(222)

منازل القمر قال صاحب العين: الذبح: قطع الحلقوم من باطن وموضعه المذبح والمذبح السكين الذي يذبح به الذباح والذباح نبات من الشجر قال الاعشى: " انما قولك صاب وذبح " وقال آخر: " كان عيني فيها الصاب مذبوح " (1) وأصل الباب الشق قوله: " يستحيون نساءكم " إنما قال نساءكم وهم كانوا لا يستبقون الاطفال من البنات تغليبا، لانهم كانوا يستبقون الصغار والكبار كما يقال: أقبل الرجال وإن كان معهم صبيان، وقيل إن اسم النساء يقع على الكبار والصغار، وقيل: انهم سمعوا بذلك على تقدير انهن يبقين حتى يصرن نساء والمرأة والنساء والزوجات، نظائر ولا واحد للنساء من لفظه ويقال: الرجال والنساء على وجه النقيض قال صاحب العين: النسوة، والنسوان، والنسين، كل ذلك مثل النساء قوله: " وفي ذلكم بلاء من بكم عظيم " البلاء، والاحسان، والنعمة، نظائر في اللغة وبلى، بلى بلى فهو بال والبلاء لغة قال الشاعر:

والمرء يبليه بلاء السربال * تناكر الليالي واختلاف الاحوال

والبلية الدابة التي كانت تشد في الجاهلية عند قبرصا حبها راسها في الركبة حتى تموت ومنها ما يعقر عند القبر حتى يموت وناقة بلو مثل نضو قد أبلاها السفر والفعل من البلية ابتليت وتقول: بلى الانسان وابتلى والبلاء على وجهين في الخير والشر والله تعالى يبلي العبد بلاء حسنا وبلاء سيئا وابليت فلانا عذرا أي بليت فيما بينه وبيني بما لا لوم علي بعده والبلوى: هي البلية، والبلوى التجربة تقول بلوته بلوى وأصل الباب التجربة والبلاء: الامتحان الذي فيه انعام والبلاء، الامتحان الذي فيه انتقام، فاذا اردت الانعام، قلت: ابليته بلاء حسنا وفي الاختيار: تقول بلوته بلاء قال الله تعالى: " ونبلوكم بالخير والشر فتنة " (2)

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) قاله ابوذؤيب الهذلي وصدر البيت " انى ارقت فبت الليل مشتجرا " وفي المحكم (مرتفقا) بدل " مشتجرا " ولعلهما روايتان والشتجر: الذي يضع يده تحت حنكه مذكر الشدة همه: ـ لسان العرب ـ

(2) سورة الانبياء آية 35 (*)

 

===============

(223)

وقال في الانعام: " وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا " قال زهير:

جزى الله بالاحسان ما فعلا بكم * وابلاهما خير البلاء الذي يبلو (1)

فجمع المعنين لانه اراد: وانعم عليهما خير النعم التي يختبر بها عباده، وقال الاحنف: البلاء ثم الثناء، يعني الانعام، ثم الشكر، المعنى:

وإنما كان في استحياء النساء محنة عليهم وبلوى لهم، لانهم كثيرا يستعبدون، وينكحن على الاسترقاق فهو على رجالهن اعظم من قتلهن وقيل:

إنهن كن يستبقين للاذلال، والاستبقاء، محنة، كما ان من أحيي: للتعذيب فحياته نقمة ومن احيي للتلذيذ فحياته نعمة والابناء جمع ابن والمحذوف من الابن عند الاخفش الواو، لانها اثقل وهي بالحذف اولى وقال الزجاج: يجوز أن يكون المحذوف ياء وواو اوهما سيان ولا حجة في النبوة كما لا حجة في الفتوة لقولهم فتيان قال: وقد جاء حذف الياء كما في يد كقولهم يديت اليه يدا وفي دم قال الشاعر:

فلو انا على حجر ذبحنا * جرى الدميان بالخبر اليقين

والقتل الذي هو فري الاوداج، او نقض بنية الحياة يقدر الواحد منا عليه وأما الموت بتسكين الحركة الحيوانية، او فعل ضد الحيوة عند من قال: لها ضد، فلا يقدر عليه غير الله الاعراب:

وموضع " يسومونكم سوء العذاب " يحتمل أمرين من الاعراب:

احدهما الاستئناف: فيكون موضعه رفعا، كأنه قال: يسومونكم من قبل ذلك سوء العذاب

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الانفال آية 17

(2) ديوانه وروايته " رأى الله.. فأبلاهما " (*)

 

===============

(224)

والثاني: ـ أن يكون موضعه نصبا على الحال من آل فرعون والعامل فيه نجيناكم

“ يسومونكم سوء العذاب " كان بذبح الابناء واستحياء النساء وقيل:

باستعمالهم في الاعمال الشاقة واستحياء النساء كان بان يستبقين وقيل انه كان يفتش احياء النساء عما يلدن، وقيل: انهم كانوا يستحيون ان يلجوا على النساء في بيوتهن اذا انفردن عن الرجال صيانة لهم فعلى هذا يكون انعاما عليهن وهذا بعيد من من اقوال المفسرين والسبب في أن فرعون كان يذبح الابناء ويستحيي النساء ما ذكره السدي وغيره، أن فرعون رأى في منامه نارا اقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر فاحرقت القبط وتركت بني اسرائيل، واخرجت مصر فدعى السحرة والكهنة والقافة فسألهم عن رؤياه فقالوا: يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه ـ يعنون بيت المقدس ـ رجل يكون على يده هلاك مصر فامر بني إسرائيل الا يولد لهم غلام إلا ذبحوه ولا جاريه الا تركت وليس في الآية دلالة على سقوط القود عمن قتل غيره مكرها ولا القود على المكره ولا ان كان مختارا غير مكره فالقود عليه لانه لم يجر لذلك ذكر: فان قيل اذا كانوا نجوهم والله انجاهم ما المنكر أن يكون العاصي هو الذي عصى الله والله خلق معصيته؟ قيل: لا يجب ذلك الا ترى انه يقال قد ينجيني زيد فانجو وان لم يكن فعل بلا خلاف وكذلك اذا استنقذنا النبي " ص " من الضلالة فخلصنا لا يجب ان يكون من فعل فعلنا واخبار الله اليهود بهذه القصة على لسان رسوله من دلائل نبوته، لان منشأه معروف وبعده عن مخالطة الكتابيين معلوم قوله تعالى:

واذ فرقنا بكم البحر فانجيناكم واغرقنا آل فرعون وانتم تنظرون (50) ـ آية موضع اذا نصب كما تقدم وهو عطف على ما مضى فكأنه قال: واذ كروا اذ فرقنا بكم البحر: وذلك من جملة نعم الله تعالى التي عددها عليهم مما فعله

 

===============

(225)

مع اسلافهم ومعنى فرقنا بكم البحر أي فرقنا بين الماءين حتى مررتم فيه وكنتم فرقا بينهما اللغة:

والفرق والفصل والقطع نظائر: والفرق يقتضي الجمع يقال فرق فرقا وافرق المريض افراقا وافترق الشئ افتراقا واستفرق استفراقا وفرقه تفريقا وتفارقوا تفارقا وتفرق تفرقا وفارقه مفارقة وانفرق انفراقا والفرق موضع المفرق من الرأس والفرق تفريق ما بين الشيئين والفرق فرجك ما بين شيئين تفرق بينهما فرقا، حتى يتفرقا ويفترقا، وتقول تفارق هؤلاه الصبحة أي فارق بعضهم بعضا، وافترقوا وتقول: مشطت الماشطة كذا وكذا فرقا أي كذا وكذا ضربا والفرق طائفة من الناس قال أعرابي لصبيان رآهم هؤلاء فرق سوء والفرق: الطائفة من كل شئ، ومن الماء، اذا انفرق بعضه عن بعض وكل طائفة من ذلك فرق وقوله: " فكان كل فرق كالطود العظيم " (1) يعني الفرق من الماء، والفريق الطائفة من الناس والفرقة:

مصدر الافتراق وهو احد ما خالف فيه مصادر افعل والفرقان: اسم للقرآن وكل كتاب انزل الله وفرق به بين الحق والباطل فهو فرقان وسمى الله تعالى التوراة فرقانا وقوله: " يوم الفرقان يوم التقى الجمعان " (2) كان يوم بدر ويوم احد فرق الله بين الحق والباطل والفرق هوالفلق والمفرق هو مكيال لاهل العراق والفرق: الخوف تقول: رجل فروقة وامرأة فروقة والفعل فرق يفرق من كذا فرقا وقوله: " وقرآنا فرقناه " (3) مخفف ـ معناه احكمناه كقوله: " فيها يفرق كل أمر حكيم " (4) وتقول: مفرق ما بين الطرفين وافرق فلان من مرضه افراقا اذا برئ ولا يكون الافراق إلا من مرض لا يصيب الانسان إلا دفعة واحدة: نحو الجدري، والحصبة، وديك افرق: اذا انفرق عرفه وتيس افرق: اذا تباعد طرفا قرنيه ورجل فروقة وكذلك المرأة: مثل، نسابة وعلامة وجاء مصدر فرقته

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الشعراء: آية 64 (2) سورة الانفال: آية 41 (3) سورة الاسراء آية 106 (4) سورة الدخان: آية 4 وسورة الرحمن آية 19 (*)

 

===============

(226)

تفرقة والفرق الذي جاء في الحديث: ما اسكر الفرق فالجرعة منه حرام، مكيال يعرف بالمدينة وفرقة من الناس ومعه فرق واصل الفرق الفصل بين الشيئين والفريقة حلبة تطبخ بتمر للنفساء وغيرها والبحر يسمى بحرا وهو انبساطه وسعته ويقال استبحر فلان في العلم وتبحر لا ستبحاره اذا اتسع فيه وتمكن منه (1) ويقال تبحر الراعي في رعي كثير قال امية الصغير:

انفق نصابك في نفل تبحره * من الاباطح واحبسها بخلدان

وتبحر فلان في الماء ومن ذلك بحيرة طبرية وهي عشرة اميال في ستة اميال وقيل: هي علامة خروج الدجال اذا يبست، فلا يبقى منها قطرة ماء وبحرت اذن الناقة بحرا اذا شققتها وهي البحير وكانت العرب تفعل ذلك اذا انتجت عشرة ابطن فلا تركب ولا ينتفع بظهرها فنهى الله عن ذلك والسائبة التي تسيب فلا ينتفع منها بظهر ولا لبن والوصيلة في الغنم كانت اذا وضعت انثى تركت وان وضعت ذكرا أكله الرجال، دون النساء وان ماتت الانثى الموضوعة اشتركوا في أكلها، وان ولد مع الميتة ذكر حي اتصلت به، كانت للرجال دون النساء ويسمونها وصيلة وقد قيل غير ذلك سنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى والباحر الاحمق الذي لبس في حديثه اذا كلم بقي كالمبهوت وبحراني منسوب إلى البحرين ودم بحراني وباحر: اذا كان خالص الحمرة من دم الجوف والعرب تسمي المالح والعذب بحرا اذا كثر ومنه قوله: " مرجع البحرين يلتقيان " (2) يعني المالح والعذب وأصل الباب الاتساع والبحر: هو المجرى الواسع الكثير الماء واما المالح: فهو الذي لا يرى حافتيه من في وسطه، لعظمه وكثرة مائه فدجلة بحر بالاضافة إلى الساقية وليست بحرا بالاضافة إلى جدة، وما جرى مجراها المعنى:

ومعنى قوله " فرقنا بكم البحر " أي جعلناكم بين فرقيه تمرون في طريق يبس

ـــــــــــــــــــــــ

(1) في المخطوطة والمطبوعة " فيه " (2) سورة طه: آية 77 (*)

 

===============

(227)

كما قال تعالى: " فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا " (1) وقال: " واوحينا إلى موسى ان اضرب بعصاك البحر فكان كل فرق كالطود العظيم " (2) وقال بعضهم في معنى فرقنا يعني بين الماء وبينكم أي فصلنا بينكم وبينه حجزنا حيث مررتم فيه وهذا خلاف الظاهر، وخلاف ما بينه في الآيات الاخر التي وردت مفسرة لذلك، ومبنية لما ليس فيه اختلاف وقوله:

" واغرقنا آل فرعون " اللغة:

قال صاحب العين: الغرق: الرسوب في الماء ويشبه به الدين والبلوى والتغريق والتغويص والتغييب نظائر والنجاة ضد الغرق كما انها ضد الهلاك يقال غرق غرقا واغرق في الامر اغراقا وغرقه تغريقا وتغرق تغرقا ورجل غرق وغريق وغرقت السيل واغرقته اذا بلغت به غاية المد في النفوس والفرس اذا خالط، ثم سبقها:

يقال اغترقها والغرق من اللبن القليل قال ابن دريد: غرق يغرق غرقا في الماء وغرق في الطيب، والمال واصله في الماء وكثر فاستعمل في غيره وكذلك غرق في الذنوب واغرق في الامر يغرق إغراقا: اذا جاوز الحد فيه واصله من نزع السهم حتى يخرجه من كبد القوس واغرورقت عيناه: شرقت بدمعها وجمع غريق: غرقى واصل الباب الغرق: الرسوب في الماء وقوله:

" وانتم تنظرون " قال المفسرون: وانتم ترون ذلك وتعاينونه اللغة:

والنظر والبصر والرؤية نظائر في اللغة يقال نظر ينظر نظرا وانظر ينظر انظارا وانتظر انتظارا واستنظر استنظارا وتناظر تناظرا وناظره مناظرة

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الشعراء: آية 64 (*)

 

===============

(228)

قال صاحب العين: نظر ينظر نظرا ـ بتخفيف ـ المصدر وتقول: نظرت إلى كذا من غير ذكر العين ـ ونظرت في الكتاب ونظرت في الامر وقول القائل انظر إلى الله تعالى، ثم اليك معناه اني اتوقع فضل الله ثم فضلك ويقال: نظرت بعلمي ويقال انظر الدهر اليهم أي اهلكهم قال الشاعر:

نظر الدهر اليهم فابتهل والنظر: الاسم من نظر. وقوله: (لا ينظر اليهم) أي لايرحمهم والمنظور من الناس هو المرجو فضله. ينعت به السيد. والنظور: الذي لا يغفل عن النظر إلى ما اهمه. والمناظرة ان تناظر اخاك في امر تنظر انت في ذلك وينظر هو فيه كيف تأتيانه. والمنظرة موضع في رأس جبل يكون فيه رقيب ينظر فيه إلى العدو ويحرس اصحابه والمنظرة منظرة الرجل اذا نظرت اليه اعجبك أو اساءك. تقول:

انه لذو منظرة بلا مخبرة والمنظر مصدر كالنظر. والمنظر: الشئ الذي يعجب بالنظر اليه ويسر به تقول: ان فلانا لفي منظر ومسمع وفي ري ومشبع أي فيما أحب النظر اليه. ونظار بمعنى انتظر في الامر. وناظر العين. النقطة السوداء الخالصة الصافية التي في جوف سوداء العين مما يرى انسان العين والنظير: نظيرك الذي هو مثلك.

والانثى نظيرة. وجمعه نظائر في الكلام والانشاء. ونظرته وانتظرته بمعنى واحد ويقول انظرني يا فلان أي استمع الي لقوله: " لاتقولوا راعنا وقولوا انظرا " (1)

وتقول: بعت فلانا فانظرته. أي انسأته والاسم النظرة. ومنه قوله: " فنظرة إلى ميسرة " (2) أى فانتظار. واستنظر فلان ـ من النظرة ـ: اذا هو سأل والنظر توقع أمر تنتظره وبفلان نظرة أى سوء هيئة وقوله: " انظرونا نقتبس من نوركم (3) أي انتظرونا. واصل الباب كله الاقبال نحوالشئ بوجه من الوجوه. وقال قوم: إن النظر اذا كان معه إلى، لايحتمل الا الرؤية. وحملوا قوله

“ إلى ربها ناظرة " (4) على ذلك وقالوا لا يحتمل التأمل. وذلك غلط، لانهم

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة البقرة: آية 104. (2) سورة البقرة آية 280.

(3) سورة الحديد: آية 13. (4) سورة القيامة: آية 23. (*)

 

===============

(229)

يقولون: انماانظر إلى الله ثم اليك بمعنى اتوقع فضل الله ثم فضلك. وقال الطريح ابن اسماعيل:

واذا نظرت اليك من ملك * والبحر دونك جرتني نعماء (1)

وقال جميل بن معمر:

اني اليك لما وعدت لناظر * نظر الفقير إلى الغني الموسر (2)

وقال آخر:

وجوه يوم بدر ناظرات * إلى الرحمان تأتي بالفلاح

واتوا ب (إلى) على معنى نظر الانتظار والصحيح ان النظر لا يفيد الرؤية وانما حقيقته تحديق الجارحة الصحيحة نحو المرئي طلبا لرؤيته ولو افاد الرؤية، لما جعل غاية لنفسه، الا تراهم يقولون: ما زلت انظر اليه ولا يقولون ما زلت أراه حتى رأيته، ولانهم يثبتون النظر وينفون الرؤية يقولون: نظرت اليه فلم أره ولا يقولون رأيته فلم أره المعنى:

فاذا ثبت هذا، فالاولى ان نقول: إن تأويل الآية " واغرقنا آل فرعون " وانتم مقبلون عليهم متوقعون له وقال الفراء قد كانوا في شغل من ان ينظروا مستورين بما اكتنفهم من البحر من ان يروا فرعون وغرقه ولكنه كقولك: قد ضربت واهلك ينظرون. فما اتوك، ولا اعانوك. ومعناه وهم قريب بمرأى ومسمع ومثله قوله: " ألم تر إلى ربك كيف مد الظل " (3) وليس ههنا رؤية، وانما هو علم، لان الرؤية تستعمل في مثل ذلك يقول القائل رأيت فرعون اعتى الخلق واخبثه وهذا الذي ذكره الفراء محتمل مليح، غيرانه مخالف لقول المفسرين كلهم فانهم لا يختلفون أن اصحاب موسى رأوا انفراق البحر والتطام امواجه بآل فرعون، حتى غرقوا فلا وجه للعدول عن الظاهر مع احتماله ولانهم اذا عاينوا ذلك، كانوا

ـــــــــــــــــــــــ

(1) طريح بن اسماعيل الثقفي شاعر الوليد بن يزيد الاموي وخليله والبيت لم نعثر عليه وهو كما ترى (2) لم نحده في ديوانه ولا في بعض مراجعنا الاخرى (3) سورة الفرقان: آية 45. (*)

 

===============

(230)

أشد في قيام الحجة، واعظم في ظهور الآية وذكر الزجاج وجها آخرا قال: معناه وانتم بازائهم كما يقول القائل: دور آل فلان إلى دور آل فلان أي هي بازائها، لانها لا تبصر.

قصة موسى (ع):

وقصه فرعون مع بني اسرائيل في البحر. ولا نعلم جملة ما قال ابن عباس:

ان الله اوحى إلى موسى " ان اسر بعبادي إنكم متبعون " (1) فسرى موسى ببني اسرائيل ليلا " فاتبعه فرعون " (2) في الف الف حصان سوى الاثاث. وكان موسى في ستمائة الف. فلما عاينهم قال: " ان هؤلاء لشرذمة قليلون وانهم لنا لغائظون وانا لجميع حاذرون " (3) فسرى موسى ببني اسرائيل حتى هجموا على البحر، فالتفتوا فاذا هو برهج دواب فرعون " فقالوا يا موسى أوذينا من قبل ان تأتينا ومن بعد ماجئتنا " (4) هذا البحر امامنا وهذا فرعون قد رهقنا بمن معه

“ قال عسى ربكم ان يهلك عدوكم ويستخلفكم في الارض فينظر كيف تعملون " (5)

قال فاوحى الله إلى موسى " ان اضرب بعصاك البحر " واوحى إلى البحر ان اسمع لموسى واطع اذا ضربك. قال فبات البحر له أفكل أي له رعدة له يدري من أي جوانبه يضربه. قال فقال يوشع لموسى (ع) بماذا امرت قال: امرت ان اضرب البحر. قال فاضربه. فضرب موسى البحر بعصاه، فانفلق، فكان اثنا عشر طريقا كالطود العظيم فكان لكل سبط منهم طريق ياخذون فيه فلما اخذوا في الطريق، قال بعضهم لبعض: ما لنا لا نرى اصحابنا قالوا لموسى: اصحابنا لا نراهم. فقال لهم: سيروا فانهم على طريق مثل طريقكم. فقالوا لا نرضى حتى نراهم. فيقال ان موسى قال لله تعالى: اللهم اعني على اخلاقهم السيئة. فاوحى الله اليه انقل (6)

بعصاك هكذا يمينا وشمالا. فصار فيها كوى ينظر بعضهم إلى بعض. قال ابن

 عباس: فساروا حتى خرجوا من البحر. فلما جاز آخر قوم موسى هجم فرعون هو واصحابه وكان فرعون على فرس أدهم ذنوب (7) حصان. فلما هجم على البحر هاب

ـــــــــــــــــــــــ

(1 و 2) سورة الشعراء: آية 3 ـ (3) الشعراء آية 55 و 56. (4 و 5) سورة الاعراف آية 128. (6) والمطبوعة " أن قل " (7) طويل الذنب في المطبوعة والمخطوطة " دبوب " (*)

 

===============

(231)

الحصان ان يتقحم على البحر، فتمثل له جبرائيل على فرس انثى وديق (1) فلما رآها الحصان تقحم خلفها: وقيل لموسى ترك البحر رهوا أي طرقا على حاله. ودخل فرعون وقومه البحر فلما دخل آخر قوم آل فرعون وجاز آخر قوم موسى، انطبق البحر على فرعون وقومه فاغرقوا. ويقال نادى فرعون حين رأى من سلطان الله وقدرته ما رأى، وعرف ذلة وخذلة نفسه: لا إله إلا الذي امنت به بنو اسرائيل وانا من المسلمين فان قيل: كيف لم يسوالله بين الخلق في هذه الآيات الباهرات التي اعطاها بني اسرائيل لتكون الحجة أظهر والشبهة أبعد؟ قيل الآيات يظهرها الله على حسب ما يعلم من المصلحة في ذلك، وعلى حد لا ينتهي إلى الالجاء والاضطرار وخولف بين الآيات لهم على قدر حدة اذهان غيره، وكلالة اذهانهم يدل على ذلك ان بعد مشاهدة هذه الآيات قالوا ياموسى أجعل لنا إلها كما لهم الهة. ولما كانت الغرب من أحد الناس اذهانا وأجودهم أوهاما جاءت الآيات مشاكلة لطباعهم ومجانسة لدقة اذهانهم. وفي الجميع الحجة الباهرة، والآية القاهرة: وليس يمكن ان يقال انه لو ظهر لهم مثل تلك الآيات، لامنوا لا محالة. على وجه لا يكونون ملجئين اليه لان ذلك لو كان معلوما، لاظهره الله تعالى. فلما لم يظهرها الله علنا انه لم يكن ذلك معلوما وموسى " ع " لم يكن مجتلبا إلى المعارف، لمشاهدته هذه الآيات، لانه كان يقدم له الايمان بالله ومعرفته.

وقوله:

" واغرقنا آل فرعون " وان لم يكن في ظاهره انه أغرق فرعون فهو دال عليه. وكأنه قال: وأغرقنا آل فرعون معهم، ـ وانتم تنظرون ـ فاختصر لدلالة الكلام عليه، لان الغرض مبني على اهلاك فرعون وقومه ونظيره قول القائل: دخل جيش الامير الباذية. فان الظاهر من ذلك ان الامير معهم.

قوله تعالى:

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) وديق: تشتهي الفحل (*)

 

===============

(232)

" واذ واعدنا موسى اربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وانتم ظالمون " (51)

القراءاة:

قرأ " واعدنا " بغير الف أهل البصرة، وابوجعفر هنا وفي الاعراف، وطه.

وقرأ الباقون بالف قبل العين، وقرأ ابن كثير وحفص والبرجمي ورويس (اتخذتم)

(واخذتم) وما جاء منه باظهار الذال. ووافقهم الاعشى فيما كان على وزن افتعلت وافتعلتم. الباقون بالادغام. حجة من قرأ باثبات الالف دلالة الله على وعده وقبول موسى لانه اذا حسن في مثل قوله: " اخلفوا الله ما وعدوه " (1) الاخبار كان هنا في الاختيار واعدنا. ومن قرأ بالالف، قال: هو اشد مطابقة للمعنى اذا القبول ليس بوعد في الحقيقة انما هو اخبار الموعود بما يفعل به من خير. وعلى هذا قوله: " اخلفوا الله لما وعدوه " مجاز حقيقة بما اخبروه انهم فاعلوه وقال جماعة من أهل العلم: ان المواعدة في الحقيقة لا تكون إلا من البشر والله تعالى هو المتفرد بالوعد والوعيد. كما قال تعالى " واذ يعدكم الله احدى الطائفتين " " 2 " وقال:

" وعد الله الذين امنوا وعملوا الصالحات " " 3 " والقراءتان جميعا صحيحتان قويتان اللغة:

" واذ " معطوفة على الآيات المتقدمة: كأنه قال: واذكروا اذ وعدنا وبينا وجه الحسن فيه فالوعد، والعدة، والموعد والميعاد، نظائر. والوعد في الخير والوعيد في الشريقال وحده: وعدا. واوعده: ايعادا. وواعده: مواعدة.

تواعدوا: تواعدا. واتعدوا: اتعادا. وتوعدوا ـ في الشر خاصة ـ قال صاحب العين: الوعد والعدة مصدران ويكونان اسمين. فاما العدة فيجمع على العدات والوعد لا يجمع. والموعد: موضع التواعد. وهو الميعاد. و يكون الوعد مصدر وعدته. ويكون الموعد وقتا للحين. والموعدة اسم العدة. والميعاد: لايكون

ـــــــــــــــــــــــ

" 1 " سورة التوبة آية 78 " 2 " الانفال آية 9 " 3 " سورة المائدة آية 10 والفتح 39 والنور 55 (*)

 

===============

(233)

إلا وقتا أو موضوعا. والوعيد من التهدد، أوعدته المكاره ويقال ايضا: وعدته من الشر كقوله: " النار وعدها الله الذين كفروا " (1) ووعد الفحل: اذا هم ان يصول واصل الباب: الوعد الذي هو الخبر بانه سيفعل بالمخبر به خيرا أو شرا وقال احمد ابن يحيى: تقول أوعدته، وتسكت أو تجئ بالباء تقول: أوعدته بالشر ولا تقول اوعدته الشر.

وموسى اسم مركب من اسمين بالقبطية (فمو) هوالماء و (سى) شجر.

وسمي به، لان التابوت الذي كان فيه موسى وجد عند الماء، والشجر وجدنه جواري آسية امرأة فرعون وقد خرجن ليغتسلن، فسمي بالمكان الذي وجد فيه وهو موسى بن عمران بن يصمر بن فاهث بن لاوي بن يعقوب اسرائيل الله.

المعنى:

وقال: " اربعين ليلة " ولم يقل يوما على عادة العرب في التاريخ بالليالي، لان الاهله تطلع فيها. واعتمادهم على الاهلة. وقال الاخفش. وعد باتمام اربعين ليلة، أو انقضاء اربعين ليلة كقولك: اليوم أربعون يوما مذ خرج فلان. واليوم يومان:

أي تمام يومين. وقال غيره: الاربعون كلها داخلة في الميعاد. قال ابو العالية: واعدنا موسى اربعين ليلة يعني ذا القعدة وعشرا من ذي الحجة وقال غيره: ذا الحجة وعشرا من المحرم. وذلك حين خلف موسى اصحابه واستخلف عليهم هارون فمكث على الطور أربعين ليلة وانزلت عليه التوراة في الالواح. وعن الربيع نحوه. وقال الطبري: لا يجوز ما قاله الاخفش، لانه خلاف ظاهر التلاوة وما جاءت به الرواية قال الرماني: في هذا غلط ظاهر. ان الوعد لا يتصل وقوعه في الاربعين كلها اذا كان الوعد هو الاخبار الموعود بما فيه النفع، فلم يكن ذلك الخبر في طول تلك المدة فلابد على ذلك ان يكون التقدير على ما قاله الاخفش أو على وعدناه اقامة اربعين ليلة للمناجاة أو غيبته اربعين ليلة عن قومه للمناجاة، وما اشبه ذلك من التقدير.

قال ابوعلي: لا يخلو ان تكون " اربعين " ظرفا مفعولا ثانيا ولا يجوز ان

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الحج: آية 72 (*)

 

===============

(234)

تكون ظرفا، لان الوعد ليس فيها كلها فيكون جواب كم ولا في بعضها فيكون جوابا لمتى. فاذا لم تكن ظرفا كانت منتصبة بوقوعها موقع المفعول الثاني. فيكون تقديره: وعدنا موسى انقضاء اربعين ليلة أو تتمة أربعين ليلة فحذف المضاف كما يقول اليوم خمسة عشر من الشهر أي تمامه.

اللغة:

والاربعة عدد يزيد على الثلاثة، وينقص عن الخمسة يقال: ربع يربع ربعا.

وربع تربيعا وتربع تربعا. وارتبع ارتباعا تقول ربعت القوم فانا رابعهم والرابع من الورد وهو ان تحبس الابل عن الماء اربعة ايام ثم ترد يوم الخامس وربعت الحجر بيدي ربعا اذا رفعته عن الارض بيدك. وارتبعت الحجر كذلك. وربعت الوتر اذا جعلته اربع طاقات، وتقول: أربع على ضلعك، واربع على نفسك، واربع عليك كل ذلك واحد بمعنى انتظر. والربع المنزل والموطن. والربع الفصيل الذى نتج في الربيع وما ينتج بالصيف يقال له: هبع وفي المثل ما له هبع ولا ربع. ورجل ربعة ومربوع: ليس بطويل ولا قصير. والربعة: الجونة. والمرباع كانت العرب اذا غزت اخذ رئيس القوم ربع الغنيمة، والباقي بينهم. واول الاسنان الثنايا، ثم الرباعيات وهي اربعة ثنيتان من تحت وثنيتان من فوق والواحد رباعية واربع الفرس اذا القى رباعية من السنة الاخرى. والجمع الربع. والربيعة: هي البيضة من السلاح يقال: ربعت الارض فهي مربوعة من الربيع. وارتبع القوم: اذا اصابوا ربيعا وحمر ربع ما لي يوم الرابع والمربعة خشبة تشال بها الاحمال، وتوضع على الابل والربع:

الباهر. ورجل مربوع ومربع: اذا اخذته حمى الربع والربيع حظ من الماء للارض ربع يوم او ربع ليلة يقال لفلان في الماء ربيع وربع المال جزء من اربعة ويقال له:

ربيع ولم يتجاوز العرب في هذا المعنى الثمين وقال بعضهم: التسيع والعشير والاول اظهر واصل الباب الاربعة من العدد والاربعة تجري تارة على نفس العدد، واخرى على المعدود فاذا اجربته على العدد، قلت اربعة اثواب واذا اجريته على المعدود قلت. اثواب اربعة.

 

===============

(235)

وليلة وعشية ومساء نظائر ويقال يوم وليلة. على طريق النقيض. قال صاحب العين: الليل ضد النهار. والليل ظلام الليل. والنهار الضياء. فاذا افردت احدهما من الآخر قلت: ليلة ويوم تصغيرها لييلة اخرجوا الياء الاخيرة من مخرجها في الليالي يقول بعضهم: انما كان بناؤها ليلاء فقصر يقولون: هذه ليلة ليلاء: اذا اشتدت ظلمتها. قال الكميت:

وليلهم الاليل هذا لضرورة الشعر. في الكلام ليلاء. والليلة: الوقت من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الثاني. واليوم من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس.

قال ابوزيد اتخذنا مالا فنحن نتخذه اتخاذا وتخذت تخذا. قال ابوعلي اتخذ افتعل ومنه تخذت. قال الله تعالى: " لو شئت لا تخذت عليه اجرا " (1)

وتخذت: لا يتعدى، إلا إلى مفعول واحد واتخذت تارة يتعدى إلى مفعول واحد وتارة إلى مفعولين فتعديه إلى مفعول واحد مثل قوله: " يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا " (2) ومثل قوله: " واتخذوا من دون الله آلهة " (3) وتعديه إلى مفعولين مثل قوله تعالى " اتخذوا ايمانهم جنة " (4) وقوله: لاتتخذوا عدوي وعدوكم اولياء " (5) وقوله: " واتخذتموهم سخريا " (6) ومن ادغم فلقرب مخرج الذال من مخرج التاء ومن لم يدغم فلان مخرجهما متغاير.

والعجل والثور والبقرة نظائر. الا أن العجل هو البقرة الصغيرة ويقال عجل وعجول. واشتقاقه من عجل يعجل عجلة واعجله اعجالا. واستعجل استعجالا. وتعجل تعجلا. وعجل تعجيلا. وعاجلته معاجلة. وتعاجلوا تعاجلا. ورجل عجل وعجل لغتان. وتقول: استعجلت فلانا أي حثثته واعجلت فلانا اعجله اعجالا وتعجلت خراجه أي كلفته ان يعجله ورجل عجلان وامرأة عجلى وقوم عجال ونسوة عجال.

والعجال الابل. والعجل عجل الثيران والواحدة عجلة ويجمع على الاعجال والعجالة ما

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الكهف: آية 78.

(2) سورة الفرقان: آية 27. (3) سورة مريم: آية 82.

(4) سورة المجادلة: آية 16. (5) سورة الممتحنة: آية 1. (6) المؤمن آية 111. (*)

 

===============

(236)

تعجلت من شئ. والعجالة طعام الراكب الذي لا يحسن طبخه ويقال: هو تمر ولبن والعجلة الادواة الصغيرة وهي المطهرة. والجمع العجال. والعاجلة: نقيض الآجلة يعني الدنيا والآخرة. والعاجل: نقيض الآجل عام في كل شئ تقول عاجل وآجل.

والعجل: ولد البقرة. وجمعه عجاجيل ويقال عجول. والانثى: عجولة وقوله:

" خلق الانسان من عجل " (1) يقال إن آدم " ع " حين بلغ الروح منه إلى الركبتين هم بالنهوض قبل ان تبلغ القدمين فقال الله تعالى: " خلق الانسان من عجل " واورثنا آدم العجلة. والعجل الظنين: من غير الخليل والعجل خشب يؤلف شبه المحفة تجعل عليه الاثقال. وجمعه الاعجال. وصاحب عجال واصل الباب العجل الذي هو الاسراع. والعجلة والسرعة والخفة نظاير ونقيض العجلة التأني ونقيض السرعة: الابطاء وبعد نقيض قبل تقول: كان هذا بعد هذا. وتقول: بعد بعدا. او ابعده الله إبعادا وتباعد تباعدا وباعده مباعدة. واستبعده استبعادا. وبعده تبعيدا.

وتبعد تبعدا. قال صاحب العين بعد لما يكون على اثر الشئ اذا كان قد مضى فاذا افردوا قالوا: هو من بعد: كقوله تعالى: " لله الامر من قبل ومن بعد " (2)

وتقول: بعدا وسحقا. ويقرأ: " باعد بين اسفارنا " " 3 " وبعد بمعنى واحد.

والابعد نقيض الاقرب. والجمع: اباعد واقارب ويقرأ " بعدت ثمود " و " بعدت ثمود " " 4 " ومعناهما واحد إلا انهم يقولون: بعد الرجل وابعده الله والبعد من اللعن يقول: ابعده الله أي لايرثي له مما نزل به وقال ابن دريد: البعد: ضد القرب وبعد ضد قبل. وسمع ابوزيد العرب تقول: فلان غير بعيد وغير بعد واصل الباب البعد نقيض القرب.

المعنى:

ومعنى قوله: " ثم اتخذتم العجل من بعده وانتم ظالمون " أي اتخذتموه إلها لان بنفس فعلهم لصورة العجل لا يكونون ظالمين، لان فعل ذلك ليس بمحظور

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الانبياء: آية 37 (2) سورة الروم آية 4 (3) سورة سبأ آية 19.

(4) سورة هود آية 96 (*)

 

===============

(237)

وانما هو مكروه وما روي عن النبي " ص " انه لعن المصورين معناه: من شبه الله بخلقه او اعتقد فيه انه صورة فلذلك قدر الحذف في الآية. كانه قال: اتخذتموه الها وذلك انهم عبدوا العجل بعد موسى لما قال لهم السامري: هذا الهكم واله موسى. فنسي اي ترك آلهم ومضى ناسيا. وقيل: بل معنى فنسي اي فترك ما يجب عليه من عبادة الله.

قصة السامرى:

وكان سبب عبادتهم العجل ما ذكره ابن عباس. ان السامري كان رجلا من اهل (با كرم) (1). وكان من قوم يعبدون البقر. وكان حب عبادة البقر في نفسه.

وكان قد اظهر الاسلام في بني اسرائيل، فلما قصد موسى إلى ربه خلف هرون في بني اسرائيل: قال لهم هرون: انكم تحملتم اوزارا من زينة آل فرعون، وامتعة وحلي، فتطهروا منها، فانها بخس، واوقد لهم نارا. وقال لهم: اقذفوا ما كان معكم فيها. فجعلوا يأتون بما كان معهم من تلك الامتعة ووذلك الحلي، فيقذفون به فيها.

حتى اذا انكسر الحلي ورأى السامري اثر فرس جبرئيل، فأخذ ترابا من اثر حافره، ثم اقبل إلى النار. فقال لهرون يا نبي الله القي ما في يدي؟ قال نعم ولم يظن هرون الا انه كبعض ما جاء به غيره من الحلي والامتعة فقذف فيها وقال كن عجلا جسدا له خوار وكان البلاء والفتنه وقال: هذا الهكم واله موسى، فعكفوا عليه واحبوه حبا لم ير مثله قطا.

اللغة:

وسمي العجل عجلا مأخوذ من التعجيل لان قصر المدة كالعجل في الشئ.

وقال ابوالعالية: انما سمي العجل عجلا، لانهم عجلوا فاتخذوه قبل أن يأتيهم موسى.

وقال الحسن صار العجل لحما ودما. وقال غيره لا يجوز لان ذلك من معجزات الانبياء. ومن وافق الحسن قال: ان القبضة من اثر الملك كان الله قد اجرى العادة بانها اذا طرحت على اي صورة كانت حية، فليس ذلك بمعجزة اذ سبيل السامري

ـــــــــــــــــــــــ

(1) هكذا في المطبوعة والمخطوطة وفي مجمع البيان " ياجرمي ".

 

===============

(238)

فيه وسبيل غيره سواء. ومن لم يجز انقلابه حيا، فاول الخوار على ان السامري جعل فيه خروقا، فدخلها الريح فحدث فيه صوت كالخوار.

وانما قال: " وانتم ظالمون " يعني ظالمي انفسهم اذا دخلوا عليها الضرر بما يستحقون على عبادته من العقوبة والظلم. وقد يكون للنفس وقد يكون للغير.

وانما وصفوا بانهم اتخذوا العجل الها وهي صفة ذم لهم بما لم يفعلوا لرضاهم بما كان عليه اسلافهم، وسلوكهم طرائقهم في المخالفة لامر الله، والذم على الحقيقة على افعالهم فان كان اللفظ على افعال اسلافهم فاخرج اللفظ مخرج من كانهم فعلوا ذلك لسلوكهم تلك الطرق وعدولهم إلى المخالفة. فالذم متعلق بما كان منهم في الحقيقة، فان قيل:

هل هذا الميقات في قوله: واعدنا موسى ثلثين ليلة واتممناها بعشر. قيل: قال ابوعلي وابوبكر بن اخشاذ واسمه احمد بن علي ان هذا ذاك وفي الناس من قال:

هو غيره والاول اظهر، وانما ذكر الثلاثين واتمها بعشر والاربعين قد تكمل بعشرين وعشرين، لان الثلاثين اراد بها ذا القعدة وذا الحجة فذكر هذا العدد لمكان الشهر ثم ذكر ما يتم به العدد اربعين ليلة.

وانما قال " اربعين ليلة " ولم يقل اربعين يوما، لتضمن الليالي الايام على قول المبرد، ومعنى ذلك: انه اذا ذكرت الليالي دخلت فيها الايام وليس اذا ذكرت الايام دخلت الليالي فيها. هكذا هو الاستعمال، والصحيح ان العرب كانت تراعي في حسابها الشهور والايام والاهلة. فاول الشهر الليالي ولذلك ارخت بالليالي وغلبتها على الايام ولذلك صارت الايام تابعة لليالي. واكتفى بذكر الليالي من الايام، فقيل لعشر خلون. ولم يقولوا لعشرة لانه جرى على ما جرى على الليالي.

" واتخذ " قال الرماني: وزنه افتعل واصله يتخذ فقلبت الياء تاء وادغمت في التاء التي بعدها وقال ابوعلي يتخذت وليس من اخذت، لان الهمزة لا تبدل من الياء ولا تبدل الياء منها واتخذت لا تكون افتعلت من اخذت وتكون ابدلت الهمزة ياء ثم ادغمت في التاء كما قالوا يسر الجزور وهو من اليسر لانه لا يجوز على قول اصحابنا لاختلاف الحرفين وفائدة الآية التعجب من قولهم اذ كانوا في مقدار هذه المدة

 

===============

(239)

اليسيرة لغيبة موسى عنهم اتخذوا العجل الها وادغام الذال عند التاء جائز وتركه أيضا كذلك جائز.

قوله تعالى:

" ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون " (52) ـ آية بلاخلاف.

قيل في معنى ما وقع العفو عنهم بقوله: (ثم عفونا عنكم) قولان:

احدهما ـ انا تركنا معاجلتكم بالعقوبة من بعد اتخاذكم العجل الها.

والآخر ـ عفونا عنكم بقبول التوبة من عبادة العجل.

اللغة:

والعفو، والصفح، والمغفرة، والتجاوز، نظائر. فالمغفرة نقيض العقوبة. ويقال عفا عفوا واعفاه واعفاء واستعفى استعفاء، وعفى تعفية وعافاه معافاة وتعفى تعفيا.

وتعافى تعافيا، واعتفاه اعتفاء. والعفو احل المال واطيبه. والعفو: المعروف.

والعفاة: طلاب المعروف. وهم المعتفون. تقول: اعتفيت فلانا اذا طلبت معروفه وفضله. والعافية من الطير والدواب الرزق. اسم جامع لها. ومنه قوله (ع)

من غرس شجرة مثمرة فما اكلت العافية منها كتب له صدقة. والعافية دفاع الله عن العبد يقول عافاه الله من مكروه وهو يعافيه معافاة. والاستعفاء: ان تطلب إلى من كلفك امرا ان يعفيك منه، وعفى الشئ: اذا كثروا عفيته: اذا اكثرته: قال تعالى " حتى عفوا ". ومنه اعفاء اللحية: اكثارها. وعفى: درس يقال اخذ من فلان ما عفا، وصفا. والعفا: التراب نقول: يعفيه العفا. وعليه العفا. والعفا الدروس قال زهير:

على اثار ما ذهب العفاء ومنه عفت الديار. والريح تعفو الديار عفاء، وعفوا. وتعفت الدار والاثر تعفيا والعفوة والعفوة والعفوة. والجمع العفو: وهي الحمر الافتأ والفتيات. والعفاء. ما كثر من

 

===============

(240)

الوبر والريش وناقة ذات عفاء كثيرة الوبر طويلة والعفو: ولد الاتان الوحشية.

وأصل الباب: الترك. ومنه قوله: " فمن عفي له من أخيه شئ " من ترك له. وعفو الشئ صفوه ومعنى " لعلكم " في الآية لكي تشكروا وقيل: معناه التعريض كانه قال: عرضناكم للشكر.

وقوله: " من بعد ذلك " ـ وان كان اشارة إلى الواحد ـ فمعناه الجمع.

وانما كان ذلك كذلك، لان ذا اسم مبهم فمرة يأتي على الاصل، ومرة يأتي على مشاكلة اللفظ. اذا كان لفظ المبهم على الواحد وان كان معناه الجمع على انه قد يخاطب بلفظ الواحد ويراد به الجمع كقوله: " يا ايها النبي " ثم قال: " اذا طلقتم النساء ".

وقوله: " من بعد ذلك " إشارة إلى اتخاذهم العجل الها.

وقوله: " لعلكم تشكرون ".

اللغة:

فالشكر: هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم. قال الرماني: الشكر هو الاظهار للنعمة. والصحيح هو الاول لانه قد يظهر النعمة من لا يكون شاكرا لها. والفرق بين الشكر والمكافاة ان المكأفاة من التكافؤ وهو التساوي، وليس كذلك الشكر ففي مكافأة النعمة دلالة على انه قد استوفى حقها. وقد يكون الشكر مقصرا عنها وان كان ليس على المنعم عليه اكثر منه الا انه كلما ازداد من الشكر، حسن له الازدياد وان لم يكن واجبا لان الواجب لا يكون إلا متناهيا وذلك كالشكر لنعمة الله لو استكثرته غاية الاستكثار لم يكن لينتهي الي حد لا يجوز له الازدياد لعظم نعم الله عزوجل وصغر شكر العبد. ويقال: شكر شكرا، وشكورا، وتشكر تشكرا. والشكور، من الدواب ما يكفيه قليل العلف لسمنه. والشكر من الحيوانات: التي تصيب حظا من بقل او مرعى فتغزر ليتها بعد قلة. يقال اشكر القوم: اذا انزلوا منزلا فاصابت نعمهم شيئا من بقل، فدرت عليه، وانهم ليحلبون شكرة بجزم الكاف وقد شكرت الحلوبة شكرا: والشكير شعر ضعيف ينبت خلال

 

===============

(241)

الشيب. وكذلك ما ينبت من ساق الشجر قضبان تخرج غفه بين قضبان عاسية يقال له الشكر واشكر ضرع الناقة اذا امتلا لبنا والشكر بضع المرأة. وأصل الباب:

الظهور ولا يستحق الكافر الشكر على وجه الاجلال والانعام، والكافر لايستحق كذلك وانما يجب له مكافاة نعمته كما يجب قضاء دينه على وجه الخروج اليه من غير تعظيم له ويسمى ذلك شكرا والشكر لا يستحق الا على نعمة ومعنى قولنا في الله انه غفور شكور انه يجازي العبد على طاعاته من غير ان ينقصه شيئا مين حقه فجعل المجازاة على الطاعة شكرا في مجاز اللغة ولا يستحق الانسان الشكر على نفسه لانه لا يكون منعما على نفسه كما لايكون مقرضا لنفسه والنعمة تقتضي منعما غير المنعم عليه. كما أن القرض يقتضي مقترضا، غير المقرض وقد يصح ان يحسن إلى نفسه كما يصح أن يسئ إليها، لان الاحسان من المحسن. فاذا فعل بها فعلا حسنا ينتفع به، كان محسنا اليها بذلك الفعل، واذا فعل بها قبيحا كان مسيئا اليها.

والشكر متعلق في الآية بعفو الله عنهم، ونعمه عليهم: كانه قال: لتشكروا الله على عفوه عنكم وسائر نعمه عليكم.

قوله تعالى:

" واذ اتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون ".

آية (53).

اللغة:

قوله: " واذ " عطف على ما مضى من التذكير بنعمه فكأنه قال: واذ كروا اذ آتينا موسى الكتاب، لان (اذ) اسم للوقت الماضي و (اذا) للوقت المستقبل.

وكذلك تستعمل في الجزاء، لان الجزاء لا يكون إلا بالمستقبل. كقولهم: ان تاتنى آتك ولو تشبه الجزاء من حيث انه لابد لها من الجواب. كما لا بد لحرف الجزاء من الجواب.

 

===============

(242)

المعنى:

وقوله: " و اتينا موسى الكتاب " معناه اعطيناه. والكتاب يريد به التوراة. وأما الفرقان فقال الفراء وقطرب وتغلب: يحتمل أن يكون اتى موسى كتاب التوراة ومحمد الفرقان: كما قال الشاعر:

متقلدا سيفا ورمحا (1)

وضعف قوم هذا الوجه، لان فيه حمل القران على المجاز من غير ضرورة مع انه تعالى اخبر انه اتى موسى الفرقان في قوله: " ولقد اتينا موسى وهرون الفرقان وضياء " (2) وقال الفراء: هو كلام مثنى يراد به: التوراة. وكرر لاختلاف اللفظين:

كقولهم: بعدا وسحقا، وهما بمعنى واحد. قال الرماني: هذا المثال لا يشبه الآية، لانه جمع الصفتين لموصوف واحد على معنيين متفقين. والاولى ان يمثل بقولهم: هو العالم الكريم فجمعت الصفتان لموصوف واحد على معنيين مختلفين وقال عدي ابن زيد:

وقددت الاديم لراهشيه * والفى قولها كذبا ومينا (3)

وقال قوم: الكتاب: التوراة والفرقان: انفراق البحر لبني اسرائيل. والفرج الذي اتاهم كما قال. " يجعل لكم فرقانا " اي مخرجا. وقال بعضهم: الفرقان: الحلال والحرام الذي ذكره في التوراة. وروي عن ابن عباس وابي العالية ومجاهد: ان الفرقان الذي ذكره هو الكتاب الذي اتاه يفرق فيه بين الحق والباطل. وقال ابن زيد: الفرقان: النصر الذي فرق الله به بين موسى وفرعون: كما فرق بين محمد " ص " وبين المشركين. كما قال: " يوم الفرقان يوم التقى الجمعان " (4). وقال ابومسلم: هو ما اوتي موسى من الآيات والحجج التي فيها التفرقة بين الحق والباطل.

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) مر في 1: 65 وهو عجز بيت شطره: ورأيت زوجك في الوغى.

(2) سورة الانبياء: آية 48. (3) في المخطوطة والمطبوعة (وقدمت).

(4) سورة الانفال: آية 41. (*)

 

===============

(243)

وقوله: " لعلكم تهتدون ".

المعنى:

اي لكي تهتدوا. وقد بيناه فيما مضى وفيه دلالة على انه (تعالى) اراد ان يهتدوا لان هذه اللام لام الغرض وذلك يفسد قول المجبرة إنه اراد منهم الكفر. فأن قيل: كيف يهتدون بما اوتي موسى من البيان، وما اوتي في التوراة من البرهان مع انقطاع النقل الذي تقوم به الحجة. قيل: الجواب عنه من وجهين:

احدهما ـ ان الخطاب لاسلافهم: كما قال: " واذ فرقنا بكم البحر فانجيناكم واغرقنا آل فرعون وانتم تنظرون ".

والثاني ـ ان اخبار الرسول لهم ما تقوم به الحجة عليهم، فيمكنهم ان يستدلوا بذلك على ما انعم الله به على اسلافهم، ولانهم مقرون بان موسى (ع)

اوتي التوراة بما فيها من الهدى والبينات، فتقوم الحجة عليهم باقرارهم.

قوله تعالى:

" واذ قال موسى لقومه يا قوم انكم ظلمتم انفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا انفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم انه هو التواب الرحيم " ـ (54) آية بلا خلاف.

القراءة:

" بارئكم " اسكن الهمزة فيها ابوعمرو. إلا المعدل وسحارة من طريق الجرمي، وابن مجاهد فكلهم خففوا الهمزة فيها. الا ابا طاهر عن ابن مجاهد عن اسماعيل فانه قلبها ياء.

التقدير واذ كروا ايضا اذ قال موسى لقومه: " يا قوم انكم ظلمتم انفسكم باتخاذكم العجل ". وظلمهم اياها كان فعلهم بها مالم يكن لهم ان يفعلوه بما يستحق

 

===============

(244)

به العقاب. وكذلك كل من فعل فعلا يستحق به العقاب فهو ظالم لنفسه. وقد بينا معنى التوبة فيما مضى. (1)

واما قوله: " إلى بارئكم ".

اللغة:

فالبارئ هو الخالق الصانع. يقال: برأه. واستبرأ استبراء، وتبرأ تبريا، وباراه مباراة، وبرأه براءة، وتبرئة. قال صاحب العين: البرأ مهموز وهو الخلق تقول برأ الله الخلق وهو يبرؤهم وهو البارئ وقال امية:

الخالق البارئ المصور في * ال أرحام ماء حتى يصير دما

والبرء السلامة من السقم. تقول برأ برؤه وبرئت وبرأت وبرؤت براءة.

وتبرأ تبريا لغة في هذا والبراءة من العيب والمكروه لا يقال منه: الا برئ براء وفاعله برئ وفلان برئ وبراء كقوله: إني براء. وامرأة براء. ونسوة براء وبراء على وزن وفعلاء. ومنه قوله: " انا برآء منكم " جمع برئ. ومن ترك الهمزة.

قال: براء على وزن فعال. وتقول بارأت الرجل اي برئت اليه. وبرئ إلى مثل ذلك. وبارات المراة اي صالحتها على المفارقة وابرات الرجل من الضمان والدين وبرأه تبرئة. ويقال: ابرأ الله فلانا من المرض إبراء حسنا، والاستبراء:

استبراء الجارية والمرأة بان لايطأها حتى تحيض. والاستبراء نقاء الفرج من القذر. وأصل الباب تبري الشئ من الشئ: وهو انفصاله منه. وبرأ الله الخلق اي فطرهم، فانهم انفصلوا من العدم إلى الوجود. والبرية الخلق، فعيلة بمعنى مفعول، لا يهمز كما لا يهمز ملك وان كان اصله من الالوكة. وقيل البرية مشتقة من البراوة، وهو التراب، فلذلك لم تهمز. وقيل إنه مأخوذ من بريت العود، فلذلك لم يهمز.

والبراءة من الشئ: المفارقة والمباعدة عنه: وبرئ الله من الكافر: باعده عن رحمته وانواع الفعل كثيرة: منها الخلق، والانشاء، والارتجاع. والبرء: الفطر. فأما

ـــــــــــــــــــــــ

(1) انظر ص 619 ـ 170 (*)

 

===============

(245)

الاحداث، والايجاد والتكوين فكالفعل والجعل: اعم من الفعل، لانه لما وجد بعد ان لم يكن كقولك: جعلت الطين خزفا. فلم يحدث الخزف في الحقيقة، وانما احدث ما صار خزفا.

وقوله: " فاقتلوا " اللغة:

فالقتل والذبح والموت نظائر. وبينها فرق: فالقتل نقض بنية الحياة. والذبح فري الاوداج. والموت عند من اثبته معنى عرض يضاد الحياة. يقال: قتل يقتل قتلا. واقتتلوا اقتتالا. وتقاتلوا تقاتلا. واستقتل استقتالا. وقتل تقتيلا. وقاتله مقاتلة. وقوله تعالى: " قاتلهم الله " (1) معناه لعنهم الله. وقوم اقتال: اي هم اهل الوتر، والترة: اي هم اعداء وتراة. وتقول: تقتلت الجارية للفتى يصف به العشق. وقال الشاعر:

تقتلت لي حتى اذا ما قتلني * تنسكت ما هذا بفعل النواسك (2)

واقتل فلان فلانا: اذا عرضه للقتل. والمقتل من الدواب الذي قد ذل ومرن على العمل. وقلب مقتل: اي قتل عشفا. * ومنه قول امرئ القيس:

في اعشار قلب مقتل (3)

قال ابن دريد: قتلت الخمر بالماء إذا مزجتها. قال الشاعر:

ان التي ناولتني فرددتها * قتلت قتلت فها تها لم تقتل

وتقتل الرجل لحاجة اي يأتي لها. ويقتل الرجل للمرأة: اذا خضع لها في كلامه وقتل الرجل: عدوه. والجمع اقتال. وفلان قتل فلان: أي نظيره، وابن عمه

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة التوبة: آية 31 وسورة منافقون آية 4.

(2) تقتلت المرأة: تثنت في مشيتها.

(3) معلقته. والبيت: وما ذرفت عيناك الا لتضربي بسهميك في اعشار قلب مفتل والسهمان: الرقيب والمعلى من سهام الميسر ومعناه استوليت على القلب كله. (*)

 

===============

(246)

وقتله قتله سوء واقتتلوا بمعنى تقاتلوا ومثله قتلوا قال ابوالنجم:

ندافع الشيب ولم يقتل وناقة ذات قتال وذات كيال، اذا كانت غليظة وثيقة الخلق. في المثل:

قتلت ارض جاهلها، وقتل ارضا عالمها. ومقاتل الانسان: هي التي اذا اصيبت قتلت. وأصل الباب: القتل وهو نقض البنية التي تصح معها الحياة. وقال المبرد: واصله اماتة الحركة. وقوله: " قاتلهم الله انى يؤفكون " اي قد حلوا محل من يقال له هذا القول. اي انزل الله بهم القتل. ويقول قتله علما اذاايقنه وتحققه.

وقوله: " فاقتلوا انفسكم ".

المعنى:

قيل في معناه قولان:

احدهما ـ يقتل بعضكم بعضا. ذهب اليه ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والحسن وغيرهم من اهل العلم، كما يقول القائل: قتل آل فلان اذا قتل بعضهم بعضا.

والثاني ـ ذكره ابن عباس واسحاق واختاره ابوعلي. وهو ان يستسلموا للقتل فجعل استسلامهم للقتل قتلا منهم لا نفسهم على وجه التوسع. وقيل: ان السبعين الذين اختارهم موسى للميقات امروا بالقتل لمن سأل الرؤية من بني اسرائيل وقيل: إنهم قتلوا انفسهم كما امروا. عمدوا إلى الخناجر وجعل بعضهم يطعن بعضا.

قال ابن عباس وغيره من اهل العلم: ويقال غشتهم ظلمة شديدة فجعل بعضهم يقتل بعضا، ثم انجلت الظلمة، فاجلوا عن سبعين الف قتيل. والسبب الذي لاجله امروا بقتل انفسهم ذكره ابن جريج: ان الله علم ان ناسا منهم علموا ان العجل باطلا فلم يمنعهم ان ينكروا الا خوف القتل، فلذلك بلاهم الله ان يقتل بعضهم بعضا. وقال الرماني: ولابد ان يكون في الامر بالقتل لطف لهم ولغيرهم، كما يكون في استسلام القاتل لطف له ولغيره. فان قيل كيف يكون في قتلهم نفوسهم لطف لهم، وبعد القتل لا تكليف عليهم. واللطف لا يكون لطفا فيما مضى ولا فيما يقاربه

 

===============

(247)

قلنا: اذا كان القوم كلفوا ان يقتل بعضهم بعضا وكل واحد منهم يقصد قتل غيره، ويجوز ان يبقى بعده فيكون القتل لطفا له فيما بعد، ولو كان بمقدار زمان يفعل فيه واجبا واحدا: ويمتنع فيه من قبيح. وذلك كما نقول في عبادتنا في قتال المشركين. فان الله تعالى تعبدنا ان نقاتل حتى نقتل ونقتل ومدح على ذلك، فلذلك روى اهل السير ان الذين عبدوا العجل تعبدوا ان يقاتلوا من لم يعبد ويصبروا على ذلك حتى يقتل بعضهم بعضا. وكان القتل شهادة لمن قتل، وتوبة لمن بقي. وانما كانت تكون شبهة، لو امروا بان يقتلوا نفوسهم بايديهم. ولو صح ذلك لكان لا يمتنع بان يكونوا امروا بان يفعلوا بنفوسهم الجراح التي تفضي إلى الموت ـ وان لم يزل معها العقل فينا في التكليف ـ.

وأما على القول الآخر وهو انهم امروا بالاستسلام والقتل والصبر عليه فلا مسألة لانهم امروا بقتل نقوسهم. وعلى هذا يكون قتلهم حسنا، لانه لو كان قبيحا لما جاز ان يؤمروا بالاستسلام. و كذلك نقول: لا يجوز ان يتعبد نبي او امام بان يستسلم للقتل مع قدرته على الدفع عن نفسه، فلا يدفعه لان في ذلك استسلاما للقبيح مع القدرة على الدفع منه، وذلك لايجوز وانما يقع قتل الانبياء والائمة على وجه الظلم، وارتفاع التمكن من الدفع مع الحرص على الدفع. غير انه لا يمتنع ان يتعبد بالصبر على الدفاع. وتحمل المشقة في ذلك ـ وان قتله غيره ظلما والقتل ـ وان كان قبيحا بحكم العقل ـ، فهو ما يجوز تغيره بان يصير حسنا، لانه جار مجرى سائر الالام. وليس يجري ذلك مجرى الجهل والكذب الذي ليس يصير قط حسنا ووجه الحسن في القتل انه لطف على ما قلناه، وكما يجوز من الله ان يميت الحي، كذلك يجوز ان يامرنا باماتته ويعوضه على ما يدخل عليه من الالام ويكون فيه لطف على ما قدمناه.

وقوله: " ذلكم " اشارة إلى التوبة مع القتل لانفسهم على ما امرهم الله تعالى به بدلالة قوله. " فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا انفسكم " فقوله: " توبوا " دال على التوبة، فكانها مذكورة.

 

===============

(248)

وقوله: " خير " اللغة:

فالخير، والنفع، والفضل، والحظ نظائر وضد الخير: الشر. وضد النفع:

الضرر. تقول: خار الله له الخير خيرة. واختار اختيارا واستخار فلان استخارة وتخير تخيرا وتخايرا وخيره تخييرا. وخايره مخايرة ورجل خير وامرأة خيرة:

أي فاضلة. وقوم اخيار، وخيار. وامرأة خيرة. حقيقة في جمالها، وميسمها.

ومنه قوله: " فيهن خيرات حسان " (1). وناقه خيار. ورجل خيار. وتقول:

والجمع خيار. وتقول: هذه وهذا وهؤلاء خيرتي. وما تختاره. وتقول: انت بالخيار وانت بالخيار سواء. والرجل يستخير الضبع واليربوع: اذا جعل حبسه في موضع النافقاء، فخرج من القاصعاء (2). والخيرة مصدر خار خيرة ساكنة الياء مثل راب ريبة. واصل الباب الخير نقيض الشر. والخير: الهيأه المختارة. وحذفت الياء من قوله: " ياقوم " واثبتت في قوله: " يا ليت قومي " لان ياء الاضافة تحذف في النداء، لانه موضع حذف، يحذف فيه التنوين، ويحذف الامم للترخيم، فلما كانت بالاضافة تحذف في غير النداء، لزم حذفها في النداء. وأما قوله: " يا ليت قومي يعلمون " (3)، فانها تثبت لانها ياء الاضافة. لايلحقها ما يوجب حذفها، كما لحق الياء في النداء ويجوز في " ياقوم " كسر الميم وحذف الياء هو اجماع القراء ويجوز بياء ساكنة، ويجوز بفتح الياء وما قرئ بها. فاما إسكان الهمزة. فالذي رواه سيبويه عن ابي عمرو اختلاس الحركة. وهو اضبط من غيره والاسكان في مثل هذا يجوز في ضرورة الشعر كقول الشاعر:

اذا اعوججن قلت صاحب قوم وكان ينبغي ان يقال صاحب لانه منادى. وقال امرؤ القيس:

فاليوم فاشرب غير مستحقب * اثما من الله ولا واغل

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الرحمان: آية 70 (2) النافقاء: حجر اليربوع. القاصعاء مثل النافقاء (3) سورة يس: آية 26 (*)

 

===============

(249)

وقد روى بعضهم صاح قوم. وروي فاليوم فاشرب وروى بعضهم: فاليوم فاسقي ولا يقال في الله تعالى تائب مطلقا. وانما يقال: تائب على العبد.

قوله: " فتاب عليكم " فالفاء متعلق بمحذوف كأنه قال ففعلتم او قتلتم انفسكم فتاب عليكم. وكان فيما بقى دلالة عليه.

قوله تعالى:

" واذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فاخذتكم الصاعقة وانتم تنظرون " (55) آية بلا خلاف.

وهذه الآية ايضا عطف على ما تقدم كأنه قال واذكروا اذ قلتم يا موسى لن نصدق حتى نرى لله جهرة.

اللغة:

فالرؤيا والنظر والابصار نظائر في اللغة يقال: رأى رؤية ورأى من الرأي رأيا. وأراه لله اراءة وتراءى القوم ترائيا. وارتأى ارتياء وراءاه مراءاة قال صاحب العين: الرأي رأي القلب والجمع الاراء. وتقول: ما اضل آراءهم على التعجب ورأيهم ايضا ورأيت رؤية وتقول رأيته رأي العين. أي حيث يقع البصر عليه. وتقول من رأي القلب: ارتأيت. وتقول: رأيت رؤيا حسنة. وتقول: رأيت فلانا ذا مسحة في اللون، وزية حسنة في اللباس، والمتاع. والذي يتعرض بزيه كهانة او طبا. وفي بعض اللغات ريت بمعنى رأيته. وعلى ذلك قراءة من قرأ اريت قال الشاعر:

قد ريت منه عجبا من الكبر وتراءى القوم: إذا رأى بعضهم بعضا وتراءى لي فلان: اذا تصدى لي فاراه والرواء: المنظر في البهاء والجمال. تقول: امرأة لها رواء وبهاء وسناء أي حسنة.

والمرآة مثل المنظرة والمنظر والمرآة التي ينظر فيها وجمعها مراءى. ومن حول الهمزة قال: مرايا. تقول مرأت المرأة: اذا نظرت وجهها. وفي الحديث لا يتراءى احدكم في الماء أي لا ينظر فيه.

 

===============

(250)

ويحذفون الهمزة في كل كلمة تشتق من رأيت اذا كانت الراء ساكنة تقول أريت فلانا فانا مري وهو مري. أي بحذف الهمزة واثبتوها في موضعين في قولهم رأيته فهو مرئي أرأت الناقة والشاة اذا يرى ضرعها انها قد اقربت وانزلت. وهي مرئى. والحذف فيه ايضا صواب وتقول: من الظن رأيت ان فلانا اخوك. ومنهم من يحذف الهمزة يقول ريت انه ومن قلب الهمزة من رأى قال راي مثل ما تقولون: آرتيت واستريت بالمرآة والمرئية: مكسورة الراء مهموزة ممدودة ما ترى المرأة من الحيض صفرة أي بياضا قبلا او بعد او أما البصير بالعين فهو الرؤية. إلا أن تقول نظرت اليه رأي العين فيه وتقول: ما رأيته إلا رؤية واحدة وتقول للذي يريك الشي مري والمرأة مرية بلا همزة وتقول رأيت فلانا برؤية والمرآة التي تنظر فيها والرأي ما رأيت القوم في حسن البشارة والهيئة قال جرير:

وكل قوم لهم رأي ومختبر * وليس في تغلب رأي ولا خبر

واصل الباب: الرؤية بالعين وشبه الرؤية بالقلب به بمعنى العلم. والرأي يرى حال صلاح ويظن خلافها. والمرية لانها بمنزلة الالة للقلب يرى بها.

والجهرة، والعلانية، والمعاينة نظائر تقول: جهر جهرا أو جاهر مجاهرة، وجهارا. وتجاهروا تجاهرا. ورجل جهير الصوت. قال صاحب العين: جهر فلان بكلامه، وهو يجهر بقراءته جهارا، واجهر بقراءته اجهارا. وجاهرتم بالامر جهارا أي عالنتم به اعلانا واجتهر القوم فلانا جهارا: اذا نظروا اليه وكل شئ يبدو فقد جهر ورجل جهير: اذا كان في المنظر والجسم في الناس مجهرا. وكلام جهير، وصوت جهير أي عال. والفعل منه جهر جهارة. والجهير هو الجرئ المتقدم والجهوري: هو الصوت العالى. والجوهر: كل حجارة يستخرج منها شئ ينتفع به وجوهر كل شئ ما خلقت عليه حلية. والشاة الجهر التي لا تبصر في الشمس والكبش اجهر وقال بعضهم: جهرت البئر: اذا اخرجت ما فيها من الحمأة، والماء. وبئر مجهورة. والجهر: ضد السر وجهرني الرجل إذا راعك جماله وهيئته. ورجل جهير ذو رواء واصل الباب الظهور.

 

===============

(251)

والجهر يقتضي ظاهرا بعد ان يكون خافيا، ليدرك ما لم يكن قبل مدركا ويستدل بالجهر على أنهم أرادوا الرؤية بالعين دون رؤية القلب. وحقيقة الجهر ظهور الشئ معاينة والفرق بين الجهر والمعاينة أن المعاينة ترجع إلى حال المدرك والجهرة ترجع إلى حال المدرك.

المعنى:

ومعنى قوله: " حتى نرى الله جهرة " قال ابن عباس: علانية. وقال قتادة عيانا. وقد تكون الرؤية غير جهره كالرؤية في النوم والرؤية بالقلب فاذا قال جهرة لم يكن إلا رؤية العين على التحقيق، دون التخيل وسؤالهم الرؤية. قال قوم:

هو كفر لان اجازة الرؤية كفر. وقال آخرون: ليس بكفر وانما اجازة الرؤية التي تقتضي التشبيه كفر. فاما هذا القول منهم فكفر اجماعا، لانه رد على الرسول وكل من يلقى قول الرسول بالرد من المكلفين، كان كافرا.

واما الصاعقة فانها تكون على ثلاثة اوجه:

أولها ـ الموت: كقوله: " فصعق من في السموات ومن في الارض " (1)

" فاخذتكم الصاعقة " (2)

الثاني ـ العذاب. كقوله: " فان اعرضوا فقل انذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود " (3)

والثالث ـ نار تسقط من السماء كقوله: " ويرسل الصواعق " (4) واكثرهم على ان موسى لم يمت بالصاعقة كما مات من سأل الرؤية وقال شاذ منهم: انه مات بالصاعقة وقوله: " وخر موسى صعقا " أي مغشيا عليه عند اكثر المفسرين بدلالة قوله: " فلما افاق " والا فاقة لا تكون إلا من الغشية دون الموت، وإلا لكان قد قال فلما حيي.

وقوله: " جهرة " مشتق من جهرت الركية اجهرها جهرا وجهرة: اذا كان

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الزمر: آية 68 (2) سورة البقرة: آية 55 (3) سورة حم ـ السجدة: آية 13 (4) سورة الرعد آية 14 (*)

 

===============

(252)

ماؤها قد غطاه الطين، فنقيت حتى ظهر الماء وقيل: اخذ من قولهم: فلان تجاهر بالمعاصي: اذا كان لا يسرها وانما فزعوا بسؤال اسلافهم الرؤية من حيث انهم سلكوا طريقهم في المخالفة للنبي الذي لزمهم اتباعه والتصديق بجميع ما اتى به فجروا على عادة اسلافهم في ذلك الذين كانوا يسألون تارة ان يجعل لهم إلها غير الله ومرة يعبدون العجل من دون الله ومرة يقولون: " لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة " ومرة يقولون: " اذهب انت وربك فقاتلا انا ههنا قاعدون " وقال الزجاج في هذه الآية دلالة على مشركي العرب الذين كانوا ينكرون البعث، لاهل الكتاب مع مخالفتهم الرسول يقرون باذن الله أمات قوما في الدنيا، ثم احياهم وعندنا ان نقل اهل الكتاب لمثل هذا ليس بحجة وانما الحجة في اخبار الله على لسان نبيه وحده اذ كان كلما يخبر به فهو حق وصدق. واستدل البلخي بهذه الآية على ان الرؤية لا تجوز على الله تعالى. قال لانها انكارهم امرين ردهم على نبيهم، وتجويزهم الرؤية على ربهم وبين ذلك قوله تعالى: فقد سألوا موسى اكبر من ذلك فقالوا ارنا الله جهرة فدل ذلك على ان المراد إنكار الامرين وهذه الآية تدل على قوله:

" رب ارني انظر اليك " كان سؤالا لقومه، لانه لا خلاف بين اهل التوراة ان موسى ما سأل الرؤية الا دفعة واحدة. وهي التي سألها لقومه وقوله:

" لن نؤمن لك " تعلق بما يخبرهم به من صفات الله عزوجل، لانهم قالوا لن نؤمن لك بما تخبرنا به من صفاته وما يجوز عليه حتى نراه. وقيل: انه لما جاءهم بالالواح وفيها التوراة قالوا لن نؤمن بان هذا من عند الله حتى نراه جهرة ونرى على وزن نفعل واصله: نرأى قال الشاعر:

أرى عيني ما لم ترأياه كلانا * عالم بالترهات

فجاء به على الاصل وقال آخر:

ألم تر ما لاقيت والدهر اعصر * ومن يتمل العيش يراى ويسمع وانما دعاهم إلى ان قالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله شكهم، وحيرتم فيما دعاهم

 

===============

(253)

اليه موسى (ع) من توحيد الله عزوجل، ولو كانوا عارفين، لكان دعاهم اليه العناد لموسى ومعلوم انهم لم يكونوا معاندين له (ع). وفي الناس من قال: إن قولهم: جهرة من صفه السؤال على التقديم والتأخير كانه قال: واذا قلتم جهرة لن نؤمن لك حتى نرى الله. وقال الا كثر إنها من صفة الرؤية. وهو الاقوى، لان ما قالوه ترك الظاهر، وتقدير التقديم والتأخير ليس هنا إلى ذلك حاجة.

وقوله: " وانتم تنظرون " يعني ما نزل بكم من الصاعقة والموت.

قوله تعالى:

" ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون " ـ (56)

آية بلا خلاف.

قوله: " بعثناكم " احييناكم. عند اكثر المفسرين: كالحسن، وقتادة، وغيرهما.

وقال السدي: بعثناكم أنبياء. والاول أصح لانه ظاهر الكلام. فلا يجوز العدول عنه وأصل البعث: إثارة الشئ من محله، ومنه قيل: بعث فلان راحلته: اذا اثارها من مبركها للسير. ومنه قولهم بعثت فلانا لحاجتي: اذا اقمته من مكانه الذي هو فيه للتوجه فيها. ومن ذلك قيل: ليوم القيامة يوم البعث لانه يوم تثار فيه الناس من قبورهم لموقف الحساب.

اللغة:

والبعث والارسال وكل الاطلاق نظائر. يقال: بعثت بعثا. وانبعثت انبعاثا.

وتبعثت تبعثة. وبعثته من نومه فانبعث. اي نبهته فانتبه. وتقول: ضرب البعث على الجند. اذا بعثوا إلى العدو. وكل قوم يبعثون إلى وجه او في امر فهم بعث.

وأصل الباب: البعث وهو الارسال. وكل باعث فاعل. واما المبعوث فقد يكون فاعلا، وقد لا يكون. يقال: بعث الله عليهم ريحا فاقتلعتهم والريح مبعوثة. ويقال:

الشهوة للشئ تبعث على الطلب له. فان قيل: هل يجوز ان يرد الله احدا إلى التكليف بعد ان مات، وعاين ما يضطره إلى معرفته بالله؟ قيل: في ذلك خلاف قال ابوعلي:

لا يجوز ذلك إلا على من لم يضطره الله إلى معرفته وقال بعضهم: يجوز التكليف في

 

===============

(254)

الحكمة. وان اضطر إلى المعرفة. وقول ابي علي أقوى. واعل الرماني قول ابي علي، فان قيل: لما كانت المعرفة لاجل الطاعات التي كلفها العبد كانت هي الغرض الذي يتبعه سائر الطاعات فلو ارتفع الغرض ارتفع التابع له. كما ان الغرض في الشرائع الاستصلاح في الاصول التي تجب بالعقل فلو ارتفع ذلك الغرض، ارتفع وجوب العمل بالشرع. وكما انه لايجوز تكليف الطاعة مع رفع التمكن مع المعرفة من غير ضرورة اليها قال: ووجه القول الثاني أنه لما كان الشكر على النعمة يجب في المشاهد مع الضرورة إلى معرفة النعم، كان الشكر للنعمة التي هي اجل من نعمة كل منعم في الشاهد اولى ان تجب مع الاضطرار إلى المعرفة. ولابي علي ان يقول لانمنع من الوجوب، لكن لايجوز التكليف، لان الغرض المعرفة. اي هي اصل ما وقع التكليف به للعباد. والذي اقوله: إن الذي يحيى بعد الاماتة، ان كان لم يخلق له المعرفة الضرورية لم يضطر إليها، فانه يمتنع تكليفه، لان العلم بان الاحياء بعد الاماتة، لايقدر عليه غير الله طريقه الدليل وغوامض الاستدلال، فليس احياؤه بعد الاماتة ما يوجب ان يكون مضطرا إلى معرفته، فلذلك يصح تكليفه، وليس الاحياء بعد الاماتة الا كالانتباه من النوم والافاقة بعد الغشية فان ذلك لايوجب علم الاضطرار. وان فرضنا انه خلق فيه المعارضة ضرورة، فلا يحسن تكليفه لان حسن التكليف موقوف على ازاحة علة المكلف من فعل اللطف، والاقدار وغير ذلك. ومن جملة الالطاف تكليفه للمعرفة. والضرورية لاتقوم مقامها على ما بيناه في الاصول: واذا لايحسن تكليفه، لانه يصير مكلفا ولم يفعل به ما هو لطف له، وذلك لا يجوز.

وقوله: " لعلكم تشكرون " معناه لكي تشكروا. وهذه لام الغرض.

وفيه دليل على فساد قول المجبرة إن الله تعالى ما اراد من الكفار الشكر، لانه لو اراد كفرهم، لقال: لتكفروا وذلك خلاف القرآن. ومن استدل بها على جوازها كان صحيحا، لان من منع منه واحاله، فالقرآن يكذبه، وان استدل به على وجوب الرجعة وحصولها فلا يصح لان احياء قوم في وقت، ليس بدلالة على احياء آخرين في وقت اخر، ذلك يحتاج إلى دلالة اخرى. وقول من قال: لا تجوز

 

===============

(255)

الرجعة، لان ذلك معجزة ودلالة على نبوة نبي. وذلك لا يجوز إلا في زمن نبي غير صحيح، لان عندنا يجوز اظهار المعجزات على يد الائمة والصالحين. وقد بيناه في الاصول. ومن ادعى قيام الحجة بان الخلق لا يردون إلى الدنيا: كما علمنا ان لا نبي بعد نبينا مقترح مبتدع، لما لا دليل على صحته، فانا لا نخالف في ذلك وقال البلخي: لا تجوز الرجعة مع الاعلام بها، لان فيها اغراء بالمعاصي من جهة الاتكال على التوبة في الكرة الثانية. قال الرماني: هذا ليس بصحيح من قبل انه لو كان فيها اغراء بالمعصية، لكان في إعلام التبقية إلى مدة إغراء بالمعصية. وقد أعلم الله تعالى نبيه وغيره ابليس: انه يبقيه إلى يوم يبعثون ولم يكن في ذلك إغراء بالمعصية وعندي ان الذي قاله البلخي ليس بصحيحح، لان من يقول بالرجعة، لا يقطع على ان الناس كلهم يرجعون، فيكون، في ذلك اتكال على التوبة في الرجعة، فيصير اغراء. فلا احد من المكلفين الا ويجوز ان لا يرجع. وان قطع على الرجعة في الجملة ويجوز ان لا يرجع، فكفى في باب الزجر. وأما قول الرماني: إن الله تعالى اعلم اقواما مدة مقامهم، فان ذلك لا يجوز الا فيمن هو معصوم يؤمن من جهة الخطأ كالانبياء ومن يجري مجراهم في كونهم معصومين. فاما من ليس بمعصوم، فلا يجوز ذلك، لانه يصير مغرى بالقبح واما تبقية ابليس مع اعلامه ان يستبقيه إلى يوم القيامة ففيه جوابان.

احدهما ـ انه انما وعده قطعا بالتبقية بشرط الا يفعل القبيح ومن فعل القبيح حق اخترته عقبه. ولا يكون مغرى:

والثاني ـ ان الله قد علم انه لا يريد بهذا الاعلام فعلا قبيحا، وإلا لما كان يفعله، وفي ذلك اخراجه من باب الاغراء. وقد قيل: إن ابليس قد زال عنه التكليف. وانما امكنه الله من وسوسة الخلق تغليظا للتكليف، وزيادة في مشاقهم ويجري ذلك مجرى زيادة الشهوات انه يحسن فعلها إذا كان في خلقها تعريض للثواب الكثير الزائد.

 

===============

(256)

قوله تعالى:

" وظللنا عليكم الغمام وانزلنا عليكم المن والسلوى، كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا انفسهم يظلمون " (57) آية بلا خلاف ـ.

قوله: " وظللنا " عطف على قوله " ثم بعثناكم من بعد موتكم " وكأن التقدير ثم بعثناكم من بعد موتكم وظللنا عليكم الغمام.

والظلمة والغمامة والسترة نظائر في اللغة. تقول: ظل يظل ظلولا. واظل اظلالا. واستظل واستظلالا. وتظلل تظللا. وظلله تظليلا. قال صاحب العين: تقول ظل نهاره فلان صائما. ولاتقول العرب: ظل إلا لكل عمل بالنهار. كما لا تقول:

بات إلا بالليل. وربما جاءت ظل في اشعارهم نادرا. ومن العرب من يحذف لام ظللت، ونحوها فاما اهل الحجاز فيكسرون الظاء على كسر اللام التي القيت فيقولون: ظللنا وظللتم. كما قال تعالى " فظللتم تفكهون " (1) والمصدر: الظلول. فالامر فيه اظلل والظل ضد القبح ونقيضه. ويقال لسواد الليل، فيسمى ظلا. وجمعه ظلال. قال الله تعالى: " الم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا " (2) يعني الليل. والظل في كلام العرب هو الليل. وتقول اظلتني هذه الشجرة اظلالا.

والمكان الظليل: الدائم الظل. وقد دامت ظلاله. والظلة كهيئة الصفة، وقوله:

" عذاب يوم الظلة " (3) يقال هو عذاب يوم الصفة. والظلة البرطلة. والاظلال:

الدنو يقول قد اظلك فلان اي كأنه القى عليك ظله من قربه. وتقول لا تجاوز ظل ظلك وملاعب ظله: طائر يسمى بذلك. والاظل: باطن منسم البعير وجمعه اظلال قال الشاعر:

يشكو الوجى من اظلل واظلل

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الواقعة آية: 65. (2) سورة الفرقان آية: 45.

(3) سورة الشعراء آية: 189. (*)

 

===============

(257)

يعني من اظل واظل. فاظهر التضعيف بضرورة الشعر قال لبيد:

بنكيب معر دامي الاظل (1)

اراد بخف نكيب: منكوب نكبته الحجارة معر: ساقط الشعر املس. والظل كون النهار تغلب عليه الشمس قال رؤبة: كل موضع تكون فنزول عنه ظل وفى.

يقالان جميعا. وما سوى ذلك يقال له ظل ولا يقال: فيه الفئ. والظل الظليل:

الجنة قال الله تعالى: " وندخلهم ظلا ظليلا " (2) والظل: الخيال الذي يرى من الجن وغيره. والمظلة ايضا تتخذ من خشب وغيره يستظل بها والظل: المنعة والعز.

كذا ذكر ابن دريد يقال: فلان في ظل فلان اي في عزه وأصل الباب: التظليل.

وهو الستر والاظلال الدنو: كدنو الساتر وحد التظليل الستر من علة.

والغمام: السحاب والقطعة منها غمامة تقول: يوم غم، وليلة غمة وامر غام.

ورجل مغموم، ومغتم، ذو غم. وفلان في غمة من امره: اذا لم يهتدله. والغماء:

الشديدة من شدائد الدهر، ورجل اغم، وجبهة غماء: كثيرة الشعر تقول منه: غم يغم. وكذلك في القفا. قال الشاعر:

فلا تنكحي إن فرق الدهر بيننا * اغم الققا والوجه ليس بانزعا

والغميم: الغمس وهو ان يسحق حتى يغلط. والغم: ضدالفرح. والغمة:

 الغطاء على القلب من الغم. والغمة: الضيقه تقول: اللهم احسر عنا هذه الغمة أي الضيقة. وغم الهلال اذا غطاه الغيم. وكل شئ غطيته فقد غميته ولذلك سمي الرطب الغموم وهو الذي يوضع في جرة وهو بسر ثم يغطى حتى يرطب. والغمام اشتق من هذا، لانه يغطى السماء، ورجل أغم. وامرأة غماء اذا دنا قصاص الشعر من حاجبه حتى يغطى جبهته، وكذلك هو في القفا. وأصل الباب الغطاء.

المعنى:

يوم الغمام الذي ظلل على بني اسرائيل. قال ابن عباس ومجاهد: لم يكن بالسحاب، ولكنه الذي عنى في قوله: " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من

ـــــــــــــــــــــــ

(1) اللسان (معر) وصدره: وتصك المرو لما هجرن (2) سورة النساء آية: 56. (*)

 

===============

(258)

الغمام ". (1) وهو الغمام الذي اتت فيه الملائكة يوم بدر، ولم يكن لغيرهم. قال ابن عباس كان معهم في التيه وقيل هو ما ابيض من السحاب.

واما المن قال ابن عباس: هو المن الذي يعرفه الناس يسقط على الشجر وقال قتادة: كان المن ينزل عليهم مثل الثلج. وقيل هو عسل وقيل خبز مرقق وقيل هو الزنجبيل. وقيل هو شئ كالصمغ كان يقع على الاشجار وطعمه كالشهد والعسل عن مجاهد وقال الزجاج: جملة المن ما من الله تعالى على عباده مما لا تعب فيه ولا نصب. وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال: الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين. قال بعض اهل العلم يعني بمائها الوسمي الذي يكون منها الكمأ وهو اول مطر يجئ في الخريف. وقيل هو الذي يسقط على الثمام.

والمن حلو كالعسل. وإياه عنى الاعشى في قوله:

لو أطعموا المن والسلوى مكانهم * ما ابصر الناس طعما فيهم نجعا (2)

وجعله امية بن ابي الصلت في شعره عسلا فقال:

ورأى الله انهم بمضيع * لا بذي مزرع ولا معمورا (3)

فنساها عليهم غاديات * ومرى مزنهم خلايا وخورا (4)

عسلا ناطفا وماء فراتا * وحليبا ذا بهجة مثمورا (5)

الناطف: القاطر والصافي من اللبن والمن قطع الخير قال الله تعالى لهم " اجر غير ممنون " أي غير مقطوع. والمن: هو الاحسان إلى من لا يستثنيه والاسم هو المنة والله تعالى

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة البقرة: آية 210 (2) ديوانه. ومن قصيدة طويلة يمدح بها ذا التاج هوذة ابن علي الحنفي صاحب اليمامة. الطعم: مآكل من الطعام. ونجع الطعام في الانسان: استمرأه آكله وصلح عليه. (3) ديوانه يقال: هو بدار مضيعة: كانه فيها ضائع. مزرع مصدر ميمي من زرع يعني ليس بذي زرع. معمورا آهل ونصب معمورا عطفا على بذي مزرع في المطبوعة والمخطوطة " ورأى " بدل " فرأى " " مثمورا " بدل " معمورا " (4) فنساها من نسأها. ونسأ الدابة زجرها وساقها. غاديات جمع غادية وهي السحابة التي تنشأ غدوة. ومرى الناقة مربا مسح ضرعها لتدر. والمزن جمع مزية وهي السحابة ذات الماء.

وخلايا جمع خلية وهي الناقة التي خليت للحلب لغزارة لبنها. الخور: ابل حمر تميل إلى الغبرة. في المخطوطة والمطبوعة بدل " فنساها " " فسناها " وبدل " مرى " " قرى ". وبدل " مزنهم "

“ منهم " وبدل " وخورا " " وعورا ". (5) ناطف قطر والفرات. اشد الماء عذوبة. (*)

 

===============

(259)

المنان علينا الرحيم والمنة: قوة القلب. يقال ضعيف المنة ويقال ليست لقلبه منة والمنون: الموت. وهو اسم مؤنث. قال ابن دريد: من يمن منا: اذا اعتقد منه ومن عليه بيد أسداها اليه اذا قرعه بها. واصل الباب: الاحسان. فالمن الذي كان يسقط على بني اسرائيل مما من الله عليهم أي أحسن به اليهم.

واما السلوى فقال ابن عباس: هو السماني وقيل: هو طائر كالسماني وواحده سلوى قال الاخفش: لم اسمع له بواحد. قال: ويجوز ان يكون واحده سلوى مثل جماعته كما قالوا دفلى للواحد والجماعة. وقال الخليل واحده سلواة قال الشاعر:

كما انتفض السلواة بلله القطر ويقال سلا فلان يسلو عن فلان: اذا تسلى عنه. وفلان في سلوة من العيش اذا كان في رغد يسليه الهم. والسلوان: ماء من شربه ذهب غمه على ما يقال ويقال هذا مثل يضرب لمن سلا عن شئ يقال سقي سلوة وسلوانا. وقال ابن دريد: سلا يسلو سلوا، وسلوا وسلوة والسلوانة: خرزة زعموا انهم اذا صبوا عليها الماء، فسقي منها الرجل، سلا واصل الباب السلو، وهو زوال الهم.

سبب نزول المن والسلوى:

وكان سبب انزال المن والسلوى عليهم انه لما ابتلاهم الله تعالى بالتيه، حين قالوا لموسى: " اذهب انت وربك فقاتلا انا ههنا قاعدون " (1) فامرهم بالمسير إلى بيت المقدس، فلما ساروا تاهوا في قدر خمس فراسخ أو الستة. فلما اصبحوا ساروا عادين فامسوا، فاذاهم في مكانهم الذي ارتحلوا منه فلم يزالوا كذلك، حتى تمت اربعين سنة، تفضل عليهم في تلك الحال، واحسن اليهم، وانزل عليهم المن والسلوى.

وكانت ريح الجنوب تحشره عليهم قال ابن جريج: كان الرجل إذا اخذ من المن والسلوى زيادة على طعام يوم واحد، فسد إلا يوم الجمعة فانهم اذا اخذوا طعام يومين لم يفسد.

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة المائدة آية: 27. (*)

 

===============

(260)

الاعراب:

وموضع " كلوا نصب على وقلنا كلوا كذا قال الرماني:

وقيل في معنى " الطيبات " قولان:

احدهما ـ انه المشتهى اللذيذ والثاني ـ انه المباح الحلال الذي يستلذا كله.

وقوله: " وما ظلمونا " المعنى:

انما يتصل بما قبله بتقدير محذوف فكأنه قال فخالفوا ما امرالله به أو كفروا هذه النعمة. " وما ظلمونا " قال ابن عباس وما نقصونا، ولكن كانوا انفسهم ينقصون. وقال غيره: معناه وما ضرونا، ولكن كانوا انفسهم يضرون. قال ابوعلي الظلم الذي لا يستحقه المضرور ممن قصده وليس للمضرور فيه نفع. وقال الرماني حقيقة الضرر القبيح. والصحيح في حقيقه الظلم ما ذكرناه فيما مضى هو الضرر الذي لا نفع فيه يوفي عليه، ولا دفع ضرر اعظم منه عاجلا وآجلا ولا يكون واقعا على وجه المدافعة فاما ما قاله الرماني فهو حد الشئ نفسه، لان السؤال باق ولقائل ان يقول: وماالضرر إلا القبيح، لان كونه قبيحا حكم من احكامه فلابد من بيان ذلك حينئذ. وما ذكره ابوعلي ينتقض بالالم الواقع على وجه المدافعة وبالالم الذي فيه وجه ضرر اعظم منه عن الضرورة، وبالضرر الذي فيه نفع يوازيه وروي عن عن الصادق (ع) انه قال: المن كان ينزل على بني اسرائيل من بعد طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس فمن نام في ذلك الوقت، لم ينزل عليه نصيبه فلذلك يكره النوم في هذا الوقت إلى بعد طلوع الشمس.

قوله تعالى:

" واذ قلنا ادخلوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم رغدا

 

===============

(261)

وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة يغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين " (58) آية بلا خلاف.

القراءة:

قرأ نافع واهل المدينة يغفر بضم الياء وفتح الفاء. الباقون بفتح النون، وكسر الفاء. وادغم الراء في اللام وما جاء منه. والآيه معطوفة على ما تقدم. فكأنه قال واذكروا اذ قلنا. ادخلوا والدخول والولوج والاقتحام نظائر والفرق بين الدخول والاقتحام ان الاقتحام دخول على صعوبة.

اللغة:

ونقيض الدخول: الخروج تقول: دخل يدخل دخولا. وادخله ادخالا.

وتداخل تداخلا، واستدخل استدخالا، وداخله مداخلة. ويقال: في امره دخل أي فساد. دخل امره يدخل دخلا: أي فسد. ودخلت الدار وغيرها دخولا و اوردت ابلي دخالا إذا اوردتها فادخلت بين كل بعيرين بعيرا ضعيفا بعد ما ابتعر أو تشرب دون ريها. وفلان دخيل بني فلان: اذا كان من غيرهم. واطلعت فلانا على دخلة امري: اذا بثتته مكتومك. والدخل طائر صغير. وفلان حسن المدخل، أو قبيح المدخل: أي المذهب في الامور. وكل لحمة على عصب فهي دخلة. قال صاحب العين: فلان مدخول اذا كان في عقله دخل، أو في حسبه. والمدخول: المهزول الداخل في جوفه الهزال. والدخلة: بطانة الامير. يقال: فلان خبث الداخلة. وادخل في عار ويدخل فيه ونحو ذلك يصف شدة الدخول. ودخيل الرجل: الذي يداخله في اموره كلها فهو له دخيل. دخال والدخال: مداخلة المفاصل بعضها في بعض.

والدخولة معروفة والدخل: صغار الطير امثال العصافير مأواها الغيران، وبطون الاودية تحت الشجر الملتف وجمعه دخاخيل. والانثى دخلة. واصل الباب: الدخول قال الرماني في حد الدخول: الانتقال إلى محيط. وقد يقال: دخل في الامر: كما يقال دخل في الدار تشبيها ومجازا.

 

===============

(262)

وقوله: " هذه القرية " إشارة إلى بيت المقدس ـ على قول قتادة، والربيع ابن أنس وقال السدي: هي قرية بيت المقدس: وقال ابن زيد: إنها أريحا قريب من بيت المقدس اللغة:

والقرية والبلدة والمدينه نظائر. قال ابوالعباس: اصله الجمع: ومنه المقراة:

الحوض الذي تسقى فيه الابل. سمي مقراة، لجمع الماء فيه. والمقراة: الجفنة التي يعد فيها الطعام للاضياف قال الشاعر:

عظام المقاري جارهم لا يفزع ومنه قريت الضيف. ومنه قريت الماء في الحوض. ومنه قريت الشاة تقري وشاة قارية: إذا كانت تجمع الجرة في شدقها. وهو عيب عندهم شديد وكل ما قري فهو مقري: مثل المرقد كل ما رقدت فيه. والقري: المسيل الذي يحمل الماء إلى الروضة. وجمعه: قريان: كقضيب وقضبان قال الشاعر:

ماء قري حده قري قال ابن دريد: قريت الضيف أفريه قرى. وقريت الماء في الحوض أقريه قريا.

وقرى البعير: جرته في شدقه قريا. والقرية: اشتقاقها من قرى البعير جرته: أى جمعها. والجمع قرى ـ على غير قياس ـ. وقال قوم من اهل اليمن: قرية: وقال صاحب العين: القرية والقيرية ـ لغتان ـ تقول: ما زلت استقري هذه الارض قربة قرية. والكسر لغة عانية. ومن هناك اجتمعوا على جمعها على القرى، حيث اختلفوا فحملوها على لغة من قال: كسوة وكسوة. والنسبة اليها قروي. وام القرى: مكة وقوله: " وتلك القرى اهلكناهم لما ظلموا " (1) يعني بها: الكور والامصار والمدائن والقرى: الظهر من كل شئ، حتى الآكام وغيرها. والجمع الاقراء. والقرى:

الاحسان إلى الضيف. تقول: اقرى يقري الضيف قرى: اذا اضافه ضيافة وانزله نزالة. والقرى جئ الماء في الحوض. والمدة تقرى في الجرح: أي تجتمع.

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الكهف: آية 60 (*)

 

===============

(263)

وقوله: " وادخلو الباب " المعنى:

أي الباب الذي امرو بدخلولها. وقال مجاهد والسدي: هو باب حطة من بيت المقدس. وهو الباب الثامن. وقيل: باب القبة التي كان يصلي إليها موسى. وقال قوم: باب القرية التي أمروا بدخولها. قال أبوعلي: قول من قال: إنه باب القرية، لانه لم يدخلوا القرية في حياة موسى، لانه قال: " فبدل الذين ظلما قولا غير الذي قيل لهم ". والعطف بالفاء يدل على أن هذا التبديل منهم كان في أثر الامر فدل ذلك على أنه كان في حياة موسى.

ومعنى قوله: " سجدا " قال ابن عباس: ركعا. وهو شدة الانحناء. ومنه السجد من النساء: الفاترات الاعين. وقال الاعشى:

ولهوي إلى حور المدامع سجد وقال الآخر:

ترى الاكم منه سجدا للحوافر (1)

وقال غيره: ادخلوا خاضعين متواضعين. قال اعشى قيس:

تراوح من صلوات الملي * ـ ك طورا سجودا وطورا جؤارا

وقوله: " حطة " المعنى:

قال الحسن، وقتادة واكثر أهل العلم: معناه حط عنا خطايانا. وروي عن ابن عباس أنه قال: أمروا أن يستغفروا. وروي عنه ايضا أنه قال: امروا أن يقولوا: هذا الامر حق: كما قيل لكم. وقال عكرمة: امروا أن يقولوا لا إله إلا الله. وكل هذه الاقوال محط الذنوب فيترحم لحطة عنها.

 

ـــــــــــــــــــــــ

الكامل 1: 258 في المطبوعة فيها. وهو غلط. والاكم: ج. 1 كام ج. أكمة وهي التل.

(2) ديوانه. راوح. عمل عملين في عمل. والجؤار رفع الصوت بالدعاء. (*)

 

===============

(264)

اللغة:

وحطة مصدر مثل ردة وجدة من رددت وجددت. قال صاحب العين:

الحط: وضع الاحمال عن الدواب تقول: حططت عنها أحط حطا. وانحط انحطاطا.

والحط والوضع والخفض نظائر. والحط: الحدر من العلو: كقول امرئ القيس:

كجلمود صخر حطه السيل من عل (1)

يقال للنجيبة السريعة: حطت في سيرها وانحطت. وتقول حط الله وزرك الذي انقض ظهرك. وقال الشاعر:

واحطط إلهي ـ بفضل منك ـ أوزاري والحطاطة: بثرة تخرج في الوجه تقبح اللون ولا تقرح. وجارية محطوطة التنين: ممدودة حسنة والحط: حط الاديم بالمحط. وهي خشبة يصقل بها الاديم او ينقش. وأصل الباب: الحط: وهو الحدر من علو. وارتفعت " حطة " في الآية على قول الزجاج ـ على تقدير مساء لتنا حطة، وقال غيره: دخولنا الباب سجدا:

حطة لذنوبنا كقوله: " وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا: معذرة " يعني موعظتنا بعذرة إلى ربكم.

ويجوز النصب في العربية على معنى حط عنا ذنوبنا حطة، كقولك: سمعا وطاعة يعني اسمع سمعا واطيع طاعة، كقولك: معاذ الله. يعني نعوذ بالله وهو أقوى لانه دعاء.

وقوله: " نغفر لكم " اللغة:

والغفران والعفو، والصفح نظائر. يقال: غفر الله غفرانا. واستغفر استغفارا واغتفر اغتفارا. قال أبوالعباس: غفر الله لزيد بمعنى: ستر غطى له على ذنوبه.

والغفران انما هو التغطية. يقال للسحابة فوق السحاب: الغفارة. وثوب ذو غفر:

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) معلقته، وصدر البيت: مكر مفر مقبل مدبر معا ـ يصف فرسه ـ (*)

 

===============

(265)

اذا كان له زئير يستر قبحه. ويقال: المغفر، لتغطية العنق. ويقال غفرت الشئ:

إذ واريته. والمغفرة والغفيرة بمعنى (واحد). والمغفرة: منزل (1) من منازل القمر. يسمى (بذلك) لخفائه. وقال الزجاج: الغفر: التغطية. وكل ما وتفرع من هذا الباب فهذا معناه. وقولهم: اللهم اغفر لنا. تأويله اللهم غط علينا ذنوبنا والله الغفور والغفار. والمغفر ما يغطى به الرأس من الحديد وغيره. وكذلك الغفارة وهي خرقة تلف على سية القوس: أي طرفها. وغفارة: اسم رأس جبل. والمغفورة والمغفارة. صمغ العرفط وقد اغفر الشجر: إذا ظهر ذلك فيه. وفي الحديث: أن النبي " ص " دخل على عائشة. فقالت: يا رسول الله. أكلت مغافير؟ تعني هذا الصمغ. ومنهم من يقول: مغاثير: كما قيل جدث، وجدف. والغفر: شعر صغار دون الكبار. وريش دون الريش الكبار، لانه هو الذي يغطي الجلد. والغفر:

النكس من المريض. يقال: صلح فلان من مرضه ثم غفر أي نكس. ومنه قول ضرار. ـ وقيل إنه لحميل ـ:

خليلي إن الدار غفر لذي الهوى * كما يغفر المحموم او صاحب الكلم

ومعناه: أن المحب إذا سلا عن حبيبه، ثم رأى داره جدد عليه حبه. فكأنه مريض نكس. وانما قيل النكس، لانه يغطي على العافية. والغفر: شعر يكون في اللحيين. وقد غفر فلان، وقد غفرت المرأة: إذا انبت لها ذلك الشعر. ومتاع البيت يقال له: الغفر، لانه يغطي على الخلل. والغفر: الحوالق. ويقال جاء والجماء الغفير. وجاءوا جما غفيرا. وجاءوا جماء الغفير: اي مجتمعين جمعا يغطي الارض.

والغفر: ولد الاروى: وهي انثى الوعل، لانها تأوي الجبال، فتستر عن الناس.

يقال لانثى الوعل، إذا كان معها ولدها: مغفر. كما يقال: لكل ذات طفل: مطفل.

ويقال: غفرت الامر تغفرة: إذا أصلحته بما ينبغي ان يصلح به. والمعنى: أصلحته بما غطى على جميع فساده. والغفر: زئير الثوب. وثوب ذو غفر. وغفرت المتاع اذا جعلته في وعاء. وكل شئ غطيته، فقد سترته. ويقال إصبغ ثوبك فانه أغفر

ـــــــــــــــــــــــ

(1) ثلاثة انجم صغار. (*)