(438)

والاخر - أن تكون (ما) للاستفهام كقولك أي شئ يغني عنهم من اجتلاب نفع أو دفع ضرر إذا لم يستدلوا بها. والنذر جمع نذير وهو صاحب النذارة وهي اعلام بموضع المخافة ليقع به السلامة.

قوله تعالى:

فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين (102) آية خاطب الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله) بلفظ الاستفهام والمراد به النفي لان تقديره ليس ينتظر هؤلاء الكفار الامثل أيام الذين خلوا من قبلهم. وانما قابل بين الايام المنتظرة والايام الماضية في وقوع العذاب والحسرة حين لا تنفع الندامة. والانتظار هو الثبات لموقع ما يكون من الحال، تقول: انتظرني حتى ألحقك ولو قلت توقعني لم تكن أمرته بالثبات. والمثل في الجنس ماسد أحدهما مسد صاحبه فيما يرجع إلى ذاته والمثل في غير الجنس ما كان على المعنى يقربه من غيره كقربه من جنسه كتشبيه اعمال الكفار بالسراب. وقوله " قل فانتظروا اني معكم من المنتظرين " أمر من الله لنبيه أن يقول لهم: انتظروا ما وعد الله به من العقاب فاني منتظر نزوله بكم مع جميع المنتظرين كما وعد الله به.

قوله تعالى:

ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين (103) آية قرأ يعقوب " ثم ننجي " بالتخفيف. وقرأ الكسائي ويعقوب وحفص والكسائي عن ابي بكر " ننجي المؤمنين " بالتخفيف. الباقون بالتشديد فيهما. قال ابوعلي

 

===============

(439)

النحوي: يقال نجا زيد نفسه، فاذا عديته، فان شئت قلت أنجيته وان شئت قلت نجيته. ومن شدد فلقوله " ونجينا الذين آمنوا " (1) ومن خفف فلقوله " فأنجاه الله من النار " (2) وكلاهما حسن.

أخبر الله تعالى أنه إذا اراد إهلاك قوم استحقوا الهلاك نجى رسله من بينهم وخلصهم من العقاب، ويخلص مع الرسل المؤمنين الذين أقروا له بالوحدانية وللرسل بالتصديق. وقوله " كذلك حقا علينا ننجي المؤمنين " وجه التشبيه في ذلك أن نجاة من يقر من المؤمنين كنجاة من مضى في أنه حق على الله ثابت لهم ويحتمل أن يكون العامل في " كذلك " ننجي الاول وتقديره ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك الانجاء ويحتمل أن يعمل فيه الثاني، وكذلك حقا علينا.

ومعنى قوله " حقا علينا " يحتمل أمرين: احدهما - أن يكون معناه واجبا علينا ننجي المؤمنين من عقاب الكفار، ذكره الجبائي. والثاني - أن يكون على وجه التأكيد كقولك مررت بزيد حقا إلا أن علينا يقتضي الوجه الاول.

والنجاة مأخوذة من النجوة وهي الارتفاع عن الهلاك. والسلامة مأخوذة من إعطاء الشئ من غير نقيصه، اسلمته اليه اذا اعطيته سالما من غير آفة.

قوله تعالى:

قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبدالله الذي يتوفيكم وأمرت أن أكون من المؤمنين (104) آية.

هذا خطاب من الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله) ان يقول للخلق " يا أيها الناس ان كنتم

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 41 حم السجدة آية 18 (2) سورة 29 العنكبوت آية 24

(*)

 

===============

(440)

في شك من ديني " فان ديني أن " لا أعبد الذين تعبدون من دون الله " أي إن كنتم في شك مما أذهب اليه من مخالفتكم فاني أظهره لكم وأبرء مما أنتم عليه وأعرفكم ما أمرت به وهو أن أكون مؤمنا بالله وحده وأن أقيم وجهي للدين حنيفا.

إن قيل: لم قال " إن كنتم في شك من ديني " مع اعتقادهم بطلان دينه؟ قلنا عنه ثلاثة أجوبة: احدها - أن يكون على وجه التقدير أي من كان شاكا في أمري وهو مصمم على أمره فهذا حكمه. والثاني - انهم في حكم الشاك للاضطراب الذي يجدون نفوسهم عليه عند ورود الايات والثالث - ان فيهم الشاك فغلب ذكرهم، وإنما جعل جواب (ان كنتم في شك) (لاأعبد) وهو لايعبد غير الله شكورا أولم يشكوا، لان المعنى لاتطمعوا أن تشككوني بشككم حتى أعبد غير الله كعبادتكم، كأنه قيل: إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله بشككم ولكن أعبدالله الذي يتوفاكم أي الذي أحياكم ثم يقبضكم وهو الذي يحق له العبادة دون أوثانكم ودون كل شئ سواه.

قوله تعالى وأن أقم وجهك الذين حنيفا ولا تكونن من المشركين (105) آية هذه الاية عطف على ما قبلها والتقدير وأمرت أن أكون من المؤمنين، وقيل لي: أقم وجهك وقيل في معناه قولان: احدهما - استقم باقبالك على ما أمرت به من القيام باعباء النبوة وتحمل أمر الشريعة ودعاء الخلق إلى الله بوجهك، اذ من أقبل على الشئ بوجهه يجمع همته له فلم يضجع فيه. والثاني - أن يكون معناه أقم وجهك في الصلاة بالتوجه نحو الكعبة. والاقامة نصب الشئ المنافي لاضجاعه تقول: أقام العود إذا جعله على تلك الصفة فأما أقام بالمكان فمعناه استمر به. والوجه عبارة عن عضو مخصوص ويستعمل بمعنى الجهة كقولهم:

هذا معلوم في وجه كذا، ويستعمل بمعنى الصواب كقولك: هذا وجه الرأي.

 

===============

(441)

وقيل في معنى الحنيف قولان: احدهما - الاستقامة. وقيل للمايل القدم أحنف تفاؤلا. والثاني - الميل، وقيل الحنف في الدين لانه ميل إلى الحق.

وقوله " ولا تكونن من المشركين " معناه نهي عن الاشراك مع الله تعالى غيره في العبادة تصريحا بالتحذير عن ذلك والذم لفاعله.

قوله تعالى ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين (106) آية قيل في معنى قوله " ولاتدع من دون الله " قولان: احدهما - لاتدعه إلها كما يدعو المشركين الوثن إلها. الثاني - لا تدعه دعاء الالهة في العبادة بدعائه. والدعاء يكون على وجهين: احدهما - بلفظ النداء كقولك: يا زيد اذا دعوته باسمه. والثاني - أن تدعوه إلى الفعل وتطلب منه فعله كقول القائل لمن فوقه: إفعل. وقوله " ولا تدع من دون الله " معناه لاتدع غير الله إلها. وانما قال " ما لا ينفعك ولا يضرك " مع أنه لو نفع وضر لم تحسن عبادته لامرين:

احدهما - أن يكون معناه ما لا ينفك ولا يضرك نفع الاله وضره والثاني - انه إذا كان عبادة غير الله ممن يضر وينفع قبيحة فعبادة من لا يضر ولاينفع أقبح وأبعد من الشبهة. وقوله " فان فعلت فانك اذا من الظالمين " معناه انك إن خالفت ما أمرت به من عبادة الله كنت ظالما لنفسك بادخال الضرر الذي هو العقاب عليها. وهذا الخطاب وإن كان متوجها إلى النبي فالمراد به أمته، ويجوز أن يكون الانسان يضر نفسه بما يفعل بأن يؤديها إلى الضرر. ولايجوز أن ينعم على نفسه لان النعمة تقتضي شكر المنعم عليه وذلك لايمكن من الانسان ونفسه كما لايمكن أن يثبت له في نفسه مال أو دين.

 

===============

(442)

قوله تعالى:

وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم (107) آية قوله " وان يمسسك الله بضر " اي ان احل بك الضر، لان المس الحقيقي لايجوز عليه، لان حقيقتها تكون بين الجسمين، لكن لما ادخل الباء للتعدية جرى مجرى ان تقول يمسك من امسه. وأما اذا لم يتعد فيكون كقوله " مسني الضر " (1)

والمماسة والمطابقة والمجامعة نظائر، وضدها المباينة. والكشف رفع الساتر المانع من الادراك. فكأن الضر ههنا كأنه ساتر يمنع من ادراك الانسان.

وقوله " وان يردك بخير " تقديره وان يرد بك الخير، وجاز على التقديم والتأخير كما يقول القائل: فلان يريدك بالخير ويريد بك الخير. والمعنى انه لاراد لما يريد الله بخلقه فان اراد بهم سوءا لايقدر على دفعه احد. وان ارادهم بخير فلا يقدر احد على صرفه عنهم " يصيب به من يشاء من عباده " يعني بالخير.

وقوله " وهو الغفور الرحيم " معناه انه الغفار لكل من تاب من شركه وذنبه فلا ييأس من ذلك احد في حال تكليفه. وعندنا يجوز أن يغفر الله ذنب المؤمن من غير توبة. و (الرحيم) معناه انعامه على جميع خلقه.

قوله تعالى:

قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 21 الانبياء آية 83

(*)

 

===============

(443)

فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل (108) آية امر الله تعالى نبيه في هذه الاية أن يقول للخلق قد جاءكم الحق من الله وهو الذي من عمل به من العباد نجا، وضده الباطل وهو الذي من عمل به هلك، فمن علم بالحق كان حكيما. ومن عمل بالباطل كان سفيها. والمراد بالحق ههنا ما أتى به النبي (صلى الله عليه وآله) من القرآن والشرائع والاحكام وغير ذلك من الايات والدلالات " فمن اهتدى " بها بأن نظر فيها وعرفها حقا وصوابا " فانما يهتدي لنفسه " ومعناه فان منافع ذلك تعود عليه من الثواب دون غيره " ومن ضل " عنها وعدل عن تأملها والاستدلال بها والعمل بموجبها " فانما يضل " عن منافع نفسه وهو الجاني عليها. وقوله " وما أنا عليكم بوكيل " معناه وما أنا عليكم بوكيل في منعكم من اعتقاد الباطل بل انظروا لانفسكم نظر من يطالب بعمله ولايطالب غيره بحفظه كأنه قال ما أنا حافظكم من الهلاك اذا لم تنظروا لانفسكم ولم تعملوا بما بخلصها ما يحفظ الوكيل مال غيره.

قوله تعالى:

واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين (109) آية أمر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله) ان يتبع ما يوحى اليه. والايحاء إلقاء المعنى في النفس على وجه خفي وهو ما يجئ به الملك إلى النبي (صلى الله عليه وآله) عن الله تعالى فيلقيه اليه ويخصه به من غير أن يرى ذلك غيره من الخلق.

وقوله " واصبر " امر من الله تعالى له بالصبر وهو تجرع مرارة الامتناع

 

===============

(444)

من المشتهى إلى الوقت الذي يجوز فيه تناوله، كصبر الصائم على الجوع والعطش، وكصبر النفس عن تناول المحرمات. وانما يعين على الصبر العلم بعاقبته وكثرة الفكر فيه وفي الخير الذي ينال به وبذكر ما وعد الله على فعله من الثواب وعلى تركه من العقاب. وقوله " حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين " امر منه تعالى للنبي (صلى الله عليه وآله) بالصبر على اذى المشركين وعلى قولهم انك ساحر كذاب ومجنون، حتى يحكم فيأمرك بالهجرة والجهاد. قال الحسن: وقد كان الله اعلمه انه سيفرض عليه جهاد الكفار. وقيل نسخ ذلك فيما بعد بالامر بالجهاد، والتقدير إلى أن يحكم الله بهلاكهم وعذابهم في يوم بدر وغيره " وهو خير الحاكمين " معناه خير الحكام لانه قد يكون حاكم افضل من حاكم مع كونهما محقين كمن يحكم على الباطن فانه افضل ممن يحكم على الظاهر، لان الاول لايقع إلا حقا، والاخر يجوز أن يكون حقا في الظاهر وان كان فاسدا في الباطن.

 

===============

(445)

11 - سورة هود مكية في قراءة قتادة ومجاهد وغيرهما. وهى مئة وثلاث وعشرون آية في الكوفي، واثنتان في المدني، وواحدة في البصري وعند اسماعيل.

بسم الله الرحمن الرحيم آلر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير (1) آية روى الكسائي عن أبي بكر " من لدن حكيم " ههنا وفي النمل، بسكون الدال واشمامها الضم وكسر النون. الباقون بضم الدال واسكان النون. ولم يعد أحد من القراء (الر) آية كما عد قوم (طه) و (الم) و (حم) آية، لان ثانية لايشبه رؤس الاي بنفس الحرف ولابالردف. وقد بينا في أول سورة البقرة اختلاف المفسرين في هذه الحروف وأمثالها وأن الاقوى أن يقال إنها أسماء للسور.

وروي عن الحسن أنه قال: ما أدرري تأويل (الر) غير ان المسلمين كانوا يقولون: هي اسماء للسور ومفاتحها. وخرجت هذه الحروف على وجه التهجي لايعرب شئ منها، لانها حروف ولو كانت اسماء لدخلها الاعراب. وقال الفراء " الر كتاب " رفع بحروف الهجاء. وقال غيره " كتاب " رفع بأنه خبر المبتدأ وتقديره هو كتاب او هذا كتاب والمراد ب (كتاب) القرآن.

 

===============

(446)

وقوله " احكمت آياته ثم فصلت " قيل في معناه ثلاثة أقوال:

احدها - قال الحسن: احكمت بالامر والنهي، وفصلت بالثواب والعقاب.

الثاني - قال قتادة احكمت آياته من الباطل. ثم فصلت بالحرام والحلال.

الثالث - قال مجاهد " احكمت آياته " على وجه الجملة " ثم فصلت " اي بينت بذكرها آية آية. والاحكام منع الفعل من الفساد، قال الشاعر:

أبني حنيفة احكموا سفهاءكم * إني اخاف عليكم أن أغضبا (1)

وقوله " من لدن حكيم خبير " معناه من عند حكيم عليم. وقوم يجعلون في (لدن) ضميرا فينصبون ما بعده فيقولون لدن غدوة. وقوم يجعلونه غاية ولايضمرون فيه شيئا بعينه فيرفعون مابعده لان ما بعد الغاية مرفوع، فيقولون لدن غدوة.

وروي عن عكرمة انه قرأ " فصلت " بفتح الفاء والصاد وتخفيفها - وهي شاذة لم يقرأ بها احد.

والحكيم يحتمل معينين: احدهما - عليم، فعلى هذا يجوز وصفه بأنه حكيم فيما لم يزل. والثاني - بمعنى أنه محكم لافعاله. وعلى هذا لايوصف به فيما لم يزل.

والحكمة المعرفة بما يمنع الفعل من الفساد والنقص وبها يميز القبيح من الحسن والفاسد من الصحيح وقال الجبائي في الاية دلالة على أن كلام الله محدث بأنه وصفه بأنه أحكمت آياته، والاحكام من صفات الافعال، ولايجوز أن تكون احكامه غيره لانه لو كان احكامه غيره لكان قبل ان يحكمه غير محكم ولو كان كذلك لكان باطلا، لان الكلام متى لم يكن محكما وجب أن يكون باطلا فاسدا، وهذا باطل.

قوله تعالى:

ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير (2) آية

ـــــــــــــــــــــــ

(1) مر تخريجه في 2 / 188

(*)

 

===============

(447)

يحتمل (أن) في قوله " أن لاتعبدوا " أمرين:

احدهما - أن يكون بمعنى المصدر كقولك كتبت اليه أن لا تخرج بالجزم وكان يجوز في العربية أن لا تعبدون على الوجه الاول، وهو الاخبار بأنهم لايعبدون كما تقول: كتبت اليه أن لا تخرج أي بأنك لاتخرج. و " أن لا تعبدوا " في موضع نصب وتقديره فصلت آياته بأن لاتعبدوا او لئلا تعبدوا.

والثاني - يحتمل أن يكون المعنى أمرتم بأن لاتعبدوا، فلما حذف الباء نصب بعدها، ومعنى (إلا) في الاية ايجاب للمذكور بعدها وهو ما نفي عن كل ما سواه من العبادة وهي التي تفرغ عامل الاعراب لما بعدها من الكلام. وقوله " اني لكم منه نذير وبشير " اخبار أن النبي (صلى الله عليه وآله) مخوف من مخالفة الله وعصيانه بأليم عقابه مبشر بثواب الله على طاعاته واجتناب معاصيه، والنذارة اعلام موضع المخافة ليتقى، ونذير بمعنى منذر كأليم بمعنى مؤلم. والبشارة اعلام بما يظهر في بشرة الوجه به المسرة وبشير بمعنى مبشر. وقوله " وابشروا بالجنة " معناه واستبشروا.

قوله تعالى:

وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير (3) آية.

هذه الاية عطف على ما قبلها وتقديره ثم فصلت من لدن حكيم خبير بان لا تعبدوا إلا الله وبأن استغفروا ربكم بمعنى سلوا الله المغفرة ثم توبوا اليه، وانما ذكرت التوبة بعد الاستغفار، لان المعنى اطلبوا المغفرة بأن تجعلوها غرضكم ثم توصلوا إلى مطلوبكم بالتوبة، فالمغفرة أول في الطلب وآخر في السبب. وقيل ان

 

===============

(448)

المعنى استغفروا ربكم من ذنوبكم ثم توبوا اليه في المستأنف متى وقعت منكم المعصية، ذكره الجبائي وقوله " يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى " يعني انكم متى استغفرتموه وتبتم اليه متعكم متاعا حسنا في الدنيا بالنعم السابغة والملاذ المختلفة إلى الوقت الذي قدر لكم أجل الموت فيه.

وقوله " ويؤت كل ذي فضل فضله " يحتمل امرين: احدهما - أن يعطي كل ذي عمل على قدر عمله في الاخرة دون الدنيا، لانها ليست دار الجزاء والثاني - الترغيب في عمل الخير لانه على مقداره يجازي صاحبه.

وقوله " فان تولوا فاني اخاف عليكم " يحتمل امرين: احدهما - فان تتولوا، إلا انه حذف للتضعيف ولذلك شدده ابن كثير في رواية البزي عنه.

والاخر - ان يكون بمعنى فقل " إني أخاف عليكم عذاب يوم كبير " يعنى عذاب يوم القيامة ووصف ذلك اليوم بالكبير لعظم مايكون فيه من الاهوال والمجازاة لكل انسان على قدر عمله.

قوله تعالى إلى الله مرجعكم وهو على كل شئ قدير (4) آية قيل في معنى قوله " إلى الله مرجعكم " قولان: احدهما - اليه مصيركم باعادته اياكم للجزاء. والثاني - إلى الله مرجعكم باعادته إلى مثل الابتداء من انه لايملك لكم ضرا ولانفعا سواه تعالى، والمرجع المصير إلى مثل الحال الاولى.

وقوله " وهو على كل شئ قدير " اخبار منه تعالى انه يقدر على كل شئ إلا ما اخرجه الدليل مما يستحيل أن يكون قادرا عليه من مقدورات غيره وما يقضى وقته من الاجناس التي لايصلح عليها البقاء.

 

===============

(449)

قوله تعالى ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور (5) آية روي عن ابن عباس انه قرأ " إلا انهم يثنون صدورهم " على وزن (يحلون)

وأراد المبالغة ومعنى (ألا)؟؟؟؟، وما بعده مبتدأ.

أخبر الله تعالى ان الكفار يثنون صدورهم. وقيل في معناه ثلاثة اقوال:

احدها - قال الفراء والزجاج: يثنونها على عداوة النبي (صلى الله عليه وآله) . وقال الحسن:

يثنونها على ما هم عليه من الكفر. وقال ابوعلي الجبائي، يثني الكافر صدره على سبيل الانحناء، في خطابه لكافر مثله ممن يختصه لئلا يعرف الله ما أضمره. وقال ابوعبدالله بن شداد: ولى ظهره إذا رأى النبي (صلى الله عليه وآله) وغطى وجهه بالثوب واصل الثني العطف تقول: ثنيته عن كذا اي غطيته ومنه الاثنان لعطف احدهما على الاخر في المعنى، ومنه الثناء لعطف المناقب في المدح، ومنه الاستثناء لانه عطف عليه بالاخراج منه.

وقوله " ليستخفوا منه " فالاستخفاء طلب خفاء النفس تقول: استخفى استخفاء وتخفى تخفيا، ونظيره استغشى وتغشى قالت الخنساء:

أرعى النجوم وما كلفت رعيتها * وتارة اتغشى فضل اطماري (1)

والهاء في منه يحتمل أن تكون عائدة إلى اسم الله - في قول الحسن ومجاهد والجبائي - جهلا منهم بأن الله لايخفى عليه خافية. وقال ابوعبدالله بن شداد:

هي عائدة على النبي (صلى الله عليه وآله) .

وقوله " ألا حين يستغشون ثيابهم " معناه انهم كانوا يتغطون بثيابهم ثم يتفاوضون

ـــــــــــــــــــــــ

(1) ديوانها 109 واللسان (رعي) واساس البلاغة 351

(*)

 

===============

(450)

ما كانوا يدبرونه على النبي وعلى المؤمنين ويكتمونه عن الناس، فبين الله تعالى انهم وقت ما يتغطون بثيابهم ويجعلونها غشاء فوقهم عالم بما يسرون وما يعلنون، لا انه يتجدد له العلم في حال استغشائهم بالثوب بل هو عالم بذلك في الازل. ومعنى " ما يسرون وما يعلنون " اي ما يخفونه في أنفسهم وما يعلنونه أي يظهرونه " انه عليم بذات الصدور " ومعناه عالم بأسرار ذات الصدور.

قوله تعالى:

وما من دابة في الارض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين (6) آية.

أخبر الله تعالى أنه ليس في الارض دابة إلا والله تعالى متكفل برزقها.

والدابة الحي الذي من شأنه أن يدب يقال: دب يدب دبيبا وأدبه ادبابا، غير انه صار بالعرف عبارة عن الخيل والبراذين دون غيرها من الحيوان.

وقوله " ويعلم مستقرها ومستودعها " فالمستقر الموضع الذي يقر فيه الشئ وهو قراره ومكانه الذي يأوي اليه. والمستودع المعنى المجعول في القرار كالولد في البطن والنطفة التي في الظهر وقيل: مستودعها مدفنها بعد موتها. وقيل: متسقرها في اصلاب الاباء ومستودعها في ارحام الامهات. وقيل: مستقرها ما تستقر عليه، ومستودعها ما تصير اليه.

وقوله " كل في كتاب مبين " خبر من الله تعالى أن جيمع ذلك مكتوب في كتاب ظاهر يعني اللوح المحفوظ، وانما اثبت تعالى ذلك مع انه عالم انه لايعزب عنه شئ لما فيه من اللطف للملائكة او يكون فيه لطف لمن يخبر بذلك.

قوله تعالى:

وهو الذي خلق السموات والارض في ستة أيام وكان

 

===============

(451)

عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين (7) آية اخبر الله تعالى أنه خلق السماوات والارض وأنشأهما في ستة ايام، وانما خلقهما في هذا المقدار من الزمان مع قدرته ان يخلقهما في أقل من لمح البصر ليبين بذلك ان الامور جارية في التدبير على منهاج، ولما علم في ذلك من مصالح الخلق من جهة اقتضاء ان ينشأها على ترتيب يدل على انها كانت عن تدبير عالم بها قبل فعلها مثل سائر الافعال المحكمة.

وقوله " وكان عرشه على الماء ليبلوكم " معناه انه خلق الخلق ودبر الامر ليظهر احسان المحسن، لانه الغرض الذي يجري بالفعل اليه. وفي وقوف العرش على الماء، والماء على غير قرار اعظم للاعتبار لمن امعن النظر واستعمل الفكر.

والمراد بقوله " في ستة ايام " ما مقدارة مقدار ستة أيام، لانه لم يكن هناك ايام تعد، لان اليوم عبارة عما بين طلوع الشمس وغروبها.

وقوله " ليبلوكم " معناه ليعاملكم معاملة المبتلي المختبر مظاهرة في العدل لئلا يتوهم أنه يجازي العباد بحسب ما في المعلوم أنه يكون منهم قبل أن يفعلوه.

وقوله " أيكم أحسن عملا " فيه دلالة على أنه يكون فعل حسن أحسن من فعل حسن آخر لان لفظة أفعل حقيقتها ذلك. ولا يجوز ترك ذلك الا لدليل، وليس ههنا ما يوجب الانصراف عنه.

وقوله " ولئن قلت انكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا ان هذا الاسحر مبين " إعلام من الله تعالى لنبيه انه لو قال لهؤلاء الكفار ان الله يبعثكم بعد موتكم ويجازيكم على أعمالكم لقالوا: ليس هذا القول الا سحر ظاهر. ومن

 

===============

(452)

قرأ (ساحر) اراد ليس هذا يعنون النبي (صلى الله عليه وآله) الا ساحر مبين. وقال الجبائي في الاية دلالة على انه كان قبل خلق السماوات والارض الملائكة قال: لان خلق العرش على الماء لاوجه لحسنه الا أن يكون فيه لطف لمكلف يمكنه الاستدلال به فلابد اذا من حي مكلف. والاقوى ان يقال: انه لايمتنع ان يتقدم خلق الله لذلك اذا كان في الاخبار بتقدمه مصلحة الملكلفين، وهو الذي اختاره الرماني. وكان علي بن الحسين الموسوي المعروف بالمرتضى (ره) ينصره.

وظاهر الاية يقتضي ان العرش الذي تعبد الله الملائكة بحمله كان مخلوقا قبل السموات والارض، وهو قول جميع المفسرين: كابن عباس ومجاهد وقتادة والبلخي والجبائي والرماني والفراء والزجاج وغيرهم. وقال ابن عباس: كان العرش على الماء، والماء على الهواء. وقال الجبائي: ثم نقل الله العرش إلى فوق السماوات قوله تعالى:

ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (8) آية.

اللام في قوله " ولئن أخرنا " لام القسم. ولا يجوز ان تكون لام الابتداء، لانها دخلت على (ان) التي للجزاء، ولام الابتداء إنما هي للاسم او ما ضارع الاسم في باب (ان) وجواب الجزاء مستغنى عنه بجواب القسم، لانه اذا جاء في صدر الكلام غلب عليه كما انه اذا تأخر او توسط الغي. ومعنى قوله " أخرنا عنهم العذاب إلى امة معدودة " اخر إلى حين أمة معدودة كما قال " واد كر بعد امة " (1)

اي بعد حين. وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والزجاج والفراء وغيرهم.

 

ـــــــــــــــــــــ

(1) سورة 12 يوسف آية 45

(*)

 

===============

(453)

وقال الجبائي: معناه إلى أمم بعد هؤلاء يكلفهم فيعصونه فتقتضي الحكمة إهلاكهم وإقامة القيامة. وقال الرماني: معناه إلى جماعة معدودة بانه ليس فيها من يؤمن فاذا صاروا إلى هذه الصفة أهلكوا بالعذاب، كما اهلك قوم نوح في الدنيا.

وأهلكوا بعذاب الاخرة لكونهم على هذه الصفة.

وقوله " ليقولن ما يحبسه " فالحبس المنع بالحصر في خباء. ويقال حبس الماء إذا منع من النفوذ. وحبس السلطان الرزق اذا معنه. وحبس عنهم العذاب إذا منع من اتيانهم إلى الاجل المعلوم. والتقدير ما الذي يمنع من تعجيل هذا العذاب الذي نتوعد به؟ فقال الله تعالى " ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم " ومعناه ان هذا العذاب الذي يستبطئونه اذا نزل بهم في الوقت المعلوم لايقدر على صرفه أحد عنهم ولا يتمكنون من اذهابه عنهم اذا اراد الله ان تأتيهم به. وقوله " وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون " معناه انه نزل بهم الذي كانوا يسخرون منه من نزول العذاب ويتحققونه.

قوله تعالى:

ولئن أذقنا الانسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤس كفور (9) آية أقسم الله تعالى في هذه الاية انه لو احل تعالى بالانسان رحمة من عنده يعني مايفعله الله تعالى بهم في الدنيا من الارزاق، فانه يعم بها خلقه كافرهم ومؤمنهم.

ثم نزعها منه وسلبها، وسمى احلال اللذات بهم اذاقة تشبيها ومجازا، لان الذوق في الحقيقة تناول الشئ بالفم لادراك الطعم، والانسان حيوان على الصورة الانسانية لان الصورة الانسانية بانفرادها قد تكون للتمثال ولايكون انسانا فاذا اجتمعت الحيوانية والصورة لشئ فهو انسان. قال الرماني: وكلما لاحياة فيه فليس بانسان

 

===============

(454)

كالشعر والظفر وغيرهما. والنزع رفع الشئ عن غيره مما كان مشابكا له، والنزع والقلع والكشط نظائر. واليأس القطع بأن الشئ لايكون وهو ضد الرجاء ويؤوس كثير اليأس من رحمة الله وهذه صفة ذم، لانه لايكون كذلك الا للجهل بسعة رحمة الله التي تقتضي قوة الامل. وفائدة الاية الاخبار عن سوء خلق الانسان وقنوطه من الرحمة عند نزول الشدة وأنه إذا أتعم عليه بنعمة لم يشكره عليها وإذا سلبها منه يئس من رحمة الله وكفر نعمه، وهو مصروف إلى الكفار الذين هذه صفتهم.

قوله تعالى:

ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيآت عني إنه لفرح فخور (10) آية أقسم الله تعالى في هذه الاية أنه لو أحل بالانسان " نعماء بعد ضراء مسته " لان الهاء كناية عن الانسان الذي مضى ذكره، والنعماء إنعام يظهر أثره على صاحبه والضراء مضرة تظهر الحال بها، لانها أخرجت مخرج الاحوال الظاهرة كحمراء وعوراء مع ما فيها من المبالغة. معنى " مسته " نالته. وقوله " ليقولن ذهب السيئات عني " أي يقول عند نزول النعماء به بعد أن كان في ضدها من الضراء:

دهبت الخصال التي تسوء صاحبها من جهة نفور طبعه أو عقله، وهو - ههنا - بمعنى المرض والفقر، ونحو ذلك. وقوله " إنه لفرح فخور " إخبار منه تعالى أن الانسان فرح فخور. والفرح انفتاح القلب بما يلتذ به وضده الغم، ومثله السرور والمرح. والفرح لذة في القلب أعظم من ملاذ الحواس، والفخور المتطاول بتعديد المناقب، وفخور كثير الفخر، وهي صفة ذم إذا اطلقت لما فيه من التكبر على من لايجوز أن يتكبر عليه. وقيل: للعالم أن يفخر على الجاهل بالعلم لتعظيم

 

===============

(455)

العلم وتحقير الجهل، ولذلك تفخر النبي على الكفار.

قوله تعالى:

إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير (11) آية لما أخبر الله تعالى عن أحوال الخلق وأن أكثرهم إذا حل بهم نعمه تعالى بعد أن كانوا في مضرة شديدة وانهم إذا يقولون ذهب السيئات عنهم وان كثيرا منهم فرح فخور، استثنى من جملتهم المؤمنين بتوحيد الله الصابرين على طاعاته والكف عن معاصيه وأضافوا إلى ذلك الاعمال الصالحات. والصبر حبس النفس عن المشتهى من المحارم. والصبر على مرارة الحق يؤدي إلى الفوز بالجنة في الاخرة مع ما فيه من الجمال في الدنيا. واستثنى الذين صبروا من الانسان، لانه في معنى الجمع كما قال " والعصر إن الانسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات " (1)

وقال الزجاج والاخفش: (إلا) بمنى (لكن) لانه ليس من جنس الاول. والاول قول الفراء. وقوله " أولئك لهم مغفرة وأجر كبير " إخبار من الله تعالى عن هؤلاء المؤمنين بأن لهم عند الله المغفرة والاجر العظيم.

قوله تعالى:

فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شئ وكيل (12) آية

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 103 العصر 1 - 2

(*)

 

===============

(456)

هذا خطاب من الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله) يحثه على أداء جميع مابعثه به وأوحى اليه، وينهاه عن كتمانه، ويشجعه على الاداء، ويقول له لايكون لعظم ما يرد على قلبك ويضيق به صدرك من غيظهم يوهمون عليك انهم يزيلونك عن بعض ما أنت عليه من امر ربك، وأنك تترك بعض الوحي ويضيق به صدرك مخافة أن يقولوا أو لئلا يقولوا " لولا انزل عليه كنز " أي هلا انزل عليه كنز فينفق منه " أو جاء معه ملك " يعينه على أمره بل " إنما أنت نذير " أي منذر مخوف من معاصي الله وعقابه " والله على كل شئ وكيل " أي حافظ يكتب عليهم أفعالهم وأقوالهم، ومجازيهم عليها، فلا تغمك اقوالهم ولاأفعالهم ولايضيق بذلك صدرك فان وبال ذلك عائد عليهم. وضائق وضيق واحد الا ان (ضائق) ههنا احسن لمشاكلته لقوله:

تارك، والضيق قصور الشئ عن مقدار غيره ان يكون فيه، فاذا ضاق صدر الانسان قصر عن معان يتحملها الواسع الصدر. والصدر مسكن القلب ويشبه به رفيع المجالس ورئيس القوم لشرفه على غير. والكنز المال المدفون لعاقبته، وصار في الشرع اسم ذم في كل مال لايخرج منه حق الله من الزكاة وغيره، وإن لم يكن مدفونا.

قوله تعالى:

أم يقولون افتريه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين (13) آية هذه الاية صريحة بالتحدي وفيها قطع لاعتلال المشركين وبغيهم، لانهم لما عجزوا عن معارضة القرآن قالوا: إن ما فيه من الاخبار كذب اختلقه واخترعه أو قرأ الكتب السالفة، فقال الله تعالى لهم: افتروا أنتم مثله، وادحضوا حجته فذلك أيسر وأهون مما تكلفتموه، فعجزوا عن ذلك وصاروا إلى الحرب وبذل النفس والمال وقتل الاباء والابناء. ولو قدروا على إطفاء أمره بالمعارضة لفعلوه

 

===============

(457)

مع هذا التقريع العظيم. وفيه دلالة على جهة إعجاز القرآن وأنها الفصاحة في هذا النظم المخصوص، لانه لو كان غيره لما قنع في المعارضة بالافتراء والاختلاق.

وقوله " فأتوا " وإن كان لفظه لفظ الامر فالمراد به التهديد والتحدي والمثل المذكور في الاية ما كان مثله في البلاغة والنظم أو ما يقاربه، لان البلاغة ثلاث طبقات فأعلاها معجز، وأدناها وأوسطها ممكن، فالتحدي وقع بما هو في أعلى طبقة في البلاغة، ولايجوز أن يكون المراد بالمثل إلا المثل في الجنسية، لان مثله في العين يكون حكايته وذلك لايقع به تحدي. وانما يرجع إلى ما هو متعارف بينهم في تحدي بعضهم بعضا كمناقضات امرئ القيس وعلقمة، وعمربن كلثوم والحارث بن حلزة، وجرير والفرزدق وغيرهم. ومعنى (أم) تقرير بصورة الاستفهام، وتقديره بل " يقولون افتراه ". وقال بعضهم: إن الاستفهام محذوف، كأنه قال أيكذبونك أم يقولون افتراه. وهذا ليس بصحيح لان (أم) ههنا منقطعة ليست معادلة، وانما يجوز حذف الاستفهام في الضرورة. وقوله " ادعوا من استطعتم من دون الله " أي ادعوهم إلى معاونتكم على المعارضة. وهذا غاية ما يمكن من التحدى والمحاجة.

وقوله " بعشر سور مثله " اي مثل سورة منه كل سورة منها. ومعنى " مفتريات " أي مختلقات يقال: افترى واختلق واخترق، وخلق وخرق وخرص واخترص إذا كذب.

قوله تعالى:

فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون (14) آية قيل في المعني بقوله " فان لم يستجيبوا لكم " قولان:

أحدهما - ان المراد به المؤمنون، والتقدير فان لم يقبلوا إجابتك يا محمد

 

===============

(458)

والمؤمنين، ولا يأتون بعشر سور معارضة لهذا القرآن، فليعلم المؤمنون إنما أنزل بعلم الله بهذا الدليل، وهو قول مجاهد والجبائي.

والاخر - أن يكون المراد به المشركين، فالتقدير فان لم يستجب لكم من تدعونهم إلى المعاونة ولا يهيأ لكم المعارضة، فقد قامت عليكم الحجة.

والاستجابة في الاية طلب الاجابة بالقصد إلى فعلها، يقال: استجاب وأجاب بمعنى واحد. والفرق بين الاجابة والطاعة أن الطاعة موافقة للارادة الجاذبة إلى الفعل برغبة أو رهبة، والاجابة موافقة الداعي إلى الفعل من أجل أنه دعا به.

وقوله " انزل بعلم الله " يحتمل أمرين: احدهما - بعلم الله انه حق من عنده أي عالم به. والاخر - بعلم الله بمواقع تأليفه في علو طبقته. وقوله " وأن لا إله إلا هو " اي فاعلموا أن لاإله إلا هو. وقوله " فهل أنتم مسلمون " معناه هل أنتم بعد قيام الحجة عليكم بما ذكرناه من كلام الله وانه أنزله على نبيه تصديقا له فيما أداه اليكم عن الله مسلمون له موقنون به؟ لان كل من سلم له الامر فقد استسلم له. قال مجاهد: وهذا خطاب لاصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) من المسلمين.

قوله تعالى:

من كان يريد الحيوة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لايبخسون (15) آية شرط الله تعالى بهذه الاية أن " من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها " وحسن بهجتها، ولايريد الاخرة، فان الله تعالى يوفيه جزاء عمله فيها يعني في الدنيا، ولا يبخسه شيئا منه. والزينة تحسين الشئ بغيره من لبسة أو حلية أو هيئة، يقال:

زانه يزينه وزينه تزيينا. والتوفية تأديه الحق على تمام. والبخس نقصان الحق، يقال: بخسه بخسا إذا ظلمه بنقصان الحق. وفي المثل (يبخسها حمقاء) وهي

 

===============

(459)

باخس. وقيل في العمل الذي يوفون حقهم من غير بخس قولان: أحدهما - قال الضحاك ومجاهد: هو أن يصل الكافر رحمه أو يعطي سائلا سأله أو يرحم مضطرا أو غير ذلك من أفعال الخير، فان الله تعالى يعجل له جزاء عمله في الدنيا بتوسيع الرزق، وإقرار العين فميا خول، ودفع مكاره الدنيا. الثاني - الغزو مع النبي (صلى الله عليه وآله) للغنيمة دون ثواب الاخرة، أمر الله نبيه أن يوفيهم قسمهم وهذا من صفة المنافقين، ذكره الجبائي. وانما جاز أن يقول " من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف اليهم " ولم يجز أن تقول: من جاءني اكرمه، لان الاجود في الشرط والجزاء أن يكونا مستقبلين أو يكونا ماضيين بنية الاستقبال، فان كان أحدهما ماضيا، والاخر مستقبلا كان جائزا على ضعف كما قال زهير:

ومن هاب أسباب المنايا تنلنه * ولو رام أسباب السماء بسلم (1)

قلنا عنه جوابان: أحدهما - قال الفراء: إن المعنى من يرد الحياة الدنيا و (كان) زائدة. والثاني إن المعنى أن يصح أنه كان، كقوله " إن كان قميصه قد من دبر فكذبت " (2) ولايجوز مثل هذا في غير (كان) لانها أم الافعال.

قوله تعالى:

أولئك الذين ليس لهم في الاخرة إلا النار وحبط ماصنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون (16) آية قوله " أولئك " كناية عن الذين ذكرهم في الاية الاولى، وهم الذين يريدون الحياة الدنيا وزينتها، دون ثواب الاخرة. فأخبر الله أنه ليس لهم في الاخرة مستقر إلا النار، وأن أعمالهم كلها محبطة لا يستحقون عليها ثوابا، لانهم أوقعوها

ـــــــــــــــــــــــ

(1) اللسان (سبب) وروايته (المنية يلقها) بدل (المنايا تنلنه)

(2) سورة 12 يوسف آية 27

(*)

 

===============

(460)

على غير الوجه المأمور به، وعلى حد لاتكون طاعة، وأن جميع ما فعلوه في الدنيا باطل لاثواب عليه. وقد بينا فساد القول بالاحباط (1) على ما يذهب اليه المعتزلة وأصحاب الوعيد، سواء قالوا الاحباط بين الطاعة والمعصية أو بين المستحق عليها، فلا معنى للتطويل بذكره ههنا. وقوله " وباطل ما كانوا يعملون " بعد قوله " حبط ما صنعوا فيها " يحقق ما نقوله: إن نفس الاعمال تبطل بأن توقع على خلاف الوجه الذي يستحق به الثواب.

قوله تعالى:

أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الاحزاب فالنار موعده فلاتك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس (17) آية.

الالف في قوله " أفمن كان " ألف استفهام، والمراد بها التقرير، والتقدير هل الذي كان على بينة - يعني برهان وحجة من الله - والمراد بالبينة ههنا القرآن والمعنى بقوله " أفمن كان على بينة " النبي (صلى الله عليه وآله) وكل من اهتدى به واتبعه.

وقوله " ويتلوه شاهد منه " قيل في معناه أقوال: أحدها - شاهد من الله هو محمد (صلى الله عليه وآله) . وروي ذلك عن الحسين بن على (عليهما السلام)وذهب اليه ابن زيد واختاره الجبائي:

والثاني - قال ابن عباس ومجاهد وابراهيم والفراء والزجاج: جبرائيل يتلو القرآن على النبي (صلى الله عليه وآله) . والثالث - شاهد منه لسانه، روي ذلك عن محمد بن علي أعني ابن الحنفية، وهو قول الحسن وقتادة والرابع - روي عن أبي جعفر محمد

ـــــــــــــــــــــــ

(1) انظر 2 / 336، 353، 522، 525 (*)

 

===============

(461)

ابن علي بن الحسين (عليهم السلام)أنه علي بن ابي طالب (عليه السلام)ورواه الرماني، وذكره الطبري باسناده عن جابر بن عبدالله عن علي (عليه السلام). ذكر الفراء وجها خامسا - قال: ويتلوه يعني القرآن يتلوه شاهد هو الانجيل، ومن قبله كتاب موسى يعني التوراة. والمعنى ويتلوه في الحجة والبينة. وقوله " ومن قبله كتاب موسى " الهاء في " قبله " عائدة على القرآن المدلول عليه فيما تقدم من الكلام، والمعنى أنه يشهد به بالبشارة التي فيه. وقوله " إماما ورحمة " العامل فيه أحد امرين:

احدهما - الظرف في قوله ومن قبله. والثاني - وشاهد من قبله كتاب موسى إماما ورحمة، وخبر (من) في قوله " أفمن كان على بينة من ربه " محذوف والتقدير أفمن كان على بينة من ربه وعلى الاوصاف التي ذكرت كمن لابينة معه، قال الشاعر:

وأقسم ولو شئ أتانا رسوله سواك * ولكن لم نجد عنك مدفعا

وأنشد الفراء:

فما أدري إذا يممت وجها * أريد الخير أيهما يليني

آلخير الذي أنا أبتغيه * أم الشر الذي لايأتليني (1)

قال: أيهما، وإنما ذكر الخير وحده، لان المعنى مفهوم، لان المبتغي للخير متق للشر. وقال قوم خبره قوله " من كان يريد الحياة الدنيا " وقد تقدمه، واستغني به. وقوله " أولئك يؤمنون به " كناية عمن كان على بينة من ربه أنهم يصدقون بالقرآن ويعترفون بأنه حق. وقوله " ومن يكفر به من الاحزاب فالنار موعده " معناه إن كل من يجحده ولايعترف به من الاحزاب الذين اجتمعوا على عداوته. وقال الفراء: يقال كل كافر حزب النار " والنار موعده " يعني مستقره وموعده " فلاتك " يا محمد (صلى الله عليه وآله) في شك من ذلك، فالخطاب متوجه إلى النبي (صلى الله عليه وآله) والمراد به جميع المكلفين. وقوله " انه الحق من ربك " اخبار منه تعالى بأن

ـــــــــــــــــــــــ

(1) مر هذا الشعر في 2 / 113

(*)

 

===============

(462)

هذا الخبر الذي ذكره حق من عند الله. ولكن اكثر الناس لايعلمون صحته وصدقه لجهلهم بالله وجحدهم نبوة نبيه (صلى الله عليه وآله) . وروي أن الحسن قرأ (في مرية)

بضم الميم، وهي لغة أسد وتميم، وأهل الحجاز يكسرون الميم وعليه القراء.

قوله تعالى:

ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الاشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين (18) آية قال الحسن معنى قوله " ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا " لاأحد أظلم منه إلا انه خرج مخرج الاستفهام مبالغة في انه أظلم لنفسه من كل ظالم، وانما كان المفتري على الله كذبا أظلم من كل ظالم، لانه يجحد نعم الله ولا يشكرها. وقوله " أولئك يعرضون على ربهم " اخبار منه تعالى أن من هذه صفته يعرض على الله يوم القيامة. والعرض إظهار الشئ بحيث يرى للتوقيف على حاله يقال: عرضت الكتاب على فلان، وعرض الجند على السلطان، ومعنى العرض على الله أنهم يقفون في المقام الذي يرى العباد، وقد جعله الله تعالى للمطالبة بالاعمال فهو بمنزلة العرض في الحقيقة، لانهم لا يخفون عليه في حال من الاحوال بل هو تعالى يراهم حيث كانوا. وقوله " ويقول الاشهاد " يعني الملائكة والانبياء والعلماء، يشهدون بما كان منهم من الكذب عليه تعالى. وقيل: هو جمع شاهد مثل صاحب وأصحاب، وقيل: جمع شهيد كشريف وأشراف. وقوله " ألا لعنة الله على الظالمين " تنبيه من الله تعالى لخلقه بأن لعنته على الظالمين الذين ظلموا أنفسهم بادخال الضرر عليها وعلى غيرهم بادخال الالام عليهم. ولعنة الله إبعاده من رحمته.

 

===============

(463)

قوله تعالى:

ألذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالاخرة هم كافرون (19) آية وصف الله تعالى الظالمين الذين جعل لعنة الله عليهم بأنهم يصدون عن سبيل الله بمعنى أنهم يغرون الخلق ويصرفونهم عن المصير اليه واتباعه، بغير الحق، ويجوز أن يكون صده عن الفساد بدعائه إلى تركه، والصد عن الحق سبب الامتناع منه إذا صادف منه ما يهواه، فيفعله من أجل ذلك الداعي، وانما جاز تمكين الصاد من الفساد لانه مكلف للامتناع. وليس في منعه لطف بأن ينصرف عن الفساد إلى الصلاح، فهو كشهوة القبيح الذي به يصح التكليف. قال ابوعلي: ولو لم يكن إغواء الشيطان إضلالا لعمل من قبل نفسه ذلك أو شرا منه. وقوله " يبغونها عوجا " معناه إنهم يطلبون لسبيل الله عدولا عنه. والعوج العدول عن طريق الصواب، وهو في الدين عوج بالكسر، وفي العود عوج بالفتح، فرقوا بين ما يرى وبين مالا يرى فجعلوا السهل للسهل والصعب للصعب بالفتح والكسر. والبغية طلبة أمر من الامور تقول: بغاه يبغيه بغية مثل طلبه يطلبه طلبة. وقوله " وهم بالاخرة هم كافرون " إخبار منه تعالى أن هؤلاء الذين يصدون عن سبيل الله كافرون بالاخرة وبالبعث والنشور والثواب والعقاب أي جاحدون غير مقرين. وقوله " وهم بالاخرة هم كافرون " كرر (هم) مرتين كما قال " أيعدكم أنكم اذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون " (1) كرر (أنكم) مرتين، ووجه ذلك أنه لما طال الكلام وفارق فعله كرره مرة أخرى.

 

ـــــــــــــــــــــ

(1) سورة 23 المؤمنين آية 35

(*)

 

===============

(464)

قوله تعالى:

أولئك لم يكونوا معجزين في الارض وما كان لهم من دون الله من أولياء يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون (20) آية أخبر الله تعالى عن هؤلاء الكفار الذين وصفهم بأن عليهم لعنة الله وأنهم الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا بأنهم غير " معجزين في الارض " أي لم يكونوا فائتين فيها هربا من الله تعالى إذا اراد إهلاكهم كما يهرب الهارب من عدو، وقد جد في طلبه. والاعجاز الامتناع من المراد بما لا يمكن معه إيقاعه، وانهم لم يكن لهم ولي يستطيع الدفاع عنهم من دون الله. والولي الخصيص بأن يلي بالمعاونة لدفع الاذية، ومنه قولهم: تولاك بحفظه، فلا ولي لهؤلاء يعاونهم ويدفع العقوبة عنهم، لان الله تعالى قد أيأسهم من ذلك. وقوله " يضاعف لهم العذاب " قيل في معناه قولان: احدهما - بحسب تضاعف الاجرام. والاخر - كلما مر ضعف جاء ضعف، وكله على قدر الاستحقاق. وقوله " ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون " معناه انه كان يثقل عليهم سماع الحق ورؤيته، كما يقال:

فلان لا يستطيع النظر إلى فلان، وحقيقة الاستطاعة القوة التي تنطاع بها الجارحة للفعل، ولذلك لايقال في الله انه يستطيع. وليس المراد بنفي الاستطاعة في الاية نفي القدرة بل ما ذكرناه، لانه لو لم يكن فيهم قدرة لما حسن تكليفهم. وقد ذكر الفراء فيه وجها مليحا، فقال: المعنى يضاعف لهم العذاب بما كانوا يستطيعون السمع ولايعقلون، وحذف الباء كما قال " اليم بما كانوا يكذبون " (1)

اي بتكذيبهم وسقوط الباء جائز، كما قال " احسن ما كانوا يعملون " (2) ويقول

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 2 البقرة آية 10 (2) سورة 9 التوبة آية 122

(*)

 

===============

(465)

القائل: لاجزينك ما عملت، وبما عملت. واختار ذلك البلخي. والسمع إدراك الصوت بما به يكون مسموعا. والابصار إدراك الشئ بما به يكون مبصرا.

قوله تعالى:

أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (21) آية ثم أخبر عنهم بخبر آخر، وهو أنهم " الذين خسروا أنفسهم " من حيث أنهم فعلوا ما يستحقون به العذاب وهلكوا بذلك في خسران أنفسهم، وخسران النفس اعظم الخسران، لانه ليس عنها عوض، وعن هلاك رأس المال عوض، فسلامة النفس أجل فائدة، وما كان بعده من نفع فهو ربح. وقوله " وضل عنهم ما كانوا يفترون " قيل في معناه قولان: أحدهما - ذهب عنهم الانتفاع بالافتراء كما كانوا في الدنيا والثاني - ذهب عنهم الاوثان التي كانوا يأملون بها الانتفاع - في قول الحسن - و (اولئك) اشارة إلى البعيد، (وهؤلاء) إشارة إلى القريب

 وأولاء مبني على الكسر، لانه اسم للجمع بمنزلة الواحد والكاف في (أولئك)

حرف يدل على أن الكلام الذي معه مخاطبا به. ووجه اتصال (ما) في الاية أن (أولئك) إشارة إلى من تقدم ذكره و (الذين) صفة لهم وهو موصول و (خسروا) صلته و (أنفسهم) معمول الصلة و (ضل) معطوف على الصلة و (كانوا)

صلة فاعل معطوف الصلة و (يفترون) خبر صلة فاعل معطوف الصلة، وهو تمام (الاسم).

قوله تعالى:

لاجرم أنهم في الاخرة هم الاخسرون (22) آية

 

===============

(466)

معنى (لاجرم) قال الزجاج: معنى (لا) نفي لما ظنوه أنه ينفعهم كأن المعنى لاينفعهم ذلك. ثم ابتدأ " جرم انهم " أي كسب ذلك الفعل لهم الخسران.

وقال غيره: معناه لابد انهم، ولامحالة أنهم. وقيل: معناه حقا أنهم. واصل (الجرم) القطع فكأنه قال لاقطع من انهم في الاخرة هم الاخسرون و (جرم)

في قوله (لاجرم) فعل، وتقديره لاقطع قاطع عن ذا، إلا أنهم كثر في كلامهم حتى صار كالمثل وهو من قول الشاعر:

ولقد طعنت أبا عيينة طعنة * جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا (1)

اي قطعتهم إلى الغضب، فرواية الفراء نصب فزارة، والمعنى كسبهم أن يغضبوا.

وخسران النفس يتعاظم، لان خسران النفس بعذاب دائم أعظم من خسرانها بعذاب منقطع، و (هم) في قوله هم الاخسرون " يحتمل أن يكون فصلا والاخسرون خبر (أن) و (هم) إذا كانت فصلا لم تقع في النكرة. وقولهم: ما كانوا في الدار هم القائمون. فلا يكون إلا اسما، فان جعلتهما فصلا قلت: كانوا في الدارهم القائمون.

قوله تعالى:

إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (23) آية لما ذكر الله تعالى الكفار، ووصف ما أعدلهم من العذاب وخسران النفس أخبر - هنا - أن الذين يؤمنون بالله ويعتقدون وحدانيته ويصدقون رسله، وعملوا الاعمال الصالحة التي أمرهم الله بها ورغبهم فيها " وأخبتوا إلى ربهم " أي خشعوا اليه.

والاخبات الخشوع المستمر على استواء فيه، وأصله الاستواء من الخبت، وهو

ـــــــــــــــــــــــ

(1) مر في 3 / 423 و 5 / 413

(*)

 

===============

(467)

الارض المستوية الواسعة. وقيل: إن الاخبات الانابة - ذكره ابن عباس - وقال مجاهد: هو الاطمئنان إلى ذكر الله. وقال قتادة: هو الخشوع اليه والخضوع له.

وقال الحسن: هو الخشوع للمخافة الثابتة في القلب. وقال الجبائي: الاخبات سكون الجوارح على وجه الخضوع لله تعالى. وليس كل عمل صالح يستحق عليه حمد أو مدح، لانه مثل الحسن في أنه ينقسم قسمين: أحدهما - يستحق عليه الحمد. والاخر - لايستحق عليه كالمباح، فكذلك الصالحات. والمراد بالصالحات - ههنا - الطاعة، لانه وعد عليها الجزاء في قوله " إن الحسنات يذهبن السيئات " (1). وقوله " وأخبتوا إلى ربهم " قال قوم: معناه اخبتوا لربهم، فوضع (إلى) مكان اللام، لان حروف الاضافة توضع بعضها مكان بعض، كما قال " أوحى لها " (2) بمعنى أوحى اليها. والاخر - أن معناه عمدوا باخباتهم إلى الله. وقوله " أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون " إشارة إلى المؤمنين الذين وصفهم بأنهم يعملون الصالحات ويخبتون إلى ربهم، فاخبر عنهم أنهم أصحاب الجنة اللازمون لها وأنهم فيها مخلدون دائمون.

قوله تعالى:

مثل الفريقين كالاعمى والاصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون (24) آية المثل قول سائر يشبه فيه حال الثاني بحال الاول، والامثال لاتغير عن صورتها كقولك للرجل (اطرى انك ناعلة) وكذلك يقال للكافر: هو أعمى أصم أي هو بمنزلة الذين قيل لهم هذا القول، ويجري هذا في كل كافر يأتي من بعد.

 

ـــــــــــــــــــــ

(1) سورة 11 هود آية 115 (2) سورة 99 الزلزال آية 5

(*)

 

===============

(468)

و (الواو) في قوله " كالاعمى والاصم " قيل في دخولها قولان:

أحدهما - العموم في التشبيه أي حال الكافر كحال الاعمى وكحال الاصم وكحال من جمع العمى والصمم.

الثاني - أن المعنى واحد، وإنما دخلت الواو لاتصال الصفة الاولى بعلامة.

وإنما قال: هل يستويان، لانه أراد الفريقين: الموصوف أحدهما بالصمم والعمى، والاخر بالبصر والسمع. وفائدة الاية تشبيه المؤمن والكافر في تباعد ما بينهما فشبههما، بالاعمى والبصير، والاصم والسميع، فالكالفر كالاعمى والاصم في أنه لايبصر طريق الرشد، ولا يسمع الحق، وأنه مع ذلك على صفة النقص. والصمم عبارة عن فساد آلة السمع، ولو كان معنى يضاد السمع لتعاقبا على الحي، والامر بخلافه، لانه قد ينتفي حال الصمم ولايكون سامعا، وكذلك العمى عبارة عن فساد آلة الرؤية، وليس بمعنى يضاد الابصار، لان الصحيح أن الادراك أيضا ليس بمعنى، ولو كان معنى لما وجب أن يكون العمى ضده. لانه لو كان ضده لعاقبه على حال الحي وكان يجوز أن يحضر المرئي من الاجسام الكثيفة من غير ساتر فلا يرى مع حصول شروط الادراك لاجل وجود الضد، وكذلك الصمم، ولاضد له لانه ليس هناك حال يعاقبه على حال مخصوصة كمعاقبة العجز القدرة على حال الحياة.

وقوله " هل يستويان مثلا " وإن كان بصورة الاستفهام فهو لضرب من التوبيخ والتقريع. وقوله " أفلا تتفكرون " معناه أفلا تتفكرون في ذلك فتعلموا صحة ما ذكرنا.

قوله تعالى:

ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين (25) أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم (26) آيتان قرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة (إني) بكسر الهمزة. الباقون بفتحها

 

===============

(469)

قال أبوعلي النحوي. من فتحها حملها على (أرسلنا) أي أرسلناه بأني لكم ولم يقل إنه، لانه انتقل عن الغيبة إلى الخطاب، ومثله كثير، قال الله تعالى " وكتبنا له في الالواح من كل شئ موعظة " ثم قال بعده " فخذها بقوة " (1)

فكذلك الاية. ومن كسر يضمر القول قبلها كأنه قال: أرسلنا نوحا إلى قومه فقال: إني لكم نذير، ومثله كثير، قال الله تعالى " والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم " (2) اي يقولون: سلام عليكم، وقوله تعالى " والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى " (3) أي قالوا:

ما نعبدهم، ويكون الكلام على ظاهره لم يرجع من الغيبة إلى الخطاب. وليس لاحد أن يرجع القراءة بالفتح من حيث أن ما بعده من قوله " أن لاتعبدوا إلا الله " محمول على الارسال، فاذا فتحت كان أشكل بما بعدها لحملهما جميعا على الارسال. وذلك أن من كسر حمل قوله " اني لكم " وما بعده على الاعتراض بين المفعول وما يتصل به مما بعده، كما أن قوله " إن الهدى هدى الله " اعتراض بينهما في قوله " ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله ان يؤتى أحد مثل ما أوتيتم " (4) فكذلك قوله " إني لكم نذير مبين " لان التقدير ولقد

 أرسلنا نوحا لانذار أن لاتعبدوا الا الله إني أنذركم لتوحدوا الله وأن تتركوا عبادة غيره.

أقسم الله تعالى في هذه الاية أنه أرسل نوحا وأمره أن يقول لهم: إني مؤد عن الله ومخوفكم من عقابه وترك طاعاته، لان اللام في قوله " لقد " لام القسم، وهي تدخل على الفعل والحرف الذي يختص بالفعل مما يصح معناه معه، ولام الابتداء للاسم خاصة. ومعنى (قد) وقوع الخبر على وجه التقريب من الحال تقول: قد ركب الامير - لقوم يتوقعون ركوبه -

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 7 الاعراف 144 (2) سورة 13 الرعد آية 25 - 26 (3) سورة 39 الزمر آية 3 (4) سورة 3 آل عمران آية 73

(*)

 

===============

(470)

وقوله " أن لاتعبدوا الا الله " يحتمل أن يكون موضع (تعبدوا) من الاعراب نصبا، والمعنى أن لا تعبدوا الا الله، ويجوز أن يكون موضعه جزما على تقدير أي لاتعبدوا. ويحتمل أن يكون متعلقا بقوله " أرسلنا " وتقديره أرسلنا بأن لاتعبدوا الا الله، على ما بينا من الاعتراض وحملها جميعا على الارسال.

وقوله " اني أخاف عليكم عذاب يوم أليم " أي مؤلم عذابه وانما قال عذاب يوم اليم بالجر ومعناه مؤلم، لان الالم يقع في اليوم، فكأنه سبب الالم. ولو نصبته على أن يكون صفة للعذاب كان جائزا، ولم يقرأ به أحد. وانما بدئ بالدعاء إلى العبادة دون سائر الطاعات، لانها أهم ما يدعى اليه من خالف الحق فيه ولانه يجب أن يفعل كل واحدة من الطاعات على وجه الاخلاص والعبادة فيها لله. وانما قال " اني أخاف عليكم عذاب يوم اليم " مع أن عذاب الكافر معلوم لانه يخاف مالم يعلم ما يؤل اليه أمرهم من ايمان أو كفر، وهذا لطف في الاستدعاء وأقرب إلى الاجابة في غالب أمر الناس.

قوله تعالى:

فقال الملا الذين كفروا من قومه ما نريك إلا بشرا مثلنا وما نريك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين (27) آية قرأ أبوعمرو " بادئ الرأي " بالهمز في بادي. الباقون بلا همز.

قال ابوعلي: حدثنا محمد بن السدي أن اللحياني قال: يقال: أنت بادي الرأي تريد ظلمنا لايهمز (بادي) وبادئ الرأي مهموز. فمن لم يهمز أراد أنت أول الرأي ومبتدؤه وهما في القرآن. وقال أبوعلي: من قال (بادي الرأي) بلاهمز جعله من بدو الشئ وهو ظهوره، وما اتبعك إلا أراذل فيما ظهر لهم من الرأي

 

===============

(471)

اي لم يفعلوه بنظر فيه ولا بتبين له. ومن همز أراد اتبعوك في أول الامر من غير فكر فيه ولاروية، والقراءتان متقاربتان، لان الهمز في اللام منها ابتداء الشئ وأوله وابتداء الشئ يكون ظهورا، وان كان الشئ الظاهر قد يكون مبتدأ وغير مبتدأ، فلذلك يستعمل كل واحد منهما مكان الاخر يقولون: انا بادي بدا وبادئ بدء، فاني أحمد الله.

أخبر الله تعالى في هذه الاية عن جماعة الرؤساء من قوم نوح الذين كفروا وجحدوا نبوته أنهم قالوا له " ما نراك الا بشرا مثلنا " والبشر مأخوذ من ظهور البشرة، لان الغالب على الحيوان غير الانسان أن يلبس البشرة منه بالصوف أو الشعر أو الريش أو الصدف. والانسان مأخوذ من النسيان، لانهم يصغرونه إنيسيان ويجوز أن يكون من الانسان الا أنهم زادوا الياء في التصغير. والمثل ماسد مسد غيره في الجنس بمعني أنه لو ظهر للمشاهد لسد مسده كما يسد الاسود مسد الاسود في الجنس من غير فضل. وقوله " ما نراك اتبعك الا الذين هم أراذلنا " حكاية أيضا عما قاله قوم نوح من أنه ما نرى من اتبعك الا أنه رذل خسيس حقير من جماعتنا تقول: رذل وجمعه أرذل، وجمع الجمع أراذل مثل كلب وأكلب وأكالب والعامل في (الذين) قوله " اتبعك " كأنه قال ما اتبعك الا الذين هم أراذلنا ونراك ملغى، ذكره الفراء. قال ابوعلي النحوي: هو نصب على الحال، والعامل فيه (اتبعك) وأخر الظرف وأوقع بعد (الا) ولو كان غيره لم يجز، لان الظرف اتسع فيه في مواضع. ومعنى " بادئ الرأي " أول الرأي ما نراهم. والرأي والرؤية من قوله " يرونهم مثليهم رأي العين " (1) وهو نصب على المصدر كقولك ضربته أول الضرب. وقال الزجاج: نصبه ب (اتبعوك أول الرأي) من غير فكر كأنه قيل اتبعوك رأيا غير سديد، ومن قرأ بادي الرأي بلا همز اراد ظاهر الرأي قال الشاعر:

 

ـــــــــــــــــــــ

(1) سورة 3 آل عمران آية 13

(*)

 

===============

(472)

وقد علتني ذرأة بادي بدي * وريثة تنهض في تشددي (1)

وقال آخر:

اضحى لخالي شبهي بادي بدي * وصار للفحل لساني ويدي (2)

وقوله " وما نرى لكم علينا من فضل " تمام الحكاية عن كفار قوم نوح وانهم قالوا لنوح: إنا لانرى لك ولا مثالك علينا زيادة خير، لان الفضل هو زيادة الخير، وانما قالوا ذلك، لانهم جهلوا في طريقة الاستدلال. وقوله " بل نظنكم كاذبين " ايضا تمام الحكاية عن كفار قومه أنهم قالوا له ولمن آمن معه هذا القول.

قوله تعالى:

قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتيني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون (28) آية قرأ حمزة والكسائي وحفص " فعميت " بضم العين وتشديد الميم. الباقون بتخفيف الميم وفتح العين. وقال ابوعلي: من قرأ " فعميت " بالتخفيف فلقوله " فعميت عليهم الانباء يومئذ " (3) وهذه مثلها. ويجوز في قوله (فعميت) أمران:

احدهما - ان يكون عموا هم، الا ترى ان الرحمة لاتعمى وانما يعمى عنها، فيكون هذا من المقلوب، كقولهم: أدخلت القلنسوة في رأسي، وأدخلت الخاتم في أصبعي ونحو ذلك مما يقلب إذا زال الاشكال. والاخر - ان يكون معنى عميت خفيت كقول الشاعر:

ومهمه أطرافه في مهمه * أعمى الهدى في الحائرين العمه (4)

 

ـــــــــــــــــــــ

(1، 2) اللسان (بدا) (3) سورة 28 القصص آية 66 (4) قائله رؤبة ديوانه: 166 وتفسير الطبري 1 / 310 وقد مر في 1 / 81

(*)

 

===============

(473)

أي خفي الهدى ألا ترى أن الهدى ليس بذي جارحة تلحقها هذه الافة، وقد قيل للسحاب: العمى لخفاء ما يخفيه، كما قيل له: الغمام ومن ذلك قول زهير:

ولكنني عن علم ما في غد عمي (1)

ومن شدد اعتبر قراءة الاعمش فانه قرأها فعماها عليهم. وروى ذلك الفراء عن أبي، والمعنيان متقاربان. قال الفراء: يقال عمى علي الخبر وعمي بمعنى واحد.

حكى الله تعالى عن نوح ما قاله لقومه جوابا عما قالوه له مما حكيناه فانه " قال يا قوم أرأيتم ان كنت على بينة " أي برهان وحجة من المعجزة التي تشهد بصحة النبوة. وخصهم بهذا إذ هو طريق العلم بالحق لاما التمسوا من اختلاف الخلق. وقوله " آتاني رحمة من عنده " يرد عليهم ما ادعوه من أنه ليس له عليهم فضل، فبين ذلك بالهداية إلى الحق من جهة البرهان المؤدي إلى العلم. وقوله " فعميت " يحتمل امرين: احدهما - خفيت علكيم، لانكم لم تسلكوا الطريق المؤدي اليها. والاخر - ان يكون المعنى عميتم عنها، واضاف العمى إلى البينة لما عموا عنها لضرب من المجاز، لان المعنى ظاهر في ذلك، كما يقال: ادخلت الخاتم في يدي والقلنسوة في راسي، والمراد ادخلت يدي في الخاتم ورأسي في القلنسوة.

ومن قرأ بتشديد الميم وضم العين أضاف التعمية إلى غيرهم ممن صدهم عن النظر فيها واغواهم في ذلك من الشياطين والمضلين عن الحق.

وقوله " أنلزمكموها وانتم لها كارهون " أنضطركم إلى موجب البينة مع العلم مع كراهتكم لذلك فيبطل تكليفكم الاستدلال بالبينة المؤدية إلى المعرفة أي أضطركم إلى حال الضرورة. ووجه آخر - وهو أن يكون المراد إن الذي علي أن أدل بالبينة، وليس علي أن أضطركم إلى المعرفة.

وفي قوله " انلزمكموها " ثلاث مضمرات ضمير المتكلم وضمير المخاطب وضمير الغائب، وهو أحسن ترتيب: بدأ بالمتكلم، لانه اخص بالفعل ثم بالمخاطب

ـــــــــــــــــــــــ

(1) اللسان (عمى)

(*)

 

===============

(474)

ثم بالغائب، ولو اتى بالمنفصل لجاز لتباعده عن العامل بما فرق بينه وبينه، فاشبه ماضربت إلا إياك، وما ضربني إلا انت. وأجاز الفراء " أنلزمكموها " بتسكين الميم جعله بمنزلة عضد وعضد وكبد وكبد. ولايجوز ذلك عند البصريين، لان الاعراب لايلزم فيه النقل كما يلزم في بناء الكلمة، وإنما يجيزون مثل ذلك في ضرورة الشعر كقول امرئ القيس:

فاليوم أشرب غير مستحقب * إثما من الله ولا واعل (1)

وقال آخر:

وناع يخبرنا بمهلك سيد * تقطع من وجد عليه الانامل وقال آخر:

إذا اعوججن قلت صاحب قوم قوله تعالى:

ويا قوم لا أسئلكم عليه ما لا إن أجري إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أريكم قوما تجهلون (29) آية في هذه الاية حكاية ما قال نوح لقومه أي لا أطلب منكم مالا أجرا على الرسالة ودعائكم إلى الله فتمتنعون من إجابتي بل أجري وثوابي في ذلك على الله.

وقوله " وما أنا بطارد الذين آمنوا " معناه إني لست أطرد المؤمنين من عندي ولا أبعدهم على وجه الاهانة. وقيل: انهم كانوا سألوه طردهم ليؤمنوا أنفة أن يكونوا معهم على سواء، ذكره ابن جريح والزجاج - وقوله " إنهم ملاقوا ربهم " اخبار بأن هؤلاء المؤمنين ملاقوا جزاء ربهم بعقاب من طردهم. في قول الزجاج.

 

ـــــــــــــــــــــ

(1) ديوانه: 130 تفسير القرطبي 9 / 26

(*)

 

===============

(475)

وقوله " ولكني اراكم قوما تجهلون " معناه أراكم تجهلون انهم خير منكم لايمانهم بربهم وكفركم به.

وقال قوم: إنهم قالوا له إن هؤلاء اتبعوك طمعا في المال على الظاهر دون الباطن، فقال لهم نوح انهم ملاقوا جزاء اعمالهم فيجازيهم على ما يعلم من بواطنهم وليس لي الا الظاهر احملهم على ظاهر الايمان فانتم تجهلون ذلك.

قوله تعالى:

ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون (30) آية.

ثم قال لهم نوح (عليه السلام)" يا قوم " وأراد به الجماعة الذين يقومون بالامر و (قوم) اسم جمع لاواحد له من لفظه. " من ينصرني من الله " أي من يمنعني من الله، يقال: نصره من كذا يعني منعه منه، ونصره عليه بمعنى أعانه عليه حتى يغلب، ونصره إلى كذا بمعنى نصره معه، ومنه قوله " من أنصاري إلى الله " (1) ويجوز أن يقدر الله الكافر على الكفر، ولايجوز أن ينصره عليه لان النصرة على الشئ زيادة في القوة ليقع ذلك الشئ، وهذا لايجوز على الله.

والقدرة تصلح للضدين على منزلة سواء ولا دليل فيها على ارادة احدهما.

وقوله " أفلا تذكرون " معناه أفلا تتفكرون، فتعلمون أن الامر على ما قلته. وفرق الطبري بين التذكر والتفكر بأن قال: التذكر طلب معنى قد كان حاضرا للنفس و (التفكر) طلب معرفة الشئ بالقلب وان لم يكن حاضرا للنفس.

و (النصرة) المذكورة في الاية ليست من الشفاعة في شئ، لان النصرة هي المنع على وجه المغالبة والقهر. والشفاعة هي المسألة على وجه الخضوع.

وليس لاحد ان يستدل بذلك على نفي الشفاعة للمذنبين.

 

ـــــــــــــــــــــ

(1) سورة 3 آل عمران آية 52

(*)

 

===============

(476)

قوله تعالى:

ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا ألله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين (31) آية في هذه الاية تمام الحكاية عما قال نوح لقومه وحاجهم به، وهو أن قال لهم مضافا إلى ما مضى حكايته " ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول اني ملك " والمعنى إني لا أرفع نفسي فوق قدرها، فأدعي أن عندي خزائن الله من الاموال فأعطيكم منها وأستطيل عليكم بها، أو أقول إني أعلم الغيب، أو أقول لكم إني ملك روحاني غير مخلوق من ذكر وأنثى بخلاف ما خلقني الله، بل أنا بشر مثلكم وانما خصني الله بالرسالة وشرفني بها. وقيل معنى خزائن الله مقدوراته لانه يوجد منها ما يشاء. وفي وصفها بذلك بلاغة.

وقيل " لا أقول لكم عندي خزائن الله " فادعوكم إلى أن أعطيكم منها، ذكره ابن جريح. و (الغيب) ذهاب الشئ عن الادراك، ومنه الشاهد خلاف الغائب.

واذا قيل: علم الغيب معناه علم من غير تعلم، وهو جميع الغيب، وعلى هذا لايعلم الغيب إلا الله تعالى. وقوله " ولا أقول للذين تزدري أعينكم " أي لست أقول للذين احتقرتهم اعينكم. و (الازدراء) الافتعال من الزراية، يقال: زريت عليه إذا عبته، وازريت عليه اذا قصرت به، والازدراء الاحتقار. وقوله " لن يؤتيهم الله خيرا " معناه لااقول لهؤلاء المؤمنين الذين احتقرتموهم انهم لايعطيهم الله في المستقبل خيرا من أعمالهم، ولا يثيبهم عليها، من حيث لاعلم لي بباطنهم بل الله اعلم بما في انفسهم، هل هم مؤمنون في باطنهم ام لا، ومتى قلت لايعطيهم خيرا كنت اذا من الظالمين الذين ظلموا أنفسهم وغيرهم.

 

===============

(477)

قوله تعالى:

قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين (32) آية في هذه الاية حكاية عما قال قوم نوح لنوح جوابا عما قاله لهم فيما تقدم " يا نوح قد جادلتنا " اي خاصمتنا وحاجتنا فأكثرت مجادلتنا، وروي فاكثرت جدلنا - والمعنى واحد، فلسنا نؤمن لك " فأتنا بما تعدنا " من العذاب " إن كنت من الصادقين " فيما تقوله على الله تعالى. وحقيقة المجادلة المقابلة بما يقبل الخصم من مذهبه بالحجة أو شبهه، وهو من الجدل لشدة الفتل، ويقال للصقر أجدل، لانه أشد الطير. و (الاكثار) الزيادة على مقدار الكفاية. و " الاقلال " النقصان عن مقدار الكفاية. والفرق بين الجدال والحجاج: ان المطلوب بالحجاج ظهور الحجة، والمطلوب بالجدال الرجوع عن المذهب. والمراء مذموم لانه مخاصمة في الحق بعد ظهور الحق كمري الضرع بعد دروره، وليس كذلك الجدال. وفي الاية دلالة على حسن الجدال في الدين، لانه لو لم يكن حسنا لما استعمله نوح مع قومه، لان الانبياء لايفعلون إلا ما يحسن فعله.

قوله تعالى:

قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين (33) آية فأجابهم نوح (عليه السلام)عما قالوه فقال: إنما يأتي بالعذاب الله تعالى دون غيره يأتي به متى يشاء، ولستم تفوتونه هربا. ومعنى (انما) اختصاص ما ذكر لمعنى دون غيره، تقول: إنما زيد كريم أي هو كريم دون غير. وإنما دخل (إنما)

بمعنى الاختصاص بالمذكور دون غيره، لانها لتحقيق المعنى: ومن تحقيقه أن

 

===============

(478)

يكون لها دون غيره إذ المشرك لم يحقق على شئ بعينه، وإذا دخلت (إنما)

هذه على (اسم) كان الاسم مرفوعا، لان (ما) كافة للعامل، ولولا ذلك لما دخلت على الفعل، والاعجاز هو الفوت بالهرب. وفي الاية دلالة على أن المجادلة تقوم بها الحجة على مخالف الحق، لانه لو لم تقم بها الحجة ما جادلهم نوح ولما قال الله تعالى للنبي (صلى الله عليه وآله) " وجادلهم بالتي هي أحسن " (1).

قوله تعالى ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون (34) آية هذه الاية عطف على قول نوح: إنما يأتيكم بالعذاب الله إن شاء ولستم تفوتونه، " ولا ينفعكم نصحي " ويحتمل قوله " يريد أن يغويكم " أمرين:

احدهما - ان كان الله يريد أن يخيبكم من رحمته بأن يحرمكم ثوابه، ويعاقبكم لكفر كم به، ولا ينفعكم نصحي يقال: غوى يغوي غيا، ومنه قوله تعالى " فسوف يلقون غيا " (2) أي خيبة وعذابا وقال الشاعر:

فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره * ومن يغو لايعدم على الغي لائما (3)

فلما كان الله قد خيب قوم نوح من رحمته وثوابه وجنته أعلم نبيه نوحا بذلك في قوله " لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن " (4) وأنهم سيصيرون إلى خيبة وعذاب، أخبرهم الله بذلك على لسان نبيه، فقال " ولا ينفعكم نصحي " مع إتيانكم ما يوجب خيبتكم والعذاب الذي جره عليكم قبيح أفعالكم، ويريد الله إهلاككم وعقوبتكم على ذلك. وحكي عن طي انها تقول: أصبح فلان غاويا أي

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 16 النحل آية 125 (2) سورة 19 مريم آية 59 (3) مر تخريجه في 2 / 312 (4) سورر 11 هود آية 36

(*)

 

===============

(479)

مريضا. وحكي عن غيرهم سماعا منهم: أغويت فلانا أهلكته، وغوي الفصيل إذا فقد اللبن فمات: بكسر الواو في الماضي، وفتحها في المستقبل، ومنه قوله تعالى " وعصى آدم ربه فغوى " (1) اي خاب من الثواب الذي كان يحصل له بتركه.

والوجه الثاني - أن يكون جرى على عادة العرب في تسمية العقوبة باسم الشئ المعاقب عليه، فيكون المعنى ان كان الله يريد عقوبتكم على اغوائكم الخلق واضلالكم اياهم، فسمى عقوبته اياهم على اغوائهم اغواء كما قال " وجزاء سيئة سيئة " (2) " ومكروا ومكر الله " (3) و " الله يستهزئ بهم " (4) ونظائر ذلك كثيرة. ومثله قوله حكاية ابليس " بما أغويتني " (5) فانه يحتمل هذين الوجهين، الاول يحتمل أن يكون فبما خيبتني، والثاني - فبما جازيتني على اغوائي الخلق عن الهدى. ولايجوز أن يكون المراد بذلك أن يجعلهم كفارا على ما يذهب اليه المجبرة، لان الاغواء بمعنى الدعاء إلى الكفر او فعل الكفر لايجوز عليه تعالى، لقبحه كقبح الامر بالكفر. والنصح اخلاص العمل من الفساد على الاجتهاد فيه. والنصح نقيض الغش. وكان نصح نوح لقومه اعلامهم موضع الغي ليتقوه، وموضع الرشد ليتبعوه. وانما شرط النصح بالارادة - في قوله " ان أردت أن أنصح " مع وقوع هذا النصح - استظهارا في الحجة: لانهم ذهبوا إلى أنه ليس بنصح، فقال: لو كان نصحا ما نفع من لايقبله. وقوله " هو ربكم واليه ترجعون " اخبار من نوح أن الله الذي عذبكم وخيبكم من رحمته هو الذي خلقكم ويميتكم ثم يردكم بأن يحبيكم ليجازيكم على افعالكم ويعاقبكم على كفركم بنعمه حيث لاينفعكم استدراك ما فات، ولا ينفعكم الندم على ما مضى. وقال الحسن:

معنى الاية ان كان الله يريد أن يعذبكم وينزل بكم عذابه فانتم عند ذلك لاينفعكم

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 20 طه آية 121 (2) سورة 42 الشورى آية 40 (3) سورة 3 آل عمران آية 54 (4) سورة 2 البقرة آية 15 (5) سورة 7 الاعراف آية 15 وسورة 15 الحجر آية 39

(*)

 

===============

(480)

نصحي، لان الله تعالى لايقبل الايمان عند نزول العذاب.

وقال بعض العلماء: ان قوم نوح كانوا يعتقدون أن ماهم عليه بارادة الله لولا ذلك لغيره وأجبرهم على خلافه، فقال نوح على وجه الانكار عليهم والتعجب من قولهم: ان نصحي لاينفعكم ان كان القول كما تقولون وتعتقدونه، حكى ذلك البخلي.

قوله تعالى:

أم يقولون افتريه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا برئ مما تجرمون (35) آية.

معنى قوله " أم يقولون " اخبار من الله تعالى بأن هؤلاء الكفار الذين ليس يقبلون ما أتاهم به من عند الله يقولون: ليس هذا القرآن من عند الله بل افتراه وتخرصه وكذبه على الله، فمعنى (ام) في الاية (بل)، فأمر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله) ان يقول لهم: إن افتريته، فعلي اجرامي. وقيل في معناه قولان: احدهما - انه وعيد، بأني ان كنت افتريته فيما اخبرتكم به من الخبر عن نوح فعلي عقاب جرمي، وان كانت الاخرى فعليكم عقاب تكذيبي، وستعلمون صدق قولي وأينا الاحق. والثاني - انه قال ذلك على وجه الاحتجاج بصحة امره بأن لايتقول مثل هذا مع ما فيه من العذاب في الاخرة والعار في الدنيا مع انه ذو امانة وصيانة. وهو في خطاب محمد (صلى الله عليه وآله) .

وقوله " وانا برئ مما تجرمون " معناه ليس علي من اجرامكم ضرر وانما ضرر ذلك عليكم فاعملوا بحسب ما يقتضيه العقل من التفكر في هذا المعنى.

والفرق بين افتراء الكذب وبين قول الكذب: ان قول الكذب قد يكون على وجه تقليد من الانسان لغيره، واما افتراؤه فهو افتعاله من قبل نفسه. ومعنى اجرام

 

===============

(481)

اذنب ومثله جرم قال النميري حار الزبرقان:

طريد عشيرة، ورهين ذنب * بما جرمت يدي وجنى لساني (1)

ومعنى أجرم اقترف السيئة بفعلها لانه من القطع، وأذنب اي تشبه بالذنب في السقوط، وجرم وأجرم في المأثم أكثر، قال الشاعر:

كذا الناس مجروم عليه وجارم قوله تعالى:

وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون (36) آية اخبر الله تعالى في هذه الاية انه اوحى إلى نوح، وقال له انه لن يؤمن احد من قومك في المستقبل اكثر من الذين آمنوا، فلا تبتئس أي لاتغتم ولا يلحقك حزن لاجلهم، يقال ابتأس ابتآسا فهو مبتئس، وقد يكون البؤس الفقر والابتآس حزن في الاستكانة انشد ابوعبيدة.

مايقسم الله أقبل غير مبتئس * منه وأقعد كريما ناعم البال (2)

واصله البؤس وهو الفقر والمسكنة. ولما اعلم الله نوحا (عليه السلام)أن أحدا من قومه لايؤمن فيما بعد، ولامن نسلهم قال " رب لاتذر على الارض من الكافرين ديارا انك ان تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا " (3) ذكره قتادة وغيره. والعقل لايدل على أن قوما لايؤمنون في المستقبل وإنما طريق ذلك السمع، وقد يغلب في الظن ذلك مع قيام التجويز، ألا ترى انه يغلب في ظنوننا

ـــــــــــــــــــــــ

(1) تفسير الطبري 12 / 18 واللسان والتاج (جرم)

(2) قائله حسان ديوانه 326 واللسان (بأس)

(3) سورة 71 نوح آية 26 - 27

(*)

 

===============

(482)

أن الروم مع كثرتهم لايؤمنون جملة إلا انه ليس يمتنع مع ذلك أن يؤمنوا، لان الله كلفهم الايمان، فلو لم يكن ذلك جائزا لما كلفهم.

قوله تعالى:

واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولاتخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون (37) آية في هذه الاية اخبار من الله تعالى عما أمر به - عزوجل - نوحا (عليه السلام)حين أيأسه من ايمان قومه فيما بعد، وأنه مهلكهم بالطوفان. بأن يتخذ الفلك ويصنعها، والصنع جعل الشئ موجودا بعد أن كان معدوما، ومثله الفعل، وينفصلان من الحدوث من حيث أن الصنعة تقتضي صانعا، والفعل يقتضي فاعلا من حيث اللفظ، وليس كذلك الحدوث، لانه يفيد تجدد الوجود لاغير. والصناعة الحرفة التي يكتسب بها، والفلك السفينة، ويكون ذلك واحدا وجمعا، كما قيل في أسد وأسد قالوا: في فلك وفلك، لان (فعلا وفعلا) جمعهما واحد، ويأتيان بمعنى واحد كثيرا يقال عجم وعجم، وعرب وعرب، ومثله فلك وفلك.

والفلك والفلكة يقال لكل شئ مستدير أو شئ فيه استدارة، وتفلك ثدي المرأة إذا استدار، ومنه الفلك. وقوله " باعيننا " معناه بحيث نراها وكأنها ترى بأعين على طريق المبالغة، والمعنى بحفظنا إياك حفظ من يراك ويملك دفع السوء عنك.

وقال الجبائي بأعين أوليائنا من الملائكة الذين يعلمونك كيفية عملها، والموكلين بك. وقيل: معناه بعلمنا. وقوله " ووحينا " اي على ما أوحينا اليك من صفتها وحالها. قال ابن عباس: امره الله تعالى ان يبنيها على هيئة جؤجؤ الطائر. ويجوز أن يكون المراد بوحينا اليك أن اصنعها. وقوله " ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون " نهي لنوح (عليه السلام)أن يراجع الله تعالى ويخاطبه ويسأله في امرهم

 

===============

(483)

بأن يمهلهم، ويؤخر إهلاكهم، لانه حكم بأهلاكهم وأخبر بأنه سيغرقهم، فلا يكون الامر بخلاف ما أخبر به. ويجوز الامر بما علم أنه لايكون، ولايجوز أن يدعو بما يعلم أنه لايكون، لان في ذلك إيهاما بأنه لايرضى باختياره، وليس كذلك الامر، لانه يتناول من يجوز عليه هذا المعنى. وكسر (إنهم)

على الابتداء.

قوله تعالى:

ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملا من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون (38) فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم (39) آيتان أخبر الله تعالى في هذه الاية عن نوح أنه أخذ في عمل السفينة، قال الحسن:

كان طولها ألف ذراع ومئتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع. وقال قتادة: كان طولها ثلثمائة ذراع، وعرضها خمسين ذراعا، وارتفاعها ثلاثين ذراعا، وبابها في عرضها وقال ابن عباس: كانت ثلاث طبقات طبقة للناس، وطبقة للطير وطبقة للدواب والوحش.

وقوله " وكلما مر عليه ملا من قومه سخروا منه " اخبار من الله عن أشراف قومه ورؤسائهم أنهم كلما اجتازوا به وهو يعمل السفينة هزئوا من فعله. وقيل:

إنهم كانوا يقولون: يا نوح صرت نجارا بعد النبوة على طريق الاستهزاء. وقال الرماني: السخرية إظهار خلاف الباطن على جهة يفهم منها استضعاف العقل ومنه التسخير: التذليل استضعافا بالقهر. والفرق بين السخرية واللعب أن في السخرية خديعة واستنقاصا، ولايكون إلا الحيوان، وقد يكون اللعب بجماد لانه طلب الفرجة من غير مراعاة لما يعقب، كفعل الصبي. وانما كانوا يسخرون من

 

===============

(484)

عمل السفينة، لانه كان يعملها في البر على صفة من الهول، ولا ماء هناك يحمل مثلها فكانوا يتضاحكون ويتعجبون من عمله. وقوله " إنا نسخر منكم كما تسخرون " جواب من نوح لهم بأنا نسخر منكم يعني نذمكم على سخريتكم، وسماه سخرية، كما قال " وجزاء سيئة سيئة مثلها " (1) وقوله " ومكروا ومكر الله " (2)

وأطلق عليه إسم السخرية على وجه الازدواج. وقال قوم: معناه إن تستجهلونا في هذا الفعل فانا نستجهلكم، كما تستجهلون، ذكره الزجاج. وقوله " فسوف تعلمون " (سوف) ينقل الفعل عن الحال إلى الاستقبال مثل السين سواء إلا أن فيه معنى التسويف وهو تعليق النفس بما يكون من الامور. وقوله " من يأتيه عذاب " قيل في معنى (من) قولان: أحدهما - أن يكون بمعنى (أي) كأنه قال فسوف تعلمون أينا يأتيه عذاب يخزيه.

الثاني - أن يكون بمعنى الذي، والمعنى واحد، و (من) إذا كانت استفهاما استغنت عن الصلة، وإذا كانت الذي فلا بدلها من الصلة، كما استغنت (كم. وكيف) لان البيان مطلوب من المسؤل دون السائل. والخزي العيب الذي تظهر فضيحته والعار به، ومنه الذل والهوان. وقوله " ويحل عليه " معناه ينزل عليه. وقال الرماني: الحلول النزول للمقام وهو من الحل خلاف الارتحال. وحلول العرض وجوده في الجوهر من غير شغل حيز. وقوله " عذاب مقيم " أي دائم لايزول.

قوله تعالى:

حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيهامن كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 42 الشورى آية 40 (2) سورة 3 آل عمران آية 54

(*)

 

===============

(485)

وما آمن معه إلا قليل (40) آية قرأ حفص " من كل زوجين " بتنوين في اللام هنا، وفي المؤمنون. وقال أبوالحسن: يقال للاثنين هما زوجان، قال الله تعالى " ومن كل شئ خلقنا زوجين " (1) يقال للمرأة زوج، وللرجل زوجها، قال الله تعالى " وخلق منها زوجها " (2) وقال " امسك عليك زوجك " (3) وقال بعضهم زوجة، قال الاخطل:

زوجة أشمط مرهوب بوادره * قد صار في رأسه التخويص والنزع (4)

وقال ابوالحسن: يقال للاثنين هما زوج. قال أبوعلي الفارسي: يدل على ان الزوج يقع للواحد، قوله " ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين " إلى قوله " ومن الابل اثنين ومن البقر اثنين " (5) وقال الكسائي أكثر كلام العرب بالهاء. وقال القاسم بن معن أنه سمعها من العرب من اسد شنوءة، وليس في القرآن بالهاء، وهو أفصح من اثباتها عند البصريين. ومن قرأ بالاضافة كان قوله " اثنين " مفعول الحمل. والمعنى احمل من الازواج اذا كانت اثنين اثنين زوجين، فالزوجان من قوله " من كل زوجين " يريد بهما الشياع، ولا يراد به الناقص من الاثنين، ومنه قول الشاعر:

فمالك بالامر الذي لا تستطيع بدارا ومن نون حذف المضاف من (كل) والمعنى من كل شئ أو من كل زوج زوجين اثنين، فيكون اثنين على انه صفة لزوجين، وذكر تأكيدا كما قال " الهين اثنين " (6).

 

ـــــــــــــــــــــ

(1) سورة 51 الذاريات آية 49 (2) سورة 4 النساء آية 1 (3) سورة 33 الاحزاب آية 37 (4) ديوانه 69 واللسان (خوص) الشمط:

البياض من السواد، وإذا بدا في رأسه البياض قيل: خوصه الشيب. والنزع: الصلع (5) سورة 6 الانعام آية 143 - 144 (6) سورة 16 النحل آية 51

(*)

 

===============

(486)

اعلم الله نوحافي هذه الاية ان وقت هلاك قومه الكفار فور التنور، وفي (التنور) اقوال: منها أن الماء اذا فار من التنور الذي يخبز فيه. وقيل: التنور عين ماء معروفة، وتنور الخابزة وافقت فيه لغة العرب العجم. وقيل: ان التنور وجه الارض، ذكره ابن عباس، واختاره الزجاج. وقيل التنور تنور الصبح، وروي ذلك عن علي (عليه السلام). و (حتى) متعلقة بقوله " واصنع الفلك بأعيننا ووحينا.. حتى ".

أخبر الله تعالى أنه لما جاء أمره باهلاك قوم نوح (عليه السلام)لاستحقاقهم ذلك بالكفر، وفار التنور يعني خروج الماء من موضع لم يعهد خروجه منه علامة لنوح (عليه السلام)وهو تنور الخبز - في قول ابن عباس والحسن ومجاهد - وقيل: هو تنور آدم (عليه السلام)ويقال: فار إذا ارتفع ما فيه، كما يفور القدر بالغليان، فار يفور فورا وفؤرا. وقال ابن عباس: فار إذا نبع. وقوله " قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين " إخبار منه تعالى أنه أمر نوحا أن يحمل معه في سفينته من كل جنس زوجين: والزوج واحد له شكل إلا أنه قد كثر على الرجل الذي له امرأة:

قال الحسن: في قوله " من كل شئ خلقنا زوجين " فالسماء زوج، والارض زوج والشتاء زوج، والصيف زوج، والليل زوج، والنهار زوج، حتى يصير الامر إلى الله الفرد الذي لا يشبهه شئ قال الاعشى:

وكل زوج من الديباج يلبسه * أبوقدامة محبوا بذاك معا (1)

وقوله " وأهلك " معناه واحمل معك أهلك " الا من سبق عليه القول " بالاهلاك قال الضحاك وابن جريح: هو ابنه وامرأته. وقوله " ومن آمن " تقديره واحمل من آمن. ثم أخبر تعالى فقال " وما آمن معه الا قليل ". قال ابن جريح: القليل الذين نجو معه كانوا ثمانية. وقال الاعمش: كانوا سبعة، وقال ابن عباس:

كانوا ثمانين، وكان فيهم ثلاثة: بنيه: يافث، وسام، وحام. وثلاث كائن له

ـــــــــــــــــــــــ

(1) ديوانه 86 وتفسير القرطبي 9 / 35

(*)

 

===============

(487)

ويافث جد الترك والروم والصقالبة وأصناف البيضان. وحام جد السودان، وهم الحبش والنوبة والزنج وغيرهم. وسام أبوفارس وأصناف العجم.

قوله تعالى:

وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرسيها إن ربي لغفور رحيم (41) آية قرأ حمزة والكسائي " مجراها " بفتح الميم. الباقون بضمها، وكلهم ضم ميم مرساها. ومن ضمها قابل بينها وبين مرسها لما بينهما من المشاكلة ومن فتح فلانه قال بعده " وهي تجري " ومن اختار الاول، قال التقدير اجري فجرت.

قال أبوعلي الفارسي: يجوز في " بسم الله مجراها ومرساها " أن يكون حالا من شيئين: احدهما - ان يكون من الضمير الذي في (اركبوا) او من الضمير الذي في (فيها)، فان جعلت " بسم الله مجراها " خبر مبتدأ مقدم في قول من لايرفع بالظرف، أو جعلته مرتفعا بالظرف، ولم يكن قوله " بسم الله مجراها " الا جملة في موضع الحال من الضمير الذي في (فيها) ولا يجوز أن يكون الضمير في قوله " اركبوا فيها "، لانه لاذكر فيها يرجع إلى الضمير، ألا ترى أن الظرف في قول من يرفع به ارتفع به الظاهر، وفي قول من رفع مثل هذا بالابتداء قد حصل في الظرف ضمير المبتدأ، فاذا كان كذلك خلت الجملة من ضمير يعود من الحال إلى ذي الحال. واذا كان كذلك لم يكن الا حالا من الضمير الذي في (فيها).

والثاني - يجوز أن يكون قوله " بسم الله " حالا من الضمير الذي في (اركبوا)

على ان لا يكون الظرف خبرا عن الاسم الذي هو (مجراها) على ما كان في الوجه الاول، ويكون المعنى اركبوا الان متبركين ببسم الله في الوقتين اللذين لاينفك الراكبون فيها منهما من الارساء والاجراء، وليس يريد اركبوا في وقت الجري

 

===============

(488)

والرسو، فموضع " مجراها " نصب على هذا الوجه بأنه ظرف عمل فيه على المعنى.

وفي الوجه الاول وفع. بالابتداء وبالظرف. ومن فتح الميم فلانه قال " وهي تجري ". ومن ضم، فلان جرت بهم وأجري بهم متقاربان في المعنى، ويقال:

جرى الشئ وجريت به وأجريته، وإنما ضموا الميم من (مرساها) لقوله " أيان مرساها " (1) وقوله " والجبال أرساها " (2) ومن أمال او ترك الامالة، فكلاهما حسنان.

اخبر الله تعالى عما قال نوح حين دنا ركوبهم السفينة " اركبوا فيها " يعني في السفينة، والركوب العلو على ظهر الشئ، فمنه ركوب الدابة وركوب السفينة وركوب البر وركوب البحر.

والعامل في " بسم الله " يحتمل ثلاثة أشياء: احدها - (اركبوا). والثاني - ابتدؤا ببسم الله. والثالث - أجراها وأرساها. والمجرى يحتمل ثلاثة اوجه:

أحدها - أن يكون موضع الاجراء. والثاني - وقت الاجراء. والثالث - نفس الاجراء. وقيل: كان اذا اراد أن تجري قال " بسم الله " فجرت، فاذا أراد أن ترسوا قال " بسم الله " فرست ذكره الضحاك. قال لبيد:

عمرت حين ثلاثا قبل مجرى داحس * لو كان للنفس اللجوج خلود (3)

والارساء إمساك السفينة بما تقف عليه أرساها إرساء ورست ترسو قال عنترة:

فصرت نفسا عند ذلك حرة * ترسوا إذا نفس الجبان تطلع (4)

وقوله " ان ربي لغفور رحيم " إخبار منه تعالى حكاية عما قال نوح لقومه " ان ربي لغفور رحيم " أي ساتر عليهم ذنوبهم رحيم بهم منعم عليهم.

ووجه اتصال الاية بما قبلها أنه لما ذكرت النجاة بالركوب في السفينة

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 7 الاعراف آية 186 وسورة 79 النازعات آية 42 (2) سورة 79 النازعات آية 32 (3) ديوانه: 25 واللسان والتاج (جرى)

(4) ديوانه: 29 والدر المنثور 3 / 338

(*)

 

===============

(489)

ذكرت النعمة بالمغفرة والرحمة ليجتلب الطاعة كما اجتلب النجاة.

قوله تعالى:

وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين (42) آية أخبر الله تعالى عن حال السفينة بعد الغرق أنها كانت تجري على الماء في أمواج كالجبال. والجري مر سريع كمر الماء على وجه الارض. والسفينة تجري بالماء والفرس يجري في عدوه، ويقال: هذه العلة تجري في أحكامها، أي تمر فيها من غير مانع منها. والموج جمع موجة، وهي قطعة عظيمة ترتفع عن جملة الماء الكثير، ومنه أمواج البحر وأعظم ما يكون إذا اشتدت به الريح، وشبه الله تعالى الامواج بالجبال في عظمها، والجبل جسم عظيم الغلظ شاخص من الارض هو لها كالوتد في عظمه، وجمعه اجبال وجبال. وقوله " ونادى نوح ابنه وكان في معزل " فالمعزل موضع منقطع عن غيره. وكان ابن نوح في ناحية منقطعة عنه حين ناداه وقرأ عاصم " يا بني اركب " بفتح الياء. الباقون بكسرها. وفي قوله " يا بني " ثلاث ياءات، ياء التصغير، وياء الاصل، وياء الاضافة. وفي قوله " يا بني ان الله اصطفى لكم الدين " (1) يا آن، ياء الجمع، وياء الاضافة. قال أبوعلي الفارسي:

الوجه كسر الياء، لان اللام من (ابن) ياء أو واو، وحذفت من (ابن) كما حذفت من (إسم) فاذا حقرت ألحقت ياء التحقير، لزم أن ترد اللام الذي حذفت لانك لو لم تردها لوجب أن تحرك ياء التصغير بحركات الاعراب، وهي لاتحرك أبدا بحركات الاعراب ولاغيرها، فاذا أضفته إلى نفسك أجتمعت ثلاث ياء آت:، الاولى التي للتحقير، والثانية لام الفعل، والثالثة هي التي للاضافة تقول: بني،

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 2 البقرة آية 132

(*)

 

===============

(490)

فاذا ناديت جاز فيه وجهان: إثبات الياء وحذفها، فمن قال ياعبادي فأثبت الياء فقياسه أن يقول يا بني، ومن قال يا عباد يقول يا بني حذفت التي للاضافة، وابقيت الكسرة دلالة عليها. وهذا هو الجيد عندهم. ومن فتح الياء أراد الاضافة كما أرادها في قوله يا بني اذا كسر الياء التي هي آخر الفعل، كأنه قال يا بني ثم أبدل من الكسرة الفتحة، ومن الياء الالف. فصار (يا بنيا) كما قال:

يابنت عما لا تلومي واهجعي ثم حذفت الالف كما كانت تحذف الياء: في يا بني إنها؟، وقد حذفت الياء التي للاضافة إذا أبدلت الالف منها قال أبوالحسن:

فلست بمدرك ما فات مني * بلهف ولا بليت ولا لو أني ()

كذلك سمع من العرب، فقوله: بلهف إنما هو بلهفا، فحذفت الالف. قال أبوعثمان: ووضع الالف مكان الياء في الاضافة مطرد وأجاز يازيد اقبل إذا أردت الاضافة.

قوله تعالى:

قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لاعاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين (43) آية حكى الله تعالى في هذه الاية ما أجاب ابن نوح أباه (عليه السلام)فانه " قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء " أي سأرجع إلى مأوى من جبل يعصمني من الماء أي يمنعني منه، يقال آوى يأوي إذا رجع إلى منزل يقيم فيه و (العصمة) المنع من الافة والمعصوم في الدين الممنوع باللطف من فعل القبيح لاعلى وجه الحيلولة.

 

ـــــــــــــــــــــ

(1) اللسان (لهف)

(*)

 

===============

(491)

فان قيل كيف دعا نوح ابنه إلى الوكوب معه في السفينة مع أن الله تعالى نهاه أن يركب فيها كافرا. قلنا: فيه جوابان: أحدهما - أنه دعاه إلى الركوب بشرط أن يؤمن. الثاني - قال الحسن والجبائي: انه كان ينافق باظهار الايمان.

فان قيل: هلا كان ما صار اليه ابن نوح من تلك الحال الهائلة إلجاء؟.

قلنا: لا. لان الالجاء لايكون إلا بأحد شيئين: احدهما - بأن يخلق فيه العلم بأنه متى رام خلافه منع منه. الثاني - تتوفر الدواعي من ترغيب او ترهيب، ولم يحصل له واحد من الامرين، لانه جوز أن يكون من عجائب الزمان، وأنه وقع إلى نوح علم به، فتقدم فيه. وقوله " لاعاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم " حكاية لما قال نوح لولده حين " قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء " بأنه لامانع اليوم من أمر الله. واستثنى من رحم، وقيل فيه ثلاثة اقوال:

أحدها - أنه استثناء منقطع، كأنه قال من رحم فانه معصوم. الثاني - لاعاصم إلا من رحمنا برحمة الله سبحانه لنا كأنه قال: لاعاصم إلا من عصمه الله فنجا، وهو نوح (عليه السلام)، وهو اختيار أبي علي النحوي. وقال: لانه يحتمل أن يكون (عاصم)

بمعنى معصوم مثل دافق بمعنى مدفوق، فيكون الاستثناء متصلا. وقال ابن كيسان: لما قال (لا عاصم) كان معناه لامعصوم، لان في نفي العاصم نفي المعصوم ثم قال " إلا من رحم " فاستثناه على المعنى ويكون متصلا. وقوله " وحال بينهما الموج " إخبار منه تعالى انه حال بين نوح وولده الموج، " فكان من المغرقين ".

قوله تعالى:

وقيل يا أرض ابلعي ماءك وياسماء أقلعي وغيض الماء وقضي الامر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين (44) آية

 

===============

(492)

حكى الله تعالى في هذه الاية قصة نوح وقومه بأوجز لفظ وأبلغه، وبلوغ الغاية التي لاتدانيها بلاغة ولاتقاربها فصاحة، لان قوله " وقيل يا أرض ابلعي ماءك " اخبار منه عن إذهاب الماء عن وجه الارض في أوجز مدة فجرى ذلك مجرى ان قال لها ابلعي فبلعت. والبلع في اللغة انتزاع الشئ من الحلق إلى الجوف، فكانت الارض تبلع الماء هكذا حتى صار في بطنها الغراء، يقال: بلعت وبلعت بفتح اللام وكسرها. وقوله " ويا سماء اقلعي " اخبار أيضا عن اقشاع السحاب، وقطع المطر في أسرع وقت، فكأنه قال لها اقلعي فأقلعت. والاقلاع إذهاب الشئ من اصله حتى لايبقى منه شئ. وأقلع عن الامر إذا تركه رأسا. وقوله " وغيض الماء " أي أذهب به عن وجه الارض إلى باطنها، يقال: غاض الماء يغيض غيضا إذا ذهب في الارض. وقوله " وقضي الامر " معناه أوقع الهلاك بقوم نوح على تمام والقضاء وقوع الامر على تمام وإحكام. وقوله " واستوت على الجودي " جبل معروف. قال الزجاج بناحية أمد، وقال غيره: بقرب جزيرة الموصل، قال زيد بن عمربن نفيل:

وقبلنا سبح الجودي والجمد.

وقيل: أرست على الجودي شهرا، وقال قتادة: اهبطوا يوم عاشوراء.

وقوله " وقيل بعدا للقوم الظالمين " معناه أبعدهم الله من الخير بعدا، على وجه الدعاء. ويجوز أن يكون الله تعالى قال لهم ذلك. ويجوز أن يكون المؤمنون دعوا عليهم بذلك، وهو منصوب على المصدر.

وقيل في هذه الاية وجوه كثيرة من عجيب البلاغة: منها انه خرج مخرج الامر على وجه التعظيم من نحو " كن فيكون " (1) لانه من غير معاناة، ولا

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 2 البقرة آية 118 وسورة 3 آل عمران آية 47، 59 وسورة 6 الانعام آية 73 وسورة 16 النحل آية 40 وسورة 19 مريم آية 35 وسورة 36 يس آية 82 وسورة 40 المؤمن آية 68.

(*)

 

===============

(493)

لغوب. ومنها حسن تقابل المعنى. ومنها حسن ائتلاف الالفاظ. ومن ذلك حسن البيان في تصوير الحال. ومنها الايجاز من غير إخلال. ومنها تقبل الفهم على أتم الكمال إلى غير ذلك مما عليه هذا الكلام في الحسن العجيب واللطف البديع.

قوله تعالى:

ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين (45) آية حكى الله تعالى عن نوح أنه حين رأى قومه قد أهلكهم الله تعالى " فقال يا رب ان ابني من أهلي وإن وعدك الحق " لانه تعالى كان وعده بأنه ينجيه وأهله، وأمره بأن يحملهم معه في الفلك في قوله " وقلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك " فسأل نوح ربه أن ابنه إن كان ممن وعده بنجاته أن ينجيه، فسأله بهذا الشرط لانه لايجوز أن يسأل نبي من أنبياء الله أمرا لايجاب اليه، وخاصة على رؤس الملا لان ذلك ينفر عنهم. وانما يجوز أن يسأل بما يظهر له بشرط مقترن بالكلام وحال يدل عليه، فيعرف أنه لم يحصل الشرط. والرب والمالك واحد.

وقيل: ان الرب المالك للشئ من كل وجه يصح أن يملك به، وهو أتم الملك، ولاتصح الصفه به على الاطلاق الا الله تعالى. والانسان قد يكون مالكا بالاطلاق.

وقوله " وانت احكم الحاكمين " يعني في قولك وفعلك، لانه حق تدعو اليه الحكمة، فقال نوح ذلك على وجه الاعتراف تعظيما لله تعالى.

قوله تعالى:

قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسئلن ماليس لك به علم إني أعظك أن تكون من

 

===============

(494)

الجاهلين (46) آية قرأ الكسائي ويعقوب " انه عمل غير صالح " على الفعل، ونصب (غير)

الكسائي. الباقون " عمل " اسم مرفوع منون (غير) رفع. وقرأ ابن كثير (تسألن) بالتشديد، وفتح النون، وافقه نافع في التشديد الا انه كسر النون.

الباقون بالتخفيف وكسر النون الا أن أبا عمرو يثبت الياء في الاصل. قال أبو علي النحوي (سألت) فعل يتعدى إلى مفعولين وليس ممايدخل على المبتدأ وخبره، ويمتنع ان يتعدى إلى مفعول واحد. فمن قرأ بفتح اللام، ولم يكسر النون عداه إلى مفعول واحد في اللفظ. والمعنى على التعدي إلى ثان ومن كسر النون دل على انه عداه إلى مفعولين، احدهما: اسم المتكلم. والاخر - الاسم الموصول، وحذف النون المتصلة بياء المتكلم، كما حذفت من قولهم (اني)

كراهة اجتماع النونات. ومن اثبت الياء فهو الاصل، ومن حذفها اجتزأ بالكسرة الدالة عليها.

في هذه الاية حكاية عما أجاب الله به نوحا حين سأله نجاة ابنه بأن قال له " يا نوح انه ليس من أهلك.. " وقيل في معناه ثلاثة أقوال:

أحدها - قال ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك واكثر المفسرين: انه ليس من أهلك الذين وعدتك بنجاتهم معك، وانه كان ابنه لصلبه، بدلالة قوله " ونادى نوح ابنه " فأضافه اليه اضافة مطلقة. والثاني - انه اراد بذلك أنه ليس من أهل دينك، كما قال النبي (صلى الله عليه وآله) (سلمان) منا أهل البيت) وإنما اراد على ديننا.

 وثالثها - قال الحسن ومجاهد: انه كان لغيره، وولد على فراشه، فسأل نوح على الظاهر فأعلمه الله باطن الامر، فنفاه منه على ما علمه، فيكون على هذا هو نفسه عمل غير صالح، كما يقولون: الشعر زهير. وهذا الوجه ضعيف، لان في ذلك طعنا على نبي وإضافة ما لايليق به اليه. والمعتمد الاول. وقال ابن عباس:

 

===============

(495)

مازنت امرأد نبي قط، وكانت الخيانة من امرأة نوح انها كانت تنسبه إلى الجنون والخيانة من امرأة لوط انها كانت تدل على أضيافه. وروي عن علي (عليه السلام)أنه قرأ ونادى نوح ابنها فنسبه إلى المرأة، وأنه كان يربيه. وروي عن محمد بن علي بن الحسين (عليهم السلام)وعروة بن الزبير أنهما قرءا " ونادى نوح ابنه " بفتح الهاء وترك الالف كراهة ما يخالف المصحف، وأرادا أن ينسباه إلى المرأة، وأنه لم يكن ابنه لصلبه. وقال الحسن: كان منافقا يظهر الايمان ويستر الكفر.

وقوله " انه عمل غير صالح " فمن قرأ على الفعل، فمعناه انه ليس من اهلك لانه عمل غير صالح، وتقديره انه عمل عملا غير صالح، وحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه، وذلك يستعمل كثيرا، وهذه القراءة تقوي قول من قال: إن ابنه لم يكن على دينه، لان الله تعالى علل كونه ليس من أهله بأنه عمل عملا غير صالح.

وأما من قرأ على الرفع والتنوين على الاسم فتقديره إنه ذو عمل غير صالح فجاء على المبالغة في الصفة كما قالت الخنساء:

ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت * فانما هي إقبال وإدبار (1)

قال الزجاج: تقديره فانما هي ذات إقبال وادبار، تصف الناقة في حنينها إلى ولدها. وقيل: ان المعنى ان سؤالك اياي هذا عمل غير صالح، ذكره ابن عباس ومجاهد وابراهيم. وهذا وضعيف، لان فيه اضافة القبيح إلى الانبياء (عليهم السلام)وذلك لايجوز عندنا على حال. فالاول هو الجيد. ويحتمل ان يكون المراد ان كونه مع الكافرين وانحيازه اليهم وتركه الركوب مع نوح عمل غير صالح.

وقوله " فلا تسألني ما ليس لك به علم " معناه لاتسألني ما لاتعلم أنه جائز في حكمي لان هذا من سؤال الجاهلين، نهاه عن ذلك، ولا يدل على أن ما نهاه عنه قد وقع كما أن قوله " لئن أشركت ليحبطن علمك " (2) لايدل على وقوع

ـــــــــــــــــــــــ

(1) مر تخريجه في 2 / 95 وهو في تفسير القرطبي 9 / 49 (2) سورة 39 الزمر آية 65

(*)

 

===============

(496)

الشرك. وقوله " اني اعظك أن تكون من الجاهلين " فالوعظ الزجر عن القبيح بما يدعوا إلى الجهل على وجه الترغيب والترهيب. والصحيح أن الجهل قبيح على كل حال. وقال الرماني: انما يكون قبيحا اذا وقع عن تعمد، فاما اذا وقع غلطا او سهوا لم يكن قبيحا ولا حسنا. وهذا ليس بصحيح، لان استحقاق الذم عليه يشرط بالعمد فاما قبحه فلا كما نقوله في الظلم سواء.

قوله تعالى:

قال رب إني أعوذ بك أن أسئلك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين (47) آية في هذه الاية اخبار عما قاله نوح (عليه السلام)حين عرفه الله حال ولده وأنه لايستحق الغفران ووعظه بان يكون من الجاهلين، فانه قال " اني أعوذ بك أن أسالك ما ليس لي به علم " فالعياذة طلب النجاة بما يمنع من الشر، يقال: عاذ يعوذ عوذا وعياذا فهو عائد بالله. والعياذ الاعتصام بما يمنع من الشر. والمعنى اني أعتصم بك أن اسالك مالا أعلمه، وانما اعتصم من ذلك، لان ما يعلمه الانسان يجوز أن يكون حسنا ويجوز كونه قبيحا. ولايحسن أن يسأل ما يجوز كونه قبيحا وان شرط حسن السؤال. وينبغي أن يشرط ان كان ما سأله حسنا فيحسن السؤال حينئذ. وقال الرماني: لايحسن أن تسال فتقول: اللهم احيي اقاربي في دار الدنيا على ما يصح ويجوز. لانه قد دل الدليل على أن ذلك لا يحسن في الحكمة فلا يجوز أن يسأله بحال. وانما جاز اطلاق " ما ليس لي به علم " مع أنه قد علمه سؤالا. لان هذا العلم لايعتد به لان المراد علم ماله أن يسأله اياه.

وانما حذفت (يا) من قوله " رب اني أعوذ بك " وأثبته في قوله " يا نوح " لان ذلك نداء تعظيم. وهذا نداء تنبيه فوجب أن يأتي بحرف التنبيه. وقوله (به)

 

===============

(497)

يحتلم وجهين: احدهما - أن يكون كقوله " وكانوا فيه من الزاهدين " (1)

و " اني لك من الناصحين " (2) و " انا على ذلكم من الشاهدين " (3) قال ابوالحسن: انما يجوز في حروف الجر ذلك، لان التقدير فيه التعلق بمضمر يفسره هذا الذي يظهر بعد، وان كان لايجوز تسليطه عليه. ومثله " يوم يرون الملائكة لابشرى يومئذ للمجرمين " (4) فانتصب " يوم يرون " بما دل عليه " لابشرى يومئذ " ولايجوز فيما بعد (لا) هذه أن يتسلط على (يوم) وكذلك " ما ليس لك به علم " يتعلق بما دل عليه (علم) المذكور وإن لم يجز أن يعمل فيه. والثاني - أن يكون متعلقا بالمستقر، وهو العامل فيه كتعلق الظروف بالمعاني كما تقول: ليس لك فيه رضاء، فيكون (به) في الاية بمنزلة (فيه).

قوله تعالى:

قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم (48) آية في هذه الاية حكاية ما أمر الله تعالى به نوحا حين استوت السفينة على الجبل، وأنه قال له " اهبط " أي انزل من الجبل، فالهبوط نزول من أعلى مكان في الارض إلى مادونه ومن السماء. وقوله " بسلام منا " قيل في معناه وجهان:

احدهما - بسلامة منا وتحية منا، قال لبيد:

إلى الحول ثم اسم السلام عليكما * ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر (5)

قيل: انه بمعنى السلام عليكما. وقيل: معناه بتسليم منا عليك وقوله

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 12 يوسف آية 20 (2) سورة 28 القصص آية 20 (3) سورة 21 الانبياء آية 56 (4) سورة 25 الفرقان آية 22 (5) ديوانه 2 / 1 واللسان " عذر "

(*)

 

===============

(498)

" وبركات عليك " معناه ونعم دائمة وخير ثابت حالا بعد حال، وأصله الثبوت، فمنه البروك، والبركة لثبوت النماء فيها قال الشاعر:

ولا ينجي من الغمرات إلا * براكاء القتال أو الفرار (1)

أي الثبوت للقتال. ومعنى تبارك الله ثبت تعظيم مالم يزل ولايزال.

وقوله " وعلي أمم ممن معك " فالامة الجماعة الكثيرة على ملة واحدة متفقة، لانه من (أمه يؤمه أما) إذا قصده، أو الاتفاق في المنطق على نحو منطق الطير والمأكل والمشرب والمنكح، حتى قيل: إن الكلاب أمة. وقيل في معناه - هنا - قولان: أحدهما - أنه أراد الامم الذين كانوا معه في السفينة، فأخرج الله أمما من نسلهم وجعل فيهم البركة. وقال قوم: يعني بذلك الامم من سائر الحيوان الذين كانوا معه، لان الله تعالى جعل فيها البركة، وتفضل عليها بالسلامة حتى كان منها نسل العالم. وقوله " وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم " معناه إنه يكون من نسلهم أمم سيمتعهم الله في الدنيا بضروب من النعم، فيكفرون نعمه ويجحدون ربوبيته، فيهلكهم الله. ثم يمسهم بعد ذلك عذاب مؤلم موجع. وانما رفع (أمم) لانه استأنف الاخبار عنهم.

قوله تعالى:

تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين (49) آية الاشارة بقوله " تلك " إلى ما تقدم ذكره من اخبار نوح وقومه وما احل الله بهم من الاهلاك، والتقدير تلك الانباء من أنباء الغيب، ولو قال ذلك كان جائزا، لان المصادر يكنى عنها بالتأنيث تارة وبالتذكير أخرى يقولون: قدم فلان

ـــــــــــــــــــــــ

(1) قائله بشر بن ابي خازم اللسان (برك)

(*)

 

===============

(499)

ففرحت بها وفرحت به أي بقدومه أو بقدمته. والغيب ما غاب عن النفس معرفته بطريق الستر له بخلاف السهو لانه ذهاب المعنى عن النفس بحال ينافي الذكر.

وقوله " نوحيها اليك " أي نوحي اليك تلك الاخبار. وقوله " ما كنت تعلمها أنت ولاقومك " معناه إن هذه الاخبار التي أعملناك اياها لم تكن تعلمها قبل وحبنا اليك ولا قومك من العرب يعرفونها قبل إيحائنا اليك. وقوله " فاصبر ان العاقبة للمتقين " أمر للنبي (صلى الله عليه وآله) بأن يصبر على أذى قومه وجهلهم بموضعه كما صبر نوح مثل ذلك على قومه، وهو أحد الوجوه التي لاجلها كرر الله تعالى قصص الانبياء: في الاعراف، وهود، والشعراء، ليصبر النبي (صلى الله عليه وآله) على أذى قومه حالا بعد حال. وقوله " إن العاقبة للمتقين " اخبار منه تعالى بأن العاقبة المحمودة لمن اتقى معاصي الله وتحرز من عقابه.

تم المجلد الخامس - ويليه المجلد السادس وأوله قوله تعالى: وإلى عاد اخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله.. آية (50) من سورة هود