(213)

يعنى القامر. وقيل أخذ من التجزءة، لان كل شئ جزأته، فقد يسرته، والياسر: الجازر. والميسر: الجزور. وقيل الميسر مأخوذ من اليسر، وهو تسهل الشئ، لانهم - كانوا - مشتركون في الجزور، ليسهل أمرها إلا أنه المعنى الجهة: القمار.

المعنى:

وقوله: " قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس " فالنفع التي في الخمر: ما كانوا يأخذونه في أثمانها، وربح تجارتها، وما فيها من اللذة بتناولها: أي فلا تغتروا بالنفع فيها، فالضرر أكثرمنه. وقال الحسن، وغيره: هذه الاية تدل على تحريم الخمر، لانه ذكر أن فيها إثما، وقد حرم الله الاثم بقوله: " قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم " (1) على أنه قد وصفها بأن فيها إثما كبيرا والكبير يحرم بلا خلاف.

وقال قوم: المعنى وإثمهما بعد تحريمهما أكبر من نفعهما قبل تحريمهما. وقال آخرون: المعنى إن الاثم بشرب هذه، والقمار بها أكبر وأعظم، لانهم كانوا إذا استكروا وثب بعضهم على بعض، وقاتل بعضهم بعضا. وقال قتادة: لاتدل الاية على تحريمهما، وإنما تدل الاية التي في المائدة في قوله: " إنما الخمر والميسر " (2)

إلى آخرها. ووجهه قتادة على أنه قد يكثر فيهما " إثم كبير ".

وقوله: " يسألونك ماذا ينفقون " قال السدي: نسخته آية الزكاة. وقال مجاهد: هو فرض ثابت. وقال قوم: هو أدب من الله ثابت غير منسوخ، وهو الاقوى، لانه لادليل على نسخها.

و " العفو " هنا قيل في معناه ثلاثة أقوال:

قال ابن عباس، وقتادة: هو ما فضل عن الغنى.

وقال الحسن، وعطا: هو الوسط من غير إسراف ولا إقتار.

وقال مجاهد: هو الصدقة المفروضة.

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " سورة الاعراف آية: 32.

" 2 " آية: 93.

 

===============

(214)

وروي عن أبي جعفر (ع) أن العفو: ما فضل عن قوت السنة، فنسخ ذلك بآية الزكاة. وروي عن أبي عبدالله (ع) أن العفو هاهنا: الوسط. والعفو مأخوذ من الزيادة ومنه قوله: " حتى عفوا " (1) أي حتى زادوا على ما كانوا عليه من العدد قال الشاعر:

ولكنا نعض السيف منها * باسبق عافيات الشحم كوم (2)

أي زايدات الشحم. وقال قوم: هو مأخوذ من الترك من قوله: " فمن عفي له من أخيه شئ " (3) أي ترك له، فيكون العفو المتروك غنى عنه، ومن رفع معناه ما الذي ينفقون، وفي الاول كأنه قال: أي شئ ينفقون، فقالوا: العفو. وإنما وحد الكاف في كذلك، وإن كان الخطاب لجماعة، لاحد أمرين: أحدهما - في تقدير كذلك أيها السائل. والثاني - أن يكون الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله) ويدخل فيه الامة، كما قال: " يا أيها النبي اذا طلقتم النساء " (3)

وقوله: " لعلكم تتفكرون " أي لكي تتفكروا، وهي لام الغرض. وفي ذلك دلالة على أن الله تعالى أراد منهم التفكر سواء تفكروا أو لم يتفكروا.

قوله تعالى:

في الدنيا والاخرة ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فاخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لاعنتكم إن الله عزيز حكيم (220)

آية واحدة. والاعراب والمعنى:

العامل في الضرف من قوله: " في الدنيا والاخرة " يحتمل أمرين:

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " سورة الاعراف آية: 94.

" 2 " قائله لبيد بن ربيعة، ديوانه: 19 رقم القصيدة: 3 في المطبوعة " يعض السيف منا " وهو خطأ، لان البيت من قصيدة يفتخر في كرمهم: يقول:

" 3 " سورة البقرة آية: 187.

" 4 " سورة الطلاق آية: 1.

 

===============

(215)

أحدهما - " يبين " على قول الحسن. والثاني - " يتفكرون " في قول غيره.

وأجاز الزجاج الوجهين معا.

وكيفية فكرهم في الدنيا والاخرة، قال قتادة: يتفكرون في أن الدنيا دار بلاء، وفناء، والاخرة دار جزاء وبقاء.

اللغة:

وقوله تعالى: " ويسألونك عن اليتامى "، فهو جمع يتيم، والفعل منه يتم ييتم يتما، كقولك: نكر نكرا. وحكى الفراء: يتم ييتم يتما، كشغل شغلا.

وقوله: " وإن تخالطوهم " فالمخالطة: مجامعة يتعذر معها التمييز، كمخالطة الخل للماء، والماء للماء وما أشبه ذلك، تقول: خلط يخلط خلطا، وخالطه خلاطا ومخالطة، واختلاطا، وتخالطوا تخالطا، وخلطه تخليطا، وتخلط تخلطا. وأخلط الفرس: إذا قصر في جريه. واستخلط الفحل: اذا خالط ثيله حياء الناقة (1)

. والخلاط: الجنون، لاختلاط الامور على صاحبه. والخليطان: الشريكان، لاختلاط أموالهما. والخليط: القوم أمرهم واحد والخلاط: داء في الجوف. ورجل خلط:

متحبب إلى الناس، لطلبه الاختلاط بهم.

المعنى:

ومعنى الاية الاذن لهم فيما كانوا متحرجون منه من مخالطة الايتام في الاموال: من المأكل، والمشرب والمسكن، ونحو ذلك، فأذن الله لهم في ذلك إذا تحروا (2)

الاصلاح بالتوفير على الايتام - في قول الحسن، وغيره - وهو المروي في أخبارنا.

الاعراب:

وقوله: " فاخوانكم " رفع على فهم (3) أخوانكم خالطموهم أو لم تخالطوهم،

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " في المطبوعة " ثيله حال الناقة " وهو تصحيف.

" 2 " في المطبوعة " اذا انحروا " وهو تصحيف " 3 " في المطبوعة " فهو ".

 

===============

(216)

وقوله: " فان خفتم فرجالا أو ركبانا " (1) نصب على فصلوا (2) وهو حال الصلاة خاصه لاحال معنى فأنتم رجال أو ركبان، كيف تصرفت الحال. ويجوز - في العربية - فاخوانكم على النصب على تقدير: فاخوانكم تخالطون، والوجه الرفع، لما بيناه.

اللغة:

وقوله: " ولو شاء الله لاعنتكم " معناه: التذكير بالنعمة في التوسعة على ما توجبه الحكمة مع القدرة على التضييق الذي فيه أعظم المشقة، والاعنات: الحمل على مشقة لا تطاق فعلا. وعنت العظم عنتا اذا أصابه وهن أو كسر، وأعنته إعناتا إذا عسفه (3) بالحمل على مكروه لا يطيقه. وعنت عنتا إذا اكتسب مأثما، وتعنته تعنتا إذ لبس عليه في سؤاله له. والاكمة العنوت: هي الطويلة من الاكام، وأصل الباب المشقة.

المعنى:

وقال البلخي: في هذه الاية دلالة على فساد قول من قال: إنه تعالى لايقدر على الظلم، لان الاعنات - بتكليف ما لا يجوز في الحكمة - مقدور له، إذ لو يشاء لفعله.

وقال الجبائي:: لوأعنتهم لكان جائزا حسنا، لكنه تعالى وسع على العباد، لما في التوسعة من تعجيل النعمة. وفي الاية دلالة على بطلان قول المجبرة (4)

في البدل، وتكليف ما لا يطاق، أما البدل، فلانهم يذهبون إلى النهي عن الكفر الموجود في حالة بأن يكون الايمان بدلا منه، وهذا أعظم ما يكون من الاعنات، لانه أمر له (5) بالمحال، هو ليكن منك الايمان بدلا من الكفر الموجود في

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " سورة البقرة آية: 239. " 2 " في المطبوعة " فضلوا " بتشد الضاد.

" 3 " عسفه: ظلمه، والعسف الظلم.

" 4 " في المطبوعة " بطلان " سافطة.

" 5 " في المطبوعة " أمر " ساقطة.

 

===============

(217)

الحال، وكذلك النهي فيما لم يكن منك ما هو كائن من الكفر الموجود في الحال كل ذلك محال، وكذلك الامر بالايمان، من لم يقدر على الايمان، فاذا لم يفعله عذب بأشد العذاب، وإذا لم يكلف من الممكن ما فيه مشقة وشدة، للمظاهرة على عباده بالنعمة، لم يجز أن يكلف ما ليس على قدره، لانه أسوء تناقض المظاهرة بالنعمة.

وقوله: " إن الله عزيز حكيم " أي يفعل بعزته مايحب، لا يدفعه عنه دافع.

" حكيم " ذو حكمة فيما أمركم به من أمر اليتامى وغيره.

قوله تعالى:

ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولامة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولاتنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة باذنه ويبين آياته للناس للعلهم يتذكرون (221) آية واحدة.

اللغة:

نكح ينكح نكحا ونكاحا: إذا تزوج، وأنكح غيره إنكاحا: إذا زوجه وتناكحوا تناكحا، وناكحه مناكحة قال الاعشى:

ولا تقربن جارة إن سرها * عليك حرام فانكحن أو تأبدا (1)

أي تعفف وأصل الباب التزويج.

المعنى:

وهذه الاية على عمومها - عندنا - في تحريم مناكحة الكفار، وليست منسوخة ولا مخصوصة. وقال ابن عباس في رواية شهر بن حوشب عنه قال: فرق

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " ديوانه: 137 رقم القصيدة 17. والتأبد: التعزب أبدا وهو الابتعاد عن النساء.

يقول: لا تتزوج جارتك وتزوج غيرها أو استعفف ولا تقترب من النساء.

 

===============

(218)

عمر بين (1) طلحة وحذيفة وبين إمر أتيهما اللتين كانتا عندهما (2) وقال غيره عن ابن عباس، وإليه ذهب الحسن، ومجاهد والربيع: هي عامة إلا أنها نسخت بقوله:

" والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب "، وقال قتادة، وسعيد بن جبير: هي على الخصوص، وإنما اختير ما قلناه لانه لا دليل على نسخها، ولا على خصوصها، وسنبين وجه الاية في المائدة اذا انتهينا إليها.

فأما المجوسية، فلا يجوز نكاحها إجماعا. والذي لايجوز: أن يتزوج مسلمة إجماعا، وامراحا واجبارا (3).

وقوله " ولامة مؤمنة خير من مشركة " فالامة: المملوكة. يقال أقرت

 بالاموة أي بالعبودية وأميت فلانة، وتأميتها اذا جعلتها أمة قال الراجز:

يرضون بالتعبيد والتآمي (4)

وجمع أمة إماء وأآم وأصل الباب العبوديه، وأصل أمة فعلة بدلالة قولهم أماء وا آم في الجمع نحو أكمة وأكام واآكم. والفرق بين " ولو أعجبكم " وبين إن أعجبكم: أن لو للماضي وإن للمستقبل وكلاهما يصح في معنى الاية، ولايجوز نكاح الوثنية إجماعا، لانها تدعو إلى النار كما حكاه الله تعالى، وهذه العلة بعينها قائمة في الذمية من اليهودية والنصارى، فيجب أن لايجوز نكاحها. وفي الاية دلالة على جواز نكاح الامة المؤمنة مع وجود الطول، لقوله " ولامة مؤمنة خير من مشركة " فأما الاية التي في النساء، وهي قوله: " ومن لم يستطع منكم طولا " (5) فانما هي على التنزيه دون التحريم، ومتى أسلم الزوجان معا ثبتا على النكاح - بلا خلاف - وبه قال الحسن. وإن أسلمت قبله طرفة عين، فقد وقعت الفرقة - عند الحسن،

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " في المطبوعة " عمر بن طلحة " وهو تحريف.

" 2 " في المطبوعة " وحذيفة وامرأتهما اللتين كانتا عنهما أبين " وهو تحريف فاحش.

" 3 " هكذا في الاصل ولم أجد لها مخرجا مقطوعا به، ولعلها: اجماعا وقولا وأخبارا أي اجماعا على الفتوى، وأقوال المفسرين والاخبار المأثورة.

قائله رؤبة. اللسان " أما " في المطبوعة " ترضون " بدل " يرضون ".

" 5 " سورة النساء آية: 24.

 

===============

(219)

وكثير من الفقهاء، وعندنا ينتظر عدتها فان أسلم الزوج بنينا أن الفرقة لم تحصل، ورجعت إليه، وإن لم يسلم بنيناأن الفرقة وقعت حين الاسلام غير أنه لا يمكن من الخلو بها. فان أسلم الزوج وكانت ذمية استباح وطؤها بلا خلاف. وإن كانت وثنية انتظر إسلامها ما دامت في العدة، فان أسلمت ثبت عقده عليها، وإن لم تسلم بانت منه.

فان قيل: كيف قيل للكافر الموحد مشرك: قيل فيه قولان:

أحدهما - أن كفره نعمة الله بمنزلة الاشراك في العبادة في عظم الجرم.

والاخر ذكره الزجاج - وهو الاقوى -، لانه اذا كفر بالنبي (صلى الله عليه وآله) فقد أشرك فيما لايكون إلا من عند الله، وهو القرآن بزعمه أنه من عند غيره.

وقوله " باذنه " معناه أحد أمرين: أحدهما - باعلامه. والاخر - بأمره، وهو قول الحسن، وأبي علي وغيرهما.

قوله تعالى:

ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فاذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين (222) آية واحدة.

القراءة:

قرأ أهل الكوفة إلا حفصا (حتى يطهرن) بتشديد الطاء والهاء. الباقون بالتخفيف.

المعنى:

قيل: إنما سألوا عن المحيض، لانهم كانوا على تجنب أمور: من مواكلة الحائض، ومشاربتها حتى كانوا لا يجالسونها في بيت واحد، فاستعلموا ذلك،

 

===============

(220)

أواجب هو أم لا؟ في قول قتادة، والربيع، والحسن، وقال مجاهد: كانوا على استجازة إتيانهن في الادبار أيام الحيض، فلما سألوا عنه، بين تحريمه، والاول - عندنا - أقوى.

اللغة:

والمحيض مصدر حاضت المرأة تحيض حيضا ومحيضا، فهي حائض. والمرة حيضة (1) وجمعه حيض وحيضات. ونساء حيض. والمستحاضة: التي عليها الدم فلا رواق (2) وأصل الباب الحيض: مجئ الدم لانثى على عادة معروفة.

أحكام الحيض، والاستحاضة:

وصفة الحيض: هو الدم الغليظ الاسود الذي يخرج بحرارة. وأقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثرة عشرة، وهو قول الحسن، وأهل العراق. وقال الشافعي، وأكثر أهل المدينة: أقل الحيض يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يوما. وحكي أن قوما قالوا: ليس له وقت محدود: إنما هو مارأت دم الحيض. وأقل الطهر عشرة أيام، وخالف الجميع وقالوا: خمسة عشر يوما. والاستحاضة: دم رقيق أصفر بارد.

وحكم الاستحاضة حكم الطهر في جميع الاحكام إلا في تجديد الوضوء - عند كل صلاة - ووجوب الغسل عليها على بعض الوجوه - عندنا -.

وقوله: " أذى " معناه: قذر ونجس - في قول قتادة والسدي -.

وقوله: " فاعتزلوا النساء في المحيض " معناه: اجتنبوا الجماع في الفرج، وبه قال ابن عباس، وعائشة، والحسن، وقتادة، ومجاهد. وما فوق المئزر أودونه، عن شريح، وسعيد بن المسيب. وعندنا: لا يحرم منها غير موضع الدم فقط. ومن وطئ الحائض في أول الحيض، كان عليه دينار، وإن كان في وسطه، فنصف دينار، وفي آخره ربع دينار. وقال ابن عباس: عليه دينار، ولم يفصل. وقال الحسن:

يلزمه رقبة أو بدنة أو عشرون صاعا.

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " في المطبوعة " والمرأة حيضة " وهو تصحيف.

(2) هكذا في المطبوعة.

 

===============

(221)

اللغة:

ويقال: عزله يعزله عزلا، واعتزل اعتزالا، وعزله تعزيلا. والاعزل: الذي لاسلاح معه. وعزلا المزادة: مخرج الماء من أحد جوانبها، والجمع عزال. وكل شئ نحيته عن موضع، فقد عزلته عنه، ومنه عزل الوالي. وأنت عن هذا بمعزل: أي منتحى. والاعزل من السماكين: الذي نزل به القمر. والمعزال من الناس: الذي لاينزل مع القوم في السفر، لكنه ينزل ناحية، وأصل الباب الاعتزال، وهو التنحي عن الشئ.

المعنى:

وقوله: " حتى يطهرن " بالتخفيف معناه: ينقطع الدم عنهن. وبالتشديد معناه: يغتسلن - في قول الحسن، والفراء - وقال مجاهد، وطاووس: معنى تطهرن:

توضأن، وهو مذهبنا.

والفرق بين (طهرت) و (طهرت) أن فعل لا يتعدى، لان ما كان على هذا البناء لا يتعدى، وليس كذلك فعل. ومن قرأ بالتشديد قال: كان أصله " يتطهرن " فأدغمت التاء في الطاء وعندنا يجوز وطئ المرأة إذا انقطع دمها، وطهرت وإن لم تغتسل إذا غسلت فرجها. وفيه خلاف، فمن قال: لا يجوز وطؤها إلا بعد الطهر من الدم، والاغتسال:

تعلق بالقراءة بالتشديد، فانها تفيد الاغتسال، ومن قال: يجوز، تعلق بالقراءة بالتخفيف وأنها لاتفيد الاغتسال. وهو الصحيح. ويمكن في قراءة التشديد أن تحمل على أن المراد به توضأن على ما حكيناه عن طاووس، وغيره. ومن استعمل قراءة التشديد يحتاج أن يحذف القراءة بالتخفيف أو يقدر محذوفا تقديره حتى يطهرن ويتطهرن، وعلى ما قلناه لا يحتاج اليه.

وقوله: " فاذا تطهرن " معناه: اغتسلنا، وعلى ما قلناه: حتى يتوضأن.

وقوله: " فأتوهن من حيث أمركم الله " صورته صورة الامر، معناه

 

===============

(222)

الاباحة، كقوله: " فاذا حللتم فاصطادوا " (1) " وإذا قضيت الصلاة فانتشروا " (2) وقوله: " من حيث أمركم الله " معناه من حيث أمركم الله بتجنبه في حال الحيض، وهو الفرج، على قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والربيع. وقال السدي، والضحاك: من قبل الطهر دون الحيض. وعن ابن الحنفية من قبل النكاح دون الفجور، والاول أليق بالظاهر. ويحتمل أن يكون من حيث أباح الله لكم دون ماحرمه عليكم من إتيانها وهي صائمة أو محرمة أو معتكفة، ذكره الزجاج. وقال الفراء: لو أراد الفرج لقال في حيث، فلما قال: " من حيث " علمنا أنه أراد من الجهة الذي أمركم الله بها.

وقال غيره: إنما قال: " من حيث " ولم يقل في حيث، لان (من) لابتداء الغاية في الفعل، نحو قولك: اأت زيدا من مأتاه من الوجه الذي يؤتى منه.

وقوله: " يحب التوابين ويحب المتطهرين " قال عطا: المتطهرين بالماء. وقال مجاهد: المتطهرين من الذنوب، والاول مروي في سبب نزول هذه الاية، والمعنى يتناول الامرين. وإنما قال: " المتطهرين " ولم يقل المتطهرات، لان المؤنث يدخل في المذكر، لتغليبه عليه.

قوله تعالى:

نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لانفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين (223) آية واحدة بلا خلاف.

قيل في معنى قوله: " حرث لكم " قولان:

أحدهما - أن معناه: مزرع أولادكم، كأنه قيل: محترث لكم، في قول ابن عباس، والسدي، وإنما الحرث: الزرع في الاصل.

والقول الثاني: نساؤكم ذو حرث لكم، فأتوا موضع حرثكم أنى شئتم،

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " سورة المائدة آية: 3.

" 4 " سورة الجمعة آية: 10.

 

===============

(223)

ذكره الزجاج. وقيل: الحرث كناية عن النكاح على وجه التشبيه.

وقوله: " أنى شئتم " معناه: من أين شئتم - في قول قتادة، والربيع وقال مجاهد: معناه كيف شئتم. وقال الضحاك معناه متى شئتم، وهذا خطأ عند جميع المفسرين، وأهل اللغة، لان (أنى) لايكون إلا بمعنى من أين، كما قال:

" أنى لك هذا قالت هو من عند الله " (1). وقال بعضهم: معناه من أي وجه واستشهد بقول الكميت بن زيد:

أنى ومن أين آبك الطرب * من حيث لاصبوة ولاريب (2)

وهذا لا شاهد فيه، لانه يجوز أن يكون أتى به، لاختلاف اللفضين، كما يقولون: متى كان هذا وأي وقت كان، ويجوز أن يكون بمعنى كيف. وتأول مالك، فقال: " أنى شئتم " تفيد جواز الاتيان في الدبر، ورواه عن نافع عن أبي عمرو، وحكاه زيد بن أسلم عن محمد بن المنكدر، وروي من طرق جماعة عن ابن عمر، وبه قال أكثر أصحابنا، وخالف في ذلك جميع الفقهاء، والمفسرين، وقالوا: هذا لايجوز من وجوه:

أحدها - أن الدبر ليس بحرث، لانه لايكون فيه الولد. وهذا ليس بشئ لانه لم يمتنع أن تسمى النساء حرثا، لانه يكون منهن الولد، ثم يبيح الوطئ فيما لايكون منه الولد، ويدل على ذلك أنه لاخلاف أنه يجوز الوطئ بين الفخذين وإن لم يكن هناك ولد.

وثانيها - قالوا: قال الله: " فأتوهن من حيث أمركم الله " وهو الفرج، والاجماع على أن الاية الثانية ليست بناسخة للاولى. وهذا أيضا لا دلالة فيه، لان قوله: " من حيث أمركم الله " معناه: من حيث أباح الله لكم، أو من الجهة التي شرعها لكم، على ما حكيناه عن الزجاج، ويدخل في ذلك الموضعان معا.

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " سورة آل عمران آية: 37.

" 2 " الهاشميات: 41. قوله " آبك " معترضة بين كلامين، كما تقول: " ويحك " وهي بمعنى ويلك. وقيل: أن آبك بمعنى راجعك الطرب.

 

===============

(224)

وثالثها - قالوا: إن معناه: من أين شئتم: أي اأتوا الفرج من أين شئتم، وليس في ذلك إباحة لغير الفرج. وهذا ايضا ضعيف، لانا لانسلم أن معناه الفرج، بل عندنا معناه: اأتوا النساء، أو اأتوا الحرث من أين شئتم، ويدخل فيه جميع ذلك.

ورابعها - قالوا: قوله في المحيض " قل هو أذى فاعتزلوا النساء " في المحيض " فاذا حرم للاذى في الدم، والاذى بالنجو أعظم منه. وهذا أيضا ليس بشئ، لان هذا حمل الشئ على غيره من غير علة، على أنه لا يمتنع أن يكون المراد بقوله:

" قل هو أذى " غير النجاسة، بل المراد أن في ذلك مفسدة، ولا يجوز أن يحمل على غيره إلا بدليل يوجب العلم على أن الاذى بمعنى النجاسة حاصل في البول، ودم الاستحاضة ومع هذا، فليس بمنهي عن الوطئ في الفرج.

ويقال: أن هذه الاية نزلت ردا على اليهود، وأن الرجل إذا أتى المرأة من خلف في قبلها خرج الولد أحوال، فأكذبهم الله في ذلك، ذكره ابن عباس، وجابر، ورواه أيضا أصحابنا. وقال الحسن: أنكر اليهود إتيان المرأة قائمة، وباركة، فأنزل الله إباحته بعد أن يكون في الفرج، وهو السبب الذي روي، ولا يمنع أن يكون ما ذكرناه مباحا، لان غاية ما في السبب أن تطابقه الاية، فأما أن لا تتعداه، فلا يجب عند أكثر المحصلين (1).

وقوله: " وقدموا لانفسكم " أي قدموا الاعمال الصالحة التي أمر الله بها عباده، ورغبهم فيها، فتكون ذخرا عند الله.

ووجه اتصال قوله: " وقدموا لانفسكم " بما قبله: أنه لما قدم الامر بعد أشياء قيل: " قدموا لانفسكم " بالطاعة فيما أمرتم به، واتقوا مجاوزة الحد فيما بين لكم، وفي ذلك الحث على العمل بالواجب الذي عرفوه، والتحذير من مخالفة ما ألزموه.

وقوله: " وبشر المؤمنين " فالبشارة: الدلالة على ما يظهر به السرور في

 

ــــــــــــــــــــــ

في المطبوعة " المحطين ".

 

===============

(225)

بشر الوجه.

وقوله: " أنكم ملاقوه " أي اتقوامن معاصيه التي نهاكم عنها، واتقوا عذابه، واعلموا أنكم ملاقوا عذابه إن عصيتموه، وملاقوه ثوابه إن أطعتموه، وإنما أضافه اليه على ضرب من المجاز، كما يقول القائل لغيره: ستلقى ما عملت، وإنما يريد جزاء ما عملت، فيسمي الجزاء باسم الشئ.

قوله تعالى:

ولاتجعلوا الله عرضة لايمانكم أن تبروا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم (224) آية واحدة بلا خلاف.

المعنى:

قيل في معنى قوله: " ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم " ثلاثة أقوال:

أحدها - أن العرضة: علة، كأنه قال لاتجعلوا اليمين بالله علة مانعة من البر، والتقوى: من حيث تتعمدوا، لتعتلوا بها، وتقولوا: قد حلفنا بالله، ولم تحلفوا به، وهذا قول الحسن، وطاووس، وقتادة، وأصله - في هذا الوجه - الاعتراض به بينكم وبين البر والتقوى، للامتناع منهما، لانه قد يكون المعترض بين الشيئين مانعا من وصول أحدهما إلى الاخرة، فالعلة مانعة كهذا المعترض. وقيل: العرضة:

المعترض، قال الشاعر:

لا تجعليني عرضة اللوائم الثاني - " عرضة ": حجة، كأنه قال لا تجعلوا اليمين بالله حجة في المنع " أن تبروا وتتقوا " بأن تكونوا قد سلف منكم يمين ثم يظهر أن غيرها خير منها، فافعلوا الذي هو خير، ولا تحتجوا بما سلف من اليمين، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، والربيع، والاصل في هذا القول والاول واحد، لانه منع من جهة الاعتراض بعلة أو حجة. وقال بعضهم: إن أصل عرضة: قوة، فكأنه قيل: ولا تجعلوا الحلف بالله قوة لايمانكم في ألا تبروا وأنشد لكعب بن زهير:

 

===============

(226)

من كل نضاحة الذفرى إذا عرقت * عرضتها طامس الاعلام مجهول (1)

وعلى هذا يكون الاصل العرض، لان بالقوة يتصرف في العرض والطول، فالقوة: عرضة لذلك.

الثالث - بمعنى: ولا تجعلوا اليمين بالله مبتذلة في كل حق وباطل، لان تبروا في الحلف بها، واتقوا المآثم فيها، وهو المروي عن عائشة، لانها قالت:

لاتحلفوا به وإن بررتم، وبه قال الجبائي، وهو المروي عن أئمتنا (ع) وأصله على هذا معترض بالبذل: لا تبذل يمينك في كل حق وباطل. فأما في الاصل، فمعترض بالمنع أي لا يعترض بها مانعا من البر، والتقوى، فتقدير الاول: لا تجعل الله مانعا من البر والتقوى باعتراضك به حالفا، وتقدير الثاني - لا تجعل الله مما تحلف به دائما باعتراضك بالحلف في كل حق وباطل، لان تكون من البررة، والاتقياء.

اللغة:

واليمين، والقسم، والحلف واحد. واليمنية: ضرب من برود اليمن. وأخذ يمنة، ويسرة. ويمن ييمن يمينا، فهو ميمون. ويمن، فهو ميمن: إذا أتى باليمن، والبركة. وتيمن به تيمنا، وتيامن تيامنا. واليمين خلاف الشمال، وأصل الباب اليمن، والبركة.

المعنى:

وقوله: " أن تبروا " قيل في معناه ثلاثة أقوال:

أحدها - " أن تبروا ": لان تبروا على معنى الاثبات.

الثاني - أن يكون على معنى لدفع أن تبروا، أو لترك أن تبروا - في قول

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " ديوانه: 9، واللسان " عرض ". نضح الرجل بالعرق نضحا: نض به حتى سال سيلا، ونضاحة: شديدة النضح. والذفرى: الموضع الذي يعرق خلف الاذن، وهو من كل حيوان حتى الانسان وهو العظم الشاخص خلف الاذن. والطامس: الدارس الذي أمحي أثره. والاعلام:

أعلام الطريق. وأرض مجهولة اذا كان لا أعلام فيها ولا جبال. يقول: اذا نزلت هذه المجاهل، عرقت حينئذ قوتها وشدتها وصبرها على العطش والسير في الملوات.

 

===============

(227)

أبي العباس.

الثالث - على تقدير: ألا تبروا، وحذفت (لا) لانه في معنى القسم كما قال امرؤ القيس:

فقلت يمين الله أبرح قاعدا * ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي (1)

أي لا أبرح، هذا قول أبي عبيد، وأنكر أبوالعباس هذا، لانه لما كان معه (أن)، بطل أن يكون جوابا للقسم، وإنما يجوز (والله أقم في القسم بمعنى لاأقوم، لانه لو كان إثباتا، لقال لاقومن، باللام والنون. والمعنى في قول أبي العباس، وأبي عبيد واحد، والتقدير مختلف، فحمله أبوالعباس على ماله نظير من حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وأنكر قياسه على ما يشبهه.

الاعراب:

وفي موضع أن تبروا ثلاثة أقوال:

قال الخليل، والكسائي: موضعه الخفض بحذف اللام مع أن خاصة.

الثاني - قال سيبويه وأكثر النحويين: إن موضعه النصب، لانه لما حذف المضاف وصل الفعل وهو القياس.

الثالث - قال قوم: موضعه الرفع على " أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس " أولى، وحذف، لانه معلوم المعنى، أجاز ذلك الزجاج وإنما حذف اللام جاز مع (أن)، ولم يجز مع المصدر، لان (أن) يصلح معها الماضي، والمستقبل، نحو قولك جئتك أن ضربت زيدا، وجئتك أن تضرب زيدا، والمصدر ليس كذلك، كقولك: جئتك لضرب زيد، فمعنى ذلك: أنه لما وصل بالفعل، احتمل الحذف كما يحتمل (الذي) وإذا وصل بالفعل من حذف ضمير المفعول، ما لا يحتمله الالف واللام إذا وصل بالاسم، نحو الذي ضربت زيد: يريد ضربته. فأما الضاربه أنا زيد، فلا يحسن إلا بالهاء، وذلك لان الفعل أثقل، فهو بالحذف أولى. ويجوز أن

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " ديوانه: 141.

 

===============

(228)

يكون لما صلح للامرين كثير في الاستعمال، فكان بالحذف أولى مما قل منه.

وقال الزجاج إنما جاز حذف اللام مع (أن)، ولم يجز مع المصدر، لان (أن) إذا وصلت، دل بما بعدها على الاستقبال، والمعنى تقول: جئتك أن ضربت زيدا، وجئتك أن تضرب زيدا، فلذلك جاز حذف اللام، فاذا قلت: جئتك ضرب زيد، لم يدل الضرب على مضي ولا إستقبال.

المعنى:

فاذا حلف لا يعطي من معروفه، ثم رأى أن يره خيرا، أعطاه، ونقض يمينه. وعندنا لا كفارة عليه، وإنما جاز ذلك، لانه لا يخلو من أن يكون حلف يمينا جائزة أو غيره جائزة، فان كانت جائزة، فهي مقيدة بأن لا يرى ما هو خير، فليس في هذا مناقضة للجائزة، وأن كانت غير جائزة، فنقضها غير مكروه.

وقوله: " والله سميع عليم " معناه: أنه سميع ليمينه، عليم بنيته فيه، وفي ذلك تذكير، وتحذير.

قوله تعالى:

لا يؤآخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤآخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم (225) آية.

المعنى:

اختلفوا في يمين اللغو في هذه الاية، فقال ابن عباس، وعائشة، والشعبي:

هو ما يجري على عادة اللسان: من لا والله، وبلى والله من غير عقد على يمين يقتطع بها مال، يظلم بها أحد، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبدالله (ع). وقال الحسن، ومجاهد، وابراهيم: هي يمين الظان، وهو يرى أنه حلف، فلا إثم عليه، ولا كفارة. روي أيضا عن ابن عباس، وطاووس: أنها يمين الغضبان، لايؤاخذ بالحنث فيها، وبه قال سعيد بن جبير، إلا أنه أوجب فيها الكفارة. وقال مسروق

 

===============

(229)

كل يمين ليس له الوفاء بها، فهي لغو، ولا يجب فيها كفارة. وقال الضحاك: روي ايضا عن ابن عباس: أن لغو اليمين ما يجب فيه الكفارة. وروي عن إبراهيم: أنها يمين الناس إذا حنث. وقال زيد بن أسلم: هو قول الرجل: أعمى الله بصري، أو أهلك الله مالي، فيدعو على نفسه.

اللغة:

وأصل اللغو: هو الكلام الذي لا فائدة فيه، وكل يمين جرت مجرى مالا فائدة فيه حتى صارت بمنزلة ما لم يقع، فهي لغو ولا شئ فيها، وهو اختيار الرماني. تقول: لغا يلغو لغوا: إذا أتي بكلام. وألغى إلغاء: إذا أطرح الكلام، لانه لا فائدة فيه. وقوله: " والغوا فيه " معناه: ارفعوا الصوت بكلام لافائدة فيه. والحساب الذي يلغى: أي يطرح، لانه بمنزلة كلام لافائدة فيه.

ولاغية: كلمة قبيحة فاحشة، ومنه اللغا، لانها كلام لا فائدة فيه عند غير أهله، وهو مشتق من لغا الطائر، وهو منطقه، وقال ابن صغير المازني:

باكرتم بسباء جون ذارع * قبل الصباح وقبل لغو الطائر (1)

المعنى:

الايمان على ضربين: أحدهما لا كفارة فيها. والثاني - يجب فيها الكفارة، فما لا كفارة فيه: هو اليمين على الماضي إذا كان كاذبا فيه، مثل أن يحلف أنه ما فعل، وكان فعل أو (2) أن يحلف أنه فعل، وما كان فعل، فهاتان لا كفارة فيهما - عندنا - وكذلك إذا حلف على مال، ليقتطعه كاذبا، فلا كفارة عليه، ويلزمه الخروج مما حلف عليه، والتوبة، وهي اليمين الغموس، وفي هذه أيضا خلاف، ومنها أن يحلف على أمر فعل، أو ترك، وكان خلاف ما حلف عليه أولى

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " اللسان (لغا) في المطبوعة (بسبأ) بدل (بسباء) و (الصياح) بدل (الصباح)

و " رزاع " بدل " ذارع " وكل ذلك تحريف. باكرتم بسباء: أي بشرب الخمرة.

" 2 " في المطبوعة " أو " ساقطة.

 

===============

(230)

من المقام عليه، فليخالف، ولا كفارة عليه - عندنا - وفيه خلاف عند أكثر الفقهاء.

وما فيه كفارة، فهو أن يحلف على أن يفعل، أو يترك وكان الوفاء به إما واجبا أو ندبا أو كان فعله، وتركه سواء، فمتى خالف كان عليه الكفارة، وقد بينا أمثلة ذلك في النهاية في الفقه. وقال الحسن: الايمان على ثلاثة أقسام: منها أن يحلف على أمر، وهو يرى أنه على ما حلف، فهذا هو اللغو، لا عقوبة فيه، ولا كفارة.

ومنها: أن يحلف على أمر، وهو يعلم أنه كاذب، فهذا آثم فاجر عليه التوبة، ولا كفارة عليه. ومنها أن يحلف: لا يفعل كذا، فيفعل، أو يحلف: ليفعلن، ولا يفعل، ففي ذلك الكفارة. وكان يقول: إذا حلف على مملوك، أو على حر، فقال:

والله لتأكلن من هذا الطعام، فلم يأكل، فعليه الكفارة. وقال: اليمين على أربعة أوجه - في قول أكثر الفقهاء: اثنتان: لا كفارة فيها، واثنتان: فيها الكفارة، فالاول - قول الرجل: والله ما فعلت، وقد فعل، وقوله: والله لقد فعلت، وما فعل، فهاتان لا كفارة فيهما، لانه لا حنث فيهما. والثاني - قول الحالف: والله لا فعلت، ثم يفعل. وقوله: والله لافعلن، ثم لا يفعل، فهاتان فيهما الكفارة. وقد بينا الخلاف في خلاف الفقهاء.

اللغة:

والفرق بين اللغا، واللغو، أن اللغا: الذكر بالكلام القبيح. لغيت ألغي لغا، قال العجاج:

ورب أسراب حجيج كظم * عن اللغا ورفث التكلم (1)

وجواب اليمين على أربعة أقسام: اللام، وما، وإن، ولا، نحو: والله لاتينك، ووالله ما فعلت، ووالله إنه لكاذب، ووالله لا كلمته.

وقوله: " والله غفور حليم " فالحلم الامهال بتأخير العقاب (2) على الذنب، تقول: حلم حلما، وتحلم تحلما، وحلمه تحليما. وحلم في نومه حلما: إذا رأى

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " مر تخريجه في 2: 132.

" 2 " في المطبوعة " العقل ".

 

===============

(231)

الاحلام، ومنه " أضغاث أحلام " (1). والحلم الرؤيا في النوم، ومنه الاحتلام.

والحلم: ما عظم من القردان، والواحد حلمة، لانه كحملة (2) الثدي، وحلمة الثدي، لانها تحلم المرتضع. والحلمة: شجرة السعدان، وهي من أفضل المرعى.

وتحلمت الضباب: إذا سمنت لانه يكسبها دعة كدعة الحلم. والحلام: الجدي، وأصل الباب الحلم: الاناة. وأما حلم الاديم اذا نغل (3) فلانه وقع فيه الحلم.

قوله تعالى:

للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فان فاءوا فان الله غفور رحيم (226) آية واحدة بلا خلاف.

اللغة:

قوله: " يؤلون " معناه: يحلفون - بلا خلاف بين أهل التأؤيل - وهو المروي عن سعيد بن المسيب وهو مأخوذ من الالية قال الشاعر:

كفينا من تغيب من نزار * وأحنثنا إليه مقسمينا (4)

ويقال: ألى الرجل - من إمرأته - يؤلي إيلاء، وأليه، وألوة، وهو الحلف قال الاعشى:

إني أليت على حلفة * ولم أقلها سحر الساحر (5)

وجمع أليه: ألايا، وأليات، كعشية، وعشايا، وعشيات، فأما جمع ألوة، فألايا، كركوبة وركائب، وجمع ألية: ألاء كصحيفة، وصحائف، ومنه اءتلى يأتلى

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " سورة يوسف آية: 44.

" 2 " في المطبوعة " كجلمة ".

" 3 " حلم - بفتح الحاء وكسر اللام - ونغل الاديم: فسد في دباغته.

" 4 " تفسير الطبري 4: 456، وروايته " في تراب " بدل " من نزار " وفي مجمع لبيان طبع صيدا 1: 332 " من نزار " كما ذكر الشيخ سواء. وقد اعترف محقق الطبري أنه بدل " من " ب " في " وكانت في المخطوطة والمطبوعة عنده " من ".

" 5 " ديوانه: 143 رقم القصيدة: 18 وروايته " ولم اقله عثر العاثر " بدل " ولم قلها سحر الساحر ".

 

===============

(232)

اءتلاء، وفي التنزيل " ولا يأتل أولوا الفضل منكم " (1)، وتقول: لا تألوا أليا، وألو، نحو العتى، والعتو. وما ألوت جهدا، ولا ألوته نصحا، أو غشا، ومنه قوله: " لا يألونكم خبالا " (2)، وقال الشاعر:

نحن فصلنا جهدنا لم نأتله أي لم نقصر. وأصل الباب التقصير، فمنه لايألوا جهدا، ومنه الاية:

اليمين، لانها لنفي التقصير. وعود ألوة، وألوة: أجود العمود، لانه خالص.

المعنى:

والايلاء في الاية: المراد به: اعتزل النساء، وترك جماعهن على وجه الاضرار بهن، وكأنه قيل: " للذين يألون " أن يعتزلوا نساءهم " تربص أربعة أشهر " منهم، واليمين التي يكون بها الرجل مؤليا، هي اليمين بالله عزوجل، أو بشئ من صفاته التي لا يشركه فيها غيره. على وجه لا يقع موقع اللغو الذي لا فائدة فيه، ويكون الحلف على الامتناع من الجماع على جهة الغضب، والضرار، وهو المروي عن علي (ع)، وابن عباس، والحسن. وقال ابراهيم، وابن سيرين، والشعبي: في الغضب.

وقال سعيد بن المسبب: هو في الجماع، وغيره من الضرار، ونحو الحلف ألا يكلمها.

اللغة:

والتربص بالشئ انتظارك به خيرا، أو شرا يحل، وتقول: تربصت بالشئ تربصا، وربصت به ربصا، ومنه قوله: " فتربصوا به حتى حين " (3) و " نتربص به ريب المنون " (4) قال الشاعر:

تربص بها ريب المنون لعلها * تطلق يوما أو يموت حليلها (5)

ومالي على هذا الامر ربصة: أي تلبث، وأصله الانتظار.

وقوله: " فان فاءوا " معناه: فان رجعوا، ومنه قوله: " حتى تفئ إلى أمر

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " سورة النور آية: 22. " 2 " سورة آل عمران آية: 118.

" 3 " سورة المؤمن آية 25. " 4 " سورة الطور آية: 30.

" 5 " اللسان (ربص) في المطبوعة (خليلها) بدل " حليلها ". والمعنى فيهما واحد.

 

===============

(233)

الله " (1) أي ترجع من الخطأ إلى الصواب. والفرق بين الفئ والظل: ما قال المبرد: إن الفئ ما نسخ الشمس، لانه هو الراجع، وأما الظل: فما لا شمس فيه.

وكل فئ ظل، وليس كل ظل فئ، ولذلك أهل الجنة في ظل، لا في فئ، لانه لاشمس فيها، كما قال الله تعالى: " وظل ممدود " (2). وجمع الفئ أفياء، تقول:

فاء الفئ: إذا نحول عن جهة الغداة برجوع الشمس عنه. وتفيأت في الشجر، وفيأت الشجرة. والفئ: غنائم المشركين، أفاء الله علينا فيهم، لانه من رجع الشئ إلى حقه، والفئ الرجوع عن الغضب. إن فلانا لسريع الفئ من غضبه.

المعنى:

فان قيل: ما الذي يكون المولى به فايئا؟ قيل - عندنا -: يكون فايئا بأن يجامع، وبه قال ابن عباس، ومسروق، وسعيد بن المسيب. وقال الحسن، وابراهيم، وعلقمة: يكون فايئا بالعزم في حال العذر إلا أنه ينبغي أن يشهد على فيئه، وهذا يكون - عندنا - للمضطر الذي لا يقدر على الجماع، ويجب على الفائ - عندنا - الكفارة، وبه قال ابن عباس، وسعيد بن المسيب، وقتادة، ولا عقوبة عليه، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبدالله (ع). وقال الحسن، وابراهيم: لا كفارة عليه، لقوله: " فان فاؤوا فان الله غفور رحيم ": أي لايتبعه بكفارة، ولا عقوبة.

الاعراب:

ويجوز في " تربص أربعة أشهر " ثلاثة أوجه: الجر بالاضافة، وعليه جميع القراء. ويجوز النصب، والرفع في العربية " تربص أربعة أشهر " كما قال: " ألم نجعل الارض كفاتا أحياء وأمواتا " (3) أي يكفتهم (4) أحياء، وأمواتا، و " تربص أربعة أشهر " كقوله: " فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله " (5)

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " سورة الحجرات آية: 9. " 2 " سورة الواقعة آية: 30.

" 3 " سورة المرسلات آية: 25 - 26. " 4 " في المطبوعة يكفيهم " 5 " سورة النور آية: 6.

 

===============

(234)

عليك أن أسلموا قل لا تمنوا على اسلامكم بل الله يمن عليكم ان هداكم للايمان " (1)

أنعم عليكم. والمنة: القوة في القلب والمن: الذي يقع من السماء، والمن الذي يوزن به، لانه يقطع على مقدار مخصوص.

وقوله: " ولا أذى " فهو نحو قولهم أنت أبدا فقير، ومن أبلاني بك وأراحني الله منك، وما أشبه ذلك مما يؤذي قلب المعطى وقوله " لهم أجرهم عند ربهم " والاجر هو النفع المستحق بالعمل " ولاخوف عليهم " فالخوف يوقع الضرر الذي لا يؤمن وقوعه.

" ولاهم يحزنون " فالحزن الغم الذي يغلظ على النفس. ومنه الحزن:

الارض الغليظة. وقيل في معناه قولان:

أحدهما - لاخوف عليهم لفوت الاجر. والثاني - لاخوف عليهم لاهوال الاخرة. وقيل أنه دليل على أن الوعد بشرط لانه مغموم الكلام. لان تقديره في المعنى ان لم يتبعوا ما أنفقوا منا ولا أذى، فلهم من الاجر كذا، وليس في الاية ما يدل على صحة القول بالاحباط أصلا، لان الوعد متى كان مشروطا بأن لا يتبع بالمن والاذى فمتى اتبع بهما لم يحصل الشرط الذي يوجب استحقاق الثواب فلم يحصل شئ أصلا ثم انحبط، وإنما كان فيه لبس لو ثبت استحقاقهم بنفس الانفاق فاذا اتبع بالمن انحبط ذلك. وهذا ليس في الاية.

وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: المنان: بما يعطي لايكلمه الله ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم. وقال الضحاك لان يمسك ماله خير له من أن ينفقه ثم يتبعه منا وأذى.

قوله تعالى:

(قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم) (263) آية بلا خلاف.

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " سورة الحجرات: 17.

 

===============

(235)

أو طلق، فان لم يفعل، حبسه حتى يطلق، ومثل هذا قال أهل المدينة غير أنهم قالوا:

متى امتنع من الطلاق والفيأة، طلق عنه الحاكم طلقة رجعية. وقال أهل العراق:

الايلاء: أن يحلف ألا يجامعها أربعة أشهر فصاعدا، فاذا مضت أربعة أشهر فلم يقربها، بانت منه بتطليقة لا رجعة له عليها، وعليها عدة ثلاث حيض، يخطبها في العدة، ولا يخطبها غيره، فان فاء قيل أربعة أشهر: أي إن جامع، كفر بمينه، وهي امرأته. وقال الحسن، وقتادة وابن مسعود، وابراهيم، وابن عباس، وحماد: هو مضي أربعة أشهر قبل أن يفئ من غير عذر.

اللغة:

والعزم: هو العقد على فعل شئ في مستقبل الوقت. والعزم على الشئ هو إرادته له: إذا كانت مقدمة للفعل بأكثر من وقت واحد، وتكون متعلقة بفعل العازم، ولا يدخل بينهما، وبين الفعل سهو، ولانسيان. يقال: عزم عزما: إذا عقد على أن يفعل الشئ، واعتزم اعتزاما. وعزمت عليك لتفعلن: أي أقسمت.

وعزم الراقي: كأنه أقسم على الداء. ورجل ماضي العزم: حاد في أمره. وما لفلان عزيمة: أي ما يثبت على أمر، لتلونه، ومنه قوله: " فاصبر كما صبر ألو العزم من الرسل " (1). وعزائم القرآن التي تقرأ على ذوي الافات، لما يرجى من البرء بها.

وأصل الباب العزم على العقد على الشئ.

والطلاق: حل عقدة النكاح بما يوجبه في الشريعة. تقول: طلقت تطلق طلاقا، فهي طالق - بلا علامة التأنيث، حكاه الزجاج. وقال قوم: لانه يختص بالمؤنث. وقال الزجاج: هذا ليس بشئ، لان في الكلام شيئا كثيرا يشترك فيه المؤنث، والمذكر - بلا علامة التأنيث - نحو قولهم: بعير ضامر، وناقة ضامر، وبعير ساعل، وناقة ساعل. وزعم سيبويه، وأصحابه: أن هذا واقع على لفظ التذكير صفة للمؤنث، لان المعنى: هي طالق حقيقة - عندهم - انه على جهة

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " سورة الاحقاف آية: 35.

 

===============

(236)

النسب، نحو قولهم: إمرأة مذكار، ورجل مذكار، ورجل مئنات، وامرأة مئنات، ومعناه: ذات ذكران، وذات أناث، وكذلك مطفل: ذات طفل، وكذلك طالق:

ذات طلاق. فان أجريته على الفعل قلت طالقة، قال الشاعر:

أيا جارتا بيني فانك طالقه ! * كذاك أمور الناس غاد وطارقه (1)

تقول: طلقها، وتطلق تطلقا، وأطلق إطلاقا، واستطلق استطلاقا، وانطلق انطلاقا، وتطلقت المرأة عند الولادة، فهي مطلوقة إذا تمخضت. والطلق:

الشوط من الجري. والطلق: قيد من قدم أو عقب (2) تقيد به الابل. ورجل طلق الوجه: بهلول ضحاك. ويوم طلق إذا لم يكن فيه حر، ولا قر. والطليق:

الاسير يخلى عنه ورجل طلق اليدين: سمح بالعطاء. والطلق: الحبل الشديد الفتل، يقوم قيام. وأصل الباب الانطلاق، والطلاق، لانطلاق المرأة فيه على عقدة النكاح.

المعنى:

والطلاق بعد الايلاء، والايقاف يكون واحدة رجعية، وبه قال سعيد بن المسيب، وابن عمر. وقال الحسن وابن مسعود، وابن عباس: تكون بائنة.

وقوله: " فان الله سميع عليم " فيه دلالة على الاخذ بالفئ أو الطلاق، لانه بمعنى.

أن الله يسمع قوله، ويعلم ضميره. وقيل: بل هو راجع إلى يسمع الايلاء، ويعلم بنيته، وكلاهما يحتمل في اللغة - على قول الزجاج - وحقيقة السميع: هو من كان على صفة يجب لاجلها أن يدرك المسموعات إذا وجدت. وهو يرجع إلى كونه حيا لا آفة به (3). والسامع: هو المدرك. والله تعالى يوصف بما لم يزل بأنه

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " قائله الاعشى. ديوانه: 263 رقم القصيدة: 41 واللسان " طلق " قالها لامرأته الهزانية حين فارقها بينى: فارقي. غاد: يأتي غدوة في الصباح. والطارق: الذي يطرق أي يأتي ليلا.

" 2 " هكذا في المطبوعة وفي اللسان (طلق) الطلق - بالتحريك - قيد من جلود، والطلق - بالتحريك - قيد من أدم.

" 3 " في المطبوعة (لاحريه) بدل (حيا لاآفة به)

 

===============

(237)

سميع، ولا يوصف فيما لم يزل بأنه سامع، وإنما يوصف بأنه سامع إذا وجدت المسموعات. وإنما ذكر عقيب الاول " أن الله غفور رحيم " لانه لما أخبر عن المولى أنه يلزمه الفئ، أو الطلاق بين أنه إن فاء " فان الله غفور رحيم " بأن يقبل رجوعه، ولا يتبعه بعقاب ما ارتكبه. وذكر هاهنا أنه " سميع عليم " لما أخبر عنه بايقاع الطلاق، وكان ذلك مما يسمع، أخبر أنه لايخفى عليه، وأنه يسمعه، لانه على صفة يوجب إدراكه لذلك، وأنه عالم ببيانه، فلا الذي ذكر في الاية الاولى يليق بهذه الاية، ولا الذي ذكر هاهنا يليق هناك، وذلك من عظم فصاحة القرآن، وجلالة مواقعه.

قوله تعالى:

والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولايحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الاخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم (228) آية بلا خلاف.

المعنى:

القرؤ: الطهر - عندنا - وبه قال زيد بن ثابت، وعائشة، وابن عمر، وسالم، وأهل الحجاز. وروي عن ابن عباس، وابن مسعود، والحسن، وبه قال أهل العراق، وروه عن علي (ع) أنه الحيض.

اللغة:

وأصل القرء يحتمل وجهين في اللغة:

أحدهما - الاجتماع، فمنه قرأت القران، لاجتماع حروفه، ومنه قولهم:

 

===============

(238)

ما قرأت الناقة سلا قط: أي لم تجمع رحمها على ولد قط. قال عمرو بن كلثوم:

ذراعي عيطل أدماء بكر * هجان اللون لم تقرأ جنينا (1)

ومنه أقرأت النجوم: إذا اجتمت في الاقول، فعلى هذا، يقال: أقرأت المرأة: إذا حاضت، فهي مقرئ، في قول الاصمعي، والاخفش، والكسائي والفراء، وأنشدوا له:

قروؤ كقروؤ الحائض فتأويل ذلك: إجتماع الدم في الرحم. ويجئ على هذا الاصل أن يكون القرأ: الطهر، لاجتماع الدم في جملة البدن، هذا قول الزجاج.

والوجه الثاني أن يكون أصل القرء: وقت الفعل الذي يجرى على آخر عادة، في قول أبي عمرو بن العلاء، وقال: هو يصلح للحيض، والطهر، يقال: هذا قارئ الرياح أي وقت هبوبها قال الشاعر:

شنئت العقر عقر بني شليل * إذا هبت لقارئها الرياح (2)

أي لوقت شدة بردها، وقال آخر:

رجا أياس أن تؤوب ولا أذى * إياسا لقرؤ الغائبين يؤوب (3)

أي لحين الغائبين، فعلى هذا يكون القرؤ الحيض، لانه وقت اجتماع الدم في الرحم على العادة المعروفة فيه، ويكون الطهر، لانه وقت ارتفاعه على عادة جارية فيه، قال الاعشى في الطهر:

وفي كل عام أنت جاشم غزوة * تشد لاقصاها عزيم عزائكا

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " اللسان (عطل) (قرأ) وقد رواه الجوهري برواية أخرى وهي:

ذراعي عيطل أدماء بكر * تربعت الاماعز والمتونا

وفي المطبوعة " اللوم " بدل " اللون " وهو تصحيف، والعيطل: طويل العنق من الابل وغيرها. والادماء من الابل البيضاء، وكذلك هجان اللون أي بيض اللون. ولم تقرأ جنينا: أي لم تجمع رحمها على جنين، وهو الولد.

" 2 " قائله مالك ابن الحرث الهذلي، ديوان الهذليين 3: 83. واللسان (قرأ) شنئت:

أي كرهت، والعقر: اسم مكان وشليل: هو جدجريرابن عبدالله البجلي.

" 3 " لم أجد هذا البيت فيماحضرنى من المصادر.

 

===============

(239)

مورثة مالا وفي الحمد رفعة * لما ضاع فيها من قروء نسائكا (1)

والذي ضاع هاهنا الاطهار، لانه بعد غيبته، فيضيع بها طهر النساء، فلا يطأهن، والوقت الجاري في الفعل على عادة راجع إلى معنى الاجتماع، وذلك، لاجتماع الفعل مع الوقت الدائر، فالاجتماع أصل الباب. وأخذ القرؤ من الوقت ردا له إلى فرع، وكلا الامرين يحتمل في اللغة.

المعنى ومن خفف الهمزة في " قروء " قال: قرؤ، ومثله " من يعمل سوءا " (2)

واستشهد أهل العراق بأشياء يقوى أن المراد الحيض، منها قوله (ع) في مستحاضة سألته: دعي الصلاة أيام أقرائك. واستشهد أهل المدينة بقوله: " فطلقوهن لعدتهن " (3) أي طهر لم يجامع فيه كما يقال لغرة الشهر، وتأوله غيرهم: لاستقبال عدتهن، وهو الحيض.

فان قيل: لو كان المراد - في الاقراء في الاية - الاطهار، لوجب استيفاء الثلاثة أطهار بكمالها، كما أن من كانت عدتها بالاشهر، وجب عليها ثلاثة أشهر على الكمال، وقد أجمعنا على أنه - لو طلقها في آخر يوم الطهر الذي ما قربها فيه، لا يلزمها أكثر من طهرين آخرين، وذلك دليل على فساد ما قلتموه ! قلنا: تسمى القرآن الكاملان، وبعض الثالث ثلاثة أقراء، كما تسمى - الشهران وبعض الثالث -: ثلاثة أشهر قال الله تعالى: " الحج أشهر معلومات " (4) وإنما هي شوال، وذي القعدة، وبعض من ذي الحجة. وروي عن عائشة أنها قالت: الاقراء الاطهار.

وقوله: " ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن " قيل في معناه ثلاثة أقوال: أحدها - قال إبراهيم: الحيض. وثانيها - قال قتادة: الحبل. وثالثها -

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " ديوانه: 91 رقم القصيدة: 11 يمدح بها هوذة بن علي الحنفي، ومعنى البيتين:

لك في كل عام غزوة،؟ لها صبرك وجلدك، فتعود منها بالغنيمة والمجد الذي يعوضك عما عاينت من العبد عن نسائك.

" 2 " سورة النساء آية: 109، 102.

" 3 " سورة الطلاق آية: 1 " 4 " سورة البقرة آية: 197.

 

===============

(240)

قال ابن عمر، والحسن: هو الحبل، والحيض، وهو الاقوى لانه أعم. وإنما لم يحل لهن الكتمان: لظلم الزوج بمنعه المراجعة - في قول ابن عباس -. وقال قتادة:

لنسبة الولد إلى غيره، كفعل الجاهلية.

اللغة:

وإنما قال: " ثلاثة قروء " ولم يقل: ثلاثة أقرء على جمع القليل، لانه لما كانت كل مطلقة يلزمها هذا، دخله معنى الكثرة فأتى ببناء الكثرة، للاشعار بذلك، فالقروء كثيرة إلا أنها ثلاثة في القسمة. ووجه آخر - أن بناء الكثير فيه أغلب في الاستعمال، لانه على قياس الباب في جمع فعل الكثير، فأما القليل، فقياسه، أفعل دون أفعال، فصار بمنزلة مالا يعتد به فجاء مجئ قولهم: ثلاثة شسوع، فاستغني فيه ببناء الكثير عن القليل. ووجه ثالث - أن يذهب مذهب الجنس نحو قولهم:

ثلاثة كلاب يعنون ثلاثة من الكلاب إذا أريد رفع الايهام.

المعنى:

والشرط بقوله: " إن كن يؤمن بالله واليوم الاخر " معناه من كان يؤمن بالله واليوم الاخر، فهذه صفته فيما يلزمه، لا أنه يلزم المؤمن دون غيره. وخرج ذلك مخرج التهديد. " وبعولتهن أحق بردهن " يعني أزواجهن أحق برجعتهن، وذلك يختص بالرجعيات وإن كان أول الاية عاما في جميع المطلقات الرجعية والبائنة.

وسمي الزوج بعلا، لانه عال على المرأة بملكه لزوجيتها.

اللغة:

تقول: بعل ييعل بعولة، وهو بعل. وقوله " أتدعون بعلا " (1)

أي ربا، لانه بمعنى من سميتموه باستعلاء الربوبية تخرصا، وقيل أنه صنم. والبعل النخل يشرب بعروقة، لانه مستعل على شربه، وبعل الرجل بأمره إذا ضاق به ذرعا،

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " سورة الصافات آية: 125.

 

===============

(241)

لانه علاه منه ما ضاق به صدره. وبعل الرجل في معنى بطر، لانه استعلى معظما، وكبرا، وامرأة بعلة: لا تحسن لبس الثياب، لان الحيرة تستعلي عليها، فتدهشها.

وبعل الرجل يبعل بعلا إذا دهش دهشا.

المعنى:

وقوله: " ولهن مثل الذي عليهن " قال الضحاك: لهن من حسن العشرة بالمعروف على أزواجهن مثل ما عليهن من الطاعة فيما أوجبه الله عليهن لهم. وقال ابن عباس: لهن على أزواجهن من التصنع والتزين مثل ما لازواجهن عليهن. وقال الطبري: لهن على أزواجهن ترك مضارتهن، كما أن عليهن لازواجهن.

وقوله: " وللرجال عليهن درجة " قيل معناه: فضيلة منها الطاعة، ومنها أن يملك التخلية، ومنها زيادة الميراث (على قسم) (1) المرأة، والجهاد. هذا قول مجاهد، وقتادة. وقال ابن عباس: منزلة في الاخذ عليها بالفضل في المعاملة حتى قال: ما أحب أن استوفي منها جميع حقي، ليكون لي عليها الفضيلة.

اللغة:

وتقول: رجل بين الرجولة أي القوة، وهو أرجلهما أي أقواهما، وفرس رجيل قوي على المشي. والرجل معروفة، لقوتها على المشي. ورجل من جراد أي قطعة منه تشبيها بالرجل، لانها قطعة من الجملة. والراجل الذي يمشي على رجله. وارتجل الكلام ارتجالا، لانه قوي عليه من غير ركوب فكرة، ولا روية. وترجل النهار، لانه قوي ضياؤه بنزول الشمس إلى الارض. ورجل شعره إذا طوله، لانه قوي بكثرته من غير أن يركب بعضه بعضا، فيقل في رأي العين. والمرجل معروف.

وأصل الباب: القوة.

والدرجة: المنزلة: درجت الشئ أدرجه درجا، وأدرجته إدراجا، ودرج القوم قرنا بعد قرن أي فنوا. وأدرجه الله إدراجا، لانه كطي الشئ

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " ما بين القوسين من مجمع البيان، لان الجملة لاتتم بدونه.

 

===============

(242)

بمنزلة بعد منزلة والدرج سفيط للطيب، لانه بمنزلة مايدرج فيه. ومدرجة الطريق: قارعته. وأصل الباب الطي، فالدرجة منزلة من منازل الطي، ومنه الدرجة التي يرتقى فيها.

المعنى:

وقيل إن في الاية نسخا، لان التي لم يدخل بها، لاعدة عليها بقوله:

" ياأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات " إلى قوله: " فما لكم عليهن من عدة تعتدونها " (1) ولان الحامل عدتها وضع ما في بطنها بقوله " وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن ". (2)

قوله تعالى:

الطلاق مرتان فامساك بمعروف أو تسريح باحسان ولايحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فان خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون (229) آية بلا خلاف.

القراءة:

قرأ حمزة، وأبوجعفر " إلا أن يخافا " بضم الياء، والباقون بفتحها.

المعنى:

قيل في معنى قوله: " الطلاق مرتان " قولان:

أحدهما - ما قال ابن عباس، ومجاهد: إن معناه البيان عن تفضيل الطلاق في السنة، وهو أنه أراد طلاقها فينبغي أن يطلقها في طهر لم يقربها فيه بجماع،

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " سورة الاحزاب آية: 49. " 2 " سورة الطلاق آية: 4.

 

===============

(243)

تطليقة واحدة، ثم يتركها حتى تخرج من العدة، أو حتى تحيض وتطهر، ثم يطلقها ثانية.

والثاني - ما قاله عروة، وقتادة: إن معناه البيان عن عدد الطلاق الذي يوجب البينونة، مما لا يوجبها. وفي الاية بيان أنه ليس بعد التطليقتين إلا الفرقة البائنة. وقال الزجاج: في الاية حذف، لان التقدير: الطلاق الذي يملك فيه الرجعة مرتان، بدلالة قوله: " فامساك بمعروف أو تسريح باحسان ". والمرتان معناه: دفعتان.

اللغة:

وتقول مر يمر مرا واستمر استمرارا، وأمره إمرارا وتمرر تمررا، مرره تمريرا. والمر: خلاف الحلو، ومنه المرارة، لان فيها المرة. والمرة مزاج من أمزجة البدن. والمرة شدة الفتل، لاستمراره على إحكام. والمرير: الحبل المفتول. وفي التنزيل " ذو مرة فاستوى " (1) أي ذو قوة وشدة: والمر الذي يعمل به في الطين وأصل الباب المرور: خلاف الوقوف.

وقوله " فامساك بمعروف " رفع، ومعناه: فالواجب إمساك عليه، وكان يجوز النصب على فليمسك إمساكا، والامساك خلاف الاطلاق. تقول أمسك إمساكا، وتمسك تمسكا، وتماسك تماسكا، وامتسك امتساكا، ومسك تمسيكا، واستمسك استمساكا. وفلان ممسك: أي بخيل، وما بفلان مسكة، ولا تمساك:

إذا لم يكن فيه خير، لانه منحل عن ضبط شئ من أموره. والمسك: الاهاب، لانه يمسك البدن باحتوائه عليه. والمسك السواء (2)، وسمي باستمساكه في اليد.

المعنى:

وقوله: " معروف " أي على وجه جميل سائغ (3) في الشرع لاعلى وجه الاضرار بهن.

" 1 " سورة النجم آية: 6.

" 2 " في مجمع البيان: السواد، وفي لسان العرب: السوار.

" 3 " في المطبوعة (سايع).

 

===============

(244)

وقوله: " أو تسريح باحسان " قيل فيه قولان:

أحدهما - أنها الطلقة الثالثة، وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أن رجلا سأله، فقال:

الطلاق مرتان فأين الثالثة؟ فأجابه: أو تسريح باحسان. وقال السدي، والضحاك: هو ترك المعتدة حتى تبين بانقضاء العدة، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبدالله (ع).

اللغة:

والتسريح مأخوذ من السرح. وهو الانطلاق. تقول: سرح تسريحا، وسرح الماشية في الرعي سرحا: إذا أطلقها ترعى: والسرحان: الذئب، لاتباعه السرح. والسرحة: الشجرة المرتفعة، لانطلاقها في جهة الطول. والمسرح: المشط، لاطلاق الشعر به. وسرحت الماشية: إذا انطلقت في المرعى. وسرحت العبد إذا أعتقته. والسرح: الجراد، لانطلاقه في البلاد، والسريحة: القطعة من القد يشد بها نقال الابل، وكل شئ قددته مستطيلا، فهو سريح.

النزول:

وروي أن هذه الاية نزلت في ثابت بن قيس، وزوجته، وردت عليه حديقته، وطلقها باذن النبي (صلى الله عليه وآله) رواه ابن جريج.

المعنى، والحجة، والاعراب:

وقوله: " إلا أن يخافا " معناه: إلا أن يظنا وقال الشاعر:

أتاني كلام عن نصيب بقوله * وما خفت يا سلام أنك عائبي (1)

يعني ما ظننت وأنشد الفراء:

إذا مت فادفني إلى جنب كرمة * تروي عظامي بعد موتي عروقها

ولا تدفنني في الفلات فانني * أخاف إذا مامت ألا أذوقها (2)

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " مرتخريجه في 2: 189. من هذا الكتاب.

" 2 " قائلهما أبومحجن الثقفي، ديوانه: 23، ومعاني القرآن للفراء 1: 146 وغيرها كثير، وخبر أبي محجن في الخمر مشهور.

 

===============

(245)

ومن ضم الياء، فتقديره: إلا أن يخافا على أن يقيما حدود الله. وقال أبوعبيدة " إلا أن يخافا " معناه: يوقنا، " فان خفتم " معناه فان أيقنتم. وقال أبوعلي الفارسي: خاف فعل يتعدى إلى مفعول واحد، وذلك المفعول تارة يكون (أن) وصلتها، وأخري غيرها، فأما تعديه إلى غير (أن) فنحو قوله: " تخافونهم كخيفتكم أنفسكم " (1). وتعديته إلى (أن) كقوله: " تخافون أن يتخطفكم الناس " (2) وقوله: " أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله " (3) فان عديته إلى مفعول بأن ضعفت العين، أو اجتلبت حرف الجر كقولك: خوفت ضعف الناس قولهم، وحرف الجر كقوله:

لو خافك الله عليه حرمه ومن ذلك قوله: " إنما الشيطان يخوف أولياءه " (4) فيخوف قد حذف معه مفعول يقتضيه تقديره يخوف المؤمنين بأولياءه، فحذف المفعول، والجار، فوصل الفعل إلى المفعول الثاني، ألاترى أنه لايخوف أولياءه على حد قولك خوفت اللص، وإنما يخوف غيرهم مما لا استنصار لديهم، ومثله فاذا خفت عليه بمنزلة المحذوف من قوله: " أولياءه " فاذا كان تعدي هذا الفعل على ما وصفنا، فقول حمزة " إلا أن يخافا "، مستقيم لانه لما بني الفعل للمفعول به اسند الفعل إليه، فلم يبق شئ يتعدى إليه، وأما (أن) من قوله: " ألا يقيما حدود الله "، فان الفعل يتعدى إليه بالجار، كما تعدى بالجار في قوله:

لو خافك الله عليه حرمه وموضع أن في الاية جر بالجار المقدر، على قول الخليل، والكسائي. ونصب، في قول سيبويه، وأصحابه، لانه لما حذف الجار، وصل الفعل إلى المفعول الثاني، مثل استغفر الله ذنبا، وامرأتك الخير، فقوله مستقيم على ما رأيت. فان قال قائل:

لو كان يخافا كما قد أخبره، لكان ينبغي أن يكون فان خيفا ! قيل لايلزمه هذا السؤال لامرين:

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " سورة الروم آية: 28. " 2 " سورة الانفال آية: 26.

" 3 " سورة النور آية: 50. " 4 " سورة آل عمران آية: 175.

 

===============

(246)

أحدهما - أن يكون انصرف من الغيبة إلى الخطاب، كما قال: " الحمد الله " (1)

ثم قال: " إياك نعبد " (2)، وقال: " ما أتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم الاضخون " (3) ونظائر ذلك كثيرة.

والاخر - أن يكون الخطاب في قوله: " فان خفتم " مصروفا إلى الولاة، والفقهاء الذين يقومون بامور الكافة، وجاز أن يكون الخطاب للكثرة في من جعله انصرافا من الغيبة إلى الخطاب، لان ضمير الاثنين في " يخافا " ليس يراد به اثنان مخصوصان، وإنما يراد كل من كان هذا شأنه، فهذا حكمه.

وأما من قرأ بالفتح، فالمعنى أنه إذا خاف: من كل واحد من الزوج والمرأة " ألا يقيما حدود الله " حل الافتداء، ولايحتاج في قولهم إلى تقدير الجار، لان الفصل يقتضي مفعولا يتعدى إليه، كما اقتضى في قوله: " فلا تخافوهم وخافون " (4)

ولابد من تقدير الجار في قراءة من ضم الياء، لان الفعل قد استند إلى المفعول، فلا يتعدى إلى المفعول الاخر إلا بالجار. قال أبوعلي: فأما ما قاله الفراء في قول حمزة " إلا أن يخافا " من أنه اعتبر قراءة عبدالله " إلا أن يخافوا " فلم ينصبه، لان الخوف في قول عبدالله واقع على (أن). وفي قراءة حمزة على الرجل، والمرأة، وحال الخوف التي معه.

المعنى:

" ألا يقيما حدود الله " قال ابن عباس وعروة والضحاك: هو نشوز المرأة بغضا للزوج. وقال الشعبي هو نشورها ونشوزه، والذي روي عن أبي عبدالله (ع)

أنه إذا خاف أن تعصي الله فيه بارتكاب محضور، واخلال بواجب، وألا تطيعه فيما يجب عليها، فحينئذ يحل له أن يخلعها، ومثله روي عن الحسن. وقيل: إن الخوف من الاخلال بالحقوق التي تجب لكل واحد منهما على صاحبه، وحسن العشرة وجميل الصحبة.

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1، 2 " سورة الفاتحة آية: 1، 4. " 3 " سورة الروم آية: 39.

" 4 " سورة آل عمران آية: 175.

 

===============

(247)

فان قيل كيف قال: " فلا جناح عليهما "، وإنما الاباحة لاخذ الفدية،؟

لانه لو خص بالذكر لاوهم أنها عاصية، وإن كانت الفدية له جائزة، فبين الاذن لهما لئلا يوهم أنه كالزنا المحرم على الاخذ، والمعطي. وذكر الفراء وجهين:

أحدهما - أنه قال: هو كقوله " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان " (1) وإنما هو من الملح دون العذب، فجاز الاتساع، وهذا هو الذي يليق بمذهبنا، لان الذي يبيح الخلع - عندنا - هو ما لولاه، لكانت المرأة به عاصية.

والوجه الثاني - على قوله (صلى الله عليه وآله): إن أظهرت الصدقة، فحسن وإن أسررت فحسن، وإنما على مزاوجة الكلام كقوله " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه " (2)

والثاني ليس بعد، وإن الفدية الجائرة في الخلع - فعندنا - إن كان البغض منها، وحدها وخاف منها العصيان، جاز أن يأخذ المهر فما زاد عليه، وإن كان منهما، فيكون دون المهر. ورووا عن علي (ع) فقط، ولم يفصلوا، وبه قال الربيع، وعطا، والزهري، والشعبي. وقال ابن عباس، وابن عمر، ورحا بن حوة، وابراهيم، ومجاهد: إنه يجوز الزيادة على المهر، النقصان، ولم يفصلوا، والاية غير منسوخة عند أكثر المفسرين، ابن عباس والحسن، وجميع أهل العلم إلا بكر بن عبدالله، فانه زعم أنها منسوخة بقوله " وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج " (3)

الاية. والخلع بالفدية على ثلاثة أوجه:

أحدها - أن تكون المرأة عجوزا وذميمة، فيضار بها ليفتدي بها، فهذا لايحل له الفدي، لقوله " وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج " (4) الاية.

والثاني - أن يرى الرجل إمرأته على فاحشة، فيضاربها لتفتدي بخلعها، فهذا يجوز، وهو معنى قوله " ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة " (5) والوجه الثالث:

" أن يخافا ألا يقيما حدود الله " لسوء خلق أو لقلة نفقة من غير ظلم، أو

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " سورة الرحمن آية: 22. " 2 " سورة البقرة آية: 194 " 3، 4 " سورة النساء آية: 19 " 5 " سورة النساء آية: 18.

 

===============

(248)

نحو ذلك فيجوز الفدية لهما جميعا على ما فصلناه.

واستدل أصحابنا بهذه الاية على أن الطلاق الثلاث بلفظ واحد، لايقع، لانه قال: " مرتان " ثم ذكر الثالثة على الخلاف في أنها قوله: " أو تسريح باحسان " أو قوله: " فان طلقتها " ومن طلق بلفظ واحد لايكون أتى بالمرتين، ولا بالثالثة كما أنه لو أوجب في اللعان أربع شهادات: ولو أتى بلفظ واحد لما وقع موقعه. وكما لو رمى تسع حصيات في الجمار دفعة واحدة، لم يكن مجزيا له، فكذلك الطلاق، ومتى ادعوا، في ذلك خبرا، فعليهم أن يذكروه ليتكلم عليه، فأما مسائل الخلع، وفروعه، وشروطه فقد ذكرناها في النهاية، والمبسوط، فلا معنى للتطويل بذكرها هاهنا لان المطلوب هاهنا معاني القرآن، وتأويله دون مسائل الفقه.

قوله تعالى:

فان طلقتها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فان طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون (230) آية واحدة بلا خلاف.

المعنى:

قوله: " فان طلقها فلاتحل له من بعد " المعني فيه التطليقة الثالثة على ما روي عن أبي جعفر (ع) وبه قال السدي، والضحاك، والزجاج، والجبائي، والنظام. وقال مجاهد: هو تفسير لقوله: " أو تسريح باحسان " (1) فانه التطليقة الثالثة، وهو اختيار الطبري.

وصفة الزوج الذي تحل المرأة، للزوج الاول أن يكون بالغا، ويعقد عليها عقدا صحيحا دائما ويذوق عسيلتها، بان يطأها وتذوق هي عسيلته - بلا

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " سورة البقرة آية: 229.

 

===============

(249)

خلاف بين أهل العلم - فلا يحل لاحد أن يتزوجها في العدة، وأما العقود الفاسدة أو عقود الشبهة فانها لا تحل للزوج الاول، ومتى وطأها بعقد صحيح في زمان يحرم عليه وطؤها مثل أن تكون حائضا، أو محرمة، أو معتكفة، فانها تحل للاول لان الوطئ قد حصل في نكاح صحيح، وإنما حرم الوطئ لامر، ضار عليه، هذا عند أكثر أهل العلم. وقال مالك: الوطئ في الحيض لايحل للاول وإن وجب به المهر كله، والعدة.

الاعراب:

وموضع (أن) في قوله: " فلا جناح عليهما أن يتراجعا " خفض، وتقديره في أن يتراجعا - عند الخليل، والكسائي، والزجاج - وقال الفراء: موضعه النصب، واختاره الزجاج، وباقي النحويين. وقال الفراء: الخفض لا أعرفه، وموضع (أن)

الثانية في قوله: " أن يقيما حدود الله " نصب - بلا خلاف ب (ظنا)، وإنما جاز حذف (في) من أن يتراجعا ولم يجز من التراجع، لانه إنما جاز مع (أن) لطولها بالصلة، كما جاز (الذي ضربت زيد)، لطول الذي بالصلة، ولم يجز في المصدر، كما لم يجز في اسم الفاعل نحو (زيد ضارب عمرو) وتريد ضاربه.

المعنى:

وقوله: " فان طلقها " الثانية يعنى به الزوج الثاني. وذلك يدل على أن الوطئ بعقد لا تحل للزوج الاول، لان الطلاق لا يلحق نكاح شبهة. والراجع المذكور هاهنا، هو بعقد مستأنف، ومهر جديد، بلا خلاف.

القراءة:

وقول: " يبينها " قرأ المفضل عن عاصم بالنون على وجه الاخبار من الله من نفسه. الباقون بالياء، الكناية عن الله.

 

===============

(250)

المعنى:

قوله: " لقوم يعلمون " إنما خص العلم بذكر البيان وإن كان بيانا لغيرهم، لانهم الذين ينتفعون ببيان الايات، فصار غيرهم بمنزلة من لم يعتد به. ويجوز أيضا أن يكونوا خصوا بالذكر تشريفا لهم، كما قال: " من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال " (1).

والحدود: المراد بها ما تقدم بيانها من أحكام الطلاق، والايلاء، والخلع، وغير ذلك.

وقوله: " إن ظنا أن يقيما حدود الله " لا يدل على وجوب الاجتهاد في الشريعة، لانه لا يمنع من تعلق أحكام كثيرة - في الشرع - في الظن، وإنما فيه دلالة على، من قال: لا يجوز: أن يعمل في شئ من الدين إلا على اليقين، فأما الظن، فلا يجوز أن يتعلق فيه شئ من الاحكام، فالاية تبطل قوله.

وقوله: " فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره " يدل على أن النكاح بغير ولي جائز، وأن المرأة لها العقد على نفسها، لانه أضاف العقد إليها دون وليها.

قوله تعالى:

وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فامسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله هزوا واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به واتقو الله واعلموا أن الله بكل شئ عليم (231) آية واحدة بلا خلاف.

قوله: " فبلغن أجلهن " معناه: انقضى عدتهن بالاقراء، أو الاشهر،

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " سورة البقرة آية: 98.

 

===============

(251)

أو الوضع. والمعنى: إذا بلغن قرب انقضاء عدتهن، لان بعد انقضاء العدة ليس له إمساكها، والامساك هاهنا المراجعة قيل انقضاء العدة، وبه قال ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة، قد يقال لمن دنا من البلد: فلان قد بلغ البلد. والمراد " بالمعروف " هذا الحق الذي يدعو إليه العقل، أو الشرع للمعرفة بصحته، بخلاف المنكر الذي يزجر عنه العقل، أو السمع لاستحالة المعرفة بصحته، فما يجوز المعرفة بصحته: معروف، وما لايجوز المعروف بصحته منكر.

والمراد به هاهنا أن يمسكها على الوجه الذي أباحه الله له: من القيام بما يجب لها من النفقة، وحسن العشرة، وغير ذلك، ولا يقصد الاضرار بها.

وقد بينا أن التسريح أصله إرسال الماشية في المرعى ومنه قوله: " حين تريحون وحين تسرحون " (1).

وقوله: " ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا " معناه: لا تراجعواهن لا لرغبة فيهن بل لطلب الاضرار بهن إما تطويل العدة، أو طلب المفاداة أو غير ذلك، فان ذلك غير جائز.

وقوله: " ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه " فالظلم الضرر الذي ليس لاحد أن يضر به.

 وقوله: " ولا تتخذوا آيات الله هزوا " يعني ما ذكره من الاحكام في الطلاق بما يجوز فيه المراجعة، وما لهم على النساء من التربص حتى؟ أو رفعوه مما ليس لهم عن ذلك (2) وروي عن أبي الدرداء وأبي موسى الاشعري: أنهم قالوا: كان الرجل يطلق أو يعتق ثم يقول: إنما كنت لاعبا، فلذلك قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):

من طلق لاعبا، أو أعتق لاعبا، فقد جاز عليه.

وقوله: " واعلموا أن الله بكل شئ عليم " معناه: التنبيه على أنه لايسقط الجزاء على عمل من أعمالهم، لخفائه عنه، لانه " بكل شئ عليم " والاجل هو

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " سورة النحل آية: 6.

" 2 " هكذا في المطبوعة، ولم نتمكن من تصحيحها بما يناسب، وهي كما ترى.

 

===============

(252)

انقضاء مدة الانتظار. والامساك هاهنا: المنع من الذهاب والتسريح: الارسال بتركهن بانقضاء العدة.

قوله تعالى:

وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الاخر ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون (232) آية واحدة بلا خلاف.

النزول:

قال قتادة، والحسن: إن هذه الاية نزلت في معقل بن يسار حين عضل أخته أن ترجع إلى الزوج الاول، فانه طلقها، وخرجت من العدة ثم أراداأن يجتمعا بعقد آخر على نكاح آخر، فمنعها من ذلك، فنزلت فيه الاية. وقال السدي: نزلت في جابر بن عبدالله عضل بنت عم له. والوجهان لا يصحان على - مذهبنا -، لان عندنا أنه لا ولاية للاخ، ولا لابن العم عليها وإنما هي ولية نفسها، فلا تأثير لعضلها.

المعنى:

والوجه في ذلك أن تحمل الاية على المطلقين، لانه خطاب لهم بقوله " وإذا طلقتم النساء " نكاية قال: " فلا تعضلوهن " بأن تراجعوهن عند قرب انقضاء عدتهن، ولا رغبة لكم فيهن، وإنما تريدون الاضرار بهن، فان ذلك مما لا يسوغ في الدين، والشرع، كما قال في الاولى: " ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا " ولا يطعن على ذلك قوله: " أن ينكحن أزواجهن "، لان المعنى فيه من يصيروا

 

===============

(253)

أزواجهن، كما أنهم لابد لهم من ذلك إذا حملوا على الزوج الاول، لان بعد انقضاء العدة لايكون زوجا، ويكون المراد من كان أزواجهن، فما لهم إلا مثل ما عليهم. ويجوز أن يحمل العضل في الاية على الجبر، والحيلولة بينهن، وبين التزويج دون ما يتعلق بالولاية، لان العضل هو الحبس.

اللغة:

وقيل: إن العضل مأخوذ من المنع. وقيل: إنه مأخوذ من الضيق، قال أوس بن حجر:

وليس أخوك الدائم العهد بالذي * يذمك إن ولى ويرضيك مقبلا

ولكنه النائي إذا كنت آمنا * وصاحبك الادنى إذا الامر أعضلا (1)

وتقول: عضل المرأة يعضلها اذ منعها من التزويج ظلما. وفي بعض اللغات يعضلها - بكسر الضاد - في المضارع. وأعضل الداء الاطباء إذا أعياهم أن يقوموا به، لانه امتنع عليهم بشدة، وهو داء عضال. والامر المعضل: الذي يغلب الناس، لامتناعه بصعوبته. وعضلت عليه إذا ضيقت عليه بما يحول بينه، وبين، ما يريد ظلما، لانك منعته بالضيق عليه مما يريد. وعضلت المرأة بولدها إذا عسرت ولادتها وكذلك أعضلت، وأعسرت، لان الولد امتنع من الخروج عسرا. وفلان عضلة من العضل: أي داهية من الدواهي، لانه امتنع بدهائه. وعضل الوادي بأهله:

إذا ضاق بأهله: وعضلة الساق: لحمة مكتنزة. وأصل الباب المنع. وقيل أصله التضييق.

الاعراب، والمعنى:

موضع (أن) من قوله: " أن ينكحن أزواجهن " جر عند الخليل، والكسائي، وتقديره: من أن، ونصب عند غيرهما بالفعل.

وقوله: " ذلك يوعظ به " إنما قال بلفظ التوحيد وإن كان الخطاب للجميع

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " ديوانه رقم القصيدة: 31.

 

===============

(254)

لاحد ثلاثة أوجه:

أحدها - أن (ذا) لما كان منها ما يستعمل الكاف معه كثيرا، صار بمنزلة شئ واحد. ولا يجوز على ذلك (أيها القوم هذا غلامك). وقال الفراء: توهم أن الكاف من (ذا)، وأنكر ذلك الزجاج، وقال: ليس في أفصح اللغات بناء على توهم خطأ. والوجه ما قلناه من التشبيه مما جعلت الكلمتان فيه بمنزلة شئ واحد.

والوجه الثاني - على تقدير: ذلك أيها القبيل.

والوجه الثالث - أن يكون خطابا للرسول (صلى الله عليه وآله).

وقوله: " والله يعلم " معناه أنه يعلم من مصالح العباد ما لا يعلمون.

وقوله " من كان منكم يؤمن بالله واليوم الاخر " (من) في موضع رفع ب (يوعظ)، وإنما خص المؤمن بالوعظ لاحد ثلاثة أقوال:

أحدها - لانهم المشفقون بالوعظ، فنسب اليهم، كما قال " هدى للمتقين " (1)

و " إنما أنت منذر من يخشاها " (2).

والثاني - لانهم أولى بالاتعاض.

الثالث - إنما يلزمه الوعظ بعد قبوله الايمان واعترافه بالله تعالى.

قوله تعالى:

والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فان أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " سورة البقرة آية: 2. " 2 " سورة النازعات آية: 45.

 

===============

(255)

بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير (233)

آية واحدة بلا خلاف.

القراءة:

قرأ ابن كثير، وأهل البصرة، وقتيبة: " لاتضار " - بتشديد الراء - ورفعها. وقرأ أبوجعفر بتخفيفها وسكون. الباقون بتشديدها وفتحها. وقرأ ابن كثير " ما آتيتم " قصرا، وكذلك " ما آتيتم من ربا " في الروم (1).

قوله: " يرضعن أولادهن حولين كاملين " في حكم الله الذي أوجبه على عبا. ده فحذف للدلالة عليه.

الثاني - لانه وقع موقع يرضعن، صرفا في الكلام مع رفع الاشكال ولو كان خبرا لكان كذبا، لوجود والوالدات يرضعن أولادهن أكثر من حولين، وأقل منهما.

وفي الاية بيان لامرين: أحدهما مندوب، والثاني فرض، فالمندوب: هو أن يجعل الرضاع تمام الحولين، هي التي تستحق المرضعة الاجر فيهما، لا تستحق فيما زاد عليهما، وهو الذي بينه الله تعالى بقوله: " فان أرضعن لكم فآتوهن أجورهن " (2)، فتثبت المدة التي تستحق بها الاجرة على ما أوجبه الله في هذه الاية.

اللغة:

تقول: رضع يرضع، ورضع يرضع رضاعة، وأرضعته أمه إرضاعا، وارتضاعا، واسترضع استرضاعا، وراضعه رضاعا، ومراضعة. ولئيم راضع، لانه يرضع لبن ناقته من لؤمه، لالا يسمع الضيف صوت الشخب. والرضعتان: الثنيتان:

مقدمتا الاسنان، لانه يشرب عليهما اللبن. وأصل الباب الرضع: مص الثدي،

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " سورة البقرة آية: 39، سورة الروم آية: 5.

" 2 " سورة الطلاق آية: 6.

 

===============

(256)

لشرب اللبن منه. ومعنى " حولين " سنتان، وهو مأخوذ من الانقلاب في قولك:

حال الشئ عما كان عليه يحول، فالحول، لانه انقلب عن الوقت الاول إلى الثاني، ومنه الاستحالة في الكلام، لانقلابه عن الصواب. وقيل أخذ من الانتقال من قولك: تحول عن المكان. وإنما قال: " كاملين " فان كانت التثنية تأتي على استيفاء العدة، لرفع التوهم، وإنه على طريقة التغليب، كقولهم: سرنا يوم الجمعة. وإن كان السير في بعضه. وقد يقال: أقمنا حولين، وإن كانت الاقامة في حولين، وبعض آخر (1) فهو لرفع الايهام الذي يعرض في الكلام.

المعنى:

فان قيل: هل يلزم في كل مولود قيل: فيه خلاف: قال ابن عباس:

لا، لانه يعتبر ذلك بقوله: " وحمله وفصاله ثلاثون شهرا " (2) فان ولدت المرأة لستة أشهر، فحولين كاملين، وإن ولدت لسبعة أشهر، فثلاثة وعشرون شهرا، وإن ولدت لتسعة أشهر، فاحد وعشرين شهرا تطلب بذل التكملة لثلاثين شهرا في الحمل والفصال الذي سقط به الفرض، وعلى هذا تدل أخبارنا، لانهم رووا: أن ما نقص عن إحدى وعشرين شهرا فهو جور على الصبي. وقال الثوري: هو لازم في كل ولد إذا اختلف والداه، رجعا إلى الحولين من غير نقصان، ولازيادة، ولايجوز لهما غير ذلك، والرضاع بعد الحولين لاحكم له في التحريم - عندنا - وبه قال ابن مسعود وابن عباس وابن عمرو أكثر العلماء، وروي عن عائشة أن رضاع الكثير يؤثر. وقال أبوعلي الجبائي لم يقم بهذا حجة ولا نزل له ظاهر القرآن.

وقوله: " وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف " معناه أنه يجب على الاب إطعام أم الولد وكسوتها ما دامت في الرضاعة اللازمة إذا كانت مطلقة، وبه قال الضحاك والثوري وأكثر المفسرين.

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " هكذا في المطبوعة ولعل الاصح (حول وبعض من آخر).

" 2 " سورة الاحقاق آية: 15.

 

===============

(257)

اللغة، والحجة:

يقال كساه يكسوه كسوة: إذا ألبسه الثياب واكتسى هو اكتساء: إذا لبس، واكتست الارض بالنبات إذا تغطت به، وكسوته مدحا أو ذما: إذا أثنيت عليه أو ذممته. والكساء معروف، وأصل الباب الكسوة: اللباس.

وقوله: " لاتكلف نفس إلا وسعها " يدل على فساد قول المجبرة: في حسن تكليف ما لا يطاق لانه إذا لم يجز أن يكلف مع عدم الجدة لم يجز أن يكلف مع عدم القدرة، لانه إنما لم يحسن في الاول من حيث أنه لاطريق له إلى إداء ما كلفه من غير جدة، فكذلك لا سبيل له إلى إداء ما كلف إلى الطاعة مع عدم القدرة، ولا ينافي ذلك قوله: " فضلوا فلا يستطيعون سبيلا " (1) لانه ليس المراد نفي القدرة وإنما معناه: أنه يثقل عليهم كما يقول القائل: لا أستطيع أن أنظر إلى كذا معناه:

أنه يثقل علي، ويقال: كلف وجهه كلفا، وبخده كلف أي أثر، والكلف بالشئ الايلاع به، لانه لزوم يظهر أثره عليه، وكلف كلفا: إذا أحب. وتكلف الامر تكلفا، تحمله. وكلفه تكليفا: ألزمه. وأصل الباب الكلف: ظهور الاثر.

وقوله: " لا تضار والدة بولدها " أصله تضارر - بكسر الراء الاولى - وقيل - بفتحها - وأسكنت وأدغمت في الراء بعدها. ومن فتحها بالتقاء الساكنين، وهو الاقوى فيما قبله فتحة أو ألف نحو عض (2) ولا تضار زيدا. وقال بعضهم: لايجوز ألا تضارر بفتح الراء الاولى، لان المولود لايصح منه مضمارة، لان الافصح لو كان كذلك الكسر. وقال الرماني: غلط في الاعتلالين أما الاول، فلانه ينقلب عليه في تضار إذا المضارة من إثنين في الحقيقة، وإن لم يسم الفاعل. ولانه إنما يرجع ذلك إلى الزوج، والمرأد الاولى والولد. فأما الافصح، فعلى خلاف ما ذكر، لان الفتح لغة أهل الحجاز، بني أسد، وكثير من العرب، وهو القياس، لانه إذا جاز مد بالضم للاتباع، كانت الفتحة بذلك أولى، لانها أخف، ولانه يجوز مد بالفتح طلبا للخفة، فاذا اجتمع الاتباع والاستخفاف كان أولى، وقوله: إن

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " سورة الاسرى آية 48:، وسورة الفرقان آية 9 " 2 " هكذا في المطبوعة

 

===============

(258)

الفتحة في تضار: هي الفتحة في الراء الاولى، دعوى منه لادليل عليها. ويدل على صحة ما قلناه: قوله: " من يرتد منكم " (1) " ولا يضار كاتب " (2) كل ذلك بالفتح دون الكسر.

المعنى:

وإنما قيل: " يضار " والفعل من واحد لانه لما كان معناه المبالغة كان بمنزلته من إثنين، وذلك لانه يضره إن رجع عليه، منه ضرورة، فكأنه قيل: لاتضار والدة من الزوج بولدها. ولو قيل في ولدها لجاز في المعنى، وكذلك فرض الوالد.

وعن أبي جعفر وأبي عبدالله (ع) أي لا يترك جماعها خوف الحمل لاجل ولدها المرتضع " ولا مولود له بولده " يعني لا تمنع نفسها من الاب خوف الحمل، فيضر ذلك بالاب وقيل: " لاتضار والدة بولدها " بأن ينزع الولد منها، ويسترضع إمرأة أخرى مع إجابتها إلى الرضاع باجرة المثل " ولا مولود له " بولده أي لا تمتنع هي من الارضاع إذا أعطيت أجرة مثلها، والاولى حمل الاية على عموم ذلك.

وقيل: معناه أن على الوالدة ألا تضار بولدها فيما يجب عليها من تعاهده، والقيام بأمره، ورضاعه، وغذاءه. وعلى الوالد ألا يضار بولده فيما يجب عليه من النفقة عليه، وعلى أمه، وفي حفظه، وتعاهده.

وقوله: " وعلى الوارث مثل ذلك " قال الحسن، وقتادة، والسدي: الوارث للولد. وقال قبيضة بن ذؤيب: هو الوالد، والاول أقوى. فان قيل: أعلى كل وارث له، أم على بعضهم؟ قيل: ذكر أبوعلي الجبائي: أن على كل وارث نفقة الرضاع الاقرب فالاقرب يؤخذ به. وأما نفقة ما بعد الرضاع، فاختلفوا، فعندنا يلزم الوالدين - وإن عليا - النفقة على الولد وإن نزل، ولا يلزم غيرهم. وقال قوم:

يلزم العصبة دون الام، والاخوة من الام، ذهب اليه عمر، والحسن.

وقيل: على الوارث من الرجال، والنساء على قدر النصيب من الميراث، ذكره قتادة، وعموم الاية يقتضيه، غير أنا خصصناه بدليل. وقال أبوحنيفة،

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " سورة المائدة آية: 57. " 2 " سورة البقرة آية: 282.

 

===============

(259)

وأبويوسف، ومحمد: على الوارث ممن كان ذا رحم محرم دون من كان ذا رحم ليس بمحرم، كابن العم وابن الاخت، فأوجبوا على ابن الاخت ولم؟ على ابن العم وإن كان وارثه في تلك الحال، وكذلك العمة وابن العمة حكاد أبو علي الجبائي، والبلخي. وقال سفيان " وعلى الوارث ": أي الباقي من أبويه، وهذا مثل ما قلناه. وقد روي في أخبارنا: أن على الوارث كائنا من كان النفقة، وهو ظاهر القرآن، وبه قال قتادة، وأحمد، واسحاق، والحسن وإبراهيم.

اللغة:

والميراث: تركة الميت، تقول: ورث يرث إرثا، ووأرثه ميراثا، وتوارثوا توارثا، وورثه توريثا. وأورته الحي ضعفا. والتراث: الميراث. وورثت النار، وأورثتها: إذا حركت جمرها، ليشتعل، لانه تظهر فيه النار عن الاول، كظهور الميراث في الثاني عن الاول.

المعنى:

وقوله: " مثل ذلك " يعنى من النفقة، وبه قال ابراهيم. وقال الضحاك:

من ترك المضارة. والمفهوم من الكلام، وعند أكثر العلماء: الامران معا، وهو أليق بالعموم.

وقوله: " فان أرادا فصالا " فالفصال: الفطام، لانفصال المولود عن الاغتذاء بثدي أمه إلى غيره من الاغتذاء.

فان قيل: أي فصال ذاك أقبل الحولين أم بعدهما؟ قيل: فصال الحولين، لان الفرض معلوم (1) إذا تنازعا رجعا إليه، فأما بعد الحولين، فلا يجب على واحد منهما اتباع الاخر في دعائه. وبه قال مجاهد، وقتاده، وابن شهاب، وسفيان وابن زيد. وروي عن ابن عباس: أنه إذا تراضيا على الفصال قبله أو بعده مضى، فان لم يتراضيا رجعل إلى الحولين.

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " في المطبوعة (مغلوجة).

 

===============

(260)

اللغة:

وأصل الباب الفرق، يقال: فصل يفصل فصلا، وفاصله مفاصلة، وتفاصلوا تفاصلا، واستفصلوا استفصالا وانفصل انفصالا، وفصله تفصيلا، وتفصل تفصلا.

وفواصل القلادة: شذر بين نظم الذهب. والفصل: القضاء بين الحق، والباطل، وهو الفيصل. وفصيلة الرجل بنو أبيه، لانفصالهم من أصل واحد. والفصيل: الواحد من أولاد الابل، لانه فصل عن أمه والفصيل: حائط قصير دون السور.

المعنى:

وقوله: " فلا جناح عليهما " يعني لاحرج، على قول ابن عباس، وهو مأخوذ من " جنحوا للسلم " (1) أي مالوا. والجناح: الميل عن الاستقامة.

وقوله: " إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف " معناه على قول مجاهد، والسدي:

أجر الام بمقدار ما أرضعت أجرة المثل. وقال سفيان: أجرة المسترضعة. وقال ابن شهاب: سلمتم الاسترضاع. وقال ابن جريج: أجرة الام والنظير.

وقوله: " أن تسترضعوا أولادكم " معناه: لاولادكم، وحذفت اللام لدلالة الاسترضاع عليه من حيث أنه لا يكون إلا للاولاد، ولايجوز: دعوت زيدا، تريد لزيد، لانه يجوز أن يكون المدعو، والمدعو له، إذ معنى دعوت زيدا لعمرو، خلاف دعوت زيدا فقط، فلا يجوز للالباس.

وفي الاية دلالة على أن الولادة لستة أشهر تصح، لانه إذا ضم إلى الحولين كان ثلاثين شهرا، وروي عن علي (ع) وابن عباس ذلك.

الاعراب:

ومن رفع " لا تضار " فعلا استئناف النفي. وقال الكسائي، والفراء: هو منسوق على " لا تكلف ". قال الرماني هذا غلط، لان النسق ب (لا) إنما هو على إخراج الثاني مما دخل فيه الاول، نحو ضربت زيدا لا عمرا، فأما أن يقوم زيد

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " سورة الانفال آية: 62.

 

===============

(261)

لا يقعد عمرو، فلا يجوز على النسق، ولكن يرفع على استئناف النفي ب (لا)، فكذلك " لا تضار " مستأنف في اللفظ متصل في المعنى، وقوله: " وان تصبروا وتتقوا " (1) إنما جاز في موضع الجزم للاتباع، وليس ذلك في " لاتضار ".

اللغة:

والوسع: الطاقة مأخوذ من سعة المسلك إلى العرض، فيتمكن لذلك. ولو ضاق لاعجز عنه، والسعة فيه بمنزلة القدرة، فلذلك قيل: الوسع بمعنى الطاقة.

وقوله: " وتشاور " فالتشاور مأخوذ من الشور، وهو اجتناء العسل، تقول: شرت العسل، وأنا اشوره شورا، واشيره إشارة: إذا اجتنيته من مكانه.

والمشورة: استخراج الرأي من المستشار، لانه يجتنى منه (2). وشاوره مشاورة، وأشار عليه إشارة، واستشار استشارة. واستشار العسل: إذا اجتناه وأشار إلى الشئ إشارة: إذا أومئ اليه، والمشيرة الاصبع الذي تسمى السبابة لانه يشار بها الشباب، وغيره. والشابة: الهيبة، واللباس الحسن لانه مما يشاب اليه لحسنه والتشوير: استخراج سير الدابة كالاحسان.

قوله تعالى:

والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فاذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون خبير (234) آية واحدة بلا خلاف.

المعنى:

هذه الاية ناسخة لقوله: " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " سورة آل عمران آية: 120، 125،، 186.

" 2 " في المطبوعة (يخشى منه).

 

===============

(262)

لازواجهم متاعا إلى الحول غير اخراج " (1) وإن كانت مقدمة عليه في التلاوة وعدة كل متوفى عنها زوجها: أربعة أشهر وعشرا سواء كانت مدخولا بها، أو غير مدخول، حرة كانت أو أمة، فان كانت حبلى، فعدتها أبعد الاجلين، من وضع الحمل أو مضى الاربعة أشهر، وعشرة أيام، وهو المروى عن علي (ع)، ووافقنا في الامة الاصم، وخالف باقي الفقهاء في ذلك، وقالوا: عدتها نصف عدة الحرة: شهران وخمسة أيام، وإليه ذهب قوم من أصحابنا، وقالوا في عدة الحامل:

إنها بوضع الحمل، وإن كان بعد على المغتسل، وروي ذلك عن عمر، وأبي مسعود البدري، وأبي هريرة. وعندنا أن وضع الحمل يختص بعدة المطلقة. والذي يجب على المعتدة في عدة الوفاة اجتنابه في قول ابن عباس،، وابن شهاب:

الزينة، والكحل بالاثمد، وترك النقلة عن المنزل. وقال الحسن في احدى الروايتين عن ابن عباس: إن الواجب عليها الامتناع من الزواج لاغير. وعندنا أن جميع ذلك واجب.

الاعراب:

وقوله: " والذين " رفع بالابتداء " ويتوفون منكم " في صلة الذين " ويذرون أزواجا " عطف عليه، وخبر الذين قيل فيه أربعة أقوال:

أولها - أن تكون الجملة على تقدير " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا " أزواجهم " يتربصن ".

الثاني - على تقدير " يتربصن " بعدهم أزواجهم.

الثالث - أن يكون الضمير في يتربصن لما عاد إلى مضاف في المعنى، كان كان بمنزلة على تقدير " يتربصن " أزواجهم: هذا قول الزجاج والاول قول أبي العباس، والثاني قول الاخفش ونظير قول الزجاج أن تقول: إذا مات، وخلف ابنتين، يرثان الثلثين، المعنى يرث إبنتاه الثلثين.

الرابع - أن يعدل عن الاخبار عن الازواج، لان المعنى عليه، والفايدة

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " سورة البقرة آية: 240.

 

===============

(263)

فيه ذهب إليه الكسائي، والفراء، وأنكر ذلك أبوالعباس، والزجاج، لانه لايكون مبتدأ لاخبر له، ولاخبر إلا عن مخبر عنه، وأنشد الفراء (1):

لعلي إن مالت بي الريح ميلة * على ابن أبي ديان أن يتندما (2)

المعنى لعل إبن أبي ديان أن يتندم، وهذا يجوز على حذف أن يتندم لاجلي وقال أيضا:

نحن بما عندنا وأنت بما * عندك راض والرأي مختلف (3)

وقال أبوعبيدة: نظير الاية قول شداد بن عنتر:

فمن يك سائلا عنى فاني * وحروة لاترود ولا نعار

حروة اسم فرسه وإنما حذف الخبر من الاول، لان خبر الثاني يدل عليه، لانه أراد فاني حاضر، وفرسي حاضرة لاترود، ولانعار، فدل بقوله: لاترود ولانعار: على أنها حاضرة بتوعد وتتهدد في قول أبي العباس.

وقوله: " يذرون " يتركون وترك ماضيه يترك تركا. وتقول ذره تركا وكذلك يدع ليذر سواء، والعلة في ذلك أنهم كرهوا الواوات في أول الكلام حتى أنهم لم يحلقوها، أو على جهة الزيادة أصلا، ففي رفض وذر: دليل على الكراهة لها أصلية، وليس بعد الضعف إلا الاتباع فلما ضعفت أصلية امتنعت زيادة، فان قيل كيف قال وعشرا بالتأنيث وإنما العدة على الايام والليالي، ولذلك لم يجز أن تقول: عندي عشر من الرجال والنساء. قيل لتغليب الليالي على الايام إذا اجتمعت في التاريخ، وغيره، لان ابتداء شهور الاهلة الليالي منذ طلوع الهلال فلما كانت الاوائل غلبت، لان الاوائل أقوى من الثواني وقال الشاعر:

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " قائله ثابت قطنة التعكي، واسمه ثابت بن كعب، ذهبت عينه في الحرب فكان يحشوها بقطنة، وهو شاعر فارسي من شعراء خراسان في عهد الدولة الاموية قال فيه حاجب الفيل:

لايعرف الناس منه غير قطنته * وما سواها من الانساب مجهول

" 2 " تاريخ الطبري 8: 160، ومعانى القرآن للفراء 1: 150 وهو من قصيدة يرثي بها يزيد بن المهلب، لما قتل في سنة 102 في خروجه على يزيد بن عبدالملك بن مروان.

" 3 " مر تخريجه في 1: 172، 203.

 

===============

(264)

أقامت ثلاثا بين يوم وليلة * وكان النكير أن تضيف وتجأرا (1)

معنى تضيف تميل وحكى الفراء: صمنا عشرا من شهر رمضان ولو أضاف إلى الايام فقال عشرة أيام، لم يجز إلا التذكير، وإنما جاز في الاول لانه بمعنى عشر من رمضان وقع العمل في نهاره.

اللغة:

وقوله: " فاذا بلغن أجلهن " يقال: أجله تأجيلا: إذا أخره، والاجل نقيض العاجل، وتأجل تأجلا واستاجله استئجالا، وأجلوا ما لهم يأجلونه أجلا:

إذا حبسوه في المرعى، لانهم أخروه فيه والاجل: غاية الوقت في محل الدين وغيره، لتأخره إلى ذلك الوقت وأجل الشئ يأجل وهو آجل نقيض العاجل. لتأخره عن وقت غيره، وفعلته من أجل كذا أي لعاقبة كذا وهي متأخرة عن وقت الفعل الذي دعت. إليه والاجل: القطيع من نفر الوحش، وجمعه آجال، وقد تأجل الصوار أي صار قطيعا لتأخر بعضه عن بعض، وآجل عليهم شرا آجلا أي خبأه، لانه أعقبهم شرا، وهو متأخر عن وقت فعله. والاجلة الاخرة، والعاجلة الدنيا. والمأجل شبه حوض واسع يؤجل فيه ماء البئر أياما، ثم يفجر في الزرع، وهو بالفارسية: (كرجه) وذلك لتأخر الماء فيه.

وقوله: " والله بما تعملون خبير " فالخبير: العالم، لانه عالم بمخبر الخبر.

والخبار: الارض السهلة فيها حجارة، وأحفار. وأخبرت بالشئ إخبارا، لانه تسهيل لطريق العلم به، واستخبره استخبارا، وتخبر تخبرا، وخبره تخبيرا، وأخبره إخبارا، وتخبر القوم: بينهم خبرة: إذا اشتروا شاة، فذبحوها، واقتسموا لحمها، والشاة: خبيرة. والمخبرة: المزادة العظيمة. والخابرة: أن يزرع على النصف، أو الثلث، أو نحوه. والاكار: الخبير. والمخابرة: المؤاكرة، وذلك لتسهيل الزراعة.

وأصل الباب السهولة.

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " اللسان ضيف. قائله النابغة الجعدي. في المطبوعة (تجأوا) بدل (تجأرا) وهو تحريف.

 

===============

(265)

المعنى:

وقوله: " فاذا بلغن أجلهن " أي انقضت هذه المدة، وهي الاربعة أشهر وعشرا " فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف " أي لا جناح عليكم أن تتركوهن إذا انقضت هذه المدة أن يتزوجن، وأن يتزين زينة لا ينكر مثلها وهو معنى قوله " بالمعروف ".

قوله تعالى:

ولاجناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لاتواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ولاتعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم (235) آية في الكوفي.

المعنى:

قال ابن عباس: التعريض المباح في العدة هو قول الرجل: أريد التزويج، وأحب امرأة من حالها، ومن أمرها، وشأنها، فيذكر بعض الصفة التي هي عليها، هذا قول ابن عباس. وقال القاسم بن محمد، وعامر تقول: إنك لنافقة، وإنك لعجبة جميلة، وإن قضى الله شيئا كان.

اللغة:

والخطبة: الذكر الذي يستدعي به إلى عقدة النكاح، والخطبة: الوعظ المنسق على ضرب من التأليف. وقيل الخطبة: ماله أول، وآخر، مثل الرسالة. والخطبة

 

===============

(266)

للحال نحو الجلسة، والعقدة، تقول: خطب المرأة يخطبها خطبة، لانه خاطب في عقد النكاح. وخطب خطبة، لانه خاطب بالزجر، والوعظ على ضرب من تأليف اللفظ المخصوص. وخاطب مخاطبة، وخطابا، وتخاطبوا تخاطبا. والخطب: الامر

 العظيم. والخطبان: الحنظل الذي تشتد خضرته حتى تستحيل إلى الغبرة، والصفرة.

وأصل الباب الخطاب.

والفرق بين التعريض، والكناية أن التعريض: تضمين الكلام دلالة على شئ ليس فيه ذكر له، والكناية: العدول عن الذكر الاخص بالشئ إلى ذكر يدل عليه فالاول كقول القائل: ما أقبح البخل، يعرض بأن المخاطب بخيل، ولعن الله الملحدين، يعرض له بالالحاد. والثاني كقولك: زيد ضربته، كنيت عنه بالهاء الموجودة في (ضربته).

وقوله: " أو أكننتم في أنفسكم " فالاكنان: إسرار العزم على النكاح دون إظهاره على قول ابن زيد، ومجاهد. وقال قوم: هو معنى التعريض بالخطبة إن شئت أظهرته، وان شئت أضمرته. وتقول: كننت الشئ: إذا سترته، أكنه كنا وكنونا وأكننته إكنانا إذا أضمرته، لانك سترته في نفسك. واستكن الرجل، وأكنن إذا صار في كن، لانه صار فيما يستره. والكناية الجعبة غير أنها صيغرة تتخذ للنبل. والكة: امرأة الابن أو ابن الاخ. والجمع كنائن. وسمي الكانون كانونا، لانه يحتاج إليه في وقت الاكتنان من البرد، ومنه قوله:

" كأنهن بيض مكنون " (1) " وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون " (2)

وأصل الباب الكن: الستر.

والفرق بين الاكنان ولكن: أن الاكنان: الاضمار في النفس، ولايقال كننته في نفسي. وقيل: كننته معناه صنته كما قال: " كأنهن بيض مكنون ".

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " سورة الصافات آية: 49.

" 2 " سورة النمل آية 74، وسورة القصص آية: 69.

 

===============

(267)

المعنى:

وقوله: " لا تواعدوهن سرا " قال الحسن، وإبراهيم، وأبومجيلة: السر المنهي عنه هاهنا الزنا. وقال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والشعبي: هو العهد على الامتناع من تزويج غيرك. وقال مجاهد: هو أن تقول لها لا تفوتيني بنفسك، فاني ناكحك. وقال ابن زيد: هو اسرار عقدة النكاح في العدة.

اللغة:

والسر في اللغة على ثلاثة أوجه: الاخفاء في النفس، والشرف في الحسب، يقال: فلان في سر قومه إذا كان في شرفهم، وصميمهم. والجماع في الفرج قال الشاعر:

ألا زعمت بسباسة اليوم أنني * كبرت وألا يشهد السر أمثالي (1)

وقال رؤبة:

فعف عن أسرارها بعد العسق * ولم يضعها بين فرك وعشق (2)

العشق اللصوق وقال الحطيئة:

ويحرم سر جارتهم عليهم * ويأكل جارهم أنف القصاع (3)

وقوله: " إلا أن تقولوا قولا معروفا " يعنى التعريض الذي أباحه الله تعالى.

و (إلا) بمعنى (لكن) لان ما قبلها هو المنهي عنه، وما بعدها هو المأذون فيه.

وتقديره: ولكن قولوا قولا معروفا.

وقوله " ولا تعزموا عقدة النكاح: تقديره على عقدة النكاح، وحذفت على،

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " قائله امرء القيس ديوانه: 159 وروايته (وألا يحسن السر) بدل (وألا يشهد السر).

" 2 " ديوانه: 104، واللسان " عسق "، " عشق "، " فرك "، " سرر ". والاسرار جمع سر. والعسق مصدر " عسق به يعسق " لزمه وأولع به. والفرك - بكسر الفاء وسكون الراء - بغضة الرجل امرأته أو بالعكس، وامرأة فارك، وفروك: تكره زوجها وقد روى " العشق ".

" 3 " اللسان (أنف). أنف كل شئ: طرفه، وأوله.

 

===============

(268)

لدلالة العزم عليها، لانه لايكون إلا على معزوم عليه، كما قيل: ضربه الظهر والبطن أي على الظهر والبطن.

والعقد: الشد، تقول: عقد يعقد عقدا، وأعقدت العسل إعقادا، واعتقد صحة الامر اعتقادا وتعاقدوا على الامر تعاقدا، وعاقدة معاقدة، وعقد كلامه تعقيدا، وتعقد تعقدا، وانعقدا نعقادا، وعقد العبد، لانه كعقد الحبل في التوثيق.

والعقد: السمط من الجوهر. والعقد: الرمل للتداخل. وعقد اليمين: خلاف اللغو.

وناقة عاقد أي لاقح، لانها تعقد بذنبها، فيظهر أنها قد لقحت.

المعنى:

وقوله: " حتى يبلغ الكتاب أجله " معناه انقضاء العدة بلا خلاف. والكتاب الذي يبلغ أجله هو القرآن ومعناه: فرض الكتاب أجله. ويجوز أن يكون الكتاب نفسه هو الفرض، ذكره الزجاج، ووجه ثالث أن يكون ذلك على وجه التشبيه بكتاب الدين، ذكره الجبائي.

وقوله: " والله غفور حليم " قد بينا أن الحلم من الله هو إمهال العقوبة المستحقة. وقال أبوعلي الجبائي هو كل فعل يضاد حدوث العقوبة في الانسان، وهو من الانسان ترك العقاب. والله تعالى لايجوز عليه الترك، فهو ما وصفنا من نعمه التي تضاد عقوبته.

قوله تعالى:

لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين (236) آية بلا خلاف.

القراءة:

قرأ حمرة، والكسائي، وخلف " تماسوهن " بضم التاء وبألف هاهنا

 

===============

(269)

موضعان، وموضع في الاحزاب، وقرأ أبوجعفر وأهل الكوفة إلا أبابكر، وابن ذكوان " قدره " بفتح الدال في الموضعين. الباقون باسكانها.

المعنى:

المفروض صداقها داخلة في دلالة الاية وإن لم يذكر، لان التقدير ما لم تمسوهن ممن قد فرضتم لهن أو لم تفرضوا لهن فريضة، لان أو تنبئ عن ذلك، لانه لو كان على الجمع لكان بالواو.

والفريضة المذكورة في الاية: الصداق، بلاخلاف، لانه بجب بالعقد للمرأة، فهو فرض لوجوبه بالعقد.

ومتعة التي لم يدخل بها ولا يسمى لها صداق على قدر الرجل، والمرأة، قال ابن عباس، والشعبي، والربيع: خادم أو كسوة أو رزق، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبدالله (ع). وقيل مثل نصف صداق تلك المرأة المنكوحة، حكى ذلك عن أبي حنيفة وأصحابه. وفي وجوب المتعة لكل مطلقة خلاف. قال الحسن وأبوالعالية: المتعة لكل مطلقة إلا المختلعة، والمبارية، والملاعنة. وقال سعيد بن المسيب: المتعة التي لم يسم لها صداق، خاصة، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبدالله (ع). وقد روي أيضا أنها لكل مطلقة، وذلك على وجه الاستحباب.

والمتعة للتي لم يدخل بها ولم يعرض لها يجبر عليها السلطان، وهو قول أهل العراق.

وقال أهل المدينة وشريح يؤمر لها، ولا يجبر عليها.

اللغة:

والموسع: الغني في سعة من ماله لعياله. والمقتر: الذي في ضيق لفقره، تقول:

أقتر الرجل إقتارا: إذا أقل، فهو مقتر أي مقل، وقترت الشئ أقتره قترا، وأقترته إقتارا، وقترته تقتيرا: إذا ضيقت الانفاق منه. والقتار: دخان الشحم على النار، ونحوه، لغلبته بالاضافة إلى بقيته. والقتر: الغبار. والقترة: ما يغشى الوجه

 

===============

(270)

من غير الموت، والكرب، لانه كالقتار أو كالغبار يغشى اشلوجه، وفي التنزيل " ترهقها قترة " (1) والقتير: مسامير الدروع، لقلتها وصغرها. والقتير ابتداء الشيب، لقلته. ويجوز أن يكون مشبها بالدخان أول ما يرتفع. والقترة ناموس الصائد، لانها كالقتار باخفائه إياها. ورجل قاتر: حسن الاخذ من ظهر البعير لا يعقره لقلة ما يأخذ منه، وأصل الباب الاقلال. وابن قترة: حية خبيثة لا ينجو سليمها.

المعنى:

والمتوفى عنها زوجها إذا لم يفرض لها صداق عليها العدة - بلا خلاف - ولها الميراث إجماعا. وقال الحسن والضحاك وأكثر الفقهاء. لها صداق مثلها. وحكى الجبائي عن بعض الفقهاء: أنه لامهر لها، وهو الذي يليق بمذهبنا، ولانص لاصحابنا فيها.

الاعراب، والمعنى:

ويحتمل نصب " متاعا " وجهين: أحدهما - أن يكون حالا من قدره، لانه معرفة، والعامل فيه الظرف. والثاني - على المصدر، والعامل فيه " ومتعوهن ".

ويحتمل نصب حقا وجهين: أحدهما - أن يكون حالا من " بالمعروف حقا " والعامل فيه معنى عرف حقا. الثاني - على التأكيد، لجملة الخبر كأنه قيل: أخبركم به حقا كأنه قيل: إيجابا " على المحسنين " وإنما خص التي لم يدخل بها بالذكر في رفع الجناح دون المدخول بها بالذكر وإن كان حكمهما واحد الامرين: أحدهما - لازالة الشك في الحرج على هذا الطلاق. والثاني - لان له أن يطلق أي وقت شاء، وليس كذلك حكم المدخول بها، لانه يجب أن يطلقها للعدة.

" وقدره " على تقدير أعطوهن قدر الوسع كما يقال: أخذ صدقاتهن لكل أربعين شاة بالرفع، والنصب. وقال الشاعر في تسكين الدال:

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " سورة عبس آية: 41.

 

===============

(271)

وما صب رجلي في حديد مجاشع * مع القدر إلا حاجة لي أريدها (1)

وقال آخر:

ألا يالقومي للنوائب والقدر ! * وللامر يأتي المرء من حيث لا يدري " (2)

قال أبوزيد: قدر القوم: أمرهم يقدرونه قدرا، وهذا قدر هذا أي مثله، وقدر الله الرزق يقدره. وروى السكوني يقدره قدرا. وقدرت الشئ بالشئ أقدره قدرا. وقدرت على الامر أقدر عليه قدرة، وقدورا، وقدارة. ونسأل الله خير القدر. وقال أبوالصقر: هذا قدر هذا، وأحمل قدر ما تطيق. وقال أبوالحسن:

هو القدر، والقدر. وخذ منه بقدر كذا، وقدر كذا: لغتان فيه وقوله:

" فسالت أودية بقدرها " وقدرها (3).

الحجة:

ومن قرأ " تمسوهن " بلاالف، فلقوله تعالى: " ولم يمسسني بشر " (4)

فانه من جاء على (فعل)، وكذلك قوله: " ولم يطمثهن أنس قبلهم ولا جان " (5)

ومن قرأ " تماسوهن بالف "، لان (فاعل)، و (فعل) قد يراد بكل واحد منهما ما يراد بالاخر، نحو طابقت النعل وعاقبت اللص، ولا يلزم على ذلك في آية الظهار " من قبل أن يتماسا " (6) لان المهاسة محرمة في الظهار على كل واحد من الزوجين للاخر، فلذلك لم يجز إلا " من قبل أن يتماسا ". وفي الاية دليل على أن العقد بغير مهر صحيح، لانه لو لم يصح لما جاز فيه الطلاق، ولا وجبت المتعة.

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " قائله الفرزدق ديوانه: 215، واللسان (صبب)، و (قدر)، ومقاييس اللغة 5: 62 والاساس (صبب)، واصلاح المنطق: 109.

" 2 " البيت لهدبة بن خشرم. اللسان (قدر) في المطبوعة (بالقوم) بدل (لقومي)

و (للام) بدل (للامر).

" 3 " سورة الرعد آية: 19 وقد قرأت الاية " بقدرها " بفتح الدال، وبسكونها.

وخط المصحف بالسكون.

" 4 " سورة آل عمران آية: 47. " 5 " سورة الرحمن آية: 74.

" 6 " سورة المجادلة آية: 3، 4.

 

===============

(272)

قوله تعالى:

وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح أن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم أن الله بما تعملون بصير (237) آية واحدة بلا خلاف.

روى سعيد بن المسيب: أن هذه الاية ناسخة لحكم المتعة في الاية الاولى.

قال البلخي: وهذا ليس بصحيح، لان الاية الاولى تضمنت حكم من لم يدخل بها، ولم يسم لها مهرا إذا طلقها، وهذه تضمنت حكم التي فرض لها صداق إذا طلقت قبل الدخول، وأحد الحكمين غير الاخر. والذي قاله سعيد بن المسيب متوجه على ما قدمناه في الاية من أن دليلها يتناول التي فرض لها المهر. وإن حملنا قوله:

" ومتعوهن " على عمومه لزم أن تمتع كل مطلقة وإن سمي لها مهرا. وإن قلنا:

لامتعة للمفروض لها الصداق، فلا يلزم نسخ الاية أو تخصيصها إن نزلت معها.

وقال جميع أهل التأويل: إنه إذا طلق الرجل من سمي لها مهرا معلوما قبل أن يدخل بها، فانه يستقر لها نصف المهر، فان كانت ما قبضت شيئا وجب عليه تسليم نصف المهر، وإن كانت قد سلمت جميع المهر، وجب عليها رد نصف المهر، ويستقر لها النصف الاخر.

اللغة:

والنصف: هو سهم من اثنين، تقول: نصفه ينصفه، وانتصف انتصافا، ونصفه تنصيفا، وأنصفه إنصافا، وتناصفوا تناصفا، وناصفه مناصفة، وتنصف تنصفا. والنصف: المرأة بين المسنه والحدثة، لانها على نصف المسنة. والناصف:

الخادم، وهو ينصف الملوك أي يخدمهم، لانه يعطيهم النصف من نفسه قسرا وذلا.

 

===============

(273)

والانصاف، لانه كالنصف في العدل. والنصيف: الخمار، لانه كالنصف في أنه وسط بين الصغير، والكبير، ويقال له: نصيفة. ومنتصف الطريق: وسطه. والمنصف من الشراب الذي طبخ حتى ذهب نصفه. والنصيف: مكيال، لانه على النصف بالتعديل بين الكبير والصغير.

المعنى:

وقوله: " أن يعفون " معناه: أن يصح عفوها، من الحرار البالغات غير المولى عليها، لفساد عقلها، فتترك ما يجب لها من نصف الصداق، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وجميع أهل العلم.

وقوله: " أويعفو الذي بيده عقدة النكاح " قال مجاهد، والحسن، وعلقمة:

إنه الولي، وهوالمروي عن أبي جعفر، وأبي عبدالله (ع)، غير أنه لا ولاية لاحد - عندنا - إلا الاب أو الجد على البكر غير البالغ، فأما من عداها، فلا ولاية له إلا بتولية منهما، روي عن علي (ع). وعن سعيد بن المسيب، وشريح، وحماد، وابراهيم، وأبي حذيفة، وابن شبرمة: أنه الزوج، وروي ذلك أيضا في أخبارنا غير أن الاول أظهر، وهو المذهب، وفيه خلاف بين الفقهاء ذكرناه في الخلاف، وقوينا ما أخبرناه هناك.

والالف واللام في قوله " عقدة النكاح " بدل من الاضافة، فمن جعل الزوج قال تقديره: الذي بيده عقدة نكاحه، ومن جعل الولي، قال: تقدير الذي بيده عقدة نكاحها، ومثله قوله تعالى: " فان الجنة هي المأوى " (1) ومعناه: هي مأواه وقراره وقال النابغة:

لهم شيمة لم يعطها الله غيرهم * من الناس والاحلام غير عوازب (2)

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " سورة النازعات آية: 41. " 2 " ديوانه: 45 من قصيدته في مدح عمرو بن الحارث الاصغر الاعرج الغساني وذلك حين فر من النعمان بن المنذر إلى الشام. والضمير في " لهم " عائد إلى ملوك غسان من بني جفنة. والشيمة: الخلق، والطبيعة.

 

===============

(274)

معناه وأحلامهم غير عوازب. ومن جعل العفو للزوج قال: له أن يعفو عن جميع نصفه. ومن جعله للولي: قال أصحابنا له أن يعفو عن بعضه، وليس له أن يعفو عن جميعه، فان امتنعت المرأة من ذلك لم يكن لها ذلك إذا اقتضت المصلحة ذلك، عن أبي عبدالله (ع). واختار الجبائي أن يكون المراد به الزوج، قال: لانه ليس للولي أن يهب مال المرأة، قوله: " وأن تعفوا أقرب للتقوى " خطاب للزوج والمرأة، قال لانه ليس للولي أن يهب مال المرأة.

وقوله: " وأن تعفوا أقرب للتقوى " خطاب الزوج، والمرأة جميعا - في قول ابن عباس - وقيل: للزوج وحده عن الشعبي، وإنما جمع لانه لكل زوج وقول ابن عباس أقوى لانه العموم. وإنما كان العفو أقرب للتقوى من وجهين:

أحدهما - لاتقاء ظلم كل واحد صاحبه مما يجب من حقه.

الثاني - أنه أدعى إلى اتقاء معاصي الله، للرغبة فيما رغب فيه من العفو عماله.

الاعراب:

وقوله: " فنصف ما فرضتم " رفع على: عليكم نصف ما فرضتم، وكان يجوز أن ينصب في العربية على فأدوا نصف ما فرضتم.

وقوله: " ولا تنسو الفضل بينكم " الواو مضمومة، لانها واو الجمع، وقياسها أن تكون مع ضم ما قبلها، فاذا لم يوصل اليه جعل الضم منها، وكان يجوز فيها الكسر، ومثله " اشتروا الضلالة " (1) على ضعف فيه، وقد مضى ذكره.

المعنى:

والذي يوجب المهر كاملا الجماع، وهو المراد بالمسيس، وقال أهل العراق:

هو الخلوة التامة إذا أغلق الباب وأرخى الستر، وقد روى ذلك أصحابنا غير أن هذا يعبر في حق الثيب.

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " سورة البقرة آية: 16، 175.

 

===============

(275)

قوله تعالى:

حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين (238) آية.

اللغة:

الحفظ ضبط الشئ في النفس، ثم يشبه به ضبطه بالمنع من الذهاب. والحفظ خلاف النسيان تقول: حفظ حفظا، وحافظ محافظة، وحافظا، واحتفظ به احتفاظا، وتحفظ تحفظا، واستحفظ استحفاظا، وأحفظه إحفاظا: إذا أغضبه، لانه حفظ عليه ما يكرهه. ومنه الحفيظة: الحمية والحافظ: خلاف المضيع. والحفيظ: الموكل بالشئ، لانه وكل به ليحفظه وأهل الحفاظ: أهل الذمام، ومنه قوله: " فما أرسلناك عليهم حفيظا " (1).

المعنى:

ومعنى الاية الحث على مراعات الصلوات، ومواقيتهن، وألا يقع فيها تضييع وتفريط.

وقوله " والصلاة الوسطى " هي العصر فيما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) وعلي (ع)

وابن عباس، والحسن. وقال زيد بن ثابت، وابن عمر: إنها الظهر، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبدالله (ع). وقال قبيصة بن ذؤيب: هي المغرب، وقال جابر ابن عبدالله هي الغداة. وفيه خلاف بين الفقهاء ذكرناه في الخلاف. وروي عن ابن عمر أنه قال: واحدة من الخمس غير متميزة. وقال الحسين بن علي المغربي:

المعني فيها صلاة الجماعة، لان الوسط العدل، فلما كانت صلاة الجماعة أفضلها خصت بالذكر، وهذا وجه مليح غير أنه لم يذهب إليه أحد من المفسرين، فمن جعلها العصر قال: لانها بين صلاتي النهار، وصلاتي الليل، وإنما حض عليها، لانها وقت شغل الناس في غالب الامر، ومن قال: إنها الظهر قال: لانها وسط النهار، وقيل:

هي أول صلاة فرضت، فلها بذلك فضل. ومن قال: هي المغرب قال: لانها وسط في الطول، والقصر من بين الصلوات، فهي أول صلاة الليل الذي رغب في الصلاة

 

ــــــــــــــــــــــ

" 1 " سورة النساء آية: 79، وسورة الشورى آية: 48.

 

===============

(276)

فيه، وأما من قال هي الغداة قال: لانها بين الظلام والضياء، وصلاة لا تجمع مع غيرها. وقد جمع النبي (صلى الله عليه وآله) بين الظهر والعصر بعرفة، وجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، فهذه متواخية وتلك مفردة.

وقوله: " وقوموا لله قانتين " قال ابن عباس، والحسن: معناه طائعين.

وقال عبدالله بن مسعود: ساكتين، لانهم نهوا بذلك عن الكلام في الصلاة.

وقال مجاهد: معناه خاشعين فنهوا عن العبث، والتلفت في الصلاة. قال ابن عباس في رواية: داعين ولذلك قال هي صلاة الصبح، لانه لا صلاة فرض فيها قنوت إلا هي. وعن أبي جعفر وأبي عبدالله (ع) مثل ذلك إلا أنهما قالا: القنوت في كل ركعتين قبل الركوع.

اللغة: والاعراب:

وأصل القنوت الدوام على أمر واحد. وقيل أصله الطاعة. وقيل أصله الدعاء في حال القيام. وقال الرماني والوجه الاول أحسن بصرفه في الباب، لان المداوم على الطاعة قانت، وقال المداوم في صلاته على السكوت إلا عن الذكر المشروع له، وكذلك المداوم. ويقال: فلان يقنت عليه أي يدعوا عليه دائما.

والصلاة الوسطى محفوظة بالعطف على الصلوات وكان يجوز النصب على " والصلاة الوسطى " فخصوها بالمحافظة. ومن حمل الصلاة الوسطى على صلاد الجماعة جعل قوله: " على الصلوات " على عمومه. ومن حملها على واحدة من الصلوات على الخلاف فيه اختلفوا، فمنهم من قال أراد بقوله " على الصلوات " ما عدا هذه الصلاة وإلا كان يكون عطف الشئ على نفسه، ومنهم من قال لا يمتنع أن يريد بالاول جميع الصلوات، وخص هذه بالذكر تعظيما لها وتأكيدا لفضلها.

قوله تعالى:

فان خفتم فرجالا أو ركبانا فاذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لمن تكونوا تعلمون (239) آية.