(525)

والقرض اخذ الشئ من المال باذن صاحبه بشرط ضمان رده، وأصله القطع، فهو قطعه عن مالكه باذنه لانفاقه على رد مثله. والعرب تقول: لي عندك قرض صدق وقرض سوء إذا فعل به خيرا او شرا قال الشاعر:

ونجزي سلامان بن مفرح قرضها * بما قدمت أيديهم وازلت (1)

وقوله (فيضاعفه له) فالمضاعفة الزيادة على المقدار مثله او أمثاله، وقد وعد الله بالحسنة عشر امثالها، والانفاق في سبيل الله حسنة فهو داخل في هذا الوعد ومن شدد العين، فلان الله وعد بالحسنة عشر أمثالها. ومن ضم الفاء جعله عطفا على من ذا الذي يقرض فيضاعفه او على تقدير فهو يضاعفه. ومن نصب فلانه جواب الاستفهام.

وقوله (وله أجر كريم) معناه إن له مع مضاعفة ما أنفقه اجرا زائدا كريما، فالكريم الذي من شأنه ان يعطي الخير العظيم، فلما كان الاجر يعطي النفع العظيم، كان الاجر كريما، لانه يوجد شرف النفع بما لا يلحقه ما ليس بأجر.

وقوله (يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين ايديهم وبايمانهم)

ف (يوم) يتعلق بقوله (لهم اجر كريم.. يوم ترى) قال قتادة: معناه إنه يسعى نورهم أي الضياء الذي يرونه (بين ايديهم وبأيمانهم) وقال الضحاك: نورهم هداهم.

قال (وبأيمانهم) كتبهم. وقيل (وبأيمانهم) معناه وعن أيمانهم. وقيل: وفي أيمانهم. وقوله (بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الانهارر " أي تجري تحت اشجارها الانهار، أي يقال لهم: الذي تبشرون به اليوم جنات تجرى من تحتها الانهار (خالدين فيها) أى مؤبدين لا يفنون.

ثم قال (ذلك هو الفوز العظيم) فعظم الفوز والفلاح يتضمن اجلال النعمة

ـــــــــــــــــــــــ

(1) قائله الشنفري، تفسير الطبرى 27 / 115 (*)

 

===============

(526)

والاكرام مع الحمد بالاحسان على طريق الدوام، فكل ما فعل من أجل الثواب فالنعمة به أجل والاحسان به اعظم.

وقوله (يوم يقول المنافقون والمنافقات) يجوز أن يتعلق (يوم) بقوله (ذلك هو الفوز العظيم.. يوم) أي في يوم، ويجوز ان يكون على تقدير واذكر يوم يقول المنافقون والمنافقات (للذين آمنوا) ظاهرا وباطنا (انظرونا) فمن قطع الهمزة اراد أخرونا ولا تعجلوا علينا واستأخروا نستضيئ بنوركم. ومن وصلها اراد ينظرون. وقيل: انظرني ايضا بمعنى انتظرني، قال عمرو ابن أم كلثوم:

أبا هند فلا تعجل علينا * وانظرنا نخبرك اليقينا (1)

ويقال: انظرني بمعنى اخرني. وقوله (نقتبس من نوركم) فالنور الضياء، وهو ضد الظلمة، وبالنور يستضاء في البصر وفي الامور، وفي البصر نور وكذلك في النار. ومعنى (نقتبس) نأخذ قبسا من نوركم، وهو جذوة منه فقالوا لهم (ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا) أى ارجعوا إلى خلفكم فاطلبوا النور فانه لا نور لكم عندنا، فاذا تأخروا ضرب الله بينهم بسور. ومن وصلها أراد انتظرونا.

ثم اخبر تعالى فقال (فضرب بينهم) يعني بين المؤمنين وبين المنافقين (بسور) والباء زائدة وهو المضروب بين الجنة والنار (له باب باطنه فيه الرحمة)

لان فيه الجنة (وظاهره من قبله العذاب) يعني من قبل المنافقين العذاب، لكون جهنم هناك.

ثم حكى الله تعالى أنهم (ينادونهم) يعني المنافقون فيقولون لهم (ألم نكن معكم) في دار الدنيا ومخالطين لكم ومعاشرين، فيجيبهم المؤمنون فيقولون (بلى) كنتم معنا (ولكنكم فتنتم أنفسكم) أى تعرضتم للفتنة وتربصتم بالمؤمنين

ـــــــــــــــــــــــ

(1) تفسير القرطبي 17 / 245 والطبري 27 / 116 (*)

 

===============

(527)

الدوائر (وارتبتم وغرتكم الاماني) أي شككتم فيما اخبركم به رسولنا وغركم ما كنتم تمنون حتى طمعتم في غير مطمع (حتى جاء امر بالله) في نصرة نببه والمؤمنين معه وغلبته إياكم (وغركم بالله الغرور) يعني الشيطان وسمي بذلك لكثرة ما يغر الناس. ومن غر غيره مرة واحدة فهو غار. وقرئ بالضم، وهو كل ما غرمن متاع الدنيا - ذكره الزجاج - والغرور بضم الغين المصدر. ثم يقول لهم الملائكة او المؤمنون (فاليوم لا يؤخذ منكم فدية) أى ما تفدون به أنفسكم لا يقبل منكم (ولا يؤخذ (من الذين كفروا) الفداء (ومأواكم) أى مقركم وموضعكم الذى تأوون اليه " النار هي مولاكم " أى هي اولى بكم " وبئس المصير " أى بئس المأوى والموضع والمرجع اليه قال لبيد:

قعدت كلا الفرجين تحسب انه * مولى المخافة خلفها وأمامها (1)

أى تحسب أن كليهما اولى بالمخافة.

قوله تعالى:

(ألم يان للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الامد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون (16) إعلموا أن الله يحيي الارض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون (17) إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم (18) والذين آمنوا بالله

ـــــــــــــــــــــــ

(1) مر في 5 / 142 (*)

 

===============

(528)

ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم (19) إعلموا أنما الحيوة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الاموال والاولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتريه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحيوة الدنيا إلا متاع الغرور) (20) خمس آيات بلا خلاف.

قرأ (وما نزل من الحق) بتخفيف الزاي نافع وحفص عن عاصم، لانه يقع على القليل والكثير، ويكون النزول مضافا إلى الحق. الباقون بالتشديد بمعنى أن الله هو الذى نزل الحق شيئا بعد شئ. وقرأ ابن كثير وابوبكر عن عاصم وابن زيد (المصدقين والمصدقات) بتخفيف الصاد يذهبون إلى التصديق الذى هو خلاف التكذيب، ومعناه إن المؤمنين والمؤمنات. الباقون - بتشديد الصاد - يذهبون أن الاصل المتصدقين، فادغمت التاء في الصاد لتقارب مخرجهما وشدد.

ومعنى قوله (الم يأن) ألم يحن (للذين آمنوا ان تخشع قلوبهم لذكر الله)

أى تخضع لسماع ذكر الله ويخافون عقابه، وينبغي ان يكون هذا متوجها إلى طائفة مخصوصة لم يكن فيهم الخشوع التام حثوا على الرقة والرحمة. وأما من كان ممن وصفه الله بالخشوع والرحمة والرقة فطبقة فوق هؤلاء المؤمنين، ويقال أنى يأني أنا إذا حان، ومنه قوله (غير ناظرين إناه) (2) أى منتهاه. والخشوع لين القلب

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 33 الاحزاب آية 53 (*)

 

===============

(529)

للحق بالآنقياد له، ومثله الخضوع وضده قسوة القلب. والحق ما دعا اليه العقل وهو الذى من عمل به نجا ومن عمل بخلافه هلك، والحق مطلوب كل عاقل في نظره وإن اخطأ طريقه، والقسوة غلظ القلب بالجفاء عن قبول الحق، قسا قلبه يقسو قسوة، فهو قاس.

(وما نزل من الحق) من خفف اضاف النزول إلى الحق ومن شدد اراد ما نزله الله من الحق (ولا يكونوا) أى وألا تكونوا (كالذين اوتوا الكتاب)

من اليهود والنصارى (من قبل) أى من قبلهم فيكون موضعه نصبا. ويحتمل ان يكون مجزوما على النهي (فطال عليهم الامد) يعني المدة والوقت، فان أهل الكتاب لما طال عليهم مدة الجزاء على الطاعات (فقست قلوبهم) حتى عدلوا عن الواجب وعملوا بالباطل. وقيل: معناه طال عليهم الامد ما بين زمانهم وزمن موسى. وقيل: طال عليهم الامد ما بين نبيهم وزمن موسى. وقيل طال أمد الآخرة (فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون) خارجون عن طاعة الله تعالى إلى معصيته فلا تكونوا مثلهم فيحكم الله فيكم بمثل ما حكم فيهم.

ثم قال (اعلموا ان الله يحيي الارض بعد موتها) بالجدب والقحط فكذلك يحيي الكافر بالهدى إلى الايمان بعد موته بالضلال بأن يلطف له ما يؤمن عنده.

ثم قال (قد بينا لكم الآيات) يعني الحجج الواضحات والدلائل البينات (لعلكم تعقلون) أى لكي تعقلوا وترجعوا إلى طاعته وتعملوا بما يأمركم به.

وقوله (إن المصدقين والمصدقات) من شدد أراد المتصدقين إلا انه ادغم التاء في الصاد، ومن خفف اراد الذين صدقوا بالحق (واقرضوا الله قرضا حسنا)

أى انفقوا مالهم في طاعة الله وسبيل مرضاته. ثم بين ما أعد لهم من الجزاء فقال (ج 9 م 67 من التبيان)

 

===============

(530)

(يضاعف لهم) أي يجازون بأمثال ذلك. ومن شدد العين اراد التكثير، لان الله تعالى يعطي بالواحد عشرا إلى سبعين إلى سبع مئة، ثم قال " ولهم أجر كريم " أي لهم جزاء وثواب مع إكرام الله إياهم وإجلاله لهم. ثم قال (والذين آمنوا بالله ورسله) يعني الذين صدقوا بتوحيد الله وإخلاص العبادة له وأقروا بنبوة رسله (أولئك هم الصديقون) الذين صدقوا بالحق. ثم قال مستأنفا (والشهداء عند ربهم) قال ابن عباس ومسروق وابوالضحى والضحاك: هو منفصل مما قبله مستأنف والمراد بالشهداء الانبياء (عليهم السلام)ويجوز ان يكون معطوفا على ما تقدم وتقديره أولئك هم الصديقون وأولئك هم الشهداء، ويكون لهم أجرهم ونورهم للجماعة من الصديقين والشهداء، فكانه قال: كل مؤمن شهيد على ما رواه البراء بن عازب عن النبي (صلى الله عليه وآله) وعن عبدالله بن مسعود ومجاهد، فيكون التقدير أولئك هم الصديقون عند ربهم والشهداء عند ربهم.

ثم قال (لهم أجرهم ونورهم) أي لهم ثواب طاعاتهم ونور إيمانهم الذي يهتدون به إلى طريق الجنة. ثم قال (والذين كفروا) بالله وجحدوا توحيده وكذبوا رسله " وكذبوا بآياتنا " يعني حججه وبيناته " أولئك اصحاب الجحيم " يعني أنهم يلزمهم الله الجحيم فيبقون فيها دائمين. ثم زهد المؤمنين في الدنيا والسكون إلى لذاتها، فقال (اعلموا) معاشر العقلاء والمكلفين " إنما الحياة الدنيا " يعني في هذه الدنيا " لعب ولهو " لانه لا بقاء لذلك ولا دوام وإنه يزول عن وشيك كما يزول اللعب واللهو " وزينة " تتزينون بها في الدنيا " وتفاخر بينكم " يفتخر بعضكم على بعض " وتكاثر في الاموال والاولاد " أي كل واحد يقول مالي أكثر وأولادي اكثر. ثم شبه ذلك بأن قال مثله في ذلك " كمثل غيث " يعني مطرا " اعجب الكفار نباته " أي اعجب الزراع ما نبت بذلك الغيث فالكفار الزراع. وقال انزجاج: ويحتمل ان يكون المراد الكفار

 

===============

(531)

بالله لانهم اشد إعجابا بالدنيا من غيرهم " ثم يهيج " أي ييبس فيسمع له لما تدخله الريح صوت الهائج " فتراه مصفرا " وهو إذا قارب اليبس (ثم يكون حطاما) أي هشيما بأن يهلكه الله مثل افعال الكافر بذكل، فانها وإن كانت على ظاهر الحسن فان عاقبتها إلى هلاك ودمار مثل الزرع الذي ذكره. ثم قال وله مع ذلك " وفى الآخرة " (عذاب شديد) من عذاب النار للعصاة والكفار " ومغفرة من الله ورضوان " للمؤمنين المطيعين. ثم قال " وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور " معناه العمل للحياة الدنيا متاع الغرور وإنها كهذه الاشياء التي مثل بها في الزوال والفناء، والغرور - بضم الغين - ما يغر من متاع الدنيا وزينتها.

قوله تعالى:

(سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والارض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذوالفضل العظيم (21) ما أصاب من مصيبة في الارض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير (22) لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتيكم والله لا يحب كل مختال فخور (23) ألذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن يتول فان الله هو الغني الحميد (24)

لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع

 

===============

(532)

للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز) (25) خمس آيات بلا خلاف.

قرأ ابوعمرو " بما أتاكم " مقصور يعني بما جاءكم. الباقون بالمد يعني بما اعطاكم وقرأ اهل المدينة واهل الشام " فان الله الغني الحميد " بلا فصل لانهم وجدوا في مصاحفهم كذلك، والباقون بأثبات (هو) وكذلك هو في مصاحفهم فمن اسقط (هو) جعل (الغني) خبر (ان) و (الحميد) نعته ومن زاد (هو) احتمل شيئين:

احدهما - ان يجعل (هو) عمادا أو صلة زائدة.

والثاني - أن يجعله ابتداء، و (الغني) خبره، والجملة في موضع خبر (إن)

مثل قوله " ان شانئك هو الابتر " (1) يقول الله تعالى آمرا للعقلاء المكلفين وحاثا لهم على الطاعات " سابقوا إلى مغفرة من ربكم " والمسابقة طلب العامل التقدم في عمله قبل عمل غيره بالاجتهاد فيه فعلى كل مكلف الاجتهاد في تقديم طاعة الله على كل عمل كما يجتهد المسابق لغيره والمسابقة إلى المغفرة بأن يتركوا المعاصي ويفعلوا الطاعات وقوله " وجنة " معناه سابقوا إلى جنة أي إلى استحقاق ثواب جنة " عرضها كعرض السماء والارض " في السعة. وقال الحسن: ان الله تعالى يفني الجنة ويعيدها على ما وصفه في طولها وعرضها، فبذلك صح وصفها بأن عرضها كعرض السماء والارض. وقال غيره إن الله تعالى قال " عرضها كعرض السماء " الدنيا " والارض " والجنة المخلوقة في السماء السابعة فلا تنافي بين ذلك، وإذا كان العرض بهذه السعة فالطول اكثر منه او مثله.

قوله " اعدت " اشتقاقه من العدد والاعداد، وضع الشئ لما يكون في

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 108 الكوثر آية 3 (*)

 

===============

(533)

المستقبل على ما يقتضيه من عدد الامر الذي له، والمعنى أن هذه الجنه وضعت وادخرت للذين آمنوا بالله ورسوله، فيوحدوا الله ويصدقوا رسله. ثم قال " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء " أي هذا الذي ذكره بأنه معد للمؤمن فضل من الله يؤتيه من يشاء اي يعطيه من يشاء " والله ذو الفضل العظيم " فالفضل والافضال والتفضل واحد وهو النفع الذى كان للقادر ان يفعله بغيره وله ان لا يفعله.

ثم قال تعالى " ما أصاب من مصيبة " اى ليس يصيب احدا مصيبة " في الارض " في ماله " ولا في انفسكم إلا " وهو مثبت مذكور " في كتاب " يعني اللوح المحفوظ " من قبل ان نبرأها "، فالضمير راجع إلى النفس كأنه قال: من قبل ان نبرء النفس ويحتمل أن يكون راجعا إلى المصائب من الامراض والفقر والجدب والغم بالثكل.

ثم قال " ان ذلك " يعني اثبات ذلك على ما ذكره " على الله يسير " أى سهل غير يسير. بين تعالى لم فعل ذلك فقال (لكيلا تأسوا) أى لا تحزنوا (على ما فاتكم) من لذات الدنيا وزينتها (ولا تفرحوا بما آتاكم) منها على وجه البطر والاشر، فمن قصر أراد بما جاءكم، ومن مد ارد بما اعطاكم. ثم قال (والله لا يحب كل مختال) أى متجبر (فخورا) على غيره على وجه التكبر عليه، فان من هذه صفته لا يحبه الله. وفرح البطر مذموم. وفرح الاغتباط بنعم الله محمود. كما قال تعالى (فرحين بما آتاهم الله من فضله) والتأسي تخفيف الحزن بالمشاركة في حاله.

ثم بين صفة المختال الفخور، فقال (الذين يبخلون) بما اوجب الله عليهم من الحقوق في أموالهم (ويأمرون الناس بالبخل) ايضا. وقيل: نزلت في اليهود الذين بخلوا بذكر صفة النبي على ما وجدوه في كتبهم وأمروا غيرهم بذلك. والبخل والبخل لغتان، وقرئ بهما. وهو منع الواجب.

ثم قال (ومن يتول) يعني ومن يعرض عما ذكره الله وخالف (فان الله

 

===============

(534)

هو الغني الحميد) ومعناه إنه تعالى الغني عن جميع خلقه محمود في جميع افعاله، فمنع هؤلاء حقوق الله لا يضره، وإنما ضرر ذلك عليهم.

ثم اقسم تعالى فقال (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات) يعني الدلائل والحجج الواضحة (وأنزلنا معهم الكتاب) أي مكتوبا فيه ما يحتاج الخلق اليه كالتوراة والانجيل والقرآن (والميزان) أي وانزلنا الميزان وهو ذو الكفتين. وقيل: المراد به العدل (ليقوم الناس بالقسط) يعني بالعدل في الامور (وانزلنا الحديد فيه بأس شديد)

إخبار من الله تعالى انه الذي انزل الحديد. وروي ان الله تعالى أنزل مع آدم العلاءة - يعني السندان والمطرقة والكيتين - من السماء، وهذا صحيح ولا بد منه، لان الواحد منا لا يمكنه أن يفعل آلات من حديد وغيرها إلا بآلات قبلها، وينتهي إلى آلات يتولى الله صنعها تعالى الله علوا كبيرا.

وقوله (فيه بأس شديد) أي يمتنع به ويحارب به " ومنافع للناس " أي وفيه منافع للناس كأدواتهم وآلاتهم وجميع ما يتخذ من الحديد من آلات ينتفع بها كالسكين وغيرها (وليعلم الله من ينصره ورسله) أي فعلت ذلك لما لهم فيه من النفع به، وليعلم الله من ينصره بنصرة موجودة، ومن يجاهد مع نبيه جهادا موجودا (بالغيب) أي ينصر الله ورسله ظاهرا وباطنا (إن الله قوي عزيز) أي قادر على ما يصح أن يكون مقدورا له لا يقدر احد على قهره ولا على منعه. وقيل: في جواب قوله (الذين يبخلون) قولان:

أحدهما - إنه محذوف كما حذف في قوله (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال) (1) وتقديره الذين يبخلون فهم يستحقون العذاب والعقوبة.

وقيل: أيضا جوابه جواب قوله (ومن يتولى) فعطف بجزاءين على جزاء

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 13 الرعد آية 33 (*)

 

===============

(535)

واحد، وجعل جزاءيهما واحد، كما تقول: إن تقم وتحسن آتك إلا انه حذف الجواب قوله تعالى:

(ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون (26) ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الانجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فمارعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون (27) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم (28) لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شئ من فضل الله وأن الفضل بيدالله

 يؤتيه من يشاء والله ذوالفضل العظيم) (29).

خمس آيات بصرى وأربع فيما عداه، عد البصريون " وآتيناه الانجيل " ولم يعده الباقون.

يقول الله تعالى مقسما إنه ارسل نوحا نبيا إلى قومه، وإبراهيم ايضا أرسله إلى قومه وذكر انه تعالى جعل في ذريتهما - يعني في ذرية نوح وإبراهيم أيضا بعد ما أرسلهما إلى قومهما " النبوة والكتاب " لان الانبياء كلهم من نسلهما. وعليهم أنزل الكتاب.

 

===============

(536)

ثم أخبر عن حال ذريتهما فقال " فمنهم مهتد " إلى طريق الحق واتباعه " وكثير منهم فاسقون " أي خارجون عن طاعة الله إلى ذل معصيته. ثم اخبر تعالى إنه قفى على آثار من ذكرهم برسل أخر إلى قوم آخرين. والتقفية جعل الشئ في أثر الشئ على الاستمرار فيه، ولهذا قيل لمقاطع الشعر قوافي إذا كانت تتبع البيت على أثره مستمرة في غيره على منهاجه، فكأنه قال: وأنفذنا بعدهم بالرسل رسولا بعد رسولهم " وقفينا بعيسى بن مريم " بعدهم " وآتيناه " أي اعطينا عيسى ابن مريم " الانجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة " وقيل في معناه قولان:

أحدهما - إنه جعل في قلوبهم الرأفة والرحمة بالامر به والترغيب فيه. ثم أخبر انه رزق الرأفة والرحمة. قال ابوزيد: يقال رؤفت بالرجل ورأفت به رأفة - بفتح الهمزة، وسكونها -.

الثاني - إنه خلق في قلوبهم الرأفة والرحمة. وإنما مدحهم على ذلك، لانهم تعرضوا لهما.

وقوله " ورهبانية ابتدعوها " يعني ابتدعوا الرهبانية ابتدعوها وهي الخصلة عن العبادة يظهر فيها معنى الرهبة إما في لبسه أو إنفراده عن الجماعة أو غير ذلك من الامور التي يظهر فيها نسك صاحبها. ومعنى الآية ابتدعوا رهباينة لم تكتب عليهم.

ثم قال " ما كتبناها عليهم " الرهبانية " إلا ابتغاء رضوان الله " فالثانية غير الاولى إلا انه لما اتفق الاسمان فيهما كنى عنهما بما تقدم، وقام إعادة لفظهما مقامهما كما قال حسان:

أمن يهجو رسول الله منكم * ويمدحه وينصره سواء (1)

فالتقدير ومن يمدحه. والابتداع ابتداء أمر لم يجد فيه على مثال. والبدعة

ـــــــــــــــــــــــ

(1) مر في 1 / 410 و 8 / 198 (*)

 

===============

(537)

إحداث أمر على خلاف السنة. وقال قتادة: الرهبانية التي أبتدعوها رفض النساء واتخاذ الصوامع. وقال قتادة وابن زيد: تقديره ورهبانية ما كتبناها عليهم إلا أنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله " فمارعوها حق رعايتها " وقال قوم: الرهبانية التي ابتدعوها لحاقهم بالبراري والجبال - في خبر مرفوع عن النبي (صلى الله عليه وآله) فما رعاها الذين بعدهم حق رعايتها، وذلك لتكذيبهم بمحمد (صلى الله عليه وآله) ، وقيل: الرهبانية الانقطاع عن الناس للانفراد بالعبادة.

وقوله " ما كتبناها عليهم " معناه ما فرضناها عليهم أي تلك الرهبانية البتة. وقال الزجاج: معناه ما كتبناها عليهم البتة ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، فيكون بدلا من (ها) التي يشتمل عليه المعنى - ذكره الزجاج - وقيل: كان عليهم تتميمها كما على المبتدئ بصوم التطوع أن يتمه. وقال الحسن: فرضها الله عليهم بعد ما أبتدعوها، وقوله " فما رعوها حق رعايتها " معناه فما حفظوها حق حفظها.

ثم قال (فآتينا الذين آمنوا) معناه فأعطينا من آمن بالله ورسوله من جملة المذكورين (أجرهم) أي ثوابهم على إيمانهم. ثم قال (وكثير منهم فاسقون)

أي خارجون عن طاعة الله إلى معصيته والكفر به.

وقوله " يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله " معناه يا أيها الذين اعترفوا بتوحيد الله وصدقوا بموسى وعيسى وأعترفوا بنبوتهما اتقوا الله وآمنوا برسوله محمد (صلى الله عليه وآله) - ذكره ابن عباس - " يؤتكم كفلين من رحمته " قال ابن عباس:

معناه يعطكم أجرين أجرا لا يمانكم بمحمد (صلى الله عليه وآله) وأجرا لايمانكم بمن تقدم من الرسل.

وأصل الكفل الحظ - في قول الفراء - ومنه الكفل الذي يكتفل به الراكب، وهو (ج 9 م 68 من التبيان)

 

===============

(538)

كساء أو نحوه يحويها على الابل إذا أراد أن يرتدف فيه فيحفظه من السقوط، ففيه حظ من التحرز من الوقوع " ويجعل لكم نورا تمشون به " قال مجاهد: ويجعل لكم هدى تهتدون به. وقال ابن عباس: النور القرآن، وفيه الادلة على كل حق وبيان لكل خير، وبه يستحق الضياء الذي يمشي به يوم القيامة " ويغفر لكم " أي يستر عليكم ذنوبكم " والله غفور الرحيم " أي ستار عليكم ذنوبكم رحيم بكم منعم عليكم وقوله " لئلا يعلم أهل الكتاب ان لا يقدرون على شئ من فضل الله " معناه ليعلم اهل الكتاب الذين يتشبهون بالمؤمنين منهم " أن لا يقدرون " أي انهم لا يقدرون " على شئ من فضل الله " في قول ابن عباس. و (ان) هي المخففة من الثقيلة. وقيل: معناه ليعلم أهل الكتاب الذين حسدوا المؤمنين بما وعدوا أنهم لا يقدرون على شئ من فضل الله، فيصرفوا النبوة عن محمد (صلى الله عليه وآله) إلى من يحبونه و (لا) في (لئلا) صلة وتوكيد، وقيل: إنما تكون (لا) صلة في كل كلام دخل في أواخره جحد، وإن لم يكن مصرحا به نحو " ما منعك ان لا تسجد " (1)

" وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون " (2) وقوله، وحرام على قرية أهلكناها انهم لا يرجعون " (3).

وقوله " وإن الفضل بيدالله " معناه ليعلموا أن الفضل بيدالله " يؤتيه من يشاء " أي يعطيه من يحب " من عباده " ممن يعلم انه يصلح له.

ثم قال " والله ذوالفضل العظيم " معناه ذو تفضل على خلقه واحسان على عباده تعظيم لا يحصى كثرة ولا يعد.

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 7 الاعراف آية 11 (2) سورة 6 الانعام آية 109 (3) سورة 21 الانبياء آية 95 (*)

 

===============

(539)

58 - سورة المجادلة مدينة بلا خلاف، وهي إثنا وعشرون آية في الكوفي والبصري والمدني الاول وإحدى وعشرون في المدني الاخير.

بسم الله الرحمن الرحيم (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير (1) ألذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله لعفو غفور (2)

والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير (3)

فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فاطعام ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم (4) إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم وقد أنزلنا آيات

 

===============

(540)

بينات وللكافرين عذاب مهين) (5) خمس آيات بلا خلاف.

قرأ المفضل عن عاصم " ماهن أمهاتهم " على الرفع على لغة بني تميم.

الباقون بنصب " أمهاتهم " على لغة أهل الحجاز، وهي لغة القرآن، كقوله " ما هذا بشرا " (1) وقرأ عاصم " يظاهرون " بضم الياء بألف. وقرأ ابن كثير ونافع وابوعمرو " يظهرون " بغير الف مشددة الظاء والهاء. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي " يظاهرون " بتشديد الظاء والف، وفتح الياء. وقال ابوعلي النحوي: ظاهر من امرأته وظهر مثل ضاعف وضعف وتدخل التاء على كل واحد منهما، فيصير تظاهر وتظهر، ويدخل حرف المضارعة، فيصير تتظاهر، ويتظهر. ثم يدغم التاء في الظاء لمقاربتهما، فيصير يظاهرون ويظهرون - بفتح الياء - التي هي للمضارعة، لانها للمطاوعة، كما تفتحها في (يتدحرج) الذي هو مطاوع (دحرجته، فتدحرج)

واختار عاصم أن المظاهرة من المضارعة، لان المفاعلة لا يكون إلا من نفسين.

والظهار يكون بين الرجل وامرأته. ومن قرأ (يظاهرون) فأصله يتظاهرون فأدغم التاء في الظاء.

والظهار قول الرجل لامرأته: انت علي كظهر أمي، وكان أهل الجاهلية إذا قال الرجل منهم هذا لامرأته بانت منه وطلقت. وفى الشرع لا تبين المرأة إلا انه لا يجوز له وطؤها إلا بعد ان يكفر. وعندنا ان شروط الظهار هي شروط الطلاق سواء من كان المرأة طاهرا طهرا لم يقربها فيه بجماع، ويحضره شاهدين ويقصد التحريم فان اختل شئ من ذلك لم يقع به ظهار. ويقال فيه ظاهر فلان من امرأته ظهارا ومظاهرة وإظهارا، فلان ظاهر وتظاهر تظاهرا إلا انه ادغم واظهر إظهارا.

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 12 يوسف آية 31 (*)

 

===============

(541)

وأصله تظهر تظهرا إلا انه دغمت التاء في الظاء.

وقيل: إن هذه الآية نزلت في خولة بنت ثعلبة وزوجها أوس ابن الصامت - في قول قتادة - وكان مجادلتها إياه مراجعتها في أمر زوجها. وقد كان ظاهر منها، وهي تقول: كبرت سني ودق عظمي، وان اوسا تزوجني وانا شابة، فلما علت سني يريد أن يطلقني. ورسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول بنت منه - على ما رواه ابو العالية - وفي رواية غيره انه قال لها: ليس عندي في هذا شئ، فنزلت الآية.

وقال ابن عباس: نزلت الآية في أوس بن الصامت. وكانت تحته بنت عم له، فقال لها: أنت علي كظهر أمي، فهو اول من ظاهر في الاسلام. وقيل كان يقال للمرأة خولة بنت خويلد. وكان الرجل في الجاهلية إذا قال لامرأته: انت علي كظهر أمي حرمت عليه، فأنزل الله تعالى في قصة الظهار آيات. ولا خلاف أن الحكم عام في جميع من يظاهر، وإن نزلت الآية على سبب خاص.

فقال الله تعالى لنبيه " لقد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها " فالجدال والمجادلة هي المخاصمة. وقد يقال: للمراجعة والمقابلة للمعنى بما يخالفه مجادلة. واصل الجدال الفتل. ومن قابل المعنى بخلافه طلبا للفائدة فليس بمجادل. فمجادلة المرأة لرسول الله كان مراجعتها إياه في أمر زوجها، وذكرها أن كبرت سني وذق عظمي، والنبي (صلى الله عليه وآله) يقول بنت منه - على ما رواه ابن العالية - لانه لم يكن نزل عليه في ذلك وحي ولا حكم.

وقوله " وتشتكى إلى الله " أي تظهر ما بها من المكروه، تقول: اللهم إنك تعلم حالي فارحمني، فالاشتكاء إظهار ما بالانسان من المكروه. والشكاية إظهار ما يصنعه به غيره من المكروه.

وقوله " والله يسمع تحاور كما " أي مراجعة بعضكما لبعض. والتحاور التراجع

 

===============

(542)

وهو المحاورة، تقول: تحاورا تحاورا وحاور محاورة أي راجعه في الكلام، قال عنترة:

لو كان يدري ما المحاورة اشتكى * ولكان لو علم الكلام مكلمي

و " إن الله سميع بصير " أي على صفة يصح معها ان يسمع المسموعات إذا وجدت، ويبصر المبصرات إذا وجدت.

ثم قال " الذين يظاهرون منكم من نسائهم " أي الذين يقولون لنسائهم:

أنت علي كظهر أمي، ومعناه إن ظهرك علي حرام كظهر أمي، فقال الله تعالى " ما هن أمهاتهم " أي ليست أزواجهم امهاتهم على الحقيقة " إن امهاتهم " أي وليست امهاتهم في الحقيقة " إلا اللائي ولدنهم " من الام وجداته. ثم اخبر " إنهم ليقولون " أي ان القائل لهذا يقول قولا " منكرا من القول " قبيحا " وزورا " أي كذبا، لانه اذا جعل ظهرها كظهر أمه وليست كذلك كان كاذبا في قوله.

ثم قال تعالى " وإن الله لعفو غفور " أي رحيم بهم منعم عليهم متجاوز عن ذنبهم. وفى ذلك دلالة على ان الله رحمها وغيرها من النساء لرغبتها في زوجها بالتوسعة من جهة الكفارة التي تحل بها.

ثم بين تعالى ما يلزمه من الحكم، فقال " والذين يظاهرون من نسائهم " يعني الذين يقولون هذا القول الذي حكيناه " ثم يعودون لما قالوا " واختلفوا في معنى العود، فقال قتادة العود هو العزم على وطئها. وقال قوم: العود الامساك عزم او لم يعزم وقال الشافعي: هو أن يمسكها بالعقد، ولا يتبع الظهار بطلاق.

وحكى الطبري عن قوم انهم قالوا: فيه تقديم وتأخير وتقديره: والذين يظاهرون من نسائهم فتحرير رقبة من قبل ان يتماسا فمن لم يجد فصيام شهرين فمن لم يستطع فاطعام ستين مسكينا ثم يعودون لما قالوا. وقال قوم: معناه ثم يعودون لنقض

 

===============

(543)

ما قالوا وإرتفاع حكمه. وقال قوم: لا تجب عليه الكفارة حتى يعاود القول ثانية.

وهو خلاف اكثر اهل العلم.

والذي هو مذهبنا أن العود المراد به إرادة الوطئ او نقض القول الذي قاله، فانه لا يجوز له الوطئ إلا بعد الكفارة ولا يبطل حكم القول الاول إلا بعد ان يكفر.

وقال الفراء: يحتمل ان يكون المراد ثم يعودون إلى ما قالوا، وفيما قالوا، وفي نقض ما قالوا، أي يرجعون عما قالوا، ويجوز في العربية أن تقول: إن عاد لما فعل، تريد ان فعله مرة أخرى، ويجوز إن عاد لما فعل أي نقض ما فعل، كما تقول:

حلف ان يضربك بمعنى حلف ألا يضربك، وحلف ليضربنك.

وقوله " فتحرير رقبة من قبل ان يتماسا " بيان لكيفية الكفارة، فان أول ما يلزمه من الكفارة عتق رقبة فالتحرير هو ان يجعل الرقبة المملوكة حرة بالعتق بأن يقول المالك انه حر. والرقبة ينبغي ان تكون مؤمنة سواء كانت ذكرا او انثى صغيرة او كبيرة إذا كانت صحيحة الاعضاء. فان الاجماع واقع على انه يقع الاجزاء بها، وقال الحسن وكثير من الفقهاء: إن كانت كافرة أجزأت. وفيه خلاف وتفاصيل. ذكرناه في كتب الفقه. وتحرير الرقبة واجب قبل المجامعة لظاهر قوله " من قبل ان يتماسا " أي من قبل ان يجامعها فيتماسا. وهو قول ابن عباس، فكان الحسن لا يرى بأسا ان يغشى المظاهر دون الفرج. وفى رواية اخرى عنه أنه يكره للمظاهر أن يقبل. والذي يقتضيه الظاهر ألا يقربها بجماع على حال ولا بمماسة شهوة وقوله " ذلكم توعظون به " ان تظاهروا ثم قال " والله بما تعملون خبير " أي عالم بما تفعلونه من خير وشر، فيجازيكم بحسبه.

ثم قال " فمن لم يجد " يعني الرقبة وعجز عنها " فيصام شهرين متتابعين من

 

===============

(544)

قبل ان يتماسا " والتتابع عند أكثر العلماء ان يوالي بين أيام الشهرين الهلاليين او يصوم ستين يوما. وعندنا انه إذا صام شهرا ومن الآخر ولو يوما، فقد تابع، فان فرق فيما بعد جاز. وعند قوم: ان يصوم شهرا ونصف شهر لا يفطر فيما بينهما فان افطر لا لعذر استأنف. وان افطر لعذر من مرض اختلفوا، فمنهم من قال يستأنف من عذر وغير عذر. وبه قال إبراهيم النخعي ورواه جابر عن ابي جعفر (عليه السلام)وقال قوم: يبني، وبه قال سعيد بن المسيب والحسن وعطاء والشعبي. واجمعوا على ان المرأة إذا افطرت للحيض في الشهرين المتتابعين في كفارة قتل الخطأ او فطر يوم انها تبني فقاسوا عليه الظهار. وروى اصحابنا انه اذا صام شهرا ومن الثاني بعضه ولو يوما ثم افطر لغير عذر، فقد اخطأ إلا انه يبني على ما قدمناه. وإن افطر قبل ذلك استأنف. ومتى بدأ بالصوم وصام بعضه ثم وجد العتق لا يلزمه العتق وإن رجع كان افضل. وقال قوم: يلزمه الرجوع إلى العتق.

ومتى جامع في ليالي الصوم وجب عليه الاستئناف وبطل حكم التتابع، لانه خلاف الظاهر. ومتى جامع قبل الكفارة لزمته كفارة ثانية عند اصحابنا، وكلما وطأ لزمته كفارة بعدد الوطئ.

وقوله " فمن لم يستطع " يعني من لم يقدر على الصوم " فاطعام ستين مسكينا " يعني - عندنا - لكل مسكين نصف صاع، فان لم يقدر أعطاه مدا. وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه اعطى المظاهر نصف وسق ثلاثين صاعا. وقال أطعم ستين مسكينا وراجعها وذلك انه كان فقيرا عاجزا عن جميع الكفارات. وقال الحسن: اعانه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بخمسة عشر صاعا. والعدد مراعى، فان لم يجد العدد كرر على الموجودين تمام الستين.

وإن جامعها قبل ان يتم الاطعام، فظاهر المذهب يقتضي انه يلزمه كفارة

 

===============

(545)

اخرى، لانه وطأ قبل الكفارة. وقال قوم: لا يلزمه. وقال آخرون: يستأنف الكفارة وقوله " ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله " معناه إنا شرعنا لكم ما ذكرناه في حكم الظهار لما علمناه من مصلحتكم لتؤمنوا بالله ورسوله، فتصدقوهما وتقروا بتوحيد الله، وبنبوة نبيه.

ثم قال " وتلك حدود الله " يعني ما ذكرناه من حكم الظهار.

ثم قال " وللكافرين " أي للجاحدين لصحة ما قلناه " عذاب اليم " ومتى نوى بلفظ الظهار الطلاق لم يقع به طلاق. وفيه خلاف بين الفقهاء، والاطعام لا يجوز إلا للمسلمين دون اهل الذمة. وفيه خلاف. ومسائل الظهار وفروعها ذكرناها في كتب الفقه.

ثم قال " إن الذين يحادون الله ورسوله " والمحادة المخالفة في الحدود أي من خالف الله ورسوله فيما ذكراه من الحدود " كبتوا " أي اخذوا - في قول قتادة - وقال غيره: اذلوا. وقال الفراء: معناه اغيظوا واحزنوا يوم الخندق " كما كبت الذين من قبلهم " يعني من قاتل الانبياء من قبلهم.

ثم قال تعالى " وقد انزلنا آيات بينات " اي حجج واضحات من القرآن وما فيه من الادلة. ثم قال " وللكافرين " أي للجاحدين لما انزلناه من القرآن والآيات " عذاب مهين " أي يهينهم ويخزيهم.

قوله تعالى:

(يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصيه الله ونسوه والله على كل شئ شهيد (6) ألم تر أن الله يعلم ما في السموات وما (ج 9 م 69 من التبيان)

 

===============

(546)

في الارض ما يكون من نجوى ثلثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيمة إن الله بكل شئ عليم (7) ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالاثم والعدوان ومعصيت الرسول وإذا جاؤك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير (8) يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالاثم والعدوان ومعصيت الرسول وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إليه تحشرون (9) إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا باذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون) (10) خمس آيات بلا خلاف.

قرأ حمزة وحده " ويتنجون " بغير الف. الباقون " يتناجون " بألف.

وقرأ ابوجعفر (ما يكون) بالياء. الباقون بالتاء، لان تأنيث نجوى ليس بحقيقي لما قال الله تعالى ان الكافرين لحدود الله لهم عذاب مهين، بين متى يكون ذلك، فقال (يوم يبعثهم الله جميعا) أي يحشرهم إلى ارض المحشر ويعيدهم احياء (فينبئهم أي يخبرهم ويعلمهم (بما عملوا) في دار الدنيا من المعاصي وإرتكاب القبائح، ثم قال (احصاه الله ونسوه) أي احصاه الله عليهم واثبته في كتاب اعمالهم

 

===============

(547)

ونسوه هم (والله على كل شئ شهيد) ومعناه انه يعلم الاشياء كلها من جميع وجوهها لا يخفى عليه شئ من ذلك وإن كان كثيرا من الاشياء لا يصح مشاهدتها ولا إدراكها، ومنه قوله (شهد الله انه لا إله إلا هو) (1) أي علم ذلك.

ثم بين فقال (ألم تر) ومعناه الم تعلم، والخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله) والمراد به جميع المكلفين (ان الله يعلم ما في السموات وما في الارض) من الموجودات لا يخفى عليه شئ منها، لانه عالم لنفسه يجب ان يكون عالما بما يصح أن يكون معلوما. وقيل التقدير ألم تر ان الله يعلم ما في السموات وما في الارض مما ترى من تدبيرهما من مسير الشمس والقمر ومجيئ الحر والبرد والزرع والثمار وسائر صنوف الاشجار على ما تقتضي الحكمة عالما دبر ذلك وجعل كل شئ منه في وقته ولما يصلح له، وذلك يقتضي انه عالم بكل نجوى، لانه عالم لنفسه لا بحدوث علم. واذا ثبت انه عالم لنفسه وجب ان يكون عالما بكل معلوم.

وقوله (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا اكثر إلا هو معهم اينما كانوا) والمعنى انه عالم بأحوالهم وجميع متصرفاتهم فرادى وعند الاجتماع، لا يخفى عليه شئ منها، فكأنما هو معهم مشاهد لهم. وعلى هذا يقال: إن الله تعالى مع الانسان حيث ما كان، لانه عالم لا يخفى عليه شئ من أمره حتى انه ظاهر له اتم الظهور لمن شاهده ممن هو معه في المكان، وحسن هذا لما فيه من البيان، فأما ان يكون معهم على طريق المجاورة فمحال، لان ذلك من صفات الاجسام، والله تعالى ليس بجسم. ويقولون: فلان رابع أربعة إذا كان احد اربعة ورابع ثلاثة اذا جعل ثلاثة اربعة بكونه معهم.

ويجوز على هذا ان يقال: رابع ثلاثة ولا يجوز رابع أربعة، لانه ليس فيه معنى

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 3 آل عمران آية 18 (*)

 

===============

(548)

الفعل. ويجوز في (ثلاثة) الجر باضافة النجوى اليها، ويجوز بأنها صفة النجوى.

ويجوز النصب بأنها خبر (يكون).

وقوله (ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة) معناه يعلمهم بما عملوه من المعاصي في الدنيا والاعمال، ويخبرهم بها، لان الله بكل شئ عليم، لا يخفى عليه خافية.

ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وآله) والمراد به جميع الامة (الم تر) بمعنى الم تعلم (إلى الذين نهوا عن النجوى) قال مجاهد: كان النبي (صلى الله عليه وآله) نهى اليهود عن النجوى بينهم لانهم كانوا لا يتناجون إلا بما يسواء المؤمنين. وقال الفراء: نزلت في المنافقين واليهود، ونهوا أن يتناجوا اذا اجتمعوا مع المسلمين في موضع واحد. والنجوى هي الاسرار، والنجوة الارتفاع من الارض، وهو الاصل، ومنه النجا الارتفاع في السير، والنجاة الارتفاع من البلاء.

وقوله (ثم يعودون لما نهوا عنه) معناه يعودون فيتناجون ويخالفون نهي النبي (صلى الله عليه وآله) (ويتناجون بالاثم والعدوان ومعصيت الرسول) والتناجي والمناجاة تكون بين اثنين فصاعدا، ويقال: انتجوا بمعنى تناجوا، كما يقال اختصموا وتخاصموا وكذلك انتجوا وتناجوا بمعنى.

وحجة حمزة قول النبي (صلى الله عليه وآله) في علي (عليه السلام)(ما انا انتجيته، ولكن الله انتجاه) وحجة الباقين قوله (اذا تناجيتم) وكلاهما حسان.

قال قتادة: كان المنافقون يتناجون بينهم فيغيظ ذلك المؤمنين. وقال ابن زيد: كانوا يوهمون انه قد حدثت بلية على المسلمين من حرب او نحوهن، فأخبرالله عنهم انهم كانوا يتناجون بالاثم يعني بالمعاصي. والعدوان التعدى إلى غير الواجب وبمعصيت الرسول أي ما يعصون به الرسول النبي (صلى الله عليه وآله) .

وقوله (وإذا جاؤك حيوك بما لم يحيك به الله) قال قتادة ومجاهد - وهو

 

===============

(549)

المروي عن عائشة - انه كانت تحيتهم السام عليكم يابا القاسم. وقال ابن عباس:

كان المنافقون يقولون ذلك. وقيل: كان النبي (صلى الله عليه وآله) يرده على من قال ذلك، فيقول:

وعليك، وقال ابن زيد: السام الموت. وقال الحسن: كانت اليهود تقول: السام عليكم أي انكم ستسأمون دينكم هذا أي تملونه فتدعونه. ومن هذا سئمت الامر اسأمه سأما وسأما. ومن قال: السام الموت فهو سام الحياة بذهابها.

وقوله (ويقولون في انفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول) قال كانوا يقولون:

إن كان نبيا صادقا هلا يعذبنا الله بما نقول من النجوى وغيره. فقال الله تعالى لهم (حسبهم جهنم) أي كافيهم جهنم (يصلونها) يوم القيامة ويحترقون فيها (وبئس المصير) أي بئس المرجع والمآل لما فيها من أنواع العقاب.

ثم امر المؤمنين فقال (يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم) انتم فيما بينكم أي تشاورتم (فلا تتناجوا بالاثم) يعني بالمعاصي ولا ب (العدوان) ولا ب (معصية الرسول)

ومخالفته (وتناجوا بالبر والتقوى) أي بافعال الخير والخوف من عذاب الله. ثم قال (واتقوا الله) باجتناب معاصيه (الذي اليه تحشرون) يعني يوم القيامة.

ثم قال (انما النجوى من الشيطان) يعني نجوى المنافقين والكفار بما يسوء المؤمنين ويغمهم (من الشيطان) أي بدعاء الشيطان واغوائه يفعل ذلك (ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا باذن الله) معناه إلا بعلم الله وتمكينه إياهم لان تكليفهم إيمانهم بذلك، وقيل معناه إلا بفعل الله الغم والحزن في قلوبهم لان الشيطان لا يقدر على فعل ذلك. ثم قال تعالى (وعلى الله فليتوكل المؤمنون) أي يجب على المؤمنين ان يتوكلوا في جميع امورهم عليه تعالى دون غيره.

 

===============

(550)

قوله تعالى:

(ياأيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير (11)

يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجويكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر فان لم تجدوا فان الله غفور رحيم (12)

ءأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجويكم صدقات فاذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون (13) ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون (14) أعدالله لهم عذابا شديدا إنهم ساء ما كانوا يعملون) (15)

خمس آيات بلا خلاف.

قرأ عاصم وحده " تفسحوا في المجالس " على الجمع لاختلافها، الباقون في " المجلس " على التوحيد، لانهم ذهبوا مذهب الجنس، لانه مصدر يدل على القليل والكثير. لانهم ارادوا مجلس النبي (صلى الله عليه وآله) فعلى هذا الوجه الافراد. ومن جمع أراد كل جالس مجالس أي موضع جلوس، وقرأ " انشزوا " بضم الشين نافع وابن عامر وعاصم إلا حمادا ويحيى عن ابي بكر. الباقون بكسر الشين وهما لغتان مثل

 

===============

(551)

(يعرشون ويعرشون، ويعكفون ويعكفون).

يقول الله تعالى مخاطبا للمؤمنين وآمرا لهم بأنه إذا قيل لهم تفسحوا في المجلس بمعنى اتسعوا فيها، يقال: تفسح تفسحا وله في هذا الامر فسحة أي متسع. والتفسح الاتساع في المكان، وفسح له في المجلس يفسح فسحا. ومكان فسيح وفسح. والتفسيح والتوسع واحد. قال قتادة: كانوا يتنافسون في مجلس النبي (صلى الله عليه وآله) فقيل لهم تفسحوا وقال ابن عباس: أراد به مجلس القتال " فافسحوا " أي وسعوا " يفسح الله لكم " أي يوسع عليكم منازلكم في الجنة " وإذا قيل انشزوا فانشزوا " أي إذا قيل لكم ارتفعوا في المجلس فارتفعوا، والنشوز الارتفاع عن الشئ بالذهاب عنه. ومنه نشوز المرأة عن زوجها، يقال: نشز ينشز نشوزا ونشزا. قال قتادة ومجاهد والضحاك:

معناه إذا قيل قوموا إلى صلاة او قتال عدو أو أمر بمعروف أي تفرقوا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقوموا.

وقوله " يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات " معناه متى ما فعلتم ما أمرتم به رفع الله الذين آمنوا منكم، ورفع الذين أوتوا العلم درجات، لانهم احق بالرفعة. وفى ذلك دلالة على ان فعل العالم اكثر ثوابا من فعل من ليس بعالم " والله بما تعملون " من التفسح والنشوز وغير ذلك (خبير) أي عالم.

ثم خاطبهم ايضا فقال (يا ايها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول) أي شاورتموه (فقدموا بين يدي نجواكم صدقة) قال الزجاج: كان سبب نزول الآية ان الاغنياء كانوا يستخلون النبي (صلى الله عليه وآله) فيشاورونه بما يريدون، والفقراء لا يتمكنون من النبي تمكنهم، ففرض الله عليهم الصدقة قبل النجوى ليمتنعوا من ذلك، وتعبدهم بأن لا يناجي احد رسول الله إلا بعد ان يتصدق بشئ ما قل او كثر، فلم يفعل احد ذلك على ما روي، فاستقرض أميرالمؤمنين علي (عليه السلام)دينارا وتصدق به، ثم ناجى

 

===============

(552)

النبي (صلى الله عليه وآله) ، فنسخ الله تعالى ذلك الحكم بالآية التي بعدها.

وقوله (ذلك خير لكم واطهر) أي ذلك التصديق بين يدي النبي (صلى الله عليه وآله) خير لكم واطهر ومعناه إن فعل ذلك ادعى إلى مجانبة المعاصي من تركه. ثم قال قل لهم (فان لم تجدوا) يعني ما تتصدقون به (فان الله غفور رحيم) يستر عليكم ترك ذلك ويرحمكم وينعم عليكم.

ثم قال ناسخا لهذا الحكم (ااشتفقتم ان تقدموا بين يدي نجواكم صدقات)

وظاهر هذا الكلام توبيخ على ترك الصدقة، وانهم تركوا ذلك اشفاقا وخوفا على نقصان المال، فقال (فاذ لم تفعلوا) ذلك (وتاب الله عليكم) في تقصيركم في فعل الصدقة (فأقيموا الصلاة التي اوجبها الله عليكم) واديموا فعلها وادوا شروطها (وآتوا الزكاة) التي افترضها عليكم (واطيعوا الله ورسوله) فيما أمركم به ونهاكم عنه (والله خبير بما تعملون) أى عالم بما تعملونه من طاعة لله او معصية وحسن وقبيح، فيجازيكم بحسبه.

ثم قال للنبي (صلى الله عليه وآله) (ألم تر) يا محمد (إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم)

والمراد به قوم من المنافقين، كانوا يوالون اليهود ويغشون اليهم أسرارهم ويجتمعون معهم على ذكر مساءة النبي (صلى الله عليه وآله) والمؤمنين - وهو قول قتادة وابن زيد - ثم قال (ما هم منكم) أى ليسوا مؤمنين (ولا منهم) أي ولا هم يهود، فيكونوا منهم بل هم قوم منافقون.

ثم قال (ويحلفون) يعني هؤلاء المنافقون (على الكذب) يعني يقولون إنا معكم ونحن نتوب، وليسوا كذلك (وهم يعلمون) انه كذلك. ثم بين تعالى ما لهم من العقاب فقال (اعد الله لهم عذابا شديدا إنهم ساء ما كانوا يعملون)

أي لانهم كانوا يعملون المعاصي والقبائح.

 

===============

(553)

قوله تعالى:

(اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين (16) لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدين (17) يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شئ ألا إنهم هم الكاذبون (18) استحوذ عليهم الشيطان فأنسيهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون (19) إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الاذلين) (20).

خمس آيات عراقي وشامي، والمدني الاول، واربع آيات وبعض آية مكي والمدني الآخر، عد العراقي والشامي والمدني الاول " في الاذلين " ولم يعده الباقون.

لما ذكرالله تعالى المنافقين بأنهم تولوا قوما من اليهود الذين غضب الله عليهم وذكر ما أعده لهم من العقاب، وذكر انهم يحلفون على الكذب مع علمهم بأنهم كاذبون قال انهم (اتخذوا أيمانهم) التي يحلفون بها (جنة) أي سترة وترسايد يدفعون بها عن نفوسهم التهمة والظنة إذا ظهرت منهم الريبة. والاتخاذ جعل الشي ء عدة، كما يقال: اتخذ سلاحا، واتخذ كراعا ورجالا واتخذ دارا لنفسه إذا اعدهما لنفسه، فهؤلاء جعلوا الايمان عدة ليدفعوا بها عن نفوسهم الظنة. والجنة السترة وأصله التستر ومنه الجنة لاستتارهم عن العيون، والجنة لاستتارها بالشجر، والمجن الترس لستره صاحبه عن ان يناله السلاح.

 

===============

(554)

وقوله (فصدوا عن سبيل الله) أي صدوا نفوسهم وغيرهم عن سبيل الله التي هي الحق والهدى. وقيل: فصدوا عن سبيل الله من قبلهم بكفرهم. ثم بين تعالى مالهم على ذلك فقال (فلهم عذاب مهين) يهينهم ويذلهم والاهانه الاحتقار يقال: اهانه يهينه إهانة، ومثله أذله يذله إذلالا واخزاه يخزيه إخزاء، ونقيضه الاكرام، ثم قال (لن تغني عنهم أموالهم) التي جمعوها (ولا اولادهم) الذين خلفوهم (من الله شيئا) يدفع عقابه عنهم، أغنى يغني عنى اذا دفع عنه دفعا يستغنى عنه. ثم قال (اولئك) مع هذا كله (اصحاب النار) أي الملازمون لها (وهم فيها خالدون) مؤبدون لا يخرجون عنها (يوم يبعثهم الله جميعا) و (يوم) يتعلق ب (لن تغني عنهم أموالهم ولا اولادهم من الله شيئا.. يوم يبعثهم الله جميعا) يعنى يوم القيامة (فيحلفون له) أى يقسمون لله (كما يحلفون لكم) في الدنيا بأنهم كانوا مؤمنين في الدنيا في اعتقادهم وظنهم، لانهم كانوا يعتقدون أن ما هم عليه هو الحق (ويحسبون انهم على شئ) معناه يظنون أنهم على شئ في هذه الايمان. فقال الله تعالى (ألا انهم هم الكاذبون) فيما يذكرونه من الايمان والمعنى إنهم لم يكونوا مؤمنين على الحقيقة، وإنما كان اعتقادهم اعتقاد جهل. وقيل: معناه انهم (هم الكاذبون) في الدنيا. وقيل: معناه ألا إنهم هم الخائبون، يقال كذب ظنه اذا خاب أمله. وقال قوم (ويحسبون انهم على شئ) يعنى في دار الدنيا، ولا يحسبون ذلك في الآخرة لانهم يعلمون الحق اضطرارا، وهم ملجئون إلى الافعال الحسنة وترك القبيح.

قال الرماني: وهذا غلط، لانه مخالف لظاهر القرآن بغير دليل، قال والصواب ما قال الحسن في أن الآخرة مواطن يمكنون في بعضها من فعل القبيح، ولا يمكنون في بعض، ويكون كذبهم ككذب الصبي الدهش الذى يلحقهم.

 

===============

(555)

وقال قوم: ان قوله (ألا انهم هم الكاذبون) اخبار عن حالهم في الدنيا بأنهم كاذبون في الدنيا في قولهم: انا مؤمنون، وهم منافقون، لان الكذب لا يجوز ان يقع منهم في الآخرة على وجه.

ثم قال تعالى " ان الذين يحادون الله ورسوله " أى يخالفونه في حدوده.

وقال مجاهد: معناه يشاقون الله ورسوله بأن يحصلوا في حد آخر عادلين عن حدود الله.

 وقوله " اولئك في الاذلين " اخبار منه تعالى ان الذين يحادونه ويحادون رسوله اولئك في الاحقرين المهانين عند الله. وقال الزجاج: معناه في المغلوبين.

وقوله " استحوذ عليهم الشيطان " معناه استولى عليهم، فالاستحواذ الاستيلاء على الشئ بالاقتطاع. واصله من حاذه حوذا مثل جازه يجوزه جوزا " فانساهم ذكرالله " حتى لا يذكرون الله، ولا يخافونه ثم قال " اولئك " يعنى الذين " استحوذ عليهم الشيطان " جنود الشيطان وحزبه. ثم قال " ألا ان حزب الشيطان هم الخاسرون " لانهم يخسرون الجنة ويحصل لهم بدلها النار وذلك هو الخسران المبين قوله تعالى:

(كتب الله لاغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز (21)

لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الايمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون) (22).

 

===============

(556)

آيتان وبعض آية في المكى والمدني الاخير، وآيتان فيما عداه، عد المكي والمدني الاخير إلى " قوي عزيز " تمام التي قبلها.

قرأ الاعشى (عشيراتهم) على الجمع، الباقون (عشيرتهم) على الافراد.

قوله (كتب الله لاغلبن أنا ورسلي) معناه إنه كتب في اللوح المحفوظ وما كتبه فلابد من ان يكون. وقال الحسن: ما أمر الله نبيا قط بحرب الا غلب إما في الحال او فيما بعد. ويحتمل ان يكون المراد (كتب الله لا غلبن أنا ورسلي)

بالحجج والبراهين، وان جاز ان يغلب في الحرب في بعض الاوقات. والغلبة قهر المنازع حتى يصير في حكم الذليل للقاهر، وقد يقهر ما ليس بمنازع، كقولهم قهر العمل حتى فرغ منه. والله تعالى غالب بمعنى انه قاهر لمن نازع أولياءه. وقوله (ان الله قوي عزيز) اخبار منه تعالى انه قادر لا يمكن احدا من قهره ولا غلبته لان مقدوراته لا نهاية لها ومن كان كذلك لا يمكن قهره. والعزيز المنيع بكثرة مقدوراته.

وقوله (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الاخر يوادون من حاد الله ورسوله)

معناه ان المؤمن لا يكون مؤمنا كامل الايمان والثواب يواد من خالف حدود الله ويشاقه ويشاق رسوله ومعنى يواده يواليه، وان كان ذلك الذي يواده أباه او ابنه او اخاه او عشيرته، فمن خالف ذلك ووالى من ذكرناه كان فاسقا، لا يكون كافرا، وكل كافر فهو محاد لله ولرسوله. والموادة الموالاة بالنصرة والمحبة، فهذا لا يجوز إلا للمؤمن بالله دون الكافر، والفاسق المرتكب للكبائر، لانه يجب البراءة منهما، وهي منافية للموالاة. والآية نزلت في حاطب بن ابي بلتقة حين كتب إلى اهل مكة يشعرهم بأن النبي (صلى الله عليه وآله) عزم على ان يأتي مكة بغتة يفتحها. وكان النبي (صلى الله عليه وآله) أخفى ذلك، فلما عوتب على ذلك، قال أهلي بمكة احببت ان يحوطوهم بيد تكون لي عندهم، فانزل الله تعالى فيه الآية.

 

===============

(557)

ثم قال تعالى " اولئك " يعني الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر " كتب في قلوبهم الايمان " ومعناه انه جعله بحكمه، فكأنه مكتوب فيه. وقيل: معناه إنه جعل في قلوبهم سمة تدل من علمها أنهم من اهل الايمان. وقال الحسن: معناه انه ثبت الايمان في قلوبهم بما فعل بهم من الالطاف " وايدهم بروح منه " أي قواهم بنور البرهان والحجج حتى اهتدوا للحق وعملوا به، وقيل: أيدهم بجبرائيل من أمر الله في كثير من المواطن ينصرهم ويدفع عنهم " ويدخلهم جنات " أي بساتين " تجري من تحتها الانهار " أي من تحت أشجارها الانهار. وقيل: ان أنهارها أخاديد في الارض، فلذلك قال " من تحتها الانهار ". والانهار جمع نهر " خالدين فيها " أي مؤبدين لا يفنون ولا يخرجون منها، وهو نصب على الحال " رضى الله عنهم " باخلاص الطاعة منهم " ورضوا عنه " بثواب الجنة. ثم قال " اولئك حزب الله " يعني جنده وأولياؤه، ثم قال " ألا " وهي كلمة تنبيه " إن حزب الله " يعني جنوده واولياءه " هم المفلحون " والمفلح هو المنجح بادراك ما طلب. وقال الزجاج:

حزب الله هم الذين اصطفاهم الله. وقرأ المفضل عن عاصم " كتب في قلوبهم الايمان " على ما لم يسم فاعله. الباقون بفتح الكاف بمعنى إن الله كتب ذلك عليهم.

 

===============

(558)

59 - سورة الحشر مدينة بلا خلاف. وهي أربع وعشرون آية بلا خلاف.

بسم الله الرحمن الرحيم (سبح لله ما في السموات وما في الارض وهو العزيز الحكيم (1) هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لاول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم ما نعتهم حصونهم من الله فأتيم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الابصار (2) ولو لا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار (3) ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فان الله شديد العقاب (4) ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فباذن الله وليخزي الفاسقين) (5) خمس آيات.