهم فقال (ثم انهم لصالوا الجحيم) ومعناه لازموا الجحيم بكونهم فيها لا يغيبون عنها يقال: صلى بالنار يصلي صليا، فهو صال والمصطلي الملازم للنار للتدفي بها.

ثم حكى انه يقال لهم على وجه التقريع والتبكيت: هذا الذي فعل بكم من العقاب (هوالذى كنتم به تكذبون) في دار التكليف، وانما سمي مثل هذا الخطاب تقريعا لانه خبر بما يقرع بشدة الغم على وجه الذم، فكل خبر على هذا الوصف فهو تقريع وتوبيخ.

قوله تعالى:

(كلا إن كتاب الابرار لفي عليين (18) وما أدريك ما عليون (19) كتاب مرقوم (20) يشهده المقربون (21) إن الابرار

 

===============

(301)

لفي نعيم (22) على الارائك ينظرون (23) تعرف في وجوههم نضرة النعيم (24) يسقون من رحيق مختوم (25) ختامه مسك وفي ذلك فليتنا فس المتنافسون (26) ومزاجه من تسنيم (27) عينا يشرب بها المقربون) (28) احدى عشرة آية. قرأ الكسائي وحده (خاتمه مسك) بألف قبل التاء. الباقون (ختامه مسك) فالختام مصدر، والخاتم صفة، ونظيره: رجل كريم الطابع والطباع قال الفرزدق:

فبتن خبابتي مصرعات * وبت افض اغلاق الختام (1)

وقرأ ابوجعفر ويعقوب (تعرف) بضم التاء وفتح الراء (نضرة) بالرفع على ما لم يسم فاعله. الباقون بفتح التاء وكسر الراء ونصب (نضرة).

لما ذكر الله تعالى الفجار وما أعده لهم من أنواع العقاب وأليم العذاب ذكر الابرار وهو جمع بر مثل جبل واجبال. والابرار الذين فعلوا الطاعات واجتنبوا المعاصي، واخبر (إن كتاب الابرار لفي عليين) أي مراتب عالية محفوفة بالجلالة، فقد عظمها الله تعالى بما يدل على عظم شأنها في النعمة، وجمعت بالواو والنون تشبيها بمن يعقل في الفضل وعظم الشأن. وقال ابن عباس: العليون الجنة. وقال كعب وقتادة ومجاهد والضحاك: أرواح المؤمنين في السماء السابعة، وقال الضحاك - في رواية - عليون سدرة المنتهى، وهي التي اليها ينتهي كل شئ من أمر الله تعالى.

وقيل: عليون علو على علو مضاعف، ولهذا جمع بالواو والنون تفخيما لشأنه

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) ديوانه 2 / 665 والقرطبى 19 / 263 (*)

 

===============

(302)

قال الشاعر:

فاصبحت المذاهب قد أذاعت * به الاعصار بعد الوابلينا

يريد مطرا بعد مطر غير محدود العدد، وكذلك تفخيم شأن العد الذي ليس على الواحد، نحو ثلاثين إلى تسعين، وجرت العشرون عليه. وقيل: عليون أعلى الامكنة. وقال الحسن: معنى في عليين في السماء. وقال الجبائي: معناه في جملة الملائكة العيين، فلذلك جمع بالواو والنون.

ثم قال تعالى على وجه التعظيم لشأن هذه المنازل وتفخيم أمرها (وما ادراك ما عليون) لان تفصيلها لا يمكن العلم بها إلا بالمشاهدة دون علم الجملة. ثم قال (كتاب مرقوم) أي الكتاب الذي ثبت فيه طاعتهم (مرقوم) أي مكتوب فيه جميع طاعاتهم بما تقربه أعينهم وتوجب سرورهم بضد الكتاب الذي للفجار، لان فيه ما يسؤهم ويسخن أعينهم (يشهده المقربون) أي يشهد هذا الكتاب الملائكة المقربون أي يشاهدون جوائزهم ويرونها. ومعنى المقربون - ههنا - هم الذين قربوا إلى كرامة الله في أجل المراتب.

ثم اخبر تعالى (إن الابرار) وهم أهل البر الذين فعلوه لوجهه خالصا من وجوه القبح، فالبر النفع الذي يستحق به الشكر والحمد يقال: بر فلان بوالده فهو بار به وبر به، وجمعه أبرار (لفي نعيم) أي ويحصلون في ملاذ وأنواع من الفنع (على الارائك ينظرون) قال ابن عباس: الارائك الاسرة. وقال مجاهد: هي من اللؤلئ والياقوت، واحدها أريكة، وهو سرير في حجلة ينظرون إلى ما أعطاهم الله من الملك والكرامة، والحجلة كالقبة على الاسرة، ثم قال (تعرف في وجوههم نضرة النعيم) أي تتبين في وجوههم إشراق النعمة والسرور بها.

وقوله (بسقون من رحيق) فالرحيق الخمر الصافية الخالصة من كل غش.

 

===============

(303)

قال الخليل: هي أفضل الخمر وأجودها قال حسان:

يسقون من ورد البريص عليهم * بردا يصفق بالرحيق السلسل

وقوله (مختوم) قيل إن هذا الخمر مختوم في الانية بالمسك، وهو غير الذي يجري في الانهار. وقوله (ختامه مسك) قيل في معناه قولان:

أحدهما - ان مقطعه مسك بأن يوجد ريح المسك عند خاتمة شربه - ذكره ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك.

والثاني - أنه ختم اناؤه بالمسك بدل الطين الذي يختم بمثله الشراب في الدنيا - ذكره مجاهد وابن زيد - ومن قرأ (خاتمه) مسك أراد آخر شرابه مسك ويفتح التاء في (خاتمه لان العرب تقول: خاتم وخاتم وخاتام وخيتام. ومن قرأ (ختامه) أراد شرابهم مختوم بالمسك. والمسك معروف، وهو أجل الطيب سمي مسكا، لانه يمسك النفس لطيب ريحه والمسك - بالفتح - الجلد لامساكه ما فيه (وفي ذلك) يعني في ذلك النعيم الذي وصفه الله (فليتنافس المتنافسون)

فالتنافس تمني كل واحد من النفسين مثل الشئ النفيس الذي للنفس الاخرى أن يكون له تنافسوا في الشئ تنافسا ونافسه فيه منافسة، والجليل الذي ينفس بمثله نفيس، ونفس عليه بالامر ينفس نفاسة إذا ضن به لجلالته.

وقوله (ومزاجه) أي مزاج ذلك الشراب الذي وصفه (من تسنيم)

فالمزاج خلط المائع بالمائع كما يمزج الماء الحار بالبارد، والشراب بالماء. يقال أمزجه مزجا وامتزج امتزاجا ومازجه ممازجة وتمازجا تمازجا. والتسنيم عين الماء يجري من علو إلى سفل يتسنم عليهم من الغرف، واشتقاقه من السنام، وقال عكرمة: من تشريف، ويقال: سنام البعير لعلوه من بدنه.

وقوله (عينا يشرب بها المقربون) قيل في نصب (عين) وجوه:

 

===============

(304)

أولها - أن (تسنيم) معرفة و (عينا) قطع منها، أو حال.

الثاني - أن يكون (تسنيم) مصدرا فيجري مجرى (او إطعام في يوم ذى مسغبة يتيما) (1).

الثالث - على تقدير أعني عينا، مدحا.

الرابع - يسقون عينا، والباء زائدة، يقال: شربت عينا وشربت العين وقد فسرناه في (هل أتى).

قوله تعا لى:

(إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون (29)

وإذا مروا بهم يتغامزون (30) وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين (31) وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون (32) وما أرسلوا عليهم حافظين (33) فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون (34)

على الارائك ينظرون (35) هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون) (36)

ثمان آيات.

قرأ حفص (فكهين) بغير الف بمعنى فرحين مرحين. الباقون (فاكهين)

بألف بمعنى لاهين، وهو بمنزلة طامع وطمع، فالفاكه الطالب ما يتفكه به من نوادر الامور والفاكه الناعم المعجب بحاله والتفكه التمتع بالمأكول من غير أخذه للقوت. وقرأ ابوعمرو - في رواية هارون - وحمزة والكسائي (هل ثوب)

بالادغام، لقرب مخرج اللام من الثاء، الباقون واليزيدي عن ابي عمرو بالاظهار.

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 9 البلد آية 15 (*)

 

===============

(305)

قيل إن هذه الاية نزلت في جماعة من كفار قريش كانوا يعيرون جماعة من المسلمين الذين سبقوا إلى الايمان، ويهزؤن منهم، فقال الله تعالى مخبرا بأن المجرمين كانوا من الذين آمنوا بالله. ووحدوه وأخلصوا له العبادة وصدقوا أنبياءه (يضحكون) على وجه الاستهزاء بهم والسخرية منهم (وإذا مروا بهم) يعني إذا مر بهم المؤمنون وجازوا عليهم غمز بعضهم بعضا عليهم على وجه التعجب منهم والسخرية (وإذا انقلبوا إلى أهلهم) يعني الكفار إذا انقلبوا إلى اهلهم واصحابهم (انقلبوا فاكهين) أي لاهين. ومن قرأ (فكهين) أراد مرجين (معجبين)

بحالهم (وإذا رأوهم) يعني الكفار إذا رأوا المؤمنين في دار الدنيا (قالوا) يعني بعضهم لبعض (إن هؤلاء) وأشاروا به إلى المؤمنين (لضالون) عن طريق الحق وعادلون عن الاستقامة، فقال الله تعالى (وما أرسلوا عليهم حافظين) أي لم يرسل هؤلاء الكفار حافظين على المؤمنين، فيحفظون ما هم عليهم، والمراد بذلك الذم لهم بعيب المؤمنين بالضلال من غير أن كلفوا منعهم من المراد وأن ينطقوا في ذلك بالصواب، فضلوا بالخطأ في نسبهم إياهم إلى الضلال، فكانوا ألوم منهم لو اخطئوا فيه، وقد كلفوا الاجتهاد.

ثم قال (فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون) معناه إن يوم القيامة الذي يجازي الله تعالى كل احد على عمله فيجازي المؤمن بالثواب والنعيم، ويجازي الكافر بالعذاب والجحيم، ففي ذلك اليوم يضحك المؤمنون من الكفار، كما كان الكفار يضحكون من المؤمنين في الدنيا، وقيل الوجه في ضحك أهل الجنة من أهل النار أنهم لما كانوا أعداء الله تعالى وأعداءهم جعل لهم سرورا في تعذيبهم ولو كان العفو قدوقع عنهم لم يجز أن يجعل السرور في ذلك، لانه مضمن بالعداوة (ج 10 م من 39 من التبيان)

 

===============

(306)

وقد زالت بالعفو.

وقوله (على الارائك ينظرون) معناه إن المؤمنين على سرر في الحجال واحدها أريكة ينتظرون ما يفعله الله بهم من الثواب والنعيم في كل حال، وما ينزل بالكفار من اليم العقاب وشديد النكال.

ثم قال (هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون) وقيل في معناه قولان:

احدهما - هل جوزي الكفار إذا فعل بهم هذا الذي ذكر بما كانوا يفعلون.

الثاني - ينظرون هل جوزي الكفار، فيكون موضعه نصبا ب (ينظرون) والاول استئناف لا موضع له. وإنما قال (هل ثوب) لان الثواب في أصل اللغة الجزاء الذي يرجع على العامل بعمله، وإن كان الجزاء بالنعيم على الاعمال في العرف، يقال: ثاب الماء يثوب ثوبا إذا رجع، وثاب اليه عقله إذا رجع. ومنه التثاؤب.

وقال قوم: يقول المؤمنون بعضهم لبعض: هل جوزي الكفار ما كانوا يفعلون سرورا بما ينزل بهم. ويجوز أن يكون ذلك من قول الله أو قول الملائكة للمؤمنين تنبيها لهم على أنه جوزي الكفار على كفرهم وسخريتهم بالمؤمنين وهزئهم، بأنواع العذاب ليزدادوا بذلك سرورا إلى سرورهم.

 

===============

(307)

84 - سورة الانشقاق مكية في قول ابن عباس والضحاك، وهي خمس وعشرون آية في الكوفي والمدنيين وثلاث في البصري.

بسم الله الرحمن الرحيم (إذا السماء انشقت (1) وأذنت لربها وحقت (2) وإذا الارض مدت (3) وألقت ما فيها وتخلت (4) وأذنت لربها وحقت (5) يا أيها الانسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه (6)

فأما من أوتي كتابه بيمينه (7) فسوف يحاسب حسابا يسيرا (8)

وينقلب إلى أهله مسرورا) (9) تسع آيات.

يقول الله تعالى لنبيه وهو متوجه إلى جميع المكلفين على وجه الوعيد لهم والتخويف من عقابه والتنبيه لهم على قرب أو ان مجيئه (إذا السماء انشقت) وتقديره إذكر إذا السماء انشقت، ومعناه إذا انفطرت السماء وتصدعت وانفرجت، فالانشقاق افتراق إمتداد عن إلتئام، فكل انشقاق افتراق وليس كل افتراق انشقاقا وقيل: الانشقاق الانفطار، والانصداع الانفراج.

وقوله (وأذنت لربها وحقت) قال ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد

 

===============

(308)

وقتادة: معناه سمعت وأطاعت أي كأنها سمعت بأذن وأطاعت بانقياد لتدبير الله.

تقول العرب أذن لك هذا الامر أذنا بمعنى أسمع لك قال عدي بن زيد:

ايها القلب تعلل بددن، إن همي في سماع وأذن وقال آخر:

صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به * وإن ذكرت بسوء عندهم اذنوا (1)

أي سمعوا وقال عدي بن زيد:

في سماع يأذن الشيخ له * وحديث مثل ما ذي مشار 2)

وقيل إن معنى و (حقت) حق لها أن تأذن بالانقياد لامر ربها، يقال: حق له أن يكون على هذا الامر بمعنى جعل ذلك حقا.

وقوله (وإذا الارض مدت روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (تمد الارض يوم القيامة مثل الاديم) ومعنى (مدت) بسطت إن الله تعالى يأمر بأن تمد مد الاديم العكاظي حتى يزيد في سعتها. وقيل معناه إنها تبسط باندكاك جبالها وآكامها حتى تصير كالصحيفة الملساء.

وقوله (والقت ما فيها وتخلت) معناه القت ما فيها من المعادن وغيرها، وتخلت منها، وذلك مما يؤذن بعظم الامر كما تلقي الحامل ما في بطنها عند الشدة وقال قتادة ومجاهد: أخرجت الارض أثقالها. وقوله (وأذنت لربها وحقت) قد فسرناه وليس هذا على وجه التكرار، لان الاول في صفة السماء والثاني في صفة الارض فليس بتكرار وهذا كله من أشراط الساعة وجلائل الامور التى تكون فيها. وجواب (إذا السماء انشقت) محذوف وتقديره إذا كانت هذه الاشياء التي ذكرها وعددها رأى الانسان ما قدم من خير اوشر، وقيل جوابه في (إنك كادح) قال ابن خالويه الفاء مقدرة

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) مر في 5 / 44 (2) مر في 5 / 287 (*)

 

===============

(309)

والتقدير إذا السماء انشقت إلى قوله (وحقت) فيا أيها الانسان إنك كادح. وقال البلخي: الواو زائدة وجواب قوله (أذنت لربها) (وحقت) وهو كقوله (حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها) والاول هو الوجه.

وقوله (يا أيها الانسان) خطاب لجميع المكلفين من البشر من ولد آدم يقول الله لهم ولكل واحد منهم (يا أيها الانسان إنك كادح) والكدح السعي الشديد في الامر يقال: كدح الانسان في أمره يكدح، وفيه كدوح وخدوش أي آثار من شدة السعي في الامر، ومعنى (كادح إلى ربك كدحا) ايها الانسان إنك في امرك بشدة ومشقة إلى أن تلقى جزاء عملك من ربك، فانت لا تخلو في الدنيا من مشقة، فلا تعمل لها، واعمل لغيرها فيما تصير به إلى الراحة من الكدح، فالغني والفقير كل واحد منهما يكدح ما يقتضيه حاله. وقوله (فملاقيه) تفخيم لشأن الامر الذي يلقى من جهته، فجعل لذلك لقاء جزائه، لقاءه وهذا من المعاني العجيبة والحكمة البالغة والهاء في (فملاقيه) يحتمل أمرين: أن تكون كناية عن الله، وتقديره فملاقي ربك أي تلاقى جزاء ربك، ويحتمل أن تكون كناية عن الكدح، وتقديره فملاقي كدحك الذي هو عملك. وقال تميم بن مقبل:

وما الدهر إلا تارتان فمنهما * أموت واخرى ابتغى العيش اكدح (1)

أي ادؤب وأسعى في طلب العيش. ثم قسم تعالى أحوال الخلق يوم القيامة فقال (فأما من أوتي كتابه بيمينه) يعني من أعطي كتابه الذي فيه ثبت أعماله من طاعة او معصية بيده اليمنى (فسوف يحاسب حسابا يسيرا) أي يواقف على ما عمل من الحسنات وماله عليها من الثواب، وماحط عنه من الاوزار إما بالتوبة أو المغفرة، فالحساب اليسير التجاوز عن السيئات، والاحتساب بالحسنات. ومن

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) مر في 3 / 212 و 4 / 77 و 8 / 243 (*)

 

===============

(310)

نوقش بالحساب هلك، روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) ، وقوله (وينقلب إلى أهله مسرورا أي فرحا مستبشرا. وقيل المراد بالاهل - ههنا - هم الذين أعد الله لهم من الحور العين، ويجوز أن يكون المراد أقاربه إذا كانوا من أهل الجنة والسرور هو الاعتقاد أو العلم بوصول نفع اليه في المستقبل أو دفع ضرر عنه وقال قوم: هو معنى في القلب يلتذ لاجله بنيل المشتهى يقال: سر بكذا من مال أو ولد أو بلوغ أمل يسر سرورا.

قوله تعالى:

(وأما من أوتي كتابه وراء ظهره (10) فسوف يدعو ثبورا (11)

ويصلي سعيرا (12) إنه كان في أهله مسرورا (13) إنه ظن أن لن يحور (14) بلى إن ربه كان به بصيرا) (15) ست آيات.

قرأ نافع وابن عامر وابن كثير والكسائي (يصلى) بضم الياء وفتح الصاد وتشديد اللام. الباقون بفتح الياء وإسكان الصاد خفيفة. وأماله أهل الكوفة إلا عاصما.

لما ذكر الله تعالى حكم من يعطى كتابه بيمينه من المؤمنين وأهل الطاعات وما أعدلهم من أنواع النعيم وإنقلابه إلى أهله مسرورا، ذكر حكم الكفار الذين يعطون كتاب أعمالهم وراء ظهورهم، وروي أنه يخرج شماله من ظهره، ويعطي كتابه فيه. والوجه في ذلك ما قدمناه من كون ذلك امارة للملاكة والخلائق أنه من أهل النار كما أن إعطاء الكتاب باليمين علامة على أنه من أهل الجنة.

ثم حكى ما يحل به فقال (فسوف يدعو ثبورا) فالثبور الهلاك أى يقول واهلاكاه. والمثبور الهالك. وقيل: إنه يقول واثبوراه. وقال الضحاك يدعو

 

===============

(311)

بالهلاك. وأصل الثبور الهلاك يقال: ثبره الله يثبره ثبرا إذا أهلكه. ومثبر الناقة الموضع الذى تطرح ولدها فيه، لانها تشفي به على الهلاك، وثبر البحر إذا جزر لهلاكه بانقطاع مائه، يقال: تثابرت الرجال في الحرب إذا تواثبت، لاشفائها على الهلاك بالمواثبة. والمثابر على الشئ المواظب عليه لحمله نفسه على الهلاك بشدة المواظبة.

وثبير جبل معروف والمثبرة تراب شبيه بالنورة إذا وصل عرق النخل اليه وقف، لانه يهلكه، وإنما يقول: واويلاه والهفاه واهلاكاه، لانه ينزل به من المكروه لاجله مثل ما ينزل بالمتفجع عليه.

وقوله (ويصلى سعيرا) معناه إن من هذه صفته يلزم الكون في السعير، وهي النار المتوقدة على وجه التأبيد.

وقوله (إنه كان في أهله مسرورا) معناه إنه اقتطعه السرور بأهله عما يلزمه أن يقدمه. فهو ذم له بهذا المعنى، ولو لم يكن إلا السرور بأهله لم يذم عليه وقيل: معناه إنه كان في أهله مسرورا بمعاصي الله ثم اخبر عنه (إنه ظن) في دار التكليف (أن لن يحور) أى لن يبعثه الله للجزاء، ولا يرجع حيا بعد أن يصير ميتا يقال: حار يحور حورا إذا رجع، وتقول: كلمته فما أحار جوابا أى مارد جوابا. وفى المثل (نعوذ بالله من الحور بعد الكور) أى من الرجوع إلى النقصان بعدالتمام، وحوره إذا رده إلى البياض والمحور البكرة، لانه يدور حتى يرجع إلى مكانه، والمعنى إنه ظن ان لن يرجع إلى حال الحياة في الاخرة، فلذلك كان يرتكب المآثم وينتهك المحارم. فقال الله ردا عليه ليس الامر على ما ظنه (بلى)

إنه يرجع حيا ويجازي على أفعاله.

وقوله (إنه كان به بصيرا) معناه إنه يخبر عن أنه لن يجوز، بلى ويقطع الله عليه بأنه يجوز على انه بصير به وبجميع الامور.

 

===============

(312)

قوله تعالى:

(فلا أقسم بالشفق (16) والليل وما وسق (17) والقمر إذا اتسق (18) لتركبن طبقا عن طبق (19) فما لهم لا يؤمنون (20)

وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون (21) بل الذين كفروا يكذبون (22) والله أعلم بما يوعون (23) فبشرهم بعذاب أليم (24)

إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون) 25)

عشر ايات.

قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بفتح الباء من (لتركبن) ومعناه لتركبن أنت يا محمد. الباقون بضم الباء على أن يكون خطابا للجميع.

يقول الله تعالى مقسما بالشفق، وقد بينا أن (لا) صلة في مثل هذا، والتقدير أقسم، وقد بينا أن لله تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه، وليس لاحد أن يقسم إلا بالله. وقال بعضهم: أقسم برب الشفق، والشفق هو الحمرة التي تبقى عند المغرب في الافق، وقال الحسن وقتادة: الشفق الحمرة بين المغرب والعشاء الاخرة. وقال قوم: هو البياض. والصحيح أن الشفق هو الحمرة الرقيقة في المغرب بعد مغيب الشمس وأصله الشفق في العمل، وهو الرقة على خلل فيه، وأشفق على كذا إذا رق عليه وخاف هلاكه. واشفق إذا رق بالخوف من وقوعه. قال الفراء: سمعت بعض العرب يقول: علي ثوب كأنه الشفق يريد حمرة. والاعتبار بالشفق أنه علامة لوقت بعينه لا يختلف اقتضى اثبات علم به.

وقوله (والليل وما وسق) قسم آخر بالليل وإتساقه. وقيل: معنى وسق

 

===============

(313)

جمع إلى مسكنه ما كان منتشرا بالنهار في تصرفه، يقال: وسقته أسقه وسقا إذا جمعته، وطعام موسوق أى مجموع في الغرائر والاوعية. والوسق الطعام المجتمع وقدره ستون صاعا.

وقوله (والقمر إذا اتسق) قسم آخر بالقمر واتساقه أى اجتماعه على تمام وهو افتعال من الوسق، فاذا تم نور القمر واستمر في ضيائه، فذلك الاتساق له.

وقال قتادة: معناه إذا استدار. وقال مجاهد: إذا استوى.

وقوله (لتركبن طبقا عن طبق) جواب القسم، ومعناه منزلة عن منزلة وطبقة عن طبقة وذلك أن من كان على صلاح دعاه إلى صلاح فوقه، ومن كان على فساد دعاه إلى فساد فوقه، لان كل شئ يحن إلى شكله. وقيل: معنى (طبقا عن طبق) جزاء عن عمل. وقيل: معناه شدة عن شدة. وقيل: طبقات السماء بعروج الارواح. وقيل: معناه حالا عن حال من أحياء وإماتة، ثم أحياء. وقيل:

معناه لتصيرن إلى الاخرة عن الدنيا. وقال ابوعبيدة: معناه لتركبن سنة الاولين ومن كان قبلكم. ثم قال على وجه التبكيت لهم والتفريع (فما لهم لا يؤمنون) أى أى شئ لهم لاجله لا يصدقون بالله واليوم الاخر ولا يعترفون بالثواب والعقاب.

وقيل: معناه ما لهم لا يؤمنون أى ما وجه الارتياب الذى يصرفهم عن الايمان.

وقوله (وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون) عطف على قوله (لا يؤمنون)

والمعنى ما الذى يصرفهم عن الايمان وعن السجود لله والخضوع له والاعتراف بوحدانيته إذا بلي عليهم القرآن الذى أنزلته على محمد (صلى الله عليه وآله) الذى يلين القلب للعمل من الوعظ والوعد والوعيد يميز به بين الحق والباطل، وهو مع ذلك معتذر عليهم الاتيان بمثله، فهو معجز له (صلى الله عليه وآله) .

(ج 10 م 40 من التبيان)

 

===============

(314)

ثم قال تعالى (بل الذين كفروا يكذبون) معناه إن الذى يمنعهم من السجود عند تلاوة القرآن تكذيبهم جهلا بما عليهم وعدولا عن الحق. وفي ذلك التحذير من الجهل والحث على طلب العلم. وقيل: معناه ما لهم لا يؤمنون، ولا بد من الجزاء على الاعمال ثم قال: تكذيبهم عن جهل منهم يصرفهم عن ذلك.

وقوله (والله اعلم بما يوعون) قال قتادة ومجاهد: معناه بما يوعون في صدورهم وإنما قال: يوعون، لانهم يحملون الاثام في قلوبهم، فشبه ذلك بالوعاء، يقال:

أوعيت المتاع ووعيت العلم، قال الفراء: الاصل جعل الشئ في وعاء، والقلوب شبه أوعية لما يحصل فيها من معرفة او جهل.

ثم قال للنبي (صلى الله عليه وآله) (فبشرهم) يا محمد جزاء على كفرهم (بعذاب اليم) أي مؤلم. ثم استثنى من جملة من يخاطبه فقال (إلا الذين آمنوا) بالله (وعملوا)

الاعمال (الصالحات لهم أجرا غير ممنون) أي غير منقوص، في قول ابن عباس وقال غيره: غير مقطوع، وقيل: غير منغص بالمن الذى يؤذي. وإنما قيل له:

من، لانه قطع له عن شكر النعمة. قال الزجاج: تقول العرب: مننت الحبل إذا قطعته قال لبيد:

لمعفر قهد تنازع شلوه * غبس كواسب ما يمن طعامها (1)

أى ما ينقص، وقيل ما يكدر، وكان ابن مجاهد ومحمد بن القاسم الانبارى يقفان على قوله (فبشرهم بعذاب اليم) ويبتدؤن بقوله (إلا الذين آمنوا) قال ابن خالويه: فسألتهما عن ذلك فقالا: الاستثناء منقطع ومعناه (لكن).

(الهامش) مر في 1 / 322 (*)

 

===============

(315)

85 - سورة البروج مكية في قول ابن عباس والضحاك، وهي اثنتان وعشرون آية بلا خلاف.

بسم الله الرحمن الرحيم (والسماء ذات البروج (1) واليوم الموعود (2) وشاهد ومشهود (3) قتل اصحاب الاخدد (4) النار ذات الوقود (5)

إذ هم عليها قعود (6) وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود (7) وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد (8) ألذي له ملك السموات والارض والله على كل شئ شهيد (9) إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق) (10) عشر ايات.

قوله: (السماء ذات البروج) قسم من الله تعالى بالسماء، ومنهم من قال تقديره برب السماء. وقد بينا ما في ذلك في غير موضع. ثم وصف السماء بأنها ذات البروج. فالبروج المنازل العالية. والمراد - ههنا - منازل الشمس والقمر - في قول المفسرين - ومثل ذلك قوله (ولو كنتم في بروج مشيدة) (1) أى في

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 4 النساء آية 77 (*)

 

===============

(316)

منازل عالية. وقيل: السماء اثنى عشر برجا يسير القمر في كل برج منها يومين وثلثا، فذلك ثمانية وعشرون منزلا. ثم يستتر ليلتين، ومسير الشمس في كل برج منها شهر. وقيل: البروج النجوم التي هي منازل الشمس والقمر.

وقوله (واليوم الموعود) قسم آخر بهذا اليوم. وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه اليوم الذى يجازى فيه ويفصل فيه القضاء، وهو يوم القيامة - وهو قول الحسن وقتادة وابن زيذ -.

قوله (وشاهد ومشهود) قسم آخر بالشاهد والمشهود، فالشاهد النبي (صلى الله عليه وآله) والمشهود يوم القيامة - في قول الحسن بن علي (عليه السلام)وتلا قوله (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) (1) وقال (ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود) (2)، وهو قول ابن عباس وسعيد بن المسيب، وفي رواية اخرى عن ابن عباس إن الشاهد هو الله، والمشهود يوم القيامة. وقال قتادة:

الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة. وقال الجبائي: الشاهد هم الذين يشهدون على الخلائق، والمشهود هم الذين يشهدون عليهم، قال: ويجوز أن يكون المراد المدركين والمدركات. وجواب القسم محذوف، وتقديره الامر حق في الجزاء على الاعمال. وقيل الجواب قوله (قتل اصحاب الاخدود) وقال الاخفش: يجوز أن يكون على التقديم والتأخير، وتقديره (قتل اصحاب الاخدود.. والسماء ذات البروج) وقوله (قتل أصحاب الاخدود) معناه لعن. وقيل لعنوا بتحريقهم في الدنيا قبل الاخرة. وقال الجبائي: يحتمل أن يكون المعنى بذلك القاتلين، ويحتمل أن يكون المقتولين، فاذا حمل على القاتلين، فمعناه لعنوا بما فعلوه من قتل المؤمنين وإن حمل على المقتولين، فالمعنى انهم قتلوا بالاحراق بالنار. وذكر الله هؤلاء.

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 4 النساء آية 40 (2) سورة 11 هود آية 104 (*)

 

===============

(317)

المؤمنين بحسن بصيرتهم في الصبر على دينهم حتى أحرقوا بالنار، لا يعطون التقية بالرجوع عن الايمان. والاخدود هو الشق العظيم في الارض، ومنه ما روي في معجزة النبي (صلى الله عليه وآله) أن الشجرة دعاها النبي (صلى الله عليه وآله) فجعلت تخد الارض خدا، حتى اتته. ومنه الخد المجاري الدموع. والمخدة لوضع الخد عليها، وتخدد لحمه إذا صار فيه طرائق كالشقوق.

وقوله (النار ذات الوقود) فجر النار على البدل من الاخدود، وهو بدل الاشتمال، ووصفها بأنها ذات الوقود، فالوقود - بفتح الواو - ما يشعل من الحطب وغيره - وبضم الواو - الايقاد. وإنما وصفها بأنها ذات الوقود مع ان كل نار ذات وقود لامرين:

أحدهما - انه قد يكون نار ليست ذات وقود كنار الحجر ونار الكبد.

والثاني - انه أراد بذلك وقودا مخصوصا، لانه معروف، فكأنه أراد الوقود بأبدان الناس، كما قال (وقودها الناس والحجارة) (1)

وقوله (إذ هم عليها قعود) أي حين هم قعود عليها أي بالقرب منها، وقال الربيع بن أنس: الكفار الذين كانوا قعودا على النار خرج لسان منها فأحرقهم عن آخرهم. وروي عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام)(أنهم كانوا من المجوس) وقال الضحاك:

كانوا من بني إسرائيل. وقيل: كانوا من اليمين. ومعناه هم عليها قعود حين كان أولئك الكفار قعودا عند النار. والقعود جمع قاعد كقولك: شاهد وشهود، وراكع وركوع، والقعود أيضا مصدر قعد يقعد قعودا.

وقوله (وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود) أي حضور على مشاهدتهم لهم، فكل حاضر على ما شاهده إما بسمع أو بصر، فهو شاهد. والمشاهد هو

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 2 البقرة آية 24 وسورة 66 التحريم آية 6 (*)

 

===============

(318)

المدرك بحاسة.

وقوله (وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد) معناه انه لم ينقم هؤلاء الكفار من أولئك المؤمنين الذين أحرقوهم بالنار إلا لايمانهم بالله تعالى القاهر الذى لا يقهر (الحميد) في جميع أفعاله، فالنقمة ايجاب مضرة على حال مذمومة.

ونقيض النقمة النعمة، فهؤلاء الجهال نقموا حال الايمان، لانهم جعلوها بجهلهم حالا مذمومة قال الشاعر:

ما نقموا من بني أمية * إلا أنهم يحلمون إن غضبوا (1)

والداعي لهم إلى ان ينقموا من الايمان الجهل والخلاف، لان ما سبقوا اليه من الجهل يدعوهم إلى عداوة من خالفهم وسخف آرائهم، وإن ذلك يفسد عليهم ملكهم. ويصرف الوجوه عنهم.

وقوله (الذي له ملك السموات والارض) صفة (العزى الحميد) والمعنى ان هؤلاء الكفار نقموا من المؤمنين إيمانهم بالله تعالى العزيز، ومعناه القاهر الذي لا يغالب الحميد ومعناه المستحق للحمد على جميع أفعاله (الذى له ملك السموات والارض)

ومعناه له التصرف في السموات والارض ولا اعتراض لاحد عليه. ثم قال (والله على كل شئ شهيد) أي عالم بجميعه لا يخفى عليه شئ من ذلك.

وقوله (إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات) قال ابن عباس وقتادة والضحاك:

حرقوهم بالنار (ثم لم يتوبوا) إنما شرط عدم التوبة، لانهم لو تابوا لما توجه اليهم الوعيد، وإن لم يتوبوا توجه اليهم الوعيد بقوله (فلهم عذاب جهنم) يعني في الاخرة (ولهم عذاب الحريق) في الدنيا - في قول الربيع - قال الفراء: لما خددوا للمؤمنين الاخاديد وطرحوا فيها النار وطرحوا فيها المؤمنين أرتفعت النار عليهم،

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) مر في 3 / 559، 570 و 5 / 304 (*)

 

===============

(319)

فاحرقتهم فرق الاخاديد ونجا المؤمنون.

وقال قوم (إن الذين فتنوا المؤمنين) جواب القسم في أول السورة، وهذا غير صحيح، لان الكلام قد طال وانقطع بالاخبار ما بينها، وقال الزجاج: لهم عذاب بكفرهم، وعذاب باحراقهم المؤمنين قوله تعالى:

(إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الانهار ذلك الفوز الكبير (11) إن بطش ربك لشديد (12)

إنه هو يبدئ ويعيد (13) وهو الغفور الودود (14) ذو العرش المجيد (15) فعال لما يريد (16) هل أتيك حديث الجنود (17)

فرعون وثمود (18) بل الذين كفروا في تكذيب (19) والله من ورائهم محيط (20) بل هو قرآن مجيد (21) في لوح محفوظ) (22)

اثنتا عشرة آية.

قرأ حمزة والكسائي إلا قتيبة وخلف (المجيد) بالخفض جعلوه نعتا للعرش.

الباقون بالرفع على أنه نعت لله تعالى، وقرأ نافع (محفوظ) بالرفع. الباقون بالخفض نعتا للوح. ومن رفع جعله نعتا القرآن.

اخبر الله تعالى عن صفة المؤمنين، فقال (إن الذين آمنوا) أي صدقوا بتوحيد الله واخلاص عبادته (وعملوا الصالحات) من الاعمال، واجتنبوا القبائح (لهم جنات تجري من تحتها الانهار) أى لهم بساتين تجري من تحت أشجارها

 

===============

(320)

الانهار (ذلك الفوز الكبير) فالفوز النجاة بالنفع الخالص، وأصله النجاة، وقيل للمهلكة مفازة تفاؤلا كأنه قيل: منجاة، وفاز فلان بكذا أى خلص له نفعه، يفوز فوزا. ولا يقال إلا في تعظيم النفع الذى صار له، وإنما ذكر الكبير - ههنا - لان النعيم لهؤلاء العاملين كبير بالاضافة إلى نعيم من لا عمل له ممن يدخل الجنة، لما فيه من الاجلال والاكرام والمدح والاعظام. وقيل: الفوز الحظ الواقع من الخير.

ثم قال متوعدا ومتهددا للكفار والعصاة (إن بطش ربك لشديد) يا محمد

 والبطش الاخذ بالعنف، بطش به يبطش بطشا ويبطش ايضا، فهو باطش، وإذا وصف بالشدة فقد تضاعف مكروهه وتزايد إيلامه. وقوله (إنه هو يبدئ ويعيد) قال ابن عباس: معناه إنه يبدأ العذاب ويعيده لاقتضاء ما قبله ذلك. وقال الحسن والضحاك وابن زيد: يبدأ الخلق ويعيده لان الاظهر في وصفه تعالى بأنه المبدئ المعيد العموم في كل مخلوق (وهو الغفور) يعني الستار على خلقه معاصيهم (الودود) أى وادلهم ومحب لمنافع خلقه (ذوالعرش المجيد) ومعناه صاحب العرش، العظيم المجيد وقال ابن عباس: معناه الكريم. وقرأ اهل الكوفة إلا عاصما المجيد بالجر جعلوه نعتا للعرش. ومعناه ذو العرش الرفيع. الباقون بالرفع جعلوه نعتا للغفور أى هو الغفور الودود المجيد ذو العرش، قال المبرد: يجوز أن يكون نعتا لقوله (ان بطش ربك....

المجيد) فيكون قد فصل بينهما، وفيه بعد لانه قال (لشديد) وقال (أنه هو يبدئ ويعيد، وهو الغفور الودود ذو العرش) وفصل بهذا كله، يقال: مجدت الابل تمجد مجودا إذا رعيتها فرعت وشبعت. ولا فعل لك، او أمجدتها أمجدها إمجادا إذا اشبعتها من العلف وملات بطونها ولا فعل لها في ذلك، وفي المثل في كل شجر نار واستمجد المرح والغفار. ومعناه كثر ناره لانه ليس في الشجر أكثر نارا من الغفار.

وقوله تعالى (فعال لما يريد) معناه ما يشاؤه ويريده من أفعال نفسه يفعله

 

===============

(321)

لا يمنعه من ذلك مانع ولا يعترض عليه معترض، ولا يجوز أن يكون المراد إنه فعال لكل ما يريد لان ذلك يقتضي انه فعال لكل ما يريد أن يفعله العباد، وذلك انه يستحيل أن يفعل ما يريد أن يفعله العباد، لان في ذلك ابطال الامر والنهي والطاعة والمعصية والثواب والعقاب، إذ لا يأمرهم أن يفعلوا ما قد فعله، ولا ينهاهم عنه، ولانه قد أراد من الكفار أن يؤمنوا، لانه قد أمرهم بالايمان وما فعل إيمانهم وقد قال الله تعالى (وما الله يريد ظلما للعالمين) (1) ولو فعل ظلمهم لكان قد أراد ظلمهم. وقوله (هل اتاك حديث الجنود فرعون وثمود) معناه تذكر يا محمد حديثهم تذكر معتبر، فانك تنتفع به، وهذا من الايجاز الحسن والتفخيم الذي لا يقوم مقامه

 التصريح لما يذهب الوهم في أمرهم كل مذهب ويطلب الاعتبار كل مطلب.

وقوله (بل الذين كفروا في تكذيب) معناه بل هؤلاء الكفار الذين كفروا كذبوا بالبعث والنشور فاعرضوا عما يوجبه الاعتبار بفرعون وثمود، واقبلوا على ما يوجبه الكفر والتكذيب من التأكيد، ولم يعلموا أن (الله من ورائهم محيط) يقدر أن ينزل بهم ما انزل بفرعون. وقيل المعنى (هل أتاك حديث الجنود) وما كان منهم إلى انبيائهم فاصبر كما صبر الرسل قبلك (بل الذين كفروا في تكذيب) ايثارا منهم لاهوائهم واتباعا لسنن آبائهم.

وقوله (والله من ورائهم محيط) أي هم مقدور عليهم كما يكون فيما احاط الله بهم، وهذا من بلاغة القرآن.

وقوله (بل هو قرآن مجيد) أي كريم فالمجيد الكريم العظيم الكريم بما يعطي من الخير، فلما كان القرآن يعطي المعاني الجليلة والدلائل النفيسة كان كريما مجيدا بما

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 3 آل عمران 108 (ج 10 م 41 من التبيان) (*)