(118)

وقوله " ألا تحزني " أي لاتغتمي " قد جعل ربك تحتك سريا " قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير: السري هو النهر الصغير. وقال قوم: هو النهر بالسريانية. وقال آخرون: هو بالنبطية. وقال ابراهيم والضحاك وقتادة: هو النهر الصغير بالعربية، مثل قول ابن عباس، وقال البراء بن عازب: هو الجدول وقال الحسن وابن زيد: السري عيسى (ع). وقيل للنهر (سري) لانه يسري بجريانه كما قيل جدول لشدة جريه. قال لبيد:

فتوسطا عرض السري فصدعا * مسجورة متجاوز أقدامها (1)

وقال آخر:

سلم ترى الدالي منه ازورا * إذا يعج في السري هرهرا (2)

وقوله " وهزي اليك بجذغ النخلة " معناه هزى النخلة اليك، ودخلت الباء تأكيدا، كما قال تعالى " تنبت بالدهن " (3) قال الشاعر:

نضرب بالبيض ونرجوا بالفرج (4)

أى نرجو الفرج، وقال آخر:

بواديمان ينبت السدر صدره * وأسفله بالمرخ والشبهان (5)

وفى رواية ينبت الشث حوله. وقوله (تساقط عليك) من شدد، أراد تتساقط فادغم احد التاءين في السين، ومن خفف حذف احد التاءين. ومن قرأ - بالياء -

ـــــــــــــــــــــــ

(1) تفسير الطبري 16 / 47 والقرطبي 11 / 94 (2) تفسير القرطبي 11 / 94 وروايته (يعب) بدل (يعج)

(3) سورة 23 المؤمنون آية 20 (4) قائله النابغة الجعدي تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة: 193 (5) تفسير الطبري 16 / 48 (*)

 

===============

(119)

أسند الفعل إلى الجذع ومن قرأ - بالتاء - اسنده إلى النخلة. ومن قرأ تساقط أراد من المساقطة. وقرأ ابوحيويه (تسقط عليك). وروي عنه (يسقط) وهو شاذ والمعاني متقاربة. وقال ابوعلي: من قرأ (تساقط) عدى (فاعل) كما عدى (يتفاعل) وهو مطاوع (فاعل) قال الشاعر:

تطالعنا خيالات لسلمى * كما يتطالع الدين الغريم (1)

وانشد ابوعبيدة:

تخاطأت النبل أحشاءه * وأخريومي فلم أعجل (2)

قال في موضع (اخطأت) كقوله (فان طبن لكم عن شئ منه نفسا) (3)

ومعنى الآية يتواقع عليك رطبا جنيا. والجني المجني (فعيل) بمنى (مفعول) وهو المأخوذ من الثمرة الطرية، اجتناه اجتنا. إذا اقتطعه، قال ابن اخت جذيمة:

هذا جناي وخياره فيه * إذ كل جان يده إلى فيه (4)

وفي نصب (رطب) قولان:

احدهما - قال المبرد: هو مفعول به، وتقديره هزى بجذع النخلة رطبا تساقط عليك.

وقال غيره: هو نصب على التمييز والعامل فيه تساقط.

وقال ابوعلي: يجوز أن يكون نصبا على الحال، وتقديره تساقط عليك ثمر النخلة رطبا، فحذف المضاف الذي هو الثمرة، ونصب رطبا على الحال.

وقيل: لم يكن للنخلة رأس وكان في الشتاء، فجعله الله تعالى آية، وانما تمنت الموت قبل تلك الحال التي قد علمت انها من قضاء الله لكراهتها أن يعصى الله بسببها

ـــــــــــــــــــــــ

(1) البيت في مجمع البيان 3 / 507 (2) مرتخريجه في 6 / 472 من هذا الكتاب (3) سورة 4 النساء آية 3 (4) تفسير الطبري 16 / 49 (*)

 

===============

(120)

إذا كان الناس يتسرعون إلى القول فيها بما يسخط الله. وقال قوم: انها قالت ذلك بطبع البشرية خوف الفضيحة. وقال قوم: المعنى في ذلك اني لو خيرت قبل ذلك بين الفضيحة بالحمل والموت لاخترت الموت.

واختلفوا في مدة حمل عيسى، فقال قوم: كان حمله ساعة ووضعت في الحال.

وقال آخرون: حملت به ثمانية أشهر ولم يعش مولود لثمانية أشهر غيره (ع)، فكان ذلك آية له. وفي بعض الروايات أنه ولد لستة أشهر. وقوله " فاجاءها المخاض " يدل على طول مكث الحمل، فاما مقداره فلا دليل يقطع به.

قوله تعالى:

(فكلي واشربي وقري عينا قوما ترين من البشر أحدا (25) فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا (26) فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا (27) يا أخت هرون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا (28) فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا (29) قال إني عبدالله آتاني الكتاب وجعلني نبيا (30)

خمس آيات بلا خلاف.

لما قال جبرائيل لمريم " هزي اليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا " قال لها بعد ذلك " فكلي " من ذلك الرطب " واشربي " من السري " وقري

 

===============

(121)

عينا " ونصبه على التمييز كقوله " فان طبن لكم عن شئ منه نفسا " (1) وقيل في معنا " قري عينا " قولان: احدهما - لتبرد عينك برد سرور بما ترى.

الثاني - لتسكن سكون سرور برؤيتها ما تحب، يقال قررت به عينا أقر قرورا وهي لغة قريش. وأهل نجد يقولون: قررت به عينا - بفتح العين - اقر قرارا، كما يقولون قررت بالمكان - بالفتح.

وقوله (فاما ترين من البشر أحدا فقولي اني نذرت للرحمن صوما) قال الجبائي: كان الله تعالى أمرها بأن تنذر الله تعالى الصمت، فاذا كلمها احد تومي بأنها نذرت صوما صمتا، لانه لايجوز ان يأمرها بان تخبر بانها نذرت ولم تنذر، لان ذلك كذب. وقال انس بن مالك وابن عباس والضحاك: تريد بالصوم الصمت.

وقال قتادة: يعني صمتا عن الطعام والشراب والكلام أي إمساكا. وانما أمرها بالصمت ليكفيها الكلام ولدها بما يبرئ ساحتها - في قول ابن مسعود وابن زيد ووهب ابن منية وقيل: من كان صام في ذلك الوقت لا يكلم الناس، فاذن لها في هذا المقدار من الكلام، في قول السدي.

فان قيل كيف تكون نذرت الصمت وألا تكلم أحدا مع قولها واخبارها عن نفسها بانها نذرت وهل ذلك إلا تناقض؟ قيل من قال: انه أذن لها في هذا القدر فحسب، يقول: انها نذرت لاتلكم بما زاد عليه. ومن قال: انها نذرت نذرا عاما، قال: أومت بذلك ولم تتلفظ به. وقيل:

أمرها الله أن تشير اليهم بهذا المعنى، وانها ولدته بناحية بيت المقدس، وفى موضع يعرف ب (بيت لحم).

 

ــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 4 النساء آية 3 (ج 7 م 16 من التبيان) (*)

 

===============

(122)

ثم اخبر الله تعالى عن حال مريم أنها اتت بعيسى إلى قومها تحمله، فلما رأوها قالوا لها " لقد جئت شيئا فريا " أي عملا عجيبا قال الراجز:

قد اطعمتني دقلا حوليا * مسوسا مدودا حجريا

قد كنت تفرين به الفريا (1)

قال قتادة ومجاهد والسدي: معنى الفري العظيم من الامر. وقيل الفري القبيح من الافتراء، فقال لها قومها " يا اخت هارون " وقيل في هارون الذي نسبت اليه بالاخوة أربعة أقوال:

فقال قتادة: وكعب وابن زيد والمغيرة بن شعبة يرفعه إلى النبي (صلى الله عليه وآله) : انه كان رجلا صالحا في بني اسرائيل ينسب اليه من عرف بالصلاح.

وقال السدي: نسبت إلى هارون أخي موسى (ع) لانها كانت من ولده كما يقال يا أخا بني فلان.

 وقال قوم: كان رجلا فاسقا معلنا بالفسق، فنسبت اليه.

وقال الضحاك: كان أخاها لابيها وأمها، وكان بنو إسرائيل يسمون أولادهم باسماء الانبياء كثيرا. وقوله " ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت امك بغيا " اي لم يكن أبواك إلا صالحين، ولم يكونا فاجرين، فكيف خالفتيهما " فاشارت اليه " اي أو مأت عند ذلك مريم إلى عيسى (ع) أن كلموه، واستشهدوه على براءة ساحتي " فقالوا " في جوابها " كيف نكلم من كان في المهد صبيا " قال قوم: دخلت (كان) ههنا زائدة ونصب (صبيا) على الحال. وانشد أبوعبيدة في زيادة (كان):

إلى كناس كان مستعدة وقال آخر:

 

ــــــــــــــــــــــــ

(1) تفسير الطبري 16 / 51 والقرطبي 11 / 100 (*)

 

===============

(123)

فكيف إذا رأيت ديار قومي * وجيران لنا كانوا كرام (1)

والمعنى وديار جيران كرام و (كانوا) فضلة، فلذلك لم تعمل. وقيل معنى (كان) صار وانشد لزهير:

اجزت اليه حرة أرجية * وقد كان لون الليل مثل الارندج

اي قد صار. وقال المبرد: معنى (كان) حدث. وقال الزجاج: معناه على الشرط، وتقديره من كان في المهد صبيا نكلمه على التقديم والتأخير. وقال قتادة: المهد حجر أمه، واصله ما وطئ للصبي. وقيل: انهم غضبوا عند اشارتها إلى ذلك وقالوا: لسخريتها بنا أشد علينا من زناها، فلما تكلم عيسى، قالوا: إن هذا الامر عظيم - ذكره السدي - فقال عيسى (ع) عند ذلك " اني عبدالله آتاني الكتاب " قال عكرمة: معناه فيما مضى " وجعلني نبيا " لان الله أكمل عقله وأرسله إلى عباده ولذلك كانت له تلك المعجزة - في قول الحسن وابي علي الجبائي - وقال قوم:

معناه " اني عبدالله " سيؤتيني الكتاب ويجعلني نبيا فيما بعد، وكان ذلك معجزة لمريم على براءة ساحتها على قول من أجاز اظهار المعجزات على يد غير الانبياء من الصالحين. وقال ابن الاخشاذ: كان ذلك إنذارا لنبوته. وقال الجبائي معنى " وجعلني نبيا " أي وجعلني رفيعا لان النبي هو الرفيع.

قوله تعالى:

(وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصيني بالصلوة والزكوة ما دمت حيا (31) وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا (32)

 

ــــــــــــــــــــــــ

(1) قائله الفرزدق. ديوانه (دار بيروت) 2 / 290 وقد مر في 3 / 155 من هذا الكتاب. (*)

 

===============

(124)

والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا (33) ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون (34) ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فانما يقول له كن فيكون) (35) خمس آيات بلا خلاف.

قرأ الكسائي " آتاني، واوصاني " بالامالة. الباقون بالتفخيم، فمن أمال، فلان هذه الالف تنقلب ياء في (أوصيت) فأمال لمكان الياء. ومن لم يمل، فلمكان الالف.

والامالة في (آتاني) احسن من الامالة في (أوصاني) لان في (أوصاني) حرفا مستعليا يمنع من الامالة، ومع ذلك، فهو جائز كصفي وطغي. وقرأ عاصم وابن عامر ويعقوب " قول الحق " بالنصب على المصدر. الباقون بالرفع على أنه خبر الابتداء. وتقديره ذلك الذي تلوناه من صفته " قول الحق " وقيل هو تابع ل (عيسى) كأنه قيل كلمة الحق وروي عن عبدالله انه قرأ " قول الحاق " بمعنى قول الحق ومعناه يحق نحو العاب والعيب والذام والذيم.

لما حكى الله تعالى عن عيسى أنه قال لقومه " اني عبدالله آتاني الكتاب وجعلني نبيا " أخبر أنه قال " وجعلني مباركا " قال مجاهد: معناه معلما للخير اينما كنت.

وقيل نفاعا، والبركة نماء الخير، والمبارك الذى ينمى الخير به. والتبرك طلب البركة بالشئ وأصله التبرك من البرك وهو ثبوت الطير على الماء.

وقوله " واوصانى بالصلاة والزكاة " معناه أمرني بهما. والوصية التقدم في الامر الذى يكون بعدما وقت له، كتقدم الانسان في التدبير بعد خروجه، وكتقدمه في أموره بعد موته. والصلاة في أصل اللغة: الدعاء، وفي الشرع عبارة عن هذه العبادة

 

===============

(125)

التي فيها الركوع والسجود. وقيل عبارة عن عبادة افتتاحها التكبير وخاتمتها التسليم.

وقيل في معنى الزكاة - ههنا - قولان: احدهما - زكوة المال. والثاني - التطهير من الذنوب.

" ما دمت حيا " أي أوصاني بذلك مدة حياتي " وبرا بوالدتى " أى واوصانى بأن اكون بارا بوالدتي أي محسنا إليها " ولم يجعلني جبارا " أى متجبرا، لم يحكم علي بالتجبر، والشقاء، ولم يسمني بذلك " والسلام علي " أى والرحمة من الله بالسلامة والنعمة بها علي " يوم ولدت ويوم أموت ويوم ابعث حيا ".

وقوله " ذلك عيسى ابن مريم قول الحق أى الذى تلوناه من صفة عيسى " قول الحق " أى كلمة الحق " الذى فيه يمترون " اى يشكون فيه " ما كان لله أن يتخذ من ولد " اخبار منه تعالى بأنه لم يكن الله أن يتخذ من ولد على ما يقوله النصارى.

ثم قال منزها لنفسه عن ذلك " سبحانه إذا قضى امرا فانما يقول له كن فيكون " اى يفعله لايشق عليه بمنزلة ما يقال كن فيكون، وقد بينا فيما مضى وحكينا ما قال بعضهم إن قول (كن) عند خلق ما يريد خلقه ليعلم الملائكة أنه لايتعذر عليه شئ يريد فعله.

والسلام مصدر سلمت سلاما، ومعناه عموم العافية والسلامة. والسلام جمع سلامة.

والسلام اسم من اسماء الله وسلام يبتدأ به في النكرة، لانه يكثر استعماله، تقول: سلام عليكم والسلام عليكم، وأسماء الاجناس يحسن الابتداء بها، لان فائدتها واحدة، ولما جرى ذكر (سلام) أعيد - ههنا - بالالف واللام ليرد على الاول.

قوله تعالى:

وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (36)

 

===============

(126)

فاختلف الاحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم (37) أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين (38) وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الامر وهم في غفلة وهم لايؤمنون (39) إنا نحن نرث الارض ومن عليها وإلينا يرجعون (40) خمس آيات بلا خلاف.

قرأ ابن كثير وابوعمرو ونافع ويعقوب إلا روحا " وأن الله " بفتح الهمزة الباقون بكسرها. من نصب الهمزة احتمل أربعة أوجه:

احدها - إن المعنى وقضى الله " أن الله ربى وربكم " في قول ابى عمرو بن العلا والثاني - أنه معطوف على كلام عيسى، أى واوصانى " أن الله ربى وربكم " والثالث - قال الفراء: إنه معطوف على " ذلك عيسى بن مريم " وذلك " أن الله ". ويكون موضعه الرفع بأنه خبر المبتدأ.

الرابع - ولان الله ربى وربكم فاعبدوه. والعامل فيه (فاعبدوه).

ومن كسر (إن) استأنف الكلام. ويقوي الكسر انه روي ان أبيا قرأ " ان الله " بلا واو ويجوز ان يكون عطفا على قوله " قال انى عبدالله " وقوله " هذا صراط مستقيم " معناه عبادتكم لله وحده لا شريك له هو الصراط المستقيم الذى لا اعوجاج فيه.

وقوله " فاختلف الاحزاب من بينهم " فالاختلاف في المذهب هو ان يعتقد كل قوم خلاف ما يعتقده الآخرون. والاحزاب جمع حزب. والحزب جمع المنقطع في رأيه عن غيره، يقال تحزب القوم إذا صاروا حزابا. وحزب عليهم

 

===============

(127)

الاحزاب أى جمع. والمعنى في الآية اختلف الاحزاب من أهل الكتاب في عيسى (ع)، فقال قتادة ومجاهد قال قوم: هو الله وهم اليعقوبية. وقال آخرون:

هوابن الله وهم النسطورية. وقال قوم: هو ثالث ثلاثة وهم الاسرائيلية. وقال قوم:

هو عبدالله وهم المسلمون.

ثم قال تعالى " فويل للذين كفروا " بآيات الله، وجحدوا وحدانيته من حضور يوم عظيم يعني يوم القيامة.

وقوله " اسمع بهم وابصر يوم يأتوننا " معناه ما أسمعهم وابصرهم على وجه التعجب، والمعنى انهم حلوا في ذلك محل من يتعجب منه، وفيه تهدد ووعيد أن سيسمعون ما يصدع قلوبهم ويردون ما يهيلهم. وقال الحسن وقتادة: المعنى لان كانوا في الدنيا صما عميا عن الحق، فما اسمعهم به، وما أبصرهم به يوم القيامة " يوم يأتوننا " أي يوم يأتون المقام الذي لا يملك أحد فيه الامر والنهي غير الله.

ثم قال تعالى " لكن الظالمون " انفسهم بارتكاب معاصيه وجحد آياته والكفر بأنبيائه " اليوم " يعني في دار الدنيا " في ضلال " عن الحق وعدول عنه " بعيد " من الصواب. ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وآله) " وانذرهم " يا محمد أى خوفهم هول " يوم الحسرة " اى اليوم الذى يتحسر فيه الناس على ما فرطوا فيه من طاعة الله، وعلى ما ارتكبوا من معاصيه في الوقت الذى " قضي الامر " وحكم بين الخلائق بالعدل " وهم في غفلة " اليوم عما يفعل بهم من العقاب على معاصيهم، وهم لا يصدقون بما يقال لهم ويخبرون به. ثم اخبر تعالى عن نفسه، فقال " انا نحن نرث الارض ومن عليها " اى يعود إلينا التصرف في الارض وفيمن عليها من العقلاء، وغيرهم، لايبقى لاحد ملك " والينا يرجعون " أى يردون يوم القيامة إلى الموضع الذى لايملك الامر والنهي غيرنا.

 

===============

(128)

قوله تعالى:

(واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا (41)

إذ قال لابيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عليك شيئا (42) يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا (43) يا أبت لاتعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا (44) يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا) (45) خمس آيات في الكوفي والبصري، وست آيات في المدنيين عدوا " في الكتاب ابراهيم " آية.

امر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله) أن يذكر ابراهيم في الكتاب الذى هو القرآن، وسماه كتابا، لانه مما يكتب. والمعنى اقصص عليهم أواتل عليهم. وكذلك فيما بعد. ثم قال " انه " يعنى ابراهيم " كان صديقا نبيا " والصديق هو الكثير التصديق بالحق حتى صار علما فيه. وكل نبي صديق لكثرة الحق الذى يصدق فيه مما هو علم فيه وامام يقتدى به، من توحيد الله وعدله، حين " قال لابيه يا أبت " والاصل يا ابتي، فحذف ياء الاضافة وبقيت كسرة التاء تدل عليها. وقيل ان التاء دخلت للمبالغة في تحقيق الاضافة، كما دخلت في (علامة، ونسابة) للمبالغة في الصفة. ومثله يا أمت. والوقف بالتاء لهذه العلة. واجاز الزجاج الوقف بالهاء. وقيل ان التاء عوض من ياء الاضافه.

وقوله " لم تعبد ما لايسمع ولايبصر ولايغني عنك شيئا " من امور الدنيا

 

===============

(129)

وإنما هو حجر منقور، او صنم معمول " يا أبت إنى قد جاءنى من العلم " بمعرفة الله وتوحيده ووجوب اخلاص العبادة له، وقبح الاشراك " ما لم يأتك فاتبعني " على ذلك واقتد بى " اهدك صراطا سويا " معتدلا غير جائر بك عن الحق إلى الضلال " يا ابت لاتعبد الشيطان ان الشيطان كان للرحمن عصيا " اي عاصيا (فعيل)

بمعنى فاعل.

" يا ابت اني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن " قال الفراء: أخاف بمعنى أعلم - ههنا - ومثله " فخشينا أن يرهقهما " (1) أي علمنا " أن يمسك " أي يلحقك عذاب من الله على إشراكك معه في العبادة غيره. ومتى فعلت ذلك كنت وليا للشيطان وناصرا ومساعدا، ونصب " فتكون " عطفا على (ان يمسك) وقيل: إن معناه أنه يلزمك ولاية الشيطان لعبادتك له ذما لك وتقريعا، إذا ظهر عقاب الله لك، وسخطه عليك. وقيل: فتكون موكولا إلى الشيطان، وهو لا يغني عنك شيئا. وقال قوم: هذه المخاطبة من ابراهيم كان لابيه الذي هو والده. والذي يقوله اصحابنا انه كان جده لامه، لان آباء النبي (صلى الله عليه وآله) كلهم كانوا مسلمين إلى آدم، ولم يكن فيهم من يعبد غيرالله تعالى، لقوله (صلى الله عليه وآله) (لم يزل الله ينقلني من اصلاب الطاهرين إلى ارحام الطاهرات) والكافر لايوصف بالطهارة، لقوله تعالى " إنما المشركون نجس " (2) قالوا وابوه الذي ولده كان اسمه تارخ. وهذا الخطاب منه كان لآزر قوله تعالى:

(قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 18 الكهف آية 81 (2) سورة 9 التوبة آية 29 (ج 7 من 17 من التبيان)

 

===============

(130)

لارجمنك واهجرني مليا (46) قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا (47) وأعتز لكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا (48) فلما اعتز لهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا (49) ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا) (50) خمس آيات بلا خلاف.

لما حكى الله تعالى ما قال ابراهيم لابيه، وتوبيخه له على عبادة الاصنام، وتقريعه اياه على ذلك، حكي في هذه الآيات ما أجاب به أبوه، فانه قال له يا ابراهيم " أراغب أنت عن آلهتي " ومعناه أزاهد في عبادة آلهتي، والرغبة اجتلاب الشئ لما فيه من المنفعة. والرغبة فيه نقيض الرغبة عنه. والترغيب الدعاء إلى الرغبة في الشئ. ثم قال له مهددا " لئن لم تنته " أي لم تمتنع من ذلك، يقال نهاه فانتهى. واصله النهاية، فالنهي زجر عن الخروج عن النهاية المذكورة. والتناهي بلوغ نهاية الحد. وقوله " لارجمنك " قال الحسن: معناه لارمينك بالحجارة حتى تباعد عني. وقال السدي وابن جريج والضحاك: معناه لارمينك بالذم والعيب. وقوله " واهجرني مليا " قيل في معناه قولان:

قال الحسن ومجاهد " مليا " دهرا (قال الفراء: ويقال: كنت عنده ملوة وملوة وملوة - بتثليث الميم - وملاوة بالفتح وملاوة بالضم أي) (1) دهرا ملاوة، وكله من طول المقام

ـــــــــــــــــــــــ

(1) ما بين القوسين ساقط من المطبوعة (*)

 

===============

(131)

وبه قال سعيد بن جبير والسدي، وهو بمعنى الملاوة من الزمان وهو الطويل منه.

والثاني - قال ابن عباس وقتادة وعطية والضحاك: معنى " مليا " سويا سليما من عقوبتي، وهو من قولهم: فلان ملي بهذا الامر إذا كان كامل الامر فيه مضطلعا به، فقال له ابراهيم " سلام عليك " أي سلامة عليك، أي اكرام وبربحق الابوة وشكر التربية. وقال ذلك على وضع التواضع له ولين الجانب لموضعه " سأستغفر لك ربي " قال قوم: انما وعده بالاستغفار على مقتضى العقل، ولم يكن قد استقربعد قبح الاستغفار للمشركين. وقال قوم: معناه سأستغفر لك إذا تركت عبادة الاوثان وأخلصت العبادة لله تعالى. ومعنى قوله " انه كان بي حفيا " إن الله كان عالما بي لطيفا، والخفي اللطيف بعموم النعمة، يقال: تخفني فلان إذا اكرمني وألطفني، وحفي فلان بفلان حفاوة إذا ابره وألطفه. والحفى أذى يلحق باطن القدم للطفه عن المشي بغير نعل ثم قال " وأعتزلكم " أي اتنحى عنكم جانبا، واعتزل عبادة " ماتدعون من دون الله. وادعوا ربي " وحده (عسى أن لا اكون بدعاء ربي شقيا).

وقوله (فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله) قيل انه اعتزلهم بأن خرج إلى ناحية الشام (وهبنا له اسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا) أي لما اعتزلهم آنسنا وحشته بأولاد كرام على الله رسل لله، وجعلناهم كلهم أنبياء معظيمن (ووهبنا لهم من رحمتنا) أي من نعمتنا (وجعلنا لهم لسان صدق عليا) قال ابن عباس والحسن:

معناه الثناء الجميل الحسن من جميع أهل الملل، لان أهل الملل على اختلافهم يحسنون الثناء عليهم، وتقول العرب: جاءني لسان من فلان تعنى مدحه أو ذمه قال عامر ابن الحارث:

اني اتتني لسان لا اسربها * من علو لاعجب منها ولا سخر

 

===============

(132)

جاءت مرجمة قد كنت احذرها * لو كان ينفعني الاشفاق والحذر (1)

وقيل: معناه انا جعلناهم رسل الله يصدقون عليه أعالي الصفات.

قوله تعالى:

(واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا (51) وناديناه من جانب الطور الايمن وقربناه نجيا (52)

ووهبنا له من رحمتنا أخاه هرون نبيا (53) واذكر في الكتاب إسمعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا (54) وكان يأمر أهله بالصلوة والزكوة وكان عند ربه مرضيا) (55) خمس آيات بلا خلاف.

قرأ اهل الكوفة إلا ابا بكر (مخلصا) - بفتح اللام - بمعنى اخلصه الله للنبوة.

الباقون - بالكسر - بمعنى أخلص هو العبادة لله.

يقول الله تعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه وآله) (واذكر) موسى (في الكتاب) الذي هو القرآن. وسماه كتابا لما ذكرناه: أنه يكتب. واخبر أن موسى كان مخلصا بطاعاته وجه الله تعالى دون رياء الناس، وانه لم يشرك في عبادته سواه. ومن فتح اللام أراد ان الله اخلصه لطاعته بمعنى أن لطف له ما اختار عنده اخلاص الطاعة. وانه لم يشب ذلك بمعصيته له، وأنه مع ذلك كان رسولا لله تعالى إلى خلقه، قد حمله رسالة يؤديها اليهم (وكان نبيا) وهو العلي برسالة الله إلى خلقه، وبما نصب له من المعجزة الدالة

ـــــــــــــــــــــــ

(1) تفسير الطبري 16 / 62 وهو في مجمع البيان 3 / 516 (*)

 

===============

(133)

على تعظيمه وتبجيله، وعظم منزلته. وهو مأخوذ من النبأ، وهو الخبر بالامر العظيم.

ثم اخبر الله تعالى انه ناداه (من جانب الطور الايمن) فانه قال له (اني انا الله رب العالمين) والطور جبل بالشام ناداه من ناحيته اليمنى، وهو يمين موسى (ع).

وقوله (وقربناه نجيا) معناه قربناه من الموضع الذي شرفناه وعظمناه بالحصول فيه ليسمع كلامه تعالى. وقال ابن عباس ومجاهد قرب من اهل الحجب حتى سمع صريف القلم. وقيل معناه إن محله منا محل من قربه مولاه من مجلس كرامته. وقيل قربه حتى سمع صرير القلم الذي كتب به التوراة. وقوله (نجيا) معناه انه اختصه بكلامه بحيث لم يسمع غيره، يقال: ناجاه يناجيه مناجاة إذا اختصه بالقاء كلامه اليه. واصل النجوة الارتفاع عن الهلكة، ومنه النجاة ايضا، والنجاء السرعة، لانه ارتفاع في السير، ومنه المناجاة. وقال الحسن: لم يبلغ موسى (ع) من الكلام الذي ناجاه شيئا قط. ثم اخبر تعالى انه وهب له من رحمته ونعمته عليه اخاه هارون نبيا، شد أزره كما سأله.

ثم قال لنبيه محمد (صلى الله عليه وآله) (واذكر في الكتاب) الذي هو القرآن أيضا (اسماعيل) ابن ابراهيم وأخبر (انه كان صادق الوعد) بمعنى إذا وعد بشئ وفى به، ولم يخلف (وكان) مع ذلك (رسولا) من قبل الله إلى خلقه (نبيا)

معظما بالاعلام المعجزة. وأنه " كان يأمر اهله بالصلاة والزكاة " قال الحسن: أراد بأهله أمته، والمفهوم من الاهل في الظاهر اقرب أقاربه. و " كان " مع هذه الاوصاف " عند ربه مرضيا " قد رضي اعماله لانها كلها طاعات لم يكن فيها قبائح.

وانما أراد بذلك افعاله الواجبات والمندوبات دون المباحات، لان المباحات لا يرضاها الله ولا يسخطها. واصل (مرضي) مرضو فقلبت الضمة كسرة والواو ياء وادغمت في الياء.

 

===============

(134)

قوله تعالى:

(واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا (56)

ورفعناه مكانا عليا (57) أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا (58) فخلف من بعد هم خلف أضاعوا الصلوة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا (59) إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولايظلمون شيئا) (60) خمس آيات.

يقول الله تعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه وآله) " اذكر في الكتاب " الذي هو القرآن " إدريس " واخبرانه كان كثير التصديق بالحق، وكان " نبيا " معظما مبجلا مؤيدا بالمعجزات الباهرة. ثم أخبر تعالى أنه رفعه مكاناعليا. قال انس بن مالك: رفعه الله إلى السماء الرابعة. وروى ذلك عن النبي (صلى الله عليه وآله) وبه قال كعب ومجاهد: وابوسعيد الخدري. وقال ابن عباس والضحاك: رفعه الله إلى السماء السادسة.

واصل الرفع جعل الشئ في جهة العلو، وهي نقيض السفل، يقال: رفعه يرفعه رفعا، فهو رافع وذاك مرفوع. والعلي العظيم العلو والعالي العظيم فيما يقدر به على الامور، فلذلك وصف تعالى بأنه علي. والفرق بين العلي والرفيع أن العلي قد يكون بمعنى الاقتدار وعلو المكان. و (الرفيع) من رفع المكان لاغير. ولذلك

 

===============

(135)

لايوصف تعالى بأنه رفيع. وقوله " رفيع الدرجات " (1) انما وصف الدرجات بأنها رفعية. وانما أخذ من علو معنى الصفة بالاقتدار، لانها بمنزلة العالي المكان.

ثم اخبر تعالى عن الانبياء الذين تقدم وصفهم فقال " اولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين " فان حملنا (من) على التبعيض لم تدل على أن من عداهم لم ينعم عليهم، بل لايمتنع أن يكون انما افردهم بأنه انعم عليهم نعمة مخصوصة عظيمة رفعية، وإن كان غيرهم ايضا قد أنعم عليهم بنعمة دونها. وإن حملنا (من) على انها لتبيين الصفة لم يكن فيه شبهة، لان معنى الآية يكون اولئك الذين أنعم الله عليهم من جملة النبيين.

وقوله " من ذرية آدم " (لان الله تعالى بعث رسلا ليسوا من ذرية آدم بل هم من الملائكة كما قال " يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس " (2) وقوله " وممن حملنا " في السفينة " مع نوح " أي ابوهم نوح وهو من ذرية آدم كما قال) (3) " ومن ذرية ابراهيم واسرائيل " يعنى يعقوب " وممن هدينا " هم إلى الطاعات فاهتدوا اليها واجتبيناهم اي اخترناهم واصطفيناهم " إذا تتلى عليهم آيات الرحمن " اي أعلامه وادلته " خروا سجدا وبكيا " أي سجدوا له تعالى وبكوا، وبكى جمع باك ونصبهما على الحال، وتقديره: خروا ساجدين باكين. وبكي (فعول) ويجوز ان يكون جمع باك على (فعول). ويجوز ان يكون مصدرا بمعنى البكاء. قال الزجاج: لايجوز النصب على المصدر، لانه عطف على قوله " سجدا ". وانما فرق ذكر نسبهم، وكلهم لآدم، ليبين مراتبهم في شرف النسب، فكان لادريس شرف القرب من آدم، لانه جد نوح.

وكان ابراهيم من ذرية من حمل مع نوح، لانه من ولد سام بن نوح. وكان اسماعيل

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 40 المؤمن آية 15 (2) سورة 22 الحج آية 75 (3) ما بين القوسين ساقط من المطبوعة. (*)

 

===============

(136)

واسحاق ويعقوب من ذرية ابراهيم، لما تباعدوا من آدم حصل لهم شرف ابراهيم، وكان موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى من ذرية إسرائيل، لان مريم من ذريته. وقيل انما وصف الله صفة هؤلاء الانبياء ليقتد بهم ويتبع اثارهم في اعمال الخير ثم اخبر تعالى انه خلف من بعد المذكورين خلف. والخلف - بفتح اللام - يستعمل في الصالحين، وبتسكين اللام في الطالح قال لبيد:

ذهب الذين يعاش في اكنافهم * وبقيت في خلف كجلد الاجرب (1)

وقال الفراء والزجاج: يستعمل كل واحد منهما في الآخر.

وفى الآية دلالة على أن المراد بالخلف من لم يكن صالحا، لانه قال " أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات " وقال القرطي: تركوها. وقال ابن مسعود وعمر بن عبد العزيز: أخروها عن مواقيتها. وهو الذي رواه أصحابنا. وقال قوم خلف - بفتح اللام - إذا خلف من كان من أهله - وبسكون اللام - إذا كان من غير أهله.

ثم قال تعالى " فسوف يلقون غيا " والغي الشر والخيبة - في قول ابن عباس وابن زيد - قال الشاعر:

فمن يلق خيرا يحمد الناس امره * ومن يغو لا يعدم على الغي لائما (2)

اي من يخب. وقال عبدالله بن مسعود: الغي واد في جهنم. وقيل معناه يلقون مجازاة غيهم. ثم استثنى من جملتهم من يتوب فيما بعد ويرجع إلى الله ويؤمن به ويصدق أنبياءه، ويعمل الاعمال الصالحة من الواجبات والمندوبات، ويترك القبائح فان " اولئك يدخلون الجنة " من ضم الياء أراد أن الله يدخلهم الجنة بأن يأمرهم بدخولها، فضم لقوله " ولا يظلمون " ليتطابق اللفظان. ومن فتح الياء أراد أنهم

ـــــــــــــــــــــــ

(1) مر تخريجه 5 / 25 من هذا الكتاب (2) مرهذا البيت في 2 / 312، 4 / 391، 5 / 548 6 / 336 (*)

 

===============

(137)

يدخلون بأمر الله. والمعنيان واحد. وقوله " ولا يظلمون شيئا " معناه لايبخسون شيئا من ثوابهم بل يوفر عليهم على التمام والوفاء.

قوله تعالى:

(جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا (61) لايسمعون فيها لغوا إلا سلاما ولهم رزقهم فيما بكرة وعشيا (62) تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا (63) وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا (64) رب السموات والارض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا) (65) خمس آيات بلا خلاف.

" جنات " في موضع نصب بدلا من قوله " الجنة " في قوله " يدخلون الجنة " وكان يجوز الرفع بتقدير هي جنات. والجنة البستان الذي يجنه الشجر، فاذا لم يكن في البستان شجر، ويكون من خضرة، فهو روضة، ولايسمى جنة. وانما قيل " جنات " على لفظ الجمع، لان كان واحد من المؤمنين له جنة تجمعها الجنة العظمى.

والعدن الاقامة يقال: عدن بالمكان يعدن عدنا اذا أقام به. والاقامة كون بالمكان على مرور الازمان. والوعد الاخبار بما يتضمن فعل الخير، ونقيضه الوعيد، وهو الاخبار عن فعل الشر. وقد يقال: وعدته بالشر، ووعدته بالخير، وأوعدته بالشر. وأوعدته (ج 7 م 18 من التبيان)

 

===============

(138)

لايكون إلا في الشر، والمراد بالوعد - ههنا - الموعود. ومعنى مأتيا مفعولا. ويجوز في مثل هذا (آتيا) و (مأتيا) لان ما أتيته، فقد اتاك وما أتاك فقد أتيته، كما يقال أتيت على خمسين سنة وأتت علي خمسون سنة. وقيل معناه إنه كقولك اتيت خير فلان وأتاني خير فلان.

وقوله " بالغيب " معناه أن الجنة التي وعدهم بها ليست حاضرة عندهم بل هي غائبة. وقوله " لايسمعون فيها لغوا " معناه لايسمعون في تلك الجنة القول الذي لا معنى له يستفاد، وهو اللغو. وقد يكون اللغو الهذر من الكلام. واللغو، واللغا بمعنى واحد قال الشاعر:

عن اللغا ورفث التكلم (1)

وقوله " إلا سلاما " يعني لكن سلاما وتحية من بعضهم لبعض، قال ابوعبيدة:

تقديره لايسمعون فيها لغوا إلا انهم يسمعون سلاما. وقال الزجاج: المعنى لا يسمعون كلاما يؤثمهم إلا كلاما يسلمهم، فيكون استثناء منقطعا.

وقوله " ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا " قيل معناه في مقدار اليوم من أيام الدنيا، فذكر (الغداة والعشي) ليدل على المقدار، لانه ليس في الجنة ليل، ولانهار، وقيل: انما ذكر ذلك، لان اسلم الا كلات اكلة الغداة والعشي، فهو اسلم من الاكل دائما أي وقت وجده، أو تكون اكلته واحدة.

وقوله " تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا " معناه انما نملك تلك الجنة من كان تقيا في دار الدنيا بترك المعاصي، وفعل الطاعات. وانما قال " نورث " مع انه ليس بتمليك نقل من غيرهم اليهم، لانه مشبه بالميراث من جهة أنه تمليك بحال استؤنفت عن حال قد انقضت من أمر الدنيا، كما ينقضي حال الميت من أمر الدنيا.

 

ــــــــــــــــــــــــ

(1) مر تخريجه في 2 / 132، 164، 230 (*)

 

===============

(139)

وقيل: انه أورثهم من الجنة المساكن التي كانت لاهل النار لو أطاعوا.

وقوله " وما نتنزل إلا بامر ربك " قيل في معناه أن النبي (صلى الله عليه وآله) استبطأ جبرائيل (ع) فقال (ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا) فاتاه بهذا الجواب وحيا من الله بأنا لانتنزل إلا بأمر الله، وهو قول ابن عباس والربيع وقتادة والضحاك ومجاهد وابراهيم.

وقوله " له ما بين ايدينا وما خلفنا وما بين ذلك " قال ابن عباس والربيع وقتادة والضحاك وأبوالعالية: له ما بين أيدينا: الدنيا، وما خلفنا: الآخرة، وما بين ذلك: ما بين النفختين.

وقوله " وما كان ربك نسيا " أي ليس الله تعالى ممن ينسى ويخرج عن كونه عالما، لانه عالم لنفسه، وتقديره - ههنا - وما نسيك وإن أخر الوحي عنك.

وقوله " رب السموات والارض " معناه إن الله تعالى هو المالك المتصرف في السموات والارض، ليس لاحد منعه منه " وما بينهما " يعني وله ما بين السموات والارض.

ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وآله) " فاعبده " وحده لاشريك له " واصطبر لعبادته " أي اصبر على تحمل مشقة عبادته، وقال لنبيه (صلى الله عليه وآله) " هل تعلم له سميا " أي مثلا وشبها. وهو قول ابن عباس ومجاهد وابن جريج. وقيل المعنى انه لايستحق احد ان يسمى إلها إلا هو. ومن أدغم اللام في التاء، فلان مخرج اللام قريب من مخرج التاء. وقال ابو علي: ادغام اللام في الطاء والدال والتاء والصاد والزاي والسين جائز لقرب مخرج بعضها من بعض.

 

===============

(140)

قوله تعالى:

(ويقول الانسان أ إذا مامت لسوف أخرج حيا (66) أولا يذكر الانسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا (67) فو ربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا (68)

ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا (69)

ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا) (70) خمس آيات بلا خلاف.

قرأ نافع وابن عامر وعاصم " أولا يذكر " خفيفا. الباقون بالتشديد. من شدد:

أراد أولا يتذكر، فادغم التاء في الذال لقرب مخرجيهما. ومن خفف، فلقوله " فمن شاء ذكره " (1) والخفيفة دون ذلك في الكثرة في هذا المعنى. هذا حكاية من الله تعالى عن قول من ينكر البعث والنشور من الكفار، وهم المعنيون بقوله " اولا يذكر الانسان " بانهم يقولون على وجه الانكار والاستعباد: أ إذا متنا يخرجنا الله احياء ويعيدنا كما كنا؟ ! فقال الله تعالى منبها على دليل ذلك " اولا يذكر الانسان ".

من شدد أراد اولا يتفكر، ومن خفف أراد اولا يعلم " أنا خلقناه من قبل " هذا " ولم يك شيئا " موجودا، فمن قدر على أن يخلق ويوجد ما ليس بشئ، فيجعله شيئا موجودا، فهو على إعادته بعد عدمه إلى الحالة الاولى أقدر.

ثم اقسم تعالى فقال " فو ربك لنحشرنهم " أي لنبعثنهم من قبورهم مقرنين

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 74 المدثر آية 55 وسورة 80 عبس آية 12 (*)

 

===============

(141)

يأوليائهم من الشياطين. ويحتمل (الشياطين) أن يكون نصبا من وجهين:

احدهما - ان يكون مفعولا به بمعنى ونحشر الشياطين.

الثاني - ان يكون مفعولا معه بمعنى لنحشرنهم مع الشياطين " ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا " جمع جائي وهو الذي برك على ركبتيه. وقوله " ثم لننزعن عن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا " يعني تمردا أي نبدأ بالاكبر جرما فالاكبر، في قول أبي الاحوص، ومجاهد. والشيعة هم الجماعة المتعاونون على أمر واحد من الامور، ومنه تشايع القوم إذا تعاونوا، ويقال للشجاع: شيع أي معان، وفى رفع (أيهم) ثلاثة اقوال:

أولها الحكاية على تقدير، فيقال لهم أيهم أشد على الرحمن عتيا؟ فليخرج.

الثاني - انه مبني على الضم، ومعناه الذي هو اشد على الرحمن عتيا، إلا أنه مبني لما حذف منه (هو)، واطرد الحذف به فصار كبعض الاسم. فالاول قول الخليل.

والثاني مذهب سيبويه.

والثالث - أن يكون (لننزعن) معلقة كتعليق علمت أيهم في الدار، وهو قول يونس. وأجاز سيبويه النصب على أن يكون (أي) بمعنى الذي. وذكر انها قراءة هارون الاعرج.

وقوله " ولم يك شيئا " أي لم يكن شيئا موجودا كائنا. ثم أخبر تعالى أنه اعلم بالذين عملوا المعاصي وارتكبوا الكفر والكبائر، والذين هم اولى بالنار صليا، لا يخفى عليه خافية.

قوله تعالى:

(وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا (71)

ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا (72) وإذا تتلى

 

===============

(142)

عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا (73) وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا (74) قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا (75) حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا) (76) خمس آيات.

قرأ نافع وابن عامر " وريا " بغير همز. الباقون بهمز، من همز فمعناه المنظر الحسن (فعيل) من الرؤية، ومن لم يهمز احتمل أن يكون خفف الهمزة كما قالوا في البريئة برية ويحتمل أن يكون مأخوذا من الري، وهو امتلاء الشباب والنظارة، أي ترى الري في وجوههم. وقرأ سعيد بن جبير " وريا " جعله من الرى وقرئ بالزاي، ومعناه ما يتزيابه.

وقرأ ابن كثير " مقاما " - بضم الميم - الباقون بفحتها. فالمقام - بضم الميم - مصدر الاقامة. وبفتحها المكان، كقوله " مقام ابراهيم " (1) وقرأ يعقوب الحضرمي وعاصم والجحدري وابن أبي ليلى وابن عباس " ثم ننجي " بفتح الثاء بمعنى هناك ننجي المتقين. والباقون (ثم) بضم التاء حرف عطف.

يقول الله تعالى للمكلفين انه ليس منكم أحد إلا وهو يرد جهنم، فان الكناية في قوله " إلا واردها " راجعة إلى جهنم بلا خلاف، إلا قول مجاهد، فانه قال: هي كناية عن الحمى والامراض. وروى في ذلك خبرا عن النبي (صلى الله عليه وآله) عن ابي هريره. وقال قوم: هو كناية عن القيامة. واقوى الاقوال الاول، لقوله تعالى " ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا " يعني في جهنم.

 

ــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 3 آل عمران آية 97 (*)

 

===============

(143)

واختلفوا في كيفية ورودهم اليها، فقال قوم - وهو الصحيح -: إن ورودهم هو وصولهم اليها واشرافهم عليها من غير دخول منهم فيها، لان الورود في اللغة هو الوصول إلى المكان. واصله ورود الماء، وهو خلاف الصدور عنه. ويقال: ورد الخبر بكذا، تشبيها بذلك. ويدل على أن الورود هو الوصول إلى الشئ من غير دخول فيه قوله تعالى " ولما ورد ماء مدين " وأراد وصل اليه. وقال زهير:

فلما وردن الماء زرقا جمامه * وضعن عصي الحاضر المتخيم (1)

وقال قتادة وعبدالله بن مسعود: ورودهم اليها، هو ممرهم عليها. وقال عكرمة يردها الكافر دون المؤمن، فخص الآية بالكافرين. وقال قوم شذاذ: ورودهم إليها: دخولهم فيها ولو تحلة القسم. روي ذلك عن ابن عباس وكان من دعائه: اللهم أزحني من النار سالما وادخلني الجنة غانما. وهذا الوجه بعيد، لان الله قال " إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون " (2) فبين تعالى أن من سبقت له الحسنى من الله يكون بعيدا من النار، فيكف يكون مبعدا منها مع أنه يدخلها. وذلك متناقض، فاذا المعني بورودهم أشرافهم عليها، ووصولهم اليها.

وقوله " كان على ربك حتما مقضيا " معناه إن ورودهم إلى جهنم على ما فسرناه حتم من الله وقضاء قضاه لابد من كونه. والحتم القطع بالامر، وذلك حتم من الله قاطع. والحتم والجزم والقطع بالامر معناه واحد. والمقضي الذي قضى بأنه يكون.

ثم قال تعالى " ثم نبخي الذين اتقوا " معاصي الله وفعلوا طاعاته من دخول النار " ونذر الظالمين " أي ندعهم فيها ونقرهم على حالهم " جثيا " باركين على ركبهم " في جهنم ". ثم قال " وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات " اي إذا قرئت على المشركين

ـــــــــــــــــــــــ

(1) هو زهير ابن ابي سلمى. ديوانه (دار بيروت): 78 (2) سورة 21 الانبياء آية 101 (*)

 

===============

(144)

أدلة الله الظاهرة وحججه الواضحة " قال الذين كفروا " بوحدانيته وجحدوا أنبياءه للذين صدقوا بذلك مستفهمين لهم وغرضهم الانكار عليهم " أي الفرقين خير مقاما " أي منزل اقامة في الجنة او في النار " واحسن نديا " اي مجلسا وقيل معناه اوسع مجلسا واحسن نديا، فالندي المجلس الذي قد اجتمع فيه أهله، يقال: ندوت القوم اندوهم ندوا إذا جمعتهم في مجلس. وفلان في ندى قومه وناديهم بمعنى واحد واصله مجلس الندى وهو الكرم، وقال حاتم:

ودعوت في اولى الندي ولم * ينظر الي بأعين خزر (1)

والمراد بالفريقين فريق المشركين وفريق المؤمنين، فيفتخرون على المؤمنين بكثرة نعمهم وحسن احوالهم وحال مجلسهم، فقال الله تعالى " وكم اهلكنا قبلهم من قرن هم احسن اثاثا ورئيا " والاناث المتاع والرئي المنظر، وهو قول ابن عباس.

وقال ابن الاحمر: واحد الاثاث اثاثة كحمام وحمامة. وقال الفراء: لا واحد له، ويجمع اثة وأثث. ويجوز في " رئيا " ثلاثة اوجه في العربية: رئيا بالهمز قبل الياء، وريئا بياء قبل الهمزة وهو على قولهم راءني علي وزن راعني، وريا بترك الهمزة - في قول الزجاج - ويجوز أن يكون من الزاي انشد لابن دريد:

اهاجتك الضغائن يوم بانوا * بذي الزي الجميل من الاثاث (2)

ثم قال تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله) " قل " يا محمد " من كان في الضلالة " عن الحق والعدول عن اتباعه " فليمدد له الرحمن مدا " أي يمدهم ويحلم عنهم فلا يعاجلهم بالعقوبة، كما قال " ويمدهم في طغيانهم يعمهون " (3) وانما ذكر بلفظ الامر ليكون

ـــــــــــــــــــــــ

(1) تفسير الطبري 16 / 77، واللسان (خزر) (2) القرطبي 11 / 143 والشوكاني 3 / 336 وقد نبسوه إلى (محمد بن نمير الثقفي) وروايته (اشاقتك)

ويمكن أن يكون هذا غير ذاك. (3) سورة 2 البقرة آية 15 (*)

 

===============

(145)

آكد كأنه ألزم نفسه إلزاما كما يقول القائل: آمر نفسي، ويقول من زارني فلاكرمه، فيكون الزم من قوله اكرمه. ويجوز أن يكون أراد " فليمدد له الرحمن مدا " في عذابهم في النار، كما قال " ونمد له من العذاب مدا " (1) وقوله " حتى إذا رأوا ما يوعدون " أي شاهدوا ما وعدهم الله به " إما العذاب " والعقوبة على المعاصي " وإما " القيامة والمجازاة لكل أحد على ما يستحقه " فسيعلمون " حينئذ ويتحققون " من هو شر مكانا وأضعف جندا " آلكفار أم المؤمنين. وفى ذلك غاية التهديد في كونهم على ما هم عليه. وقيل العذاب - ههنا - المراد به ما وعد المؤمنون به من نصرهم على الكفار فيعذبونهم قتلا واسرا، فسيعلمون بالنصر والقتل انهم أضعف جندا من جند النبي والمسلمين، ويعلمون بمكانهم من جهنم ومكان المؤمنين من الجنة، من هو شر مكانا.

قوله تعالى:

(ويزيد الله الذين اهتدوا هدى والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوبا مردا (77) أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لاوتين مالا وولدا (78) أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا (79) كلا سنكتب مايقول ونمد له من العذاب مدا (80)

ونرثه ما يقول ويأتينا فردا) (81) خمس آيات بلا خلاف.

يقول الله تعالى انه " يزيد الذين اهتدوا " إلى طاعة الله واجتناب معاصيه

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 19 مريم آية 80 (ج 7 م 19 من التبيان) (*)

 

===============

(146)

" هدى " ووجه الزيادة لهم فيه ان يفعل بهم الالطاف التي يستكثرون عندها الطاعات بما يبينه لهم من وجه الدلالات والامور التي تدعوا إلى أفعال الخيرات.

وقيل: زيادة الهدى هو بايمانهم بالناسخ والمنسوخ. واخبر تعالى أن " الباقيات " الصالحات " وهي فعل جميع الطاعات واجتناب جميع المعاصي. وقيل: هو قول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر ولله الحمد، وروي عن أبي عبدالله (ع) أن الباقيات الصالحات القيام آخر الليل لصلاة الليل والدعاء في الاسحار. وسميت باقيات بمعنى أن منافعها تبقى وتنفع أهلها في الدنيا والاخرة، بخلاف ما نفعه مقصور على الدنيا فقط. وقوله " خير عند ربك ثوابا " أي أكثر ثوابا من غيرها. وقيل معناه خير ثوابا من مقامات الكفار التي لها عندهم الافتخار. وقيل: خير من اعمال الكفار على تقدير: إن كان فيها خير. وقوله " وخير مردا " أي خير نعيما ترده الباقيات الصالحات على صاحبه، كأنه ذاهب عنه لفقده له، فترده عليه حتى يجده في نفسه.

وقوله " أرأيت الذي كفر بآياتنا، وقال لاوتين مالا وولدا " قيل نزلت في العاص بن وائل السهمي - في قول ابن عباس، وخباب ابن الارت، ومجاهد - وقال الحسن: نزلت في الوليد بن المغيرة، فانه قال - استهزاء - لاوتين مالا وولدا في الجنة، ذكره الكبي. وقيل أراد في الدنيا، يعني إن اقمت على دين آبائي وعبادة آلهتي " لاوتين مالا وولدا ".

وقرأ حمزة والكسائي " وولدا " بضم الواو. الباقون بفتحها. وقيل في ذلك قولان:

احدهما - انهما لغتان كالعدم والعدم، والحزن والحزن، قال الشاعر:

فليت فلانا كان في بطن أمه * وليت فلانا كان ولد حمارا (1)

 

ــــــــــــــــــــــــ

(1) تفسير الطبري 16 / 81 والقرطبي 11 / 146، 155 وتفسير الشوكانى 3 / 337 (*)

 

===============

(147)

وقال الحارث بن حلزة:

ولقد رأيت معاشرا * قد ثمروا مالا وولدا (1)

وقال رؤبة:

الحمد لله العزيز فردا * لم يتخذ من ولد شئ ولدا (2)

والثاني - إن (قيسا) تجعل (الولد) بالضم جمعا، وبالفتح واحدا، كقولهم: اسد واسد، ووثن ووثن.

فقال الله تعالى " اطلع الغيب " أي اشرف على علم الغيب وعرفه حتى قال ما قال؟ ! وهذه الف الاستفهام دخلت على الف الوصل المكسورة فسقطت المكسورة مثل " أصطفى البنات على البنين " (3) وقوله " أم اتخد عند الرحمن عهدا " قال قتادة:

معناه آتخذ عهدا للرحمن بعد صالح قدمه؟. وقال غيره: معناه " أم اتخذ عند الرحمن عهدا " أي قولا قدمه اليه بما ذكره.

ثم قال تعالى " كلا " أي حقا وهو قسم " سنكتب ما يقول " أي نثبته ليواقف عليه يوم القيامة " ونمد له من العذاب مدا " أي نؤخر عنه عذابه، ولا نعاجله.

ويجوز أن يكون المراد إنا نطيل عذابه.

وقوله " ونرثه ما يقول " قال ابن عباس وقتادة وابن زيد: نرثه نحن المال والولد بعد اهلاكنا إياه وإبطالنا ما ملكناه " ويأتينا فردا " أي يجيئنا يوم القيامة فردا لا أحد معه، ولاشئ يصحبه.

قوله تعالى:

(واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا (82) كلا

ـــــــــــــــــــــــ

(1) نفس المصادر المتقدمة في الصفحة قبلها (2) تفسير الطبري 16 / 81 (3) سورة 37 (الصافات) آية 153 (*)

 

===============

(148)

سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا (83) ألم ترأنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا (84) فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا (85) يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا (86)

خمس آيات بلا خلاف.

قرأ ان نهيك " كلا سيكفرون " - بضم الكاف - بمعنى جميعا سيكفرون. الباقون بفتح الكاف.

اخبر الله تعالى أن هؤلاء الكفار الذين ذكرهم ووصفهم بأنهم " اتخذوا من دون الله آلهة " عبدوها ووجهوا عبادتهم نحوها " ليكونوا لهم عزا " والاتخاذ اعداد الشئ ليأتيه في العاقبة، فهؤلاء اتخذوا الآلهة ليصيروا إلى العز فصاروا بذلك إلى الذل، فسخط الله عليهم وأذلهم. والعز الامتناع من الضيم عز يعز عزا، فهو عزيز أي منيع من أن ينال بسوء. فقال الله تعالى " كلا سيكفرون بعبادتهم " أي حقا ليس الامر على ما قالوه بل سيكفرون بعبادتهم. وقيل في معناه قولان:

احدهما - إن معناه سيجحدون أن يكونوا عبدوها، لما يرون من سوء عاقبتها.

وهذا جواب من اجاز وقوع القبائح والكذب من أهل الآخرة.

الثاني - سيكفرو ما اتخذوه آلهة بعبادة المشركين لها، كما قال الله تعالى " تبرأنا اليك ما كانوا إيانا يعبدون " (1) أي بأمرنا وإرادتنا " ويكونون عليهم ضدا " وقيل في معناه قولان:

احدهما - قال مجاهد: يكونون عونا في خصومتهم وتكذيبهم.

 

ــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 28 القصص آية 63 (*)

 

===============

(149)

الثاني - قال قتادة يكونون قرناءهم في النار يلعنونهم ويتبرؤن منهم.

ثم قال تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله) (ألم تر) يا محمد (أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين).

أي لما سلط الكفار الشياطين على نفوسهم وقبلوا منهم واتبعوهم خلينا بينهم وبينهم حتى اغووهم، ولم نحل بينهم بالالجاء، ولا بالمنع، وعبر عن ذلك بالارسال على ضرب من المجاز. ومثله قوله (فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الاخرى إلى اجل مسمى) (1) ويحتمل ان يكون أراد به يرسل الشياطين عليهم في النار بعد موتهم يعذبوهم ويلعنونهم، كما قال (فو ربك لنحشرنهم والشياطين) (2) ويقال أرسلت الباز والكلب على الصيد إذا خليت بينه وبينه. وقوله " تؤزهم أزا " أي تزعجهم ازعاجا. والاز الازعاج إلى الامر، أزه أزا وأزيزا إذا هزه بالازعاج إلى أمر من الامور.

ثم قال تعالى " فلا تعجل " على هؤلاء الكفار " انما نعد لهم عدا " الايام والسنين. وقيل الانفاس.

وقوله (يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا) أي اذكر يوم نحشر الذين اتقوا معاصي الله وفعلوا طاعاته إلى الرحمن وفدا اي ركبانا في قدومهم، ووحد لانه مصدر وفد، ويجمع وفودا، تقول: وفدت أفد وفدا فأنا وافد. وقيل: انهم يؤتون بنوق لم ير مثلها، عليها رحال الذهب وأزمتها الزبرجد، فيركبون عليها حتى يصيروا إلى ابواب الجنة - في قول ابن عباس - وقيل: معناه يحشرهم الله جماعة جماعة.

قوله تعالى:

(ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا (78) لا يملكون

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 39 الزمر آية 42 (2) سورة 19 مريم آية 68 (*)

 

===============

(150)

 

الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا (88) وقالوا اتخذ الرحمن ولدا (89) لقد جئتم شيئا إدا (90) تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الارض وتخر الجبال هدا (91) أن دعوا للرحمن ولدا (92) وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا) (93) سبع آيات بلا خلاف.

قرأ الكسائي ونافع (يكاد) بالياء. الباقون بالتاء. وقرأ ابن كثير ونافع والكسائي وحفص (يتفطرن) بياء وتاء من:: تفطر يتفطر تفطرا. الباقون (ينفطرن)

من انفطر كقوله (إذا السماء انفطرت). وتفطر مطاوع فطر. والتشديد يفيد التكثير اخبر الله تعالى أنه يسوق المجرمين إلى جهنم وردا يوم القيامة. والسوق الحث على السير، ساقه يسوقه سوقا، فهو سائق ومنه الساق، لاستمرار السير بها، ومنه السوق لانه يساق به البيع والشراء شيئا بعد شئ. وقال الفراء: يسوقهم مشاة. وقال الاخفش: عطاشا. وقيل افرادا. ومعنى (وردا) أي عطاشا. كالابل التي ترد عطاشا الماء، إلا أن هؤلاء يمنعون منه، لانه لا يشرب من الحوض الا مؤمن. وهو قول ابن عباس والحسن وقتادة.

وقوله (لا يملكون الشفاعة) أي لا يقدرون عليها، والملك القدرة على ماله التصرف فيه أن يصرفه أتم التصريف في الحقيقة أو الحكم.

وقوله (إلا من اتخد عند الرحمن عهدا) أي عملا صالحا - في قول ابن جريج - فموضع (من) نصب على أنه استثناء منقطع، لان المؤمن ليس من المجرمين. وقد قيل: انه نصب على حذف اللام بمعنى لا يملك المتقون الشفاعة إلا لمن اتخد عند الرحمن

 

===============

(151)

عهدا. والعهد المراد به الايمان. والاقرار بواحدنيته وتصديق أنبيائه، فان الكفار لا يشفع لهم. وقال الزجاج (من) في موضع رفع بدلا من الواو والنون في قوله (لايملكون الشفاعة). والمعنى لايملك الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا وهو الايمان.

ثم اخبر تعالى عن الكفار بأنهم (قالوا اتخذ الرحمن ولدا) كما قال النصارى:

إن المسيح ابن الله، واليهود قالت عزير ابن الله. فقال الله لهم على وجه القسم (لقد جئتم) بهذا القول (شيئا ادا) أي منكرا عظيما - في قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد، قال الراجز:

لقد لقي الاعداء مني نكرا * داهية دهياء إدا إمرا (1)

وقال الآخر:

في لهب منه وحبل إد (2)

ثم قال تعالى تعظيما لهذا القول " تكاد السموات " وقرئ بالتاء والياء. فمن قرأ بالتاء فلتأنيث السموات ومن ذكر، فلان التأنيث غير حقيقي. وقال ابوالحسن:

معنى تكاد السموات تريد كقوله " كدنا ليوسف " أي أردنا، وانشد:

كادت وكدت وتلك خير أرادة * لو عاد من لهو الصبابة ما مضى (3)

ومثله قوله تعالى (اكاد أخفيها) أي أريد ومعنى (تكاد) في الآية تقرب لان السموات لا يجوز ان ينفطرن ولا يردن لذلك، ولكن هممن بذلك، وقربن منه اعظاما لقول المشركين. وقال قوم: معناه على وجه المثل، لان العرب تقول إذا أرادت امرا عظيما منكرا: كادت السماء تنشق والارض تنخسف، وأن يقع السقف.

 

ــــــــــــــــــــــــ

(1) مر تخريجه في 7 / 73 من هذا الكتاب (2) تفسير الطبري 16 / 86 (3) تفسير القرطبى 11 / 184 وهو في مجمع البيان 3 / 530 (*)

 

===============

(152)

فلما افتروا على الله الكذب، ضرب الله المثل لكذبهم بأهول الاشياء، وقريب من هذا قول الشاعر:

ألم تر صدعا في السماء مبينا * على ابن لبينى الحارث بن هشام (1)

وقريب منه ايضا قول الشاعر:

واصبح بطن مكة مقشعرا * كان الارض ليس بها هشام (2)

وقال آخر:

بكا حارث الجولان من فقد ربه * وحوران منه خاشع متضائل (3)

وقال آخر:

لما اتى خبر الزبير تواضعت * سور المدينة والجبال الخشع (4)

وقال قوم: المعنى لو كان شئ يتفطر استعظاما لما يجري من الباطل لتفطرت السموات والارض استعظاما، واستنكارا لما يضيفونه إلى الله تعالى من اتخاذ الولد، ومثله قوله " ولو ان قرآنا سيرت به الجبال " (5) ومعنى يتفطرن يتشققن والانفطار الانشقاق في قول ابن جريج، يقال: فطر ناب البعير إذا انشق، وقرئ ينفطرن بمعنى يتشققن منه، يعني من قولهم اتخذ الرحمن ولدا، والمراد بذلك تعظيما واستنكارا لهذا القول، وانه لو كانت السموات يتفطرن تعظيما لقول باطل لانشقت لهذا القول، ولو كانت الجبال تخر لامر، لخرت لهذا القول. و (الهد) تهدم بشدة صوت.

وقوله " أن دعوا للرحمن ولدا " أي لان دعوا، أو من ان دعوا، او المعنى ان السموات تكاد ينفطرن والجبال تنهد والارض تنشق لدعواهم لله ولدا، أي

ـــــــــــــــــــــــ

(1) مر هذا البيت في 6 / 307 (2) مجمع البيان 3 / 530 (3) مر تخريجه في 6 / 307 (4) مر تخريجه في 1 / 204، 312 (5) سورة 13 الرعد آية 33 (*)

 

===============

(153)

لتسميتهم له ولدا، فهؤلاء سموا لله ولدا كما جعلوا المسيح ابن الله. والمشركون جعلوا الملائكة بنات الله. وقيل: معناه ان جعلوا للرحمن ولدا، لان الولد يستحيل عليه تعالى.

ثم اخبر تعالى انه لا ينبغي له ان يتخذ ولدا، ولا يصلح له، كما يقال ابن احمر:

في رأس حلقاء من عنقاء مشرفة * ما ينبغي دونها سهل ولاجبل (1)

وقال الآخر في الدعاء بمعنى التسمية:

ألا رب من تدعوا نصيحا وإن تغب * تجده بغيب غير منتصح الصدر (2)

وقال ابن احمر ايضا:

هوى لها مشقصا حشرا فشبرقها * وكنت أدعوا قذاها الاثمد الفرد (3)

قوله تعالى:

(إن كل من في السموات والارض إلا آتي الرحمن عبدا (94)

لقد أحصيهم وعدهم عدا (95) وكلهم آتيه يوم القيمة فردا (96)

إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا (97)

فانما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا (98)

وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا) (99) ست آيات بلا خلاف.

 

ــــــــــــــــــــــــ

(1) تفسير الطبري 16 / 56، 87 (2) تفسير الطبري 16 / 87 (3) تفسير الطبري 16 / 87 (ج 7 م 20 من التبيان) (*)

 

===============

(154)

يقول الله تعالى ليس كل من في المسوات والارض من العقلاء إلا وهو يأتي الرحمن عبدا مملوكا لا يمكنهم جحده، ولا الامتناع منه، لانه يملك التصرف فيهم كيف شاء. ثم قال تعالى إنه " قد احصاهم وعدهم عدا " أي علم تفاصيلهم وأعدادهم فكانه عدهم، لا يخفى عليه شئ من أحوالهم. ثم قال: وجميعهم يأتي الله يوم القيامة فردا مفردا، لا أحد معه ولاناصر له ولا أعوان، لان كل احد مشغول بنفسه لايهمه هم غيره. ثم قال تعالى " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات " أي آمنوا بالله ووحدانيته وصدقوا أنبياءه، وعملوا بالطاعات سيجعل الله لهم ودا أي سيجعل بعضهم يحب بعضا، وفي ذلك أعظم السرور وأتم النعمة، لانها كمحبة الوالد لولده البار به. وقال ابن عباس ومجاهد: " سيجعل لهم الرحمن ودا " في الدنيا. وقال الربيع بن أنس إذا أحب الله عبدا طرح محبته في قلوب أهل السماء، وفى قلوب أهل الارض. ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وآله) " انما يسرناه بلسانك " يعني القرآن " لتبشر به المتقين " لمعاصي الله بالجنة " وتنذر به " أي تخوف به (قوما لدا) أي قوما ذوي جدل مخاصمين - في قول قتادة - وهو من اللدد، وهو شدة الخصومة، ومنه تعالى " وهو الد الخصام " (1)

أي أشد الخصام خصومة وهو جمع ألد. ك (أصم، وصم) قال الشاعر:

إن تحت الاحجار حزما وعزما * وخصيما ألد ذا معلاق (2)

ثم اخبر الله تعالى فقال " وكم اهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد " أي هل تدرك احدا منهم " او تسمع لهم ركزا " قال ابن عباس وقتادة والضحاك: الركز الصوت. وقال ابن زيد: هو الحس، والمراد - ههنا - الصوت، ومنه الركاز، لانه يحس به حال من تقدم بالكشف عنه، قال الشاعر:

 

ــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 2 البقرة آية 204 (2) قائله المهلهل. اللسان (علق)

ورايته (وجودا) بدل (وعزما) (*)