(46)

ولو كانت حية لاحتاجت إلى أرواح أخر وأدى إلى مالا يتناهى فضعف الخبر من هذاالوجه. وفي الناس من قال: إن تأويل الآية اخبار عن صفة حال الشهداء في الجنة من حيث فسد القول بالرجعة، وهذا ليس بشئ لانه خلاف الظاهر، ولان أحدا من المؤ منين لايحسب أن الشهداء في الجنة أموات، وأيضا، فقد وصفهم الله بأنهم أحياء فرحون في الحال، لان نصب فرحين هو على الحال.

وقوله: (لم يلحقوا بهم من خلفهم) يؤكد ذلك، لانهم في الآخرة قد لحقوا بهم، ومعنى الآية النهي عن أن يظن أحد أن المقتولين في سبيل الله أموات.

والخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله)، والمراد به جميع المكلفين، كما قال: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء) وأنه ينبغي أن يعتقد أنهم (أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بماآتاهم الله) وبهذا قال الحسن، وعمروبن عبيد، وواصل بن عطاء واختاره الجبائي، والرماني، وأكثر المفسرين. وقال بعضهم وذكره الزجاج: المعنى ولاتحسبنهم أمواتا في دينهم بل هو أحياء في دينهم، كما قال: (أو من كان ميتا فاحييناه)

الآية (1) وقال البلخي معناه: لاتحسبنهم كما يقول الكفار أنهم لايبعثون بل يبعثون، وهم (أحياء عند ربهم يرزقون فرحين). وقال قوم: إن أرواحهم تسرح في الجنة وتلتذ بنعيمها، فهم (أحياء عند ربهم) وقوله: (عند ربهم) قيل في معناه قولان: أحدهما - أنهم بحيث لايملك لهم أحدنفعا ولاضرا إلا ربهم وليس المراد بذلك قرب المسافة لان ذلك من صفة الاجسام وذلك مستحيل عليه تعالى.

والوجه الآخر عند ربهم أحياء من حيث يعلمهم كذلك دون الناس - ذكره أبوعلي -.

الاعراب:

وقوله: (بل أحياء) رفع على أنه خبر الابتداء، وتقديره بل هم أحياء، ولايجوز فيه النصب بحال، لانه كان يصير المعنى بل احسبنهم أحياء، والمراد بل

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الانعام: آية 122.

 

===============

(47)

اعلمهم احياء.

المعنى والحجة:

فان قيل لم لايجوز أن يكون المعنى بل أحياء على معنى أنهم بمنزلة الاحياء كما يقال لمن خلف خلفا صالحا أو ثناء جميلا: مامات فلان بل هو حي؟ قلنا:

لايجوز ذلك لانه انما جاز هذا بقرينة دلت عليه من حصول العلم بأنه ميت فانصرف الكلام إلى أنه بمنزلة الحي، وليس كذلك الآية لان إحياء الله لهم في البرزخ جائز مقدور والحكمة تجيزه.

فان قيل أليس في الناس من أنكر الحديث من حيث أن الروح عرض لايجوز أن يتنعم؟ قيل: هذا ليس بصحيح، لان الروح جسم رقيق هوائي مأخوذ من الريح. والدليل على ذلك أن الروح تخرج من البدن وترد إليه وهي الحساسة الفعالة دون البدن، وليست من الحياة في شئ، لان ضد الحياة الموت وليس كذلك الروح - هذا قول الرماني سؤاله وجوابه -. وفي الآية دليل على أن الرجعة إلى دار الدنيا جائزة لاقوام مخصوصين، لانه تعالى أخبر أن قوما ممن قتلوا في سبيل الله ردهم الله أحياء كما كانوا، فأما الرجعة التي يذهب إليها أهل التناسخ، ففاسدة، والقول بها باطل لما بيناه في غير موضع، وذكرنا جملة منه في شرح جمل العلم فمن أراده وقف عليه من هناك ان شاءالله. وقال أكثر المفسرين الآية مختصة بقتلى أحد. وقال أبوجعفر (ع)، وكثير من المفسرين: انها تتناول قتلى بدر وأحد معا.

قوله تعالى:

(فرحين بماآتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولاهم يحزنون)

(170) - آية -.

 

===============

(48)

الاعراب:

قوله: (فرحين) نصب على الحال من (يرزقون) وهو أولى من رفعه على بل أحياء لان النصب ينبئ عن اجتماع الرزق والفرح في حال واحدة، ولو رفع على الاستئناف لكان جائزا. وقال الفراء: يجوز نصبه على القطع عن الاول.

المعنى، واللغة:

وقوله: (بما آتاهم الله من فضله) معناه بما أعطاهم الله من ضروب نعمه، ومعنى يستبشرون أي يسرون بالبشارة وأصل الاستفعال طلب الفعل فالمستبشر بمنزلة من طلب السرور في البشارة، فوجده.

وأصل البشارة من البشرة وذلك لظهور السرور بها في بشرة الوجه. ومنه البشر لظهور بشرته. ومعنى قوله:

(ويستبشرون بالذين لم يلحقوابهم) أي هم بمنزلة من قد بشرفي صاحبه بما يسر به. ولاهل التأويل فيه قولان:

أحدهما - قال ابن جريج، وقتادة: يقولون: اخواننا يقتلون كما قتلنا فيصيبون من كرامة الله ما أصبنا.

والآخر - أنه يؤتى الشهيد بكتاب فيه ذكر من يقدم عليه من اخوانه يبشر ذلك فيستبشر كما يستبشر أهل الغائب بقدومه في الدنيا - ذكره السدي - وقال الزجاج: معناه أنهم لم يلحقوا بهم في الفعل إلا أن لهم فضلا عظيما بتصديقهم وإيمانهم.

ولحقت ذلك والحقت غيري، مثل علمت وأعلمت، وقيل لحقت وألحقت لغتان بمعنى واحد مثل بان وأبان، وعلى ذلك: إن عذابك بالكفار ملحق أي لاحق على هذا أكثر نقاد الحديث. وروى بعض الثقات ملحق بنصب الحاء ذكره البلخي.

وقوله: (ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون) قيل في موضع أن قولان:

أحدهما - انه خفض بالباء وتقديره بان لاخوف، هذا قول الخليل،

 

===============

(49)

والكسائي والزجاج.

الثاني ان يكون موضعه نصبا على أنه لما حذف حرف الجر نصب بالفعل كما قال الشاعر:

أمرتك الخير (1)

أي بالخير في قول غيرهم.

قوله تعالى: (يستبشرون بنعمة من الله وفضل وإن الله لايضيع أجر المؤمنين) (171) - آية -.

القراءة:

قرأ الكسائي (وإن الله) - بكسرالالف - الباقون بفتحها على معنى وبأن الله، ورجح هذه القراءة أبوعلي الفارسي. والكسر على الاستئناف. وفي قراءة عبدالله (والله لايضيع أجر المؤمنين). وهو يقوي قراءة من قرأ بالكسر.

قوله: (يستبشرون).

المعنى:

يعني هؤلاء الذين قتلوا في سبيل الله الذين وصفهم بانهم يرزقون فرحين بما أتاهم الله من فضله، وانهم يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم، فوصفهم ههنا بانهم يستبشرون بنعمة من الله وفضل. وفضل الله وان كان هو النعمة قيل في تكراره ههنا قولان:

أحدهما - لانها ليست نعمة مضيقة على قدر الكفاية من غير مضاعفة السرور واللذة.

 

ــــــــــــــــــ

(1) انظر 2: 348 فقد مر البيت هناك كاملا.

 

===============

(50)

والآخر - للتأكيد لتمكين المعنى في النفس، والمبالغة. والنعمة هي المنفعة التي يستحق بها الشكر إذا كانت خالية من وجوه القبح، لان المنفعة على ضربين:

أحدهما - منفعة اغترار، وحيلة، و ـ الثاني ـ - منفعة خالصة من شائب الاساءة. والنعمة: تعظيم بفعل غير المنعم، كنعمة الرسول على من دعاه إلى الاسلام فاستجاب له، لان دعاءه له نفع من وجهين:

أحدهما - حسن النية في دعائه إلى الحق ليستجيب له.

والآخر - قصده الدعاء إلى حق من يعلم انه يستجيب له المدعو وانما يستدل بفعل غير المنعم على موضع النعمة في الجلالة وعظم المنزلة.

وقوله: (وإن الله لايضيع أجر المؤمنين) وان كانواهم علموا ذلك فانما ذكر الله انهم يستبشرون بذلك، لان ما يعلمونه في دار التكليف يعلمونه بدليل.

وما يعلمونه بعد الموت يعلمونه ضرورة. وبينهما فرق واضح، لان مع العلم الضروري يتضاعف سرورهم، ويشتدا غتباطهم.

قوله تعالى:

(الذين استجابوا الله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم) (172) - آية واحدة -.

سبب النزول والقصة:

ذكر ابن عباس والسدي، وابن اسحاق، وابن جريج، وقتادة: ان سبب نزول هذه الآية ان أباسفيان: صخر بن حرب، وأصحابه لما انصرفوا عن أحد، ندموا. وقال بعضهم لبعض: لامحمدا قتلتم ولا الكواعب اردفتم فارجعوافا غيروا على المدينة، واسبوا ذراريهم. وقيل: إن بعضهم قال لبعض: إنكم قتلتم عدوكم حتى إذالم يبق إلا الشريد تركتموهم. ارجعوا فاستأصلوهم. فرجعوا إلى حمراء الاسد وسمع بهم النبي (صلى الله عليه وآله) فدعا أصحابه إلى الخروج، وقال: لايخرج معنا

 

===============

(51)

إلا من حضرنا أمس للقتال، ومن تأخر عنا، فلا يخرج معنا. وروي أنه (صلى الله عليه وآله) أذن لجابر وحده في الخروج -. وكان خلفه أبوه على بناته يقوم بهن - فاعتل بعضهم بأن قال: بناجراح، وآلام فانزل الله تعالى (إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله) وقيل نزلت فيهم أيضا (ولاتهنوا في ابتغاء القوم ان تكونوا تألمون فانهم يألمون كما تألمون وترجون من الله مالا يرجون) (1) ثم استجابوا على مابهم إلى اتباعهم وألقي الله الرعب في قلوب المشركين، فانهزموا من غير حرب.

وخرج المسلمون إلى حمراء الاسد. وهي على ثمانية أميال من المدينة.

الاعراب، واللغة:

وموضع (الذين) يحتمل ثلاثة أوجه من الاعراب: الجر - على أن يكون لغتا للمؤمنين - والرفع - على الابتداء - وخبر الذين الجملة - والنصب - على المدح - وقوله: (من بعد ما أصابهم القرح) معناه من بعد ما نالهم الجراح وأصله الخلوص من الكدر. ومنه ماء قراح أي خالص. والقراح من الارض: ماخلص طينه من السبخ، وغيره. والقريحة خالص الطبيعة. واقترحت عليه كذا أي اشتهيته عليه لخلوصه على ماتتوق نفسه إليه، كأنه قال: استخلصته. وفرس قارح أي طلع نابه لخلوصه ببلوغ تلك الحال عن نقص الصغار، وكذلك ناقة قارح أي حامل. فالقرح الجراح، لخلوص المه إلى النفس.

وأجاب، واستجاب بمعنى واحد. وقال قوم: استجاب: طلب الاجابة.

واجاب: فعل الاجابة. وقوله: (للذين احسنوا) فالاحسان هو النفع الحسن.

والافضال النفع الزائد على أقل المقدار. وقوله: (واتقوا) معناه اتقوا معاصي الله (أجر عظيم) معناه ههنا الذين فعلوا الحسن الجميل من طاعة النبي (صلى الله عليه وآله)، والانتهاء إلى قوله. وقوله (منهم) معناه تبيين الصفة لاالتبعيض.

 

ــــــــــــــــــ

(1) سورة النساء: آية 103.

 

===============

(52)

قوله تعالى:

(الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ايمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل) (173) - آية بلاخلاف - المعنى:

وقيل في المعني بقوله: (الناس) الاول ثلاثة أقوال:

أولها - قال ابن عباس، وابن اسحاق: انهم ركب دسهم أبوسفيان إلى المسلمين ليجبنوهم عند منصرفهم من أحد لما أرادوا الرجوع إليهم وقال السدي:

هو اعرابي ضمن له جعل على ذلك. وقال الواقدي هو نعيم بن مسعود الاشجعي وهو قول أبي جعفر وأبي عبدالله (ع). وقوله: (إن الناس قد جمعوا لكم)

المعني به أبوسفيان و أصحابه - في قول أكثر المفسرين - وقال مجاهد: انماكان ذلك في بدر الصغرى وهي سنة أربع وكانت أحد في سنة ثلاث من الهجرة. وإنما عبر بلفظ الجميع عن الواحد في قوله: (قال لهم الناس) لامرين:

أحدهما - ان تقديره جاء القول من قبل الناس، فوضع كلام موضع كلام - ذكره الرماني -.

والثاني - إن الواحد يقوم مقام الناس، لان (الانسان) إذا انتظر قوما فجاء واحد منهم، قديقال: جاء الناس إما لتفخيم الشأن، وأما لابتداء الاتيان.

وقوله: (فاخشوهم) حكاية عن قول نعيم بن مسعود للمسلمين. يعني اخشوا أباسفيان، وأصحابه فبين الله تعالى ان ذلك القول زادهم ايمانا وثباتا على دينهم، واقامة على نصرة نبيهم. وقالوا عند ذلك (حسبناالله ونعم الوكيل) ومعناه كافينا الله.

اللغة، والقصة:

وأصله من الحساب، لان الكفاية بحسب الحاجة، وبحساب الحاجة. ومنه

 

===============

(53)

الحسبان وهوالظن. والوكيل: الحفيظ. وقيل: هو الولي. وأصله القيام بالتدبير.

المتولى للشئ قائم بتدبيره، والحافظ له يرجع إلى هذا المعنى. ومعنى الوكيل في صفات الله المتولي للقيام بتدبير خلقه، لانه مالكهم رحيم بهم. والوكيل في صفة غيره: انما يعقد بالتوكيل. وقال قوم من المفسرين: إن هذا التخويف من المشركين كان في السنة المقبلة، لان أباسفيان، لماانصرف يوم أحد، قال موعدكم البدر في العام المقبل. فقال النبي (صلى الله عليه وآله) لمن حضره: قولوا نعم. فلما كان العام المقبل خرج النبي (صلى الله عليه وآله) باصحابه، وكان أبوسفيان كره الخروج، فدس من يخوف النبي (صلى الله عليه وآله) وأصحابه لم يسمعوا منهم، وخرجوا إلى بدر فلما لم يحضر أحد من المشركين، رجعوا، وكانوا صادفوا هناك تجارة اشتروها فربحوا فيها، وكان

 ذلك نعمة من الله. وروى ذلك أبوالجارود عن أبي جعفر (ع).

قوله تعالى:

(فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذوفضل عظيم) (174) - آية بلاخلاف -.

المعنى، واللغة، والاعراب:

الانقلاب، والرجوع، والمصير واحد. وقد فرق بينهما بأن الانقلاب هو المصير إلى ضد ما كان قبل ذلك كانقلاب الطين خزفا. ولم يكن قبل ذلك خزفا والرجوع هوالمصير إلى ماكان قبل ذلك وقوله: (بنعمة من الله وفضل)) قيل في معناه قولان:

أحدهما - ان النعمة العافية. والفضل: التجارة. والسوء: القتل - في قول السدي، ومجاهد - وقال الزجاج: النعمة ههنا الثبوت على الايمان في طاعة الله وفضل الربح في تجارتهم، لانه روي أنهم اقاموا في الموضع ثلاثة أيام فاشتروا أدما وزبيبا ربحوا فيه: وقال قوم: إن أقل ما يفعله الله بالخلق فهو نعمة، وما زادعليه

 

===============

(54)

فهو الموصوف بأنه فضل. والفرق بين النعمة والمنفعة أن النعمة لاتكون نعمة إلا إذا كانت حسنة، لانه يستحق بها الشكر ولايستحق الشكر بالقبيح. والمنفعة قد تكون حسنة وقد تكون قبيحة مثل ان يغصب مالاينتفع به - وإن كان قبيحا - وقوله: (لم يمسسهم سوء) موضعه نصب على الحال. وتقديره: فانقلبوا بنعمة من الله وفضل سالمين. والعامل فيه (فانقلبوا) والمعني بالآية الذين أمرهم الله تعالى بتتبع المشركين إلى حمراء الاسد، فلما بلغوا إليها وكان المشركون أسرعوافي المضي إلى مكة رجع المسلمون من هناك من غير أن يمسهم قتل ولاجراح غانمين سالمين، وقد امتثلوا ما أمرهم الله تعالى به. واتبعوا رضوانه (والله ذو فضل عظيم)

أي ذو إحسان عظيم على عباده ديني ودنيوي.

قوله تعالى:

(إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين) (175) - آية -.

معنى الآية انما ذلك التخويف الذي كان من نعيم بن مسعود من فعل الشيطان، وباغوائه، وتسويله. يخوف أولياءه المؤمنين. قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: يخوف المؤمنين بالكافرين. وقال الزجاج، وأبوعلي الفارسي، وغيرهما من أهل العربية: إن تقديره يخوفكم أولياءه. أي من أوليائه بدلالة قوله: (فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين) أي إن كنتم مصدقين بالله فقد أعلمتكم أني انصركم عليهم، فقد سقط عنكم الخوف. ومثله قوله: (لينذر باسا شديدا من لدنه) (1) ومعناه لينذركم بأسا والتقدير لينذركم ببأس شديد، فلما حذف الجار نصبه. وقيل: إن (يخوف) يتعدى إلى مفعولين، لانك تقول: خفت زيدا وخوفت زيدا عمرا. ويكون في الآية حذف أحد المفعولين، كماقلناه في

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الكهف: آية 2.

 

===============

(55)

قولهم: فلان يعطي الدراهم ويكسو الثياب. وقال بعضهم: هذا لايشبه الآية، لانه انما أجازوا حذف المفعول الثاني في أعطى الدراهم، لانه لايشتبه أن الدراهم هي التي اعطيت. وفي الآية تشتبه الحال في من المخوف ومن المخوف وقال قوم: (يخوف اولياءه) أي انما خاف المنافقون ومن لاحقيقة لايمانه. وقال الحسن، والسدي:

يخوف أولياءه المنافقين، ليقعدوا عن قتال المشركين ويخوف يتعدى إلى مفعولين كما يتعدى، يعطي لان أصله خاف زيد القتال وخوفته القتال. كما تقول عرف زيد أخاك وعرفته أخاك. فان قيل: كيف يكون الاولياء على المفعول الثاني وانما التخويف من الاولياء لغيرهم؟ قيل: ليس التقدير هكذا. وانما هو على (خاف المؤمنون أولياء الشيطان). وهو خوفهم أولياءه. قال الرماني: وغلط من قدر التقدير الاول. وقوله: (فلا تخافوهم) يعني لاتخافوا المشركين. وانما قال:

(ذلك) وهي انما يشاربها إلى ماهو بعيد لانه أراد ذلك القول تقدم من المخوف لهم من قوله: (إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم).

قوله تعالى: (ولايحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله أن لايجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم) (176) - آية بلاخلاف -.

القراءة:

قرأ نافع في جميع القرآن (يحزنك) - بضم الياء - إلا قوله: (لايحزنهم الفزع الاكبر) (1). الباقون بفتح الياء في جميع القرآن. وقرأ أبوجعفر عكس ماقرأ نافع. فانه فتح في جميع القرآن إلا قوله (لايحزنهم) فانه ضم الياء

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الانبياء: آية 103.

 

===============

(56)

وحكى البلخي عن ابن أبي محيص الضم في الجميع.

اللغة:

قال سيبوية: تقول: فتن الرجل، وفتنته. وحزن، وحزنته. وزعم الخليل أنك حيث قلت فتنته، وحزنته، لم ترد أن تقول: جعلته حزينا وجعلته فاتنا.

كما انك حين قلت: أدخلته جعلته داخلا، ولكن أردت أن تقول: جعلت فيه حزنا، وفتنة. فقلت فتنته كما قلت كحلته أي جعلت فيه كحلا. ودهنته جعلت فيه دهنا. فجئت بفعلته - على حده - ولم ترد بفعلته ههنا نفس قولك حزن وفتن ولو أردت ذلك لقلت أحزنته وأفتنته. وفتن من فتنته مثل حزن من حزنته قال:

وقال بعض العرب: أفتنت الرجل وأحزنته إذا جعلته حزينا، وفاتنا، فغيره إلى أفعل - هذاحكاه أبوعلي الفارسي حجة لنافع - وقال قوله: (لايحزنهم) إنما ضم على خلاف أصله لعله اتبع أثرا أو أحب الاخذ بالوجهين:

المعنى:

والمعني بقوله: (الذين يسارعون في الكفر) - على قول مجاهد - وابن اسحاق - المنافقون. وفي قول أبي علي الجبائي: قوم من العرب ارتدوا عن الاسلام.

فان قيل: كيف قال: (يريد الله أن لايجعل لهم حظا في الآخرة) والارادة لاتتعلق بألايكون الشئ وإنما تتعلق بما يصح حدوثه؟ قلنا: عنه جوابان:

أحدهما - قال ابن اسحاق: (يريد الله) أن يحبط أعمالهم بما استحقوه من المعاصي والكبائر.

والثاني - ان الله يريد أن يحكم بحرمان ثوابهم الذى عرضوا له بتكليفهم، وهو الذي يليق بمذهبنا، لان الاحباط عندنا ليس بصحيح فان قيل كيف قال: (يريد الله) وهذا إخبار عن كونه مريدا في حال الاخبار، وإرادة الله تعالى لعقابهم تكون يوم القيامة، وتقديمها على وجه يكون عزما وتوطينا للنفس

 

===============

(57)

لا (1) يجوز عليه تعالى؟ قلنا: عنه جوابان:

أحدهما - قال أبوعلي: معناه أنه سيريد في الآخرة حرمانهم الثواب، لكفرهم الذي ارتكبوه.

والثاني - أن الارادة متعلقة بالحكم بذلك، وذلك حاصل في حال الخطاب.

وقال الحسن: يريد بذلك فيما حكم من عدله. وقوله: (يسارعون في الكفر)

أي يبادرون إليه. والسرعة وإن كانت محمودة في كثير من المواضع، فانها مذمومة في الكفر. والعجلة مذمومة على كل حال إلا في المبادرة إلى الطاعات. وقيل:

إن العجلة هي تقديم الشئ قبل وقته، وهي مذمومة على كل حال، والسرعة فعل لم يتأخر فيه شئ عن وقته، ولا يقدم قبله، ثم بين تعالى أنهم لمسارعتهم إلى الكفر لايضرون الله شيئا، لان الضرر يستحيل عليه تعالى. وانما يضرون أنفسهم بأن يفوتوا نفوسهم الثواب، ويستحقوا العظيم من العقاب، ففي الآية تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله) عما يناله من الغم باسراع قوم إلى الكفر بأن وبال ذلك عائد عليهم، ولايضرون الله شيئا.

قوله تعالى:

(إن الذين اشتروا الكفر بالايمان لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب اليم) (177) - آية -.

المعنى: استأنف الله تعالى بهذه الآية الاخبار بأن من اشترى الكفر بالايمان بمعنى استبدل الكفر بالايمان. وقد بينا فيما مضى أن تسمية ذلك شراء مجاز لكن لما فعلوا الكفر بدلا من الايمان شبه ذلك بشراء السلعه بالثمن وبين أن من فعل ذلك لايضر الله شيئا، لان مضرته عائدة عليه على مابيناه. وانماكرر (لن يضروا

ـــــــــــــــــــــــ

(1) في المطبوعة (ولا).

 

===============

(58)

الله) في هذه الآية، لانه ذكر في الآية الا ولى - على طريقة العلة - لما يجب من التسلية عن المسارعة إلى الضلالة، وذكر في هذه الآية على وجه العلة لاختصاص المضرة للعاصي دون المعصى.

اللغة:

والفرق بين المضرة والاساءة أن الاساءة لاتكون إلا قبيحة، والمضرة قد تكون حسنة إذا كانت لطفا، أو مستحقة أو فيها نفع يوفي عليها أو دفع ضرر أعظم منهاكفعل العقاب، وضرب الصبي للتأديب، وغير ذلك.

الاعراب:

وقوله: (شيئا) نصب على أنه وقع موقع المصدر، وتقديره (لن يضروا الله شيئا) من الضرر. ويحتمل أن يكون نصبابحذف الباء كأنه قال بشئ مما يضربه، كما يقول القائل: ماضررت زيدا شيئا من نقص مال، ولاغيره.

قوله تعالى:

(ولايحسبن الذين كفروا أنمانملي لهم خير لانفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين) (178) - آية واحدة بلاخلاف -.

القراءة، والاعراب:

قرأ حمزه (ولاتحسبن) بالتاء وفتح السين. الباقون بالياء، وهو الاقوى، لان حسبت يتعدى إلى مفعولين (وأن) على تقدير مفعولين، لان قوله: (أنما نملي لهم خير لانفسهم) سدمسد المفعولين لانه لايعمل في (أنما) إلا ما يتعدى إلى مفعولين: نحو حسبت وظننت واخواتهما. وحسبت يتعدى إلى مفعولين أو مفعول

 

===============

(59)

يسدمسد المفعوين نحو حسبت أن زيدا منطلق وحسبت أن يقوم عمرو. فقوله:

(أنما نملي لهم خير لانفسهم، سد مسد المفعولين اللذين يقتضيهما (يحسبن)

وكسر (إن) مع القراءة بالياء ضعيف وقرئ به. ووجه ذلك قال أبوعلي الفارسي (إن) يتلقى بها القسم كما يتلقى بلام الابتداء، ويدخل كل واحد منهما على الابتداء والخبر فكسر (إن) بعد (يحسبن) وعلق عنها الحسبان، كما يعلق باللام، فكأنه قال: لايحسبن الذين كفروا للاخرة خير لهم. ومن قرأ بالتاء فعلى البدل، كقوله: (هل ينظرون إلا الساعة ان تأتيهم بغتة) (1) وكما قال الشاعر:

فما كان قيس هلكه هلك واحد * ولكنه بنيان قوم تهدما (2)

وقال الفراء: يجوز أن يكون عمل فيه (يحسبن) مقدرة تدل عليها الاولى.

وتقديره: ولاتحسبن الذين كفروا يحسبون انما نملي لهم وهكذا في قوله:

(هل ينظرون) ويجوز كسر (انما) مع التاء في (يحسبن) وهو وجه الكلام، لتكون الجملة في موضع الخبر: نحو حسبت زيدا انه كريم. غير انه لم يقرأبه أحد من السبعة. وقوله: (إنما نملي لهم ليزدادوا إثما) معنى اللام ههنا للعاقبة وليست بلام الغرض. كأنه قال: إن عاقبة أمرهم ازدياد الاثم كما قال: (فالتقطه آل فرعون

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الزخرف: آية 66. (2) قائله عبدة بن الطبيب أمالي السيد المرتضى 1: 114، والاغاني 12: 148 والحماسة شرح التبريزي 2: 285، 286 وغيرها وهو من أبيات قالهافي قيس بن عاصم ومطلعها:

عليك سلام الله قيس بن عاصم * ورحمته ماشاء أن بترحما

وقيس بن عاصم رجل حليم شريف في قومه، وكان الاحنف بن قيس يقول: انما تعلمت الحلم من قيس بن عاصم. وقال ابن الاعرابي: قيل ليس بماذا؟ دت؟ فقال: بثلاث: بذل الندى وكف الاذى، ونصر المولى. قال التبريزي في شرحه لهذا الميت: يروى (هلك) بالنصب وبالرفع، فاذا نصبته كان (هلكه) في موضع البدل من (قيس) و (هلك) ينتصب على أنه خبر (كان) كأنه قال: فما كل هلك قيس هلك واحد من الناس بل مات لموته خق كثير. واذ رفعته كان (هلكه) في موضع المبتدأ (وهلك واحد) في موضع الخبر. والجملة في موضع النصب على انها خبر كان.

 

===============

(60)

ليكون لهم عدوا وحزنا) (1) وكماقال: (وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله) (وكقوله: (لاتكونوا كالذين كفروا وقالوا لاخوانهم إذاضربوا في الارض..)

إلى قوله: (ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم) (3) وما قالوا ذلك ليكون حسرة وإنما كان عاقبته كذلك وقال الشاعر:

وأم سماك فلا تجزعي * فللموت ماتلد الوالده (4)

وقال آخر:

أموالنا لذوي الميراث تجمعها * ودورنا لخراب الدهر نبنيها

وقال:

وللمنايا تربي كل مرضعة * وللخراب يجد الناس بنيانا

وقال آخر:

لدوا للموت وابنوا للخراب * ـ فكلكم يصير إلى ذهاب ـ

ويقول القائل: ما تزيدك موعظتي الاشرا، وما أراها عليك إلاوبالا. ولا يجوز أن يحمل ذلك على لام الغرض والارادة، لوجهين:

أحدهما - ان ارادة القبيح قبيحة ولاتجوز ذلك عليه تعالى.

والثاني - لوكانت اللام لام الارادة لكان الكفار مطيعين لله من حيث فعلوا ما أراده الله وذلك خلاف الاجماع. وقد قال الله تعالى: (وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون) (ه وقال: (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع باذن الله) (6)

وقال أبوالحسن الاخفش والاسكافي: في الآية تقديم وتأخير. وتقديره ولاتحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ليزدادوا إثما أنما نملي لهم خير لانفسهم. وهذا ضعيف،

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة القصص: آية 8. (2) سورة الزمر: آية 8.

(3) سورة آل عمران: آية 156.

(4) العجز في الذيل من سمط الآلي: 92 وهو مثل سائر ينسب لشتيم بن خويلد الفزاري ولسماك بن عمرو الباهلي.

(5) سورة الذاريات: آية 56. (6) سورة النساء: آية 63.

 

===============

(61)

لانه كان يجب لوكان على التقديم، والتأخير أن تكون انما الاخيرة مفتوحة الهمزة لانها معمول تحسبن - على هذاالقول - وأن تكون الاولى مكسورة، لانها مبتدأة في اللفظ والتقديم والتأخير لايغير الاعراب عن استحقاقه وذلك خلاف ما عليه جميع القراء، فانهم أجمعوا على كسر الثانية. والاكثر على فتح الاولى. ويمكن أن يقال: - نصرة لابي الحسن - أن يكون التقدير ولاتحسبن الذين كفروا قائلين:

إنما نملي لهم ليزدادوا إثما، بل فليعلموا أنما نملي لهم خير لانفسهم. فيكون الحسبان قد علق، ولم يعمل. وتكون إنما الثانية كسرت، لانها بعد القول. وتكون في موضع نصب بالقول المقدر وتكون أنما الاولى منصوبة بالعلم المقدر الذي بيناه.

وعلى هذا يجوز أن يكون الوعد عاما، ويكون الوعيد المذكور مشروطا بالمقام على الكفر. وعلى الوجه الاول الذي حملنا اللام على العاقبة لابد من تخصيصها بمن علم منه انه لايؤمن، لانه لو كان فيهم من يؤمن لما توجه إليهم هذا الوعيد المخصوص وقال البلخي: معناه لاتحسبن الذين كفرواان املاءنا لهم رضاء بافعالهم، وقبول لها بل هو شر لهم، لانا نملي لهم وهم يزدادون إثما يستحقون به عذابا أليما.

ومثله: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والانس) (1) أي ذرأنا كثيرا من الخلق سيصيرون إلى جهنم بسوء فعالهم و (ما) في قوله: (إنما) تحتمل أمرين:

أحدهما - أن تكون بمعنى الذي والتقدير: إن الذي نمليه خير لانفسهم.

والآخر - أن يكون ما نملي بمنزلة الاملاء فتكون مصدرا. وإذا كانت كذلك فلاتحتاج إلى عائد يعود إليها. والاملاء: طول المدة. (فنملي لهم))

معناه نطول أعمارهم. ومنه قوله: (واهجرني مليا) (2) أي حينا طويلا. ومنه قوله: عشت طويلا، وتمليت حينا. والملا: الدهر والملوان: الليل والنهار، لطول تعاقبهما. واملاء الكتاب وانما أنكرتعالى أن يكون الاملاء خير لهم - وان

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الاعراف: آية 178. (2) سورة مريم: آية 46.

 

===============

(62)

كانت نعمة دنيوية - من وجهين:

أحدهما - قال الجبائي: أراد خيرمن القتل في سبيل الله، كشهداء أحد الثاني - قال البلخي: لاتحسبن ان ذلك خير استحقوه بفعلهم، أي لاتغتروا بذلك فتظنوا انه لمنزلة لهم، لانهم كانوا يقولون: إنه تعالى لو لم يرد ما هم عليه، لم يمهلهم.

قوله تعالى:

(ماكان الله ليذر المؤمنين على ماأنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وماكان انه ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء فأمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم) (179) - آية بلاخلاف -.

قرأ حمزة والكسائي (يميز) - بالتشديد - الباقون بالتخفيف. يقال: مازه يميزه، وميزه يميزه - لغتان -.

ومعنى الآية لم يكن الله ليدع المؤمنين على ماأنتم عليه، فلا يميز المؤمن من المنافق، والكافر (حتى يميز الخبيث من الطيب). وقيل في معنى الخبيث ههنا:

قولان:

أحدهما قال مجاهد، وابن اسحاق، وابن جريج: هو المنافق. قالوا: كما ميز المؤمن من المنافق يوم أحد. بالامتحان على مامضى شرحه.

الثاني - قال قتادة، والسدي: حتى يميز المؤمن من الكافر.

وسبب نزول الآية ماقاله السدي: إن المشركين قالوا: إن كان محمد صادقا فليخبرنا من يؤمن منا، ومن يكفر، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال قوم: إن كان يعلم المنافقين، فما حاجته إلى اختبارهم؟ فأنزل الله تعالى انه يميزهم. وذلك يكون: تارة باختبارهم، وتارة بتعيينهم.

والتمييز بين الكافر وبين المؤمن أو المنافق والمؤمن بالامتحان والاختبار في

 

===============

(63)

تكليف الجهاد، ونحوه: مما يظهر به حالهم، وتنكشف ضمائرهم وقيل: بالدلالات، والعلامات التي يستدل بها عليهم من غير نص اعلام لهم فان قيل: هل اطلع نبيه (صلى الله عليه وآله) على الغيب؟ قلنا: عن ذلك جوابان:

أحدهما - قال السدي: لا، ولكنه اجتباه، فجعله رسولا وقال ابن اسحاق:

ولكن الله اجتبي رسوله باعلامه كثيرا من الغايبات. وهذا هو الاليق بالآية.

وقال الزجاج قوله: (ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء)

سببه أن قوما قالوا:

هلا جعلنا الله أنبياء؟ فأخبر الله تعالى أنه (يجتبي من رسله من يشاء) و (من)

في الآية لتبيين الصفة لا للتبعيض، لان الانبياء كلهم مجتبون.

قوله تعالى:

(ولاتحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والارض والله بما تعملون خبير) (180).

قرأ حمزة (ولاتحسبن) بالتاء المعجمة من فوق الباقون بالياء، وهو الاقوى، لان عليه أكثر القراء، فمن قرأ بالتاء، فالتقدير على قراءته ولاتحسبن بخل الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خير لهم. وجاز حذف البخل مع الفصل لدلالة يبخلون عليه، كما يقال من كذب كان شرا له. والمعنى كان الكذب شرا له. قال الشاعر:

إذا نهي السفيه جرى إليه * وخالف والسفيه إلى خلاف (1)

ومعناه خالف إلى السفه. قال الزجاج: إنما تكون هو، وهما، وهم، وأنا وأنت، ونحن فصولا مع الافعال التي تحتاج إلى اسم وخبر، ولم يذكر سيبويه الفصل مع الابتداء، والخبر. قال: ولو تأول متأول قوله الفصل هاهنا أنه يدل

ـــــــــــــــــــــــ

(1) معاني القرآن للقراء 1: 104 - 249. آمالي ابن الشجري 1: 68 - 113 - 305 و 2: 132 - 209 والانصاف: 63 والخزانة: 383.

 

===============

(64)

على أنه جائز في المبتدأ والخبر كان جائزا. قال: والقراءة بالياء عندي هو الاجود ويكون الاسم محذوفا، قال: والقراءة بالتاء لاتمتنع مثل قوله: (واسأل القرية) (1)

وتقديره ولاتحسبن بخل الباخلين خيرا.

ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها ما قاله السدي: إن المعنى بخلوا أن ينفقوا في سبيل الله كما بخلوا بمنع الزكاة. وقيل إنها نزلت في أهل الكتاب بخلواأن يبينوه للناس - على قول ابن عباس - والوجه الاول أظهر لان أكثر المفسرين على أنها نزلت في مانعي الزكاة، وهو قول أبي جعفر (ع) وقوله: (هو خيرالهم)

فلفظة (هو) فصل، بين الاسم، والخبر على تقدير ولاتحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله البخل هو خيرا لهم فيمن قرأ بالياء وقوله: (سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة) قيل في معناه قولان:

أحدهما - رواه ابن مسعود عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه شجاع أقرع يطوقونه، وهو المروي عن أبي جعفر (ع). وقال ابراهيم النخعي: انهم يطوقون طوقا من نار. وقال أبوعلي: هو كقوله: (يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لانفسكم) (2) وقال البلخي معناه سيجازون كأنهم طوقوا. وقوله: (ولله ميراث السماوات والارض) معناه أنه يبطل ملك كل شئ إلا ملك الله، فيصير كالميراث لصحة الملك الثاني بعد زوال الاول وإن لم يكن في صفات الله على جهة الانتقال، لانه لم يزل مالكا (عزوجل)

والبخل هو منع الواجب لانه تعالى ذم به وتوعد عليه، وأصله في اللغة مشقة الاعطاء، وإنما يمنع الواجب لمشقة الاعطاء.

قوله تعالى:

(لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة يوسف: آية 82.

(2) سورة التوبة: آية 36.

 

===============

(65)

سنكتب ما قالوا وقتلهم الانبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق) (181) - آية بلاخلاف -.

قرأ حمزة وحده (سيكتب) بضم الياء. الباقون بالنون. ذكر الحسن وقتادة: أن الذين نسبوا الله تعالى إلى الفقر وأنفسهم إلى الغناء هم قوم من اليهود لمانزل قوله: (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا) (1) قالوا إنما يستقرض الفقير من الاغنياء، فهو فقير ونحن أغنياء، والقائل لذلك حي بن أخطب وفنحاص اليهودي.

وقال أبوعلي الجبائي: هم قوم من اليهود، وانما قالوا ذلك من جهة ضيق الرزق.

وقيل: انهم قالوا ذلك تمويها على ضعفائهم لاأنهم اعتقدواأن الله فقير على الحقيقة. وقيل: انهم عنوا بذلك إله محمد الذي يدعي أنه رسوله دون من يعتقدون هم أنه على الحقيقة.

فان قيل: كيف الحكاية عنهم بأنهم قالوا ذلك، وإنما قالوه على جهة الالزام دون الاعتقاد؟ قلنا: لانه إلزام باطل من حيث لايوجبه الاصل الذي الزموا عليه، لانه إنما قال تعالى: (من ذاالذي يقرض الله قرضا حسنا) على وجه التلطف في الاستدعاء إلى الطاعة، وحقيقته أن منزلة ماينفقون في وجوه البر كمنزلة القرض الذي يرجع إليكم ويضاعف به الاجر لكم مع أنهم أخرجوا ذلك مخرج الاخبار عن الاعتقاد.

وفي الآية دلالة على أن الرضا بقبيح الفعل يجري مجراه في عظم الجرم، لان اليهود الذين وصفوا بقتل الانبياء لم يتولوا ذلك في الحقيقة، وإنما ذموا به، لانهم بمنزلة من تولاه في عظم الاثم. وقوله: (سنكتب ماقالوا) قيل في معناه قولان:

أحدهما - انه يكتب في صحائف أعمالهم، لانه أظهر في الحجة عليهم وأجرى ان يستحيوا من قراءة ماأثبت من فضائحهم - على قول الجبائي -.

 

ــــــــــــــــــ

(1) سورة البقرة: آية 254 وسورة الحديد: آية 11.

 

===============

(66)

الثاني - قال البلخي سيحفظ ما قالوا حتى يجازوا به أي هو بمنزلة ماقد كتب في أنه لايضيع منه شئ. والاول أظهر. وقوله: (وذوقوا عذاب الحريق)

يعني المحرق، والفائدة فيه ان يعلم أنه غذاب بالنار التي تحرق، وهي الملتهبة، لان مالم يلتهب لايسمى حريقا، وقد يكون العذاب بغير النار. وقوله: (ذوقوا)

يفيد أنكم لاتتخلصون من ذلك كمايقول القائل: ذق هذا البلاء يعني انك لست بناج منه.

قوله تعالى:

(ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد) (182) - آية -.

المعنى:

قوله: (ذلك) اشارة إلى ماتقدم ذكره من قوله: (ونقول ذوقوا عذاب الحريق. ذلك بما قدمت أيديكم) ومعناه بما جنيتموه على أنفسكم، فان الله لايظلم أحدا من عبيده، ولايبخسهم حقهم.

وفيها دلالة على بطلان مذهب المجبرة، لانها تدل على أنه لو وقع العقاب من غير جرم سلف من العبد، لكان ظلما وذلك بخلاف مايذهبون إليه من أن الله تعالى يعذب الاطفال من غير جرم. فان قيل: لم نفى كثرة الظلم على وجه لايدخل فيه القليل، وهلانفى على وجه العموم كقوله: (لايظلم مثقال ذرة) (1)

وكقوله: (لايظلم الناس شيئا) (2) وقوله: (ولايظلمون فتيلا) (3)

و (نفيرا)؟ قيل: لانه خرج مخرج الجواب لمن توهم مذهب المجبرة فدل على أنه لو كان على مايذهبون إليه، لكان ظلاما للعبيد، وما هو بظلام لهم. فان قيل: لم

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة النساء: آية 39. (2) سورة يونس: آية 44.

(3) سورة النساء: آية 48 وسورة الاسرى: آية 71.

 

===============

(67)

أضيف التقديم إلى أيديهم وإنما هولهم في الحقيقة؟ قيل: لانه إذاأضيف على هذه الطريقة كان أبعد من توهم الفساد في معنى الاضافة إذ قد يضاف الفعل إلى الانسان على معنى أنه أمر به ودعا إليه. كما قال: (يذبح أبناءهم) (1) وإذا ذكرت اليد دل على تولي الفعل نحو قوله (أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا انعاما) (2). الاعراب:

(وان الله) انما فتح ان لانه معطوف على ماعملت فيه الباء، وتقديره وبأن الله ليس بظلام للعبيد أي ذلك العذاب بما سلف من الاجرام وبامتناع ظلم الله للعباد، فموضع أن جر وموضع الباء في قوله: (مما) رفع، لانها في موضع خبر ذلك وهي متصلة بالاستقرار كأنه قيل ذلك مستقر بما قدمت أيديكم، كما يقول القائل: عقابك مما كسبت يداك.

قوله تعالى: (الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألانؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين) (183) - آية -.

المعني بقوله: ((الذين قالوا) هم الذين وصفهم الله بقوله: (لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير. الذين قالوا إن الله عهد إلينا).

الاعراب والمعنى:

والذين في موضع خفض ردا على قوله: (الذين قالوا إن الله فقير) ومعنى قولهم (إن الله عهد إلينا) أي أوصانا في كتبه، وعلى ألسن أنبيائه ألانصدق

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة القصص: آية 4. (2) سورة يس: آية 71.

 

===============

(68)

لرسول فيما يقوله: من أنه جاء به من عند الله من أمر ونهي، وغير ذلك، فالعهد:

العقدالذي يتقدم به للتوثق، وهو كالوصية. وقوله: (حتى يأتينا بقربان تأكله النار) معناه حتى يجيئنا بما يقرب به العبد إلى الله من صدقة وبر. وقربان مصدر على وزن عدوان، وخسران تقول قربت قربانا. وأما قوله: (تأكله النار)

فلان أكل النار ما قربه أحدهم لله في ذلك الزمان كان دليلا على قبول الله له، ودلالة على صدق المقرب فيما أدعى أنه حق فيما نوزع فيه - في قول ابن عباس، والضحاك -، فقال الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله) قل لهم يامعشرمن يزعم أن الله عهدإليه ألا يؤمن لرسول حتى يأتيه بقربان تأكله النار، قل: قد جاء كم رسل من الله من قبل. المعنى جاء أسلافكم بالبينات يعني بالحجج الدالة على صدق نبوتهم، وحقيقة قولهم: وقد ادعيتم أنه يدل على تصديق من أتى به والاقرار بنبوته من أكل النار قربانه، فلم قتلتموه إن كنتم صادقين؟ يعني قتلتموهم وأنتم مقرون بأن الذين جاءوكم به من ذلك حجة لهم عليكم إن كنتم صادقين فيما عهد إليكم مما ادعيتموه وأضاف القتل إليهم وإن كان أسلافهم تولوه لانهم رضوا بأفعالهم فنسب ذلك إليهم كما بيناه فيما تقدم في قوله تعالى: (ويقتلون النبيين بغير الحق) (1) فاراد الله أن يعلم المؤمنين ان هؤلاء معاندون متعنتون، وإلا فهم عالمون بصفات النبي (صلى الله عليه وآله) وما ذكره الله تعالى في التوراة وانه صادق فيما يدعيه، وإنما لم ينزل الله ما طلبوه لان المعجزات تابعة للمصالح وليست على الاقتراحات والتعنت. فان قيل هلا قطع الله عذرهم بالذي سألوا من القربان الذي تأكله النار؟ قيل: له لايجب ذلك لان ذلك اقتراح في الادلة على الله والذي يلزم من ذلك أن يزيح علتهم بنصب الادلة على ما دعاهم إلى معرفته.

قوله تعالى:

(فان كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاؤا بالبينات

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة البقرة: آية 61.

 

===============

(69)

والزبر والكتاب المنير) (184) - آية واحدة -.

القراءة، والحجة:

قرأ ابن عامر وحده وبالزبر وكذلك هو في مصاحف أهل الشام. الباقون بحذف الباء، فمن حذف فلان واو العطف أغنت عن تكرار العامل ومن أثبتها فانما كرر العامل تأكيدا، وكلاهما جيدان.

اللغة، والمعنى:

وهذه الآية فيها تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله) عما كان يصيبه من الاذى من اليهود وأهل الشرك بتكذيبهم إياه بأن قال فقد كذب أسلافهم من رسل الله من جاءهم بالبينات والحجج القاطعة، والادلة الواضحة. والزبر جمع زبور وهو البينات وكل كتاب فيه حكمة زبور. ومنه قول امرئ القيس:

لمن طلل ابصرته فشجاني * كخط زبور في عسيب يمان (1)

ويقال زبرت الكتاب إذا كتبته، فهو مزبور وزبرت الرجل أزبره: إذا زجرته والزبرة: القطعة العظيمة من الحديد، ومنه قوله: (آتوني زبر الحديد) (2)

والزبير: الحماة. والزبرة مجتمع الشعر على كتف الاسد. وزبرت البئر إذا أحكمت طيها بالحجارة، فهو مزبور وما لفلان زبر أي عقل، والكتاب المراد به التوراة والانجيل، لان اليهود كذبت عيسى، وماجاء به من الانجيل وحرفت ما جاء به موسى من صفة النبي (صلى الله عليه وآله)، وبدلت عهده إليهم فيه. والنصارى أيضا جحدت ما في الانجيل من نعته وغيرت ما أمرهم فيه به. وقوله: (المنير) معناه الذي ينير، فينير الحق لمن اشتبه عليه، وهو حجة له. وإنما هو من النور، والاضاءة يقال: قد أنارلك هذاالامر بمعنى أضاء لك وينير انارة فهومنير، وهذاقول

ـــــــــــــــــــــــ

(1) ديوانه: 210 وروايته (الزبور في العسيب اليماني). الزبور الكتاب المزبور أي المكتوب بالمزبر وهو القلم. العسيب اليماني: سعف النخل.

(2) سورة الكهف: آية 97.

 

===============

(70)

الحسن وابن جريج والضحاك، وأكثر المفسرين. فان قيل: لم جمع بين الزبر والكتاب ومعناهما واحد؟ قلنا: لان أصلهما مختلف، فهو زبور لمافيه من الزجر عن خلاف الحق، وهو كتاب، لانه ضم الحروف بعضها إلى بعض، وسمي زبور داود لكثرة ما فيه من المواعظ والزواجر. فان قيل: كيف قال (فان كذبوك، فقد كذب رسل من قبلك) وهم وان لم يكذبوه أيضا، فقد كذب رسل من قبله؟ قلنا: لان المعنى فقد جروا على عادة من قبلهم في تكذيب أنبيائهم إلا أنه ورد على وجه الايجاز كما تقول: إن أحسنت إلي فقد طالما أحسنت.

قوله تعالى:

(كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار ودخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلامتاع الغرور) (185) - آية بلاخلاف -.

لايجوز أن يجعل (ما) في (إنما) بمعنى الذي وترفع أجوركم، لان يوم القيامة يصير من صلة توفون وتوفون من صلة الذين فلا يأتي ما في الصلة بعد أجوركم. وأجوركم خبر، ومعنى الآية إن مصير هؤلاء المفترين على الله من اليهود المكذبين برسوله الذين وصفهم، ومصير غيرهم من جميع الخلق إليه تعالى من حيث حتم الموت على جميعهم، فقال لنبيه (صلى الله عليه وآله) لايحزنك قولهم وتكذيبهم وافتراء من افترى منهم على الله وعليك، وتكذيب من تقدمك من الرسل. فان مرجعهم إلي وأوفي كل نفس منهم جزاء عمله، فقال: توفون أجوركم يعني أجور أعمالكم إن خيرا فخيرا وثوابا. وإن شرا فشرا وعقابا، وهو نصب على أنه مفعول به.

وقوله: (فمن زحزح عن النار) معناه نحي عن النار، وأبعد منها (وادخل الجنة فقد فاز) أي نجا وظفر بعظيم الكرامة. وكل من لقي ما يغتبط به فقد فاز، ومعنى (فاز) تباعد من المكروه، ولقي مايحب. والمفازة: مهلكة. وإنما سموها مفازة

 

===============

(71)

أي منجاة كما سموا اللديغ سليما، والاعمى بصيرا. وظاهر الآية يدل على أن كل نفس تذوق الموت، وإن كانت مقتولة - على قول الرماني - ونحن وإن قلنا: إن الموت غير القتل، فلابد أن نقول: إن المقتول يختار الله أن يفعل فيه الموت إذا كان في فعله مصلحة. وقوله: (وما الحياة الدنيا إلامتاع الغرور) معناه وما لذات الدنيا، وشهواتها، ومافيها من زينتها إلا متعة متعكموها الغرور، والخداع:

المضمحل الذي لاحقيقة له عند الاختبار والامتحان، لانكم تلتذون بما يمتعكم الغرور من دنياكم، ثم هو عائد عليكم بالفجائع والمصائب، فلا تركنوا إليه، ولا تسكنوا، فانما هي غرور وإنما أنتم منها في غرور. وقال عكرمة: متاع الغرور، القوارير، وهي في الاصل كل متاع لابقاء له، وإنما وصفت الحياة الدنيا بأنها متاع الغرور مع كشفها عن حالها، لانها بمنزلة من يغتر بالمحبوب ويبذل ما فيه الفرح والسرور، ليوقع في بلية تؤدي إلى هلكة، مبالغة في التحذير منها - على منا بيناه - وفي الآية دلالة على أن أقل نعيم من الآخرة خير من نعيم الدنيا بأسره ولذلك قال (صلى الله عليه وآله): (موضع سوط في الجنة خير من الدنيا، ومافيها) واستدل بهذه الآية على أن القتل هوالموت على الحقيقة. ومنهم من قال في المقتول: موت، وقتل وللمخالف أن يقول: يمكن أن تكون الآية مخصوصة بمن يموت، ولايقتل كما قال: (كل نفس بما كسبت رهينة) (1) وهي مختصة بالعقلاء البالغين، ويمكن أن يكون المراد كل نفس تعدم الحياة، فيكون ذلك على وجه الاستعارة. ذكره البلخي. وقوله: (ذائقة الموت) مجاز، لان الموت لايذاق في الحقيقة، لان ذلك مشهور في كلامهم يقولون: ذاق الموت، وشرب بكأس المنون، لانه بمنزلة مايذاق بذوق شدائده. والفرق بين الذوق وإدراك الطعم أن الذوق تقريب جسم المذوق إلى حاسة الذوق، والادراك للطعم هو وجدانه (2)

وإن لم يكن هناك احساس، ولذلك يوصف تعالى بأنه مدرك للطعم ولايوصف

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة المدثر: آية 38. (2) في المخطوطة: (هو وجدك به..)

 

===============

(72)

بأنه ذائق له. ويقولون: ذقته فلم أجد له طعما أي لابس فمي فلم أحس له طعما.

قوله تعالى:

(لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فان ذلك من عزم الامور) (186) - آية -.

قوله: (لتبلون) معناه لتختبرن أي توقع عليكم المحن، وتلحقكم الشدائد في أنفسكم، وأموالكم من قبل الكفار نحو ما نالهم من الشدائد في أنفسهم يوم أحد، ونحو ما كان الله يفعل بهم من الفقر وشدة العسر، وانمافعله ليصبروا وسماه بلوى مجازا، لان حقيقته لاتجوز عليه تعالى، لانها التجربة في اللغة. ويتعالى الله عن ذلك، لانه عالم بالاشياء قبل كونها. وإنما فعله ليتميز المحق منكم من غيره - هذا قول أبي علي الجبائي - وقال البلخي: معناه لتبلون بالعبادات في أنفسكم كالصلاة والصيام وغيرهما. وفي أموالكم من الانفاق في سبيل الله والزكوات، ليتميز المطيع من العاصي. واللام لام القسم. والنون دخلت مؤكدة، وضمت الواو لسكونها، وسكون النون. ولم تنصب لانها واو الجمع فرقا بينها وبين واو الاعراب. ويقال للواحد، لتبلين يارجل وللاثنين لتبليان. ويفتح الياء في لتبلين في الواحد عند سيبويه لسكونها وسكون النون. وفي قول غيره تبنى على الفتح لضم النون إليها.

كما يبنى ماقبل هاء التأنيث. وللمرأة لتبلين وللمرأتين لتبليان وللنساء لتبتلينان.

زيدت الالف لاجتماع النونات وقوله: (ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا) يعني ما سمعوه من اليهود ومن كفار مكة وغيرهم من تكذيب النبي (صلى الله عليه وآله) ومن الكلام الذي يغمهم ويكرثهم ثم بين تعالى بقوله:

(وإن تصبروا وتتقوا) إنكم ان صبرتم على ذلك وتمسكتم بالطاعة ولم تجزعوا عنده جزعا يبلغ الاثم، (فان ذلك من عزم الامور) ومعناه من جزم الامور، أي

 

===============

(73)

ما بان رشده وصوابه. ووجب على العاقل العزم عليه. وأذى مقصور. ويكتب بالياء يقال أذى يأذى أذى: إذاسمع مايسوءه وقد آذاني فلان يؤذيني إيذاءا وتأذيت به تأذيا. وقال عكرمة وغيره: إن هذه الآيات كلها نزلت في فنحاص اليهودى سيد بني قينقاع حين كتب النبي (صلى الله عليه وآله) إليه يستمده، فقال فنحاس: قد احتاج ربكم أن نمده. وهو القائل: (إن الله فقير ونحن اعنياء) (1) ونزلت فيه أيضا (لاتحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شرلهم) (2)

وقال الزهري: الآية نزلت في كعب بن الاشراف، وكان يهجو النبي (صلى الله عليه وآله)، والمؤمنين ويحرض المشركين عليهم حتى قتله محمد بن مسلمة غيلة. والبلوى التي ابتلوا بها، قال الحسن: هي فرائض الدين من الجهاد في سبيل الله، والنفقة في طاعة الله، والتمسك بما يجب لله في كلما أمر به ودعا إليه.

قوله تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولاتكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون) (187) - آية بلا خلاف -.

القراءة والحجة:

قرأ ابن كثيرو أبوعمرو وأبوبكر عن عاصم ((ليبيننه للناس ولايكتمونه)

بالياء فيهما. الباقون بالتاء فيهما، فمن قرأبالياء، فلانهم غيب. ومن قرأ بالتاء حكى المخاطبة التي كانت في وقت أخذ الميثاق (ولتبيننه) لجماعة الرجال وللواحد تفتح النون.

 

ــــــــــــــــــ

(1) سورة آل عمران: آية 181.

(2) سورة آل عمران: آية 180.

 

===============

(74)

المعنى:

والمعني به اذكروا (إذا أخذالله) منهم الميثاق ليبينن أمر نبوة النبي (صلى الله عليه وآله) ولايكتمونه (فنبذوه وراء ظهورهم) أي رموابه في قول ابن عباس، ولم يعملوا به وإن كانوا مقرين به. ويقال لمن يطرح الشئ ولايعبأبه رميته بظهر، قال الفرزدق:

تميم بن قيس لاتكونن حاجتي * بظهر ولايعياعلي جوابها (1)

أي لاتتركنها، لاتعبأ بها، فاخبر الله تعالى عما حمل اليهود الذين كانوا رؤساء على كتمان أمر النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال: (واشتروا به ثمنا قليلا) أي قبلوا على ذلك الرشا، وقامت لهم بذلك رئاسة اكتسبوها فذلك حملهم على الكفر بما يخفونه، ثم ذم تعالى أفعالهم بقوله: (فبئس مايشترون) لان مايكون عاقبته الهلاك والعقاب الدائم، وان كان نفعا عاجلا، فهو بئس الشئ. وقال ابن عباس وسعيد ابن جبير وعكرمة والسدي وابن جريج ان المعني بهذه الآية فنحاص اليهودي، وأصحابه الذين كتموا أمر النبي (صلى الله عليه وآله) ومابينه الله في التوراة. وقال قتادة وكعب وعبدالله بن مسعود هذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم كافة، فمن علم شيئا فليعلمه وإياكم وكتمان العلم، فان كتمانه هلاك. وقال الجبائي: المعني بالآية اليهود والنصارى. وقال الحسن (لتبيننه ولاتكتمونه) معناه لتكلمن بالحق ولتصدقنه بالعمل. والميثاق الذي ذكره الله في الآية هو الايمان التي أخذها عليهم أنبياؤهم ليبينن مافي كتبهم من الاخبار والآيات الدالة على نبوة النبي (صلى الله عليه وآله) ولايكتمونه.

والهاء في (ليبيننه) عائدة على محمد (صلى الله عليه وآله) في قول سعيد بن جبير والسدي، فيعود

ـــــــــــــــــــــــ

(1) ديوانه 1: 95 وروايته:

عم بن زيد لاتهونن حاجتي * لديك ولايعيا علي جوابها

وفي اللسان وفى الاغاني الصدر كما في الديوان والعجز هكذا: (بظهر فلا يخفى علي جوابها)

ومعناه أي لاتجبني بجواب لاأدري ماهو.

 

===============

(75)

على معلوم غير مذكور. وقال الحسن وقتادة: قي عائدة على الكتاب فيدخل فيه بيان أمر النبي (صلى الله عليه وآله) لانه في الكتاب.

قوله تعالى:

(لاتحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم) (188)

آية - بلاخلاف -.

القراءة والحجة والاعراب:

قرأأهل الكوفة ويعقوب (لاتحسبن) بالتاء وفتح الباء، وقرأ ابن كثير وأبوعمرو بالياء، وضم الباء.

الباقون بالياء وفتح الباء.

(وتحسبنهم) الاخير بالتاء بلاخلاف. قال أبوعلي من قرأبالياء، لم يوقع يحسبن على شئ، (والذين) رفع بأنه فاعل (لاتحسبن) قال: ووجه قراءة ابن كثير وأبي عمرو في أن لم يعديا (حسبت) إلى مفعوليه ان (يحسب) في قوله:

(فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب) لما جعل بدلا من الاول وعدي إلى مفعوليه استغنى بها في تعدية الاول إليهما كما استغنى في قوله الشاعر:

بأي كتاب أم بأية سنة * ترى حبهم عارا علي وتحسب

فاكتفى بتعدية أحد الفعلين إلى المفعولين عن تعدية الآخر إليها. فان قال قائل: كيف يستقيم تقدير البدل، وقد دخل الفاء بينهما، ولايدخل بين البدل والمبدل منه الفاء؟ والجواب أن الفاء زائدة، يدلك على ذلك أنها لايجوز أن تكون التي تدخل على الخبر، لان ماقبل الفاء ليس بمبتدأ، فتكون الفاء خبره، ولاتكون العاطفة، لان المعنى (لاتحسبن الذين يفرحون بماأتوا) ويحبون أنفسهم " بمفازة من العذاب " فاذاكان ذلك لم يجز تقدير العطف، لان الكلام

 

===============

(76)

لم يستقل بعد فيستقيم فيه تقدير العطف. وأماقوله: " فلا تحسبنهم " فان فعل الفاعل الذي هو يحسبون تعدى إلى ضميره، وحذفت واو الضمير لدخول النون الثقيلة. وقوله: (بمفازة من العذاب) في موضع المفعول الثاني، وفيه ذكر المفعول الاول. وفعل الفاعل في هذا الباب يتعدى إلى ضمير نفسه نحو ظننتني أخاه، لان هذه الافعال لماكانت تدخل على الابتداء والخبر أشبهت (إن) واخواتها في دخولهن على الابتداء والخبر كدخول هذه الافعال عليهما، وذلك نحو قولك:

ظننتني ذاهبا، كما تقول: إني ذاهب، ولو قلت أظن نفسي تفعل، لم يجز كمايجوز أظننتني فاعلا. وقال أبوسعيد الخدري، وأبووهب، والزجاج: المعني بهذه الآية قوم من أهل الكتاب دخلوا على النبي (صلى الله عليه وآله) وخرجوا من عنده، فذكروا لمن كان رآهم في ذلك الوقت أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد أتاهم باشياء قد عرفوها، فحمدهم من شاهدهم من المسلمين على ذلك، وأظهروا خلاف ما أبطنوا، وأقاموا فيمابعد على الكفر، فأعلم الله تعالى نبيه أنهم ليسوا بمفازة أي ليسوا ببعد من العذاب.

وقيل معناه ليسوا بمنجاة من العذاب، ووقعت، " فلا تحسبنهم " مكررة لطول القصة كما يقولون: لاتظنن زيدا إذا جاءك كلمك بكذا وكذا، فلا تظننه صادقا، فيعيد فلا تظننه توكيدا، واعلاما ان ذلك يتعلق بالاول، ولو لم يكرر كان جائزا، لكن مع التأكيد أوضح. وقوله: " ويحبون أن يحمدوا بمالم يفعلوا " قال البلخي: إنهم قالوا: " نحن أبناء الله وأحباؤه " (1) وأهل الصوم والصلاة وليسوا بأولياء الله، ولاأحباؤه، ولاأهل الصلاة والصيام، ولكنهم أهل شرك ونفاق. وهو المروي عن أبي جعفر (ع). وقال قوم: " يحبون أن يحمدوا " على أنهم أبطلوا أمر محمد (صلى الله عليه وآله)، وكذبوا ماأبطلوه، ولالهم قدرة على ذلك.

النزول، والمعنى:

وروي عن ابن عباس، وسعيد أن الآية نزلت في اليهود حيث كانوا يفرحون

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة المائدة: آية 20.

 

===============

(77)

باجلال الناس لهم ونسبهم إياهم إلى العلم. وقال الضحاك، والسدي: نزلت في اليهود حيث فرحوا بما أثبتوا من تكذيب النبي (صلى الله عليه وآله). وقال سعيدبن جبير: فرحوا بما أتى الله آل ابراهيم. وقال ابن عباس: إن النبي (صلى الله عليه وآله) سألهم عن شئ، فكتموه ففرحوا بكتمانهم، وأقوى هذه الاقوال أن يكون قوله: " لاتحسبن الذين يفرحون " يعني بها من أخبر الله عنهم أنه أخذ ميثاقهم ليبينن للناس أمر محمد (صلى الله عليه وآله)، ولايكتمونه، لان قوله: " لاتحسبن الذين يفرحون " في سياق الخبر عنهم وشبيه بقصتهم مع أن أكثر أهل التأويل عليه. وقال الجبائي: الآية في المنافقين، لانهم كانوا يعطون المؤمنين شيئا يستعينون به على الجهاد لا على وجه القربة إلى الله بل على وجه الرياء ويفرحون بذلك، ويريدون مع ذلك أن يحمدوا على ذلك ويعتقد أنهم فعلوه لوجه القربة، فقال: " لاتحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا " بمنزلة المؤمنين الذين يفعلون الافعال لله على وجه القربة إليه. وقال: " فلا تحسبنهم " مع ذلك بمنجاة " من العذاب " بل " لهم عذاب أليم " يعني مؤلم فحسبان الثاني متعلق بغير ماتعلق به الاول، فلذلك كرر. فان قيل: أين خبر " لاتحسبن " الاولى؟ قلنا: عنه جوابان:

أحدهما - " بمفازة من العذاب "، لانها مكررة لطول الكلام. وقيل: الفاء زائدة على هذا، وهوقول الزجاج.

والثاني - ان الخبر محذوف، كأنه قال ناجين، ودل الخبر الاخير عليه. فان قيل: كيف يجوز أن يذم بالفرح وليس من فعل الانسان؟ قلنا ذم بالتعرض له على جهة الاشر والبطر كما قال: " لايحب الفرحين ".

قوله تعالى:

(ولله ملك السماوات والارض والله على كل شئ قدير)

(189) - آية بلا خلاف -.

 

===============

(78)

معنى الآية الاخبار من الله تعالى بأنه مالك مافي السماوات، ومافي الارض بمعنى أنه يملك تدبيرهما، وتصريفهما على ماشاء من جميع الوجوه ليس لغيره الاعتراض عليه في ذلك وانه المقتدر على جميع ذلك " وهو على كل شئ قدير "، وفى الآية تكذيب لمن قال: " إن الله فقير ونحن أغنياء " (1) لان من ملك مافي السماوات والارض لايكون فقيرا. وفي قوله: (والله على كل شئ قدير)

تنبيه على أنه قادر على إهلاك من يقول هذا القول جهلا منه وعنادا، لكنه يحلم عنه ويؤخر عذابه لضرب من المصلحة وقوله: " على كل شئ قدير " خرج مخرج المبالغة، وهو أخص من قوله: " بكل شئ عليم " لان أفعال العباد لا توصف بالقدرة عليها، وفرق الرماني بين أن يقال هو قادر على أفعال العباد، وبين قادر على فعلهم، فقال قادر عليها يحتمل مالا يحتمل قادرعلى فعلهم، لانه يفيد أنه قادر على تصريفه كما يقولون فلان قادر على هذاالحجر أي قادر على رفعه، ووضعه، وفلان قادر على نفسه أي قادر على ضبطها، ومنعها مما تنازع إليه، فعلي هذا جائز أن يقال انه قادر على أفعال العباد بمعنى أنه قادرعلى المنع منها، والتمكين منها دون ما يستحيل من القدرة على ايجادها.

قوله تعالى:

(إن في خلق السماوات والارض واختلاف الليل والنهار لآيات لاولي الالباب) (190) - آية -.

في هذه الآية دلالة على وجوب النظر والفكر، والاعتبار بمايشاهد من الخلق والاستدلال على الله تعالى، ومدح لمن كانت صفته هذه، ورد على من أنكر وجوب ذلك، وزعم أن الايمان لايكون إلا تقليدا وبالخبر، لانه تعالى أخبر عما في خلق السماوات والارض، واختلاف الليل والنهار من الدلالات عليه

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة آل عمران: آية 181.

 

===============

(79)

وعلى وحدانيته، لان من فكر في السماوات وعظمها وعجائب مافيهامن النجوم والافلاك، ومسيرذلك على التقدير الذي تسير عليه، وفكر في الارض ومافيها من ضروب المنافع، وفي اختلاف الليل والنهار ومجيئهما بالاوقات والازمنة التي فيها المصالح، واتساق ذلك وانتظام بعضهاإلى بعض، وحاجة بعضها إلى بعض حتى لو عدم شئ منه لم يقم ماسواه (مقامه) (1) علم أن ذلك لايكون إلا من مدبر قادر عليم حكيم واحد، لانه لو كان قادرا، ولم يكن عالما بالعواقب لما أغنت القدرة شيئا، ولو كان عالماغير حكيم في فعله لماأغنى العلم شيئا، ولو كانا اثنين ماانتظم تدبير، ولاتم خلق، ولعلا بعضهم على بعض، كما قال تعالى: " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " (2) فكيف ينسب إلى الفقر من كان جميع مافي السماوات والاض بيده، أم كيف يكون غنيا من كان رزقه بيد غيره إذاشاء رزقه وإذا شاء حرمه، ويدل على أن خالق الجسم لايشبهه، لانه لو أشبهه لكان محدثا مثله، ويدل على أنه قديم، لانه لوكان محدثا لاحتاج إلى محدث ولادى ذلك إلى مالايتناهى ويدل أيضا على أنه قادر على جميع الاجناس، لانه من قدر على الجسم يقدر على سائر الاجناس، ووجه الدلالة من خلق السماوات والارض على الله هو ان الانسان إذا فكر ورأى عظمها، وثقل الارض ووقوفها على غير عمد يقلها، وحركة السماوات حولها لاعلى شئ يدعمها، علم أن الممسك لذلك هو الذي لايشبه الاجسام ولا المحدثات، لانه لو اجتمع جميع الخلق على أن يمسكوا جسما خفيف المقدار، ويقلوه في الجو من غير أن يدعموه لماقدروا عليه، فعلم حينئذ ان الذي يقدر عليه مخالف لجميع الاشياء وعلم أيضا أنها لو كانت السماوات والارض معتمدة على غيرها لكان ذلك الغير يحتاج إلى مايعتمد عليه وفي ذلك اثبات مالايتناهى من الاجسام، وذلك محال فهذاأحد وجوه دلالة السماوات والارض، وهو أحد

ـــــــــــــــــــــــ

(1) هكذا في المخطوطة (أ) وفي المطبوعة ما بين القوسين ساقط، والمخطوطة (ب)

ناقصة في هذا المكان أوراقا كثيرة.

(2) سورة الانبياء: آية 22.

 

===============

(80)

ماقال (إن في ذلك لآيات لاولي الالباب) ووجه الدلالة من اختلاف الليل والنهار هوأن جميع الخلق لو اجتمعوا على أن يأتوا بالليل بدلامن النهار، أو النهار بدلا من الليل أوينقصوا، أو يزيدوا من أحدهما في الآخر لماقدروا عليه، كما قال:

(قل أرأيتم ان جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون قل أرأيتم ان جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون. ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله) الآية (1) وقوله: ((لاولي الالباب) معناه لذوي (2) العقول. واللب: العقل سمي به لانه خير مافي الانسان واللب من كل شئ خيره، وخالصه. فان قيل: فما وجه الاحتجاج بخلق السماوات ـ والارض ـ (3) على الله ولم يثبت بعد انها مخلوقة قيل عند ثلاثة أجوبة:

أولها - على تقدير اثبات كونها مخلوقة قبل الاستدلال به لان الحجة به قامت عليه من حيث أنها لم تنفك من المعاني المحدثة.

الثاني - أن الغرض ذكر ما يوجب صحة الذي تقدم ثم يترقى من ذلك إلى تصحيح ما يقتضيه على مراتبه، كالسؤال عن الدلالة على النبوة فيقع الجواب بذكر المعجزة دون ما قبلها من الرتبة.

الثالث - أن تعاقب الضياء والظلام يدل على حدوث الاجسام.

قوله تعالى: (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والارض ربناما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار) (191) - آية بلاخلاف -

ــــــــــــــــــ

(1) سورة القصص: آية 71 - 72.

(2) في المخطوطة زيادة (والفكر) في هذا الموضع.

(3)

في المطبوعة مابين القوسين ساقط.

 

===============

(81)

موضع (الذين) خفض، لانه نعت (لاولي الالباب) أي فهؤلاء يستدلون على توحيد الله بخلقه السماوات والارض، وأنهم يذكرون الله في جميع أحوالهم قياما وقعودا، وهو نصب على الحال. وقوله (وعلى جنوبهم) أي ومضطجعين، وانما عطف على قياما وقعودا، لان معناه يدل على الحال، لان الظرف يكون حالا للمعرفة كما يكون نعتا للنكرة، لانه من الاستقرار (كما تقول: مررت برجل على الحائط أي مستقرا على الحائط، ومررت برجل في الدار مثله، كما نقول أنا أصير إلى فلان ماشيا، وعلى الخيل، ومعناه وراكبا، كما (1) قال: (إذا مس الانسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما) (2) ومعناه مضطجعا أو قائما أو قاعدا فبين تعالى أن هؤلاء المستدلين على حقيقة توحيد الله يذكرون الله في سائر الاحوال. وقال قوم: (يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم) أي يصلون على قدر إمكانهم في صحتهم وسقمهم، وهو المروي في أخبارنا، ولاتنافي بين التأويلين، لانه لايمتنع أن يصفهم بأنهم يفكرون في خلق السماوات والارض في هذه الاحوال ومع ذلك يصلون على هذه الاحوال في أوقات الصلوات، وهو قول ابن جريج وقتادة. وقوله: (ربنا ماخلقت هذا باطلا) انما قال هذا ولم يقل هذه ولاهؤلاء، لانه أراد به الخلق كأنه قال ماخلقت هذا الخلق باطلا (3) أي يقولون (ربنا ما خلقت هذا باطلا) بل خلقته دليلا على وحدانيتك وعلى صدق ماأتت به أنبياؤك، لانهم يأتون بما يعجز عنه جميع الخلق. وقوله: (سبحانك)

معناه براءة لك من السوء وتنزيها لك من أن تكون خلقتهما باطلا قال الشاعر:

أقول - لما جاءني فخره - * سبحان من علقمة الفاخر (4)

 

ــــــــــــــــــ

(1) مابين القوسين ساقط من المخطوطة (أ).

(2) سورة يونس: آية 12.

(3) في المخطوطة نقص سطر في هذا الموضع. (4) قائله اعشى بني تغلب. ديوان الاعشى الكبير: 143، القصيدة 18، واللسان (سبح).

 

===============

(82)

وقال آخر:

سبحانه ثم سبحانا يعود له * وقبلنا سبح الجودي والجمد (1)

وقوله: (فقنا عذاب النار) أي فقد صدقنا رسلك بأن لك جنة ونارا فقنا عذاب النار. ووجه اتصال قوله (فقناعذاب النار) بما قبله قيل فيه قولان:

أحدهما - كأنه قال: (ما خلقت هذا باطلا) بل تعريضا للثواب بدلا من العقاب (فقنا عذاب النار) بلطفك الذي نتمسك معه بطاعتك.

الثاني - اتصال الدعاء الذي هو طاعة لله بالاعتراف الذي هو طاعة له.

وفي الآية دلالة على أن الكفر والضلال وجميع القبائح ليست خلقا لله، لان هذه الاشياء كلها باطلة بلاخلاف. وقد نفى الله تعالى بحكايته عن أولي الالباب الذين رضي أقوالهم بأنه لاباطل فيما خلقه، فيجب بذلك القطع على أن القبائح كلها من فعل غيره، وأنه لايجوز اضافتها إليه تعالى.

قوله تعالى:

(ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار) (192) - آية -.

وهذه أيضا حكاية عن أولي الالباب الذين وصفهم بانهم أيضا يقولون (ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته) أي من ناله عذاب النار ومافيهامن الذل والمهانة فهو المخزى. وقال ابن جريج، وقتادة، وأنس بن مالك، وسعيد بن المسيب: الاخزاء يكون بالتأييد فيها. وقال جابر بن عبدالله:

إن الخزي يكون بالدخول فيها. وروى عنه عمروبن دينار وعطا أنه قال: وما أخزاه من أحرقه بالنار إن دون ذا لخزيا، وهذا هو الاقوى، لان الخزي إنما هو هتك المخزى، وفضيحته، ومن عاقبه الله على ذنوبه،، فقد فضحه وذلك هو

ــــــــــــــــــ

(1) اللسان: (سبح) نسبه لامية.

 

===============

(83)

الخزي، ولاينافي ذلك ما نذهب إليه من جواز العفو عن المذنبين، لانه تعالى إذا عفا عن العاصي لايكون أخزاه وان أدخله النار ثم أخرجه منها بعد استيفاء العقاب، فعلى قول من قال: الخزي يكون بالدوام لايكون أخزاه، ومن قال يكون بنفس الدخول، له أن يقول: إن ذلك وإن كان خزيا، فليس مثل خزي الكفار، وما يفعل بهم من دوام العقاب، وعلى هذا يحمل قوله تعالى: (يوم لايخزي الله النبي والذين آمنوا معه) (1) وقوله: (وما للظالمين من أنصار) معناه ليس للظالمين من يدفع عنهم على وجه المغالبة والقهر، لان الناصر هوالذي يدفع عن المنصور على وجه المغالبة ولاينافي ذلك الشفاعة في أهل الكبائر لان الشفاعة هي مسألة وخضوع وضرع إلى الله تعالى، وليست من النصرة في شئ وقوله (صلى الله عليه وآله) (يخرجون من النار بعد مايصيرون حمما وفحما) صريح بوقوع العفو عن مرتكبي الكبائر وتأول الرماني الخبر تأويلين:

أحدهما - أنه لولا الشفاعة، لواقعوا كبيرة يستوجبون بها الدخول فيها، فيخرجون بالشفاعة على هذا الوجه، كما يقال أخرجتني من السلعة إذا كان لولا مشورته، لدخل فيها بابتياعه إياها.

الثاني - لولا الشفاعة، لدخلوها بما معهم من الصغيرة ثم أخرجوا عنها إلى الجنة. والاول فاسد، لانه مجاز. والثاني - ليس بمذهب لاحد من القائلين بالوعيد لان الصغيرة تقع مكفرة لاعقاب عليها فكيف يدخل بها النار.

قوله تعالى: (ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للايمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الابرار) (193)

- آية بلاخلاف -.

 

ــــــــــــــــــ

(1) سورة التحريم: آية 8.

 

===============

(84)

في هذه الآية أيضا حكاية عمن تقدم وصفهم بأنهم أولوا الالباب وغير ذلك من الاوصاف التي مضت بأنهم يقولون: (ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للايمان)

واختلفوا فيمن المنادي ههنا، فقال محمد بن كعب القرظي وقتادة: هو القرآن.

وقال ابن جريج وابن زيد: هو رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهو الذي اختاره الجبائي، واختار الطبري الاول قال: لانه ليس كل أحد سمع قول النبي (صلى الله عليه وآله) ولا رآه ولاعاينه وسمع دعاءه إلى الله تعالى. والقرآن سمعه من رآه ومن لم يره كما قال تعالى مخبرا عن الجن انهم قالوا: (سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد) وهذاالذي ذكره ليس بطعن، لانه إذا بلغه دعوة النبي (صلى الله عليه وآله) جاز أن يقول (سمعنا مناديا) وإن كان فيه ضرب من التجوز، وقال قتادة سمعوا دعوة من الله فأجابوهاو أحسنوا فيها وصبروا عليها. وقوله: (سمعنا مناديا) يعني نداء مناد لان المنادي لايسمع وقوله: (للايمان) معناه إلى الايمان، كما قال: (الحمدلله الذي هدانا لهذا) (1)

ومعناه إلى هذا قال الراجز:

أوحى لها القرار فاستقرت * وشدها بالراسيات الثبت (2)

يعني أوحى إليها. ومنه قوله: (بأن ربك أوحى لها) (3) أي إليها، فمعنى الآية (ربنا اننا سمعنا) داعيا يدعو إلى الايمان والتصديق بك، والاقرار بوحدانيتك، واتباع رسولك واتباع أمره ونهيه، فصدقنا بذلك يا (ربنا فاغفر لنا ذنوبنا) ومعناه استرها علينا، ولاتفضحنا بها في القيامة على رؤوس الاشهاد بعقوبتك، لكن كفرها عنا (وكفر عنا سيئآتنا) معناه امحها بفضلك ورحمتك ايانا (وتوفنا مع الابرار) معناه واقبضنا إليك إذا قبضتنا في جملة الابرار، واحشرنا معهم.

 

ــــــــــــــــــ

(1) سورة الاعراف: آية 42. (2) انظر 2: 459 تعليقة. 1 (3) سورة الزلزال: آية 5.

 

===============

(85)

اللغة، والمعنى:

والابرار جمع بر، وهم الذين بروا الله بطاعتهم إياه حتى أرضوه، فرضي عنهم. وقال الحسن: هم الذين لايؤذون الذر وأصل البر الاتساع، فالبر الواسع من الارض خلاف البحر والبرصلة الرحم والبر:

العمل الصالح. والبر: الحنطة والابرار على الخصم الزيادة عليه. وابتر من أصحابه إذا انفردمنهم.

فان قيل: إذاكان النداء إنما هو تنبيه المنادى ليقبل بوجهه على المكلم له، فما معنى ربنا؟ قلنا: الاصل في النداء تنبيه المنادى ثم استعمل في استفتاح الدعاء اقتضاء للاجابة واعترافا بالتفضل، ولايجوز فتح (أن) بعد ربنا بايقاع النداء عليه، لان بعده لايكون إلا جملة ولايقع فيه مفرد، لانه لايجوز ربنا ادخالك النار من أخزيته، لانه ابتداء لاخبر له. فان قيل: ما معنى قوله: " وكفرعنا " وقد أغني عنه قوله: " فاغفرلنا " قلنا: جوابان:

أحدهما - اغفرلنا ذنوبنا ابتداء بلاتوبة، وكفر عنا إن تبنا.

والثاني - اغفر لنا بالتوبة ذنوبنا، وكفر عنا باجتناب الكبائر السيئآت، لان الغفران قد يكون ابتداء ومن سبب والتكفير لا يكون إلا عند فعل من العبد وقوله: " ان آمنوا " تحتمل ان أمرين:

أحدهما - أن تكون بمعنى أي على ما ذكره الرماني.

والثاني - أن تكون الناصبة للفعل، لانه لايقع في مثله دخول الباء نحو

 بأن آمنوا.

قوله تعالى:

(ربنا آتنا ما وعدتنا على رسلك ولاتخزنا يوم القيامة إنك لاتخلف الميعاد) (194) - آية بلاخلاف -.

فهذه أيضا حكاية عمن تقدم وصفهم بأنهم يقولون أعطنا ماوعدتنا على

 

===============

(86)

لسان رسلك من الثواب ولاتخزنا. والمخزي في اللغة المذل، المحقور بأمر قد لزمه بحجة تقول أخزيته أي ألزمته حجة أذللته معها، والخزي والانقماع والارتداع متقاربة المعنى، والخزاية شدة الاستحياء. وقوله (إنك لاتخلف الميعاد)

استئناف كلام ولذلك كسرت (إن) والمعنى انك وعدت الجنة لمن آمن بك، وإنك لاتخلف الميعاد. فان قيل: ماوجه مسألتهم لله أن يؤتيهم ماوعدهم، والمعلوم أن الله ينجز وعده، ولايجوز عليه الخلف في الميعاد؟ قيل عن ذلك أجوبة:

أحدها - مااختاره الجبائي، والرماني ان ذلك على وجه الانقطاع إليه والتضرع له والتعبد له كما قال: (رب احكم بالحق) (1) وقوله: (لاتحملنا مالا طاقة لنابه) (2) وأمثال ذلك كثيرة.

والثاني - قال قوم إن ذلك خرج مخرج المسألة ومعناه الخبر، وتقدير الكلام ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للايمان أن آمنوا بربكم فآمناربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الابرار، لتوفينا ماوعدتنا به على رسلك ولاتحزنا يوم القيامة لانهم علمواان ماوعدالله به فلابد من أن ينجزه والثالث - قال قوم: معناه المسألة والدعاء بأن يجعلهم ممن آتاهم ماوعدهم من الكرامة على ألسن رسله، لاأنهم كانوا قد استحقوا منزلة الكرامة عندالله في أنفسهم ثم سألوه أن يؤتيهم ماوعدهم بعد علمهم باستحقاقهم عند أنفسهم، لانه لوكان كذا، لكانوا زكوا أنفسهم وشهدوا لها أنهم ممن قد استوجب كرامة الله، وثوابه، ولايليق ذلك بصفة أهل الفضل من المؤمنين.

والرابع - قال قوم إنما سألوا ذلك على وجه الرغبة منهم إليه تعالى أن يؤتيهم ما وعدهم من النصر على أعدائهم من أهل الكفر وإعلاء كلمة الحق على الباطل فيجعل ذلك لهم لانه لايجوزأن يكونوا مع ماوصفهم الله به غير واثقين ولاعلى غير يقين ان الله لايخلف الميعاد فرغبوا إليه في تعجيل ذلك، ولكنهم

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الانبياء: آية 112. (2) سورة البقرة: آية 286.

 

===============

(87)

كانوا وعدوا النصر ولم يوقت لهم في ذلك وقت فرغبوا إليه تعالى في تعجيل ذلك لهم لما لهم فيه من السرور بالظفر وهو اختيار الطبري.

وقال الآية مختصة بمن هاجر من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) من وطنه وأهله مفارقا لاهل الشرك بالله إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وغيرهم من تباع رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذين رغبوا إليه تعالى في تعجيل نصرهم علي أعدائهم وعلموا انه لايخلف الميعاد ذلك غير أنهم سألوا تعجيله وقالوا لاصبر لنا على اناتك وحلمك وقوى ذلك بما بعد هذه الآية من قوله: " فاستجاب لهم ربهم أني لاأضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا... " الآيات بعدها وذلك لايليق إلا بما ذكره، ولايليق بالاقاويل الباقية وإلى هذا أومأ البلخي، لانه قال في الآية الاخري: انها والتي بعدها في الذين هاجروا إلى النبي (صلى الله عليه وآله).

وفي الآية دلالة على أنه يجوز أن يدعو العبد بمايعلم أنه يفعله مثل أن يقول رب احكم بالحق. وقوله: " فاغفر لنا ذنوبنا " خلاف ما يقوله المجبرة، ولايلزم على ذلك جواز التعبد بأن يدعو بما يعلم أنه لايكون مثل أن يقول لايظلم، لان في ذلك تحكما على فاعله وتجبرا عليه في تدبيره، ولوسوى بينهما كان جائزا كما قلنا في قوله: (لاتحملنا مالاطاقة لنا به) (1) على أحد الوجهين وقوله: " انك لاتخلف الميعاد " فيه اعتراف بأنه لايخلف الميعاد بعد الدعاء بالايجاز لئلا ينوهم عليهم تجويز الخلف على الله تعالى.

وقوله تعالى:

(فاستجاب لهم ربهم أني لاأضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا واخرجوا من ديارهم واو ذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لاكفرن عنهم سيئآتهم ولادخلنهم

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة البقرة: آية 286.

 

===============

(88)

جنات تجري من تحتها الانهار ثوابا من عندالله والله عنده حسن الثواب) (195) - آية بلاخلاف -.

قرأ حمزة والكسائي وخلف " وقتلوا وقاتلوا " بتقديم المفعولين على الفاعلين الباقون " قاتلوا وقتلو " بتقديم الفاعلين على المفعولين، وشدد التاء من (قتلوا) ابن كثير وابن عامر. وقرأ عمر بن عبدالعزيز " وقتلوا " بلاالف " وقتلوا " وقال الطبري القراءة بتقديم المفعولين لاتجوز، وهذاخطأ ظاهر، لان من اختار اسم الفاعلين على المفعولين، وجه قراءته أن القتال قبل القتل. ومن قدم المفعولين على الفاعلين وجه قراءته يحتمل أمرين:

أحدهما - أن يكون المعطوف بالواو ويجوز أن يكون أولا في المعنى. وان كان مؤخرا في اللفظ، لان الواو، لايوجب الترتيب وهي تخالف الفاء في هذا المعنى، وهكذا خلافهم في سورة التوبة.

والثاني - أن يكون لما قتل منهم قاتلوا ولم يهنوا ولم يضعفوا لمكان من قتل منهم كما قال تعالى (فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وماضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين) (1) وقوله: (فاستجاب لهم ربهم أني) أي بأني وحذف الباء، ولو قرئ بكسر الهمزة كان جائزا على تقدير: قال لهم " إني لاأضيع عمل عامل منكم " ومعنى قوله: " فاستجاب " أجابهم ربهم يعني الداعين بما تقدم وصف الله إياهم وأجاب واستجاب بمعنى قال الشاعر:

وداع دعا يامن يجيب إلى الندى * فلم يستجبه عند ذاك مجيب (2)

أي لم يجبه. " بأني لاأضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى " من زائدة كما يقال كان من الحديث ومن الامر ومن القصة. ومن ههنا أحسن، لان حرف

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة آل عمران: آية 146.

(2) قائله كعب بن سعد الغنوي الاصمعيات: 98 والقصيدة مشهورة، يرثي بها أخاه أبا المغوار مر منها أبيات متفرقة. وقدمر هذا البيت في 1: 84.

 

===============

(89)

النفي قد دخل في قوله: " لاأضيع " من ههنا ليست زائدة، لانها دخلت لمعنى ولايصلح الكلام إلابها، لانها للترجمة والتفسير عن قوله: " منكم " بمعنى لاأضيع عمل عامل منكم من الذكور والاناث، قالوا ولاتكون من زائدة إلا في موضع جحد. وقوله: (لاأضيع عمل عامل منكم) لم يدركه الجحد لانك لاتقول لاأضرب غلام رجل في الدار، ولافي البيت، فيدخل ولا، لانه لم ينله الجحد ولكن (من) مفسرة. وقوله: " لاكفرن عنهم سيئآتهم " معناه لاذهبنا واسقط عقابها، وهذه الآية، والتي قبلها - في قول البلخي - نزلت في المتبعين للنبي (صلى الله عليه وآله) والمهاجرين معه ثم هي في جميع من سلك سبيلهم واتبع آثارهم من المسلمين. وقوله:

" لاكفرن عنهم سيئآتهم " أي لاغطينها وأمحونها وأحطنها عنهم بما ينالهم من ألم الهجرة والجهاد واحتمال تلك الشدائد في جنب الله. وحمل السيئآت على الصغائر.

وقوله: " ثوابا من عند الله " نصب على المصدر ذكر على وجه التأكيد، لان معنى " ولادخلنهم جنات تجري من تحتها الانهار " (1) لاثيبنهم، ومثله

“ كتاب الله عليكم " لان قوله: " حرمت عليكم أمهاتكم وبنانكم " (2) معناه كتب الله عليكم (وكتاب الله عليكم) مؤكد ومثل ذلك " صنع الله الذي " (3)

لان قوله: " وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب " (4) قد علم منه أن ذلك صنع الله. وقوله: " من ذكر أوأنثى " روي انه قيل لرسول الله (صلى الله عليه وآله):

مابال الرجال يذكرون، ولاتذكر النساء في الهجرة، فأنزل الله هذه الآية روي ذلك عن مجاهد، وعمرو بن دينار، ويقال ان القائل لرسول الله (صلى الله عليه وآله) كانت أم سلمة (رض). وقوله: " بعضكم من بعض " قال أبوعلي: يحتمل أمرين:

أحدهما - أن يريد بقوله: " بعضكم " العاملين " من بعض " يعني بعض العمل الذي أمرتم به.

 

ــــــــــــــــــ

(1) سورة المائدة: آية 13. (2) سورة النساء: آية 22.

(3، 4) سورة النمل: 88.

 

===============

(90)

والثاني - أن يكون عنى بقوله: " بعضكم من بعض " أن ذكور المؤمنين وأناثهم مستوون في أن لايضيع الله لاحد منهم عملا، وان يجازيهم على طاعاتهم، فأناث المؤمنين بعض المؤمنين، وكذلك ذكورهم، فبعضهم كبعض في هذا الباب.

وقال الطبري " بعضكم " يعني الذين يذكرونني " قياما وقعودا وعلى جنوبهم " من بعض في النصرة، والملة، والدين، وحكم جميعكم فيما أفعل بكم حكم أحدكم في " أني لاأضيع عمل عامل " ذكر منكم ولاأنثى. والاضاعة: الاهلاك. ضاع الشئ يضيع: إذا هلك. وأضاعه اضاعة وضيعه تضييعا، ومنه الضيعة: القرية.

وقوله: (فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم) يعني الذين هاجروا عن قومهم من أهل الكفر في الله إلى اخوانهم المؤمنين " وأخرجوا من ديارهم " هم المهاجرون الذين أخرجهم المشركون من مكة " وأوذوا في سبيلي " بمعنى أوذوا في طاعتي وعبادتي، وديني. وذلك هو سبيل الله " وقاتلوا " يعني في سبيل الله " وقتلوا " فيها " لاكفرن عنهم سيئآتهم " يعني لامحونها عنهم، ولاتفضلن عليهم بعفوي ورحمتي، ولاغفرنها لهم. وذلك يدل على أن إسقاط العقاب تفضل على كل حال.

" ولادخلنهم جنات تجري من تحتها الانهار ثوابا " يعني جزاء لهم على أعمالهم

“ والله عنده حسن الثواب " معناه أن عنده من حسن الجزاء على الاعمال مالا يبلغه وصف واصف مما لاعين رأت ولاخطرعلى قلب بشر.

قوله تعالى: (لايغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد (196) متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد) (197) - آيتان بلاخلاف.

المعنى:

هذا خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله). وقيل في معناه قولان:

أحدهما - ان ذلك على وجه التأديب والتحذير، لان النبي لاتجوز عليه

 

===============

(91)

المعاصي لمكان التحذير من الله والتخويف، كماقال (لئن أشركت ليحبطن عملك) (1)

الثاني - ان الخطاب وان توجه إليه، فالمراد به جميع المؤمنين، وتقديره لايغرنكم أيها المؤمنون ما ترون ان قوما من الكفار كانوا يتجرون ويربحون في الاسفار التي كانوا يسافرونها، ويسلمون فيها لكونهم في الحرم، فأعلم الله تعالى أن ذلك مما لاينبغي أن يغبطوا به، لان مأواهم ومصيرهم بكفرهم إلى النار، ولا

 خير بخير بعده النار. وقوله: " متاع قليل " معناه ذلك الكسب، والربح الذي يربحونه متاع قليل وسماه متاعا، لانهم متعوا به في الدنيا، والمتاع النفع الذي تتعجل به اللذة اما بوجود اللذة أو بما يكون به اللذة نحو المال الجليل، والملك، وغير ذلك من الاولاد والاخوان. ووصفه بالقلة لسرعة زواله وانقطاعه، وذلك قليل بالاضافة إلى نعيم الآخرة.

والمهاد الموضع الذي يسكن فيه الانسان ويفترشه.

ووصفه بأنه بئس المهاد على ضرب من المجاز، لمافيه من أنواع العذاب، لان الذم انما هو على الاساءة كقولك: بئس الرجل - هذا قول أبي علي الجبائي - وقال البلخي: هو حقيقة لانه على وجهين:

أحدهما - من جهة النقص.

والآخر - من جهة الاساءة، وهو معنى قول السدي، وقتادة، وأكثر المفسرين. والغرور ايهام حال السرور فيما الامر بخلافه في المعلوم، وليس كل ايهام غرورا، لانه قد يتوهمه مخوفا فيحذر منه، فلا يقال غره. والفرق بين الغرر والخطر ان الغرر قبيح، لانه ترك الحزم فيما يمكن أن يتوثق منه، والخطر قد يحسن على بعض الوجوه، لانه من العظم من قولهم: رجل خطير أي عظيم، وبني المضارع مع النون الشديدة، لانه بمنزلة ضم اسم إلى اسم للتأكيد.

قوله تعالى:

(لكن الذين اتقواربهم لهم جنات تجري من تحتها

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة العنكبوت: آية 65.

 

===============

(92)

الانهار خالدين فيها نزلا من عند الله وما عند الله خير للابرار)

(198) - آية -.

قرأ أبوجعفر (لكن) بتشديد النون وفتحها - ههنا وفي (الزمر) - وقرأ أبوعمرو والكسائي، وحمزة في أكثر الروايات (الاشرار، والابرار، والقرار) بالامالة. الباقون - بالتفخيم - والامالة في فتحة الراء حسنة، لان الراء المكسورة تغلب المفتوحة كما غلبت المستعلي في قولهم: قارب وطارد، وقادر فيمن أمالهن، فاذا غلبت المستعلي، فان تغلب الراء المفتوحة أولى، لانه لا استعلاءفي الراء، وإنما هو حرف من مخرج اللام فيه تكرير. ومن لم يمل، فلان كثيرا من الناس لايميل شيئا من ذلك.

لما أخبر الله تعالى عما للكفار من سوء العاقبة وأنواع العذاب بشر المؤمنين بما أعدلهم من الجزاء عندالله وجزيل الثواب، فقال: (لكن الذين اتقوا ربهم)

بفعل الطاعات، وترك المعاصي (لهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها نزلا من عند الله) يعني ثوابا من عندالله، وهو نصب على المصدر على وجه التأكيد، لان خلودهم فيه أنزالهم فيها، كأنه قال: نزلوها نزلا، وهو بمعنى أنزلوها انزالا.

ويحتمل أن يكون نصبا على التفسير، كقولك: هو لك هبة. وواحد الابرار بار:

مثل صاحب، وأصحاب. و. يجوز أن يكون بر وأبرار - على فعل وأفعال - تقول:

بررت والدي، فانابر. وأصله بررلكن ادغمت الراء للتضعيف. وقوله: " وما عندالله خير " يعني من الحبا والكرامة، وحسن المآب خير للابرار مما يتقلب فيه الذين كفروا، لان ما يتقلبون فيه زائل فان قليل، وما عندالله دائم غير زائل.

وقدبينا معنى (لكن) فيما مضى، وانها للاستدراك بها خلاف المعنى المتقدم من اثبات بعد نفي أو نفي بعد اثبات. فقوله: (لايغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد) يتضمن معنى فما لهم كبير نفع، فجاء على ذلك، (لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات) وقوله: (تجري من تحتها الانها ر) معناه تجري من تحت شجرها.

 

===============

(93)

ويقال انها تجري معلقة من غير أخدود لها. روي ذلك عن عبدالله بن مسعود، ثم قال: مامن نفس برة ولافاجرة إلا والموت خير لها (1)، وقوله في الفاجرة:

إن الموت خير لها يعني إذاكانت تدوم على فجورها.

قوله تعالى:

(وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وماأنزل اليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لايشترون بآيات الله ثمناقليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب) (199) - آية بلاخلاف -.

النزول:

اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية، فقال جابر بن عبدالله، وسعيد بن المسيب، وقتادة، وابن جريج إن النبي (صلى الله عليه وآله) لما بلغه موت النجاشي، دعا له واستغفر له، وصلى عليه، وقال للمؤمنين: صلوا عليه، فقالوا نصلي على رجل ليس بمسلم؟ وقال قوم منافقون: نصلي على علج بنجران؟ فنزلت هذه الآية، فالصفات التي فيها صفات النجاشي. وقال ابن زيد وفي رواية عن ابن جريج وابن اسحاق إنها نزلت في جماعة من اليهود وكانوا أسلموا، منهم: عبدالله بن سلام، ومن معه. وقال مجاهد: إنها نزلت في كل من أسلم من أهل الكتاب من اليهود والنصارى وهو أولى، لانه عموم الآية، ولادليل يقطع به على ما قالوه على انها لو نزلت في النجاشي أو من ذكر، لم يمنع ذلك من حملها على عمومها، في كل من أسلم من أهل الكتاب، لان الآية قد تنزل على سبب وتكون عامة في كل من تتناوله.

المعنى: وإنما خصوا بالوعيد، ليبين ان جزاء أعمالهم موفر عليهم، لايضرهم كفر

ـــــــــــــــــــــــ

(1) في المطبوعة: (فيها).

 

===============

(94)

من كفر منهم فتأويل الآية " وان من أهل الكتاب ": التوراة والانجيل " لمن يؤمن بالله " أي يصدق بالله ويقر بوحدانيته، " وماأنزل إليكم " أيها المؤمنون من كتابه ووحيه على لسان نبيه محمد (صلى الله عليه وآله)، " وما أنزل إليهم " يعني إلى أهل الكتاب من الكتب " خاشعين " يعني خاضعين بالطاعة مستكينين له بها متذللين قال ابن زيد:

الخاشع: المتذلل الخائف. " لايشترون بآيات الله ثمنا قليلا " معناه لايحرفون ماأنزل الله في كتبه من أوصاف محمد (صلى الله عليه وآله) فيبدلونه، ولاغير ذلك من أحكامه، وحججه لغرض من الدنيا خسيس يعطونه على التبديل، وابتغاء الرئاسة على الجهال، كما فعله غيرهم ممن: صفه بقوله تعالى: " أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى " (1) وقال: " اولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة " (2) لكن ينقادون للحق، ويعملون بماأمرهم الله به مما أنزل إليهم، وينتهون عما نهاهم عنه ثم قال: " أولئك " يعني هؤلاء الذين يؤمنون " بالله. وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم... لهم أجرهم عند ربهم " يعني لهم عوض أعمالهم وثواب طاعاتهم فيما يطيعونه فيها مذخور عند ربهم حتى يوفيهم يوم القيامة " إن الله سريع الحساب " وصفه بالسرعة لانه لايؤخر الجزاء عمن يستحقه لطول الحساب، لانه لايخفى عليه شئ من أعمالهم قبل أن يعملوها وبعد أن عملوها، فلاحاجة به إلى احصاء، عدد فيقع في الاحصاء ابطاء وقال الجبائي: لانه قادر على أن يكلمهم في حال واحدة كل واحد بكلام يخصه. لانه قادر لنفسه و " خاشعين " نصب على الحال، ويمكن أن يكون حالا من الضمير في " يؤمن " وهو عائد إلى قوله: " لمن يؤمن بالله " ويمكن أن يكون حالا من قوله: (إليهم) وقال الحسن: الخشوع: الخوف اللازم للقلب من الله. وأصل الخشوع: السهولة: والخشعة، سهولة الرمل كالربوة. والخاشع من الارض: الذي لايهتدى له، لان الرمل يعفي اثاره.

 

ــــــــــــــــــ

(1) سورة البقرة: آية 16. (2) سورة البقرة: آية 86.

 

===============

(95)

ومنه قوله: " خاشعة أبصارهم " (1) " وخشعت الاصوات للرحمن " (2)

والخاشع: الخاضع ببصره. والخشوع: التذلل خلاف التصعب.

قوله تعالى: (ياأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون) (200) - آية بلاخلاف -.

اختلفوا في تأويل هذه الآية، فقال قوم: معنى اصبروا اثبتوا على دينكم وصابروا الكفار ورابطوهم يعني في سبيل الله ذهب إليه الحسن، وقتادة، وابن جريج، والضحاك وقال آخرون: معناها " اصبروا " على دينكم " وصابروا " الوعد الذي وعدتكم به " ورابطوا " عدوي وعدوكم ذهب إليه محمد بن كعب القرظي. وقال آخرون " اصبروا " على الجهاد " وصابروا عدوكم ورابطوا " الخيل عليه ذهب إليه زيد بن أسلم. وقال آخرون: رابطوا الصلوات أي انتظروها واحدة بعد واحدة، لان المرابطة لم تكن حينئذ وهذا مروي عن علي (ع) ذهب (3)

إليه أبوسلمة بن عبدالرحمن، وجابر بن عبدالله وأبوهريرة والاولى أن تحمل الآية على عمومها في الصبر على كل ما هو من الدين، فعلا كان أوتركا.

وأصل الرباط ارتباط الخيل للعدو، والربط الشد، ومنه قولهم: ربط الله على قلبه بالصبر، ثم استعمل في كل مقيم في ثغر يدفع عمن وراء من أرادهم بسوء وينبغي (4) أن يحمل قوله رابطوا أيضا على المرابطة لما عندالله لانه العرف في استعمال الخبر، وعلى انتظار الصلاة واحدة بعد أخرى. وقوله: " واتقوا الله " معناه اتقوا ان تخالفوه فيما يأمركم به لكي تفلحوا ـ وتفوزوا ـ (ه) بنعيم الابد وتنجحوا بطاعتكم من الثواب الدائم.

 

ــــــــــــــــــ

(1) سورة القلم: آية 43. (2) سورة طه: آية 108.

(3) في المخطوطة (وذهب). (4) في المطبوعة (ينبغي) باسقاط الواو.

(5) مابين القوسين ساقط من المطبوعة

 

===============

(96)

وروي عن أبي جعفر (ع) انه قال اصبروا على المصائب، وصابروا على عدوكم، ورابطوا عدوكم. وانما جمع بين " اصبروا وصابروا " من أن المصابرة من الصبر، للبيان عن تفصيل (1) الصبر الذي يعني به في الذكر لان المصابرة صبر على جهاد العدو يقابل صبره لان المفاعلة بين اثنين.

وإنما وصف (أي) بالموصول ولم يوصف بالمضاف، لان (الذي) يجري مجرى الجنس، لان فيه الالف واللام بمنزلة قوله ياأيها المؤمنون، ولايجوز ياأيها أخو زيد، لانه لايصح فيه الجنس.

 

ــــــــــــــــــ

(1) في المطبوعة (تفضيل).