التفسير و المفسرون

الكتاب : التفسير و المفسرون في ثوبه القشيب . المؤلف : الاستاذ المحقق الشيخ محمدهادي معرفة .
التنقيح : قاسم النوري .
الموضوع : علوم القرآن .
الناشر: الجامعة الرضوية للعلوم الاسلامية .
التاريخ : الطبعة الاولى , 1377 ه ش ـ 1419 ه ق .
عدد المطبوع : 3000 نسخة .
الامور الفنية و الطبع : مؤسسة الطبع و النشر في الاستانة الرضوية المقدسة .
ثمن الدورة : 35000 ريال .
((جميع الحقوق محفوظة للناشر)).
شكر و تقدير.
و يـجـدر بـنـا ان نـقـدر خدمات فنية و علمية قام بها كل من اصحاب الفضيلة : نصيري , مرويان , بهادري , اكبري , مريچكاني ,شهركي فلاح , عليزاده , حاتمي , شيخ ‌حافظ في انجاز هذا المشروع الـضـخـم و ساهموا فى مراجعته و اخراجاته الفنية و اعدادفهارسه و تنضيد حروفه المطبعية بـالحاسب الالكتروني و غيرها, في قسم الدراسات القرآنية في الجامعة الرضوية فنقدم لهم جزيل شـكـرنـا المتواصل و نبتهل الى اللّه ان يوفق الجميع لخدمة الدين و لاسيما اساسه القويم القرآن الكريم انه تعالى ولى التوفيق .
الجامعة الرضوية للعلوم الاسلامية .
قسم الدراسات القرآنية .
التفسير و المفسرون فى ثوبه القشيب .
الجز الثاني .
(كتاب انزلناه اليك مبارك ليدبروا.
آياته و ليتذكر اولوا الا لباب ).
بحث مستوف بشؤون التفسير:
نشاته و تطوره و الوانه .
مع عرض شامل لاشهر المفسرين .
و تحليل كامل لاهم كتب التفسير.

المرحلة الخامسة التفسير في عهد التدوين

النمط الاول التفسير بالماثور

انحا التفسير بالماثور: 1ـ تفسير القرآن بالقرآن .
2ـ تفسير القرآن بالسنة .
3ـ تفسير القرآن بقول الصحابي .
4ـ تفسير القرآن بقول التابعي .
آفات التفسير بالماثور.
1ـ ضعف الاسانيد.
2ـ الوضع في التفسير.
3ـ الاسرائيليات .
اشهر كتب التفسير بالماثور.

التفسير في عهد التدوين

كـان الـتفسير في عهد نشوئه انما يتلقى شفاها و يحفظ في الصدور, ثم يتناقل نقل الحديث يدا بيد هـكـذا كـان الـتـفـسير على عهد الرسالة , و على عهد الصحابة و التابعين الاول اما في عهد تابعي الـتابعين , فجعل يضبط و يثبت في الدفاتر و الالواح ,و بذلك بدا عهد تدوين التفسير الى جنب كتابة الحديث , و ذلك في اواسط القرن الثاني , حيث راج تدوين الاحاديث الماثورة عن السلف .
و لـعل اول من سجل التفسير في الدفاتر و الالواح هو مجاهد بن جبر, توفي سنة (101) يقول ابن ابـي مليكة : ((رايت مجاهدا يسال ابن عباس عن تفسير القرآن , و معه الواحه فيقول له ابن عباس : اكـتـب قال : حتى ساله عن التفسير كله )) ((1)) و كان اعلم الناس بالتفسير قال الفضل بن ميمون : ((سمعت مجاهدا يقول : عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة )) ((2)) .
و له تفسير متقطع و مرتب على السور, من سورة البقرة الى نهاية القرآن يرويه عنه ابو يسار عبد اللّه بن ابي نجيح الثقفي الكوفي , توفي سنة (131) و قد صححه الائمة و اعتمده ارباب الحديث , و قد طبع اخيرا في باكستان سنة (1367 ه ق )حسبما تقدم في ترجمته .
و يـذكـر ابن حجر عند ترجمته لعطا بن دينار المصري ـ و كان من ثقات المصريين , توفي سنة (126) ـ ان لـه تـفسيرا يرويه عن سعيد بن جبير, قتل سنة (95) و كان في صحيفة قال : و لا دلالـة انـه سـمـع مـن سعيد بن جبير و عن ابي حاتم انه اخذه من الديوان , و ذلك ان عبد الملك بن مروان , توفي سنة (86) سال سعيدا ان يكتب اليه بتفسير القرآن , فكتب سعيد بهذا التفسيرفوجده عطا بن دينار في الديوان فاخذه , فارسله عن سعيد ((3)) .
فهذا صريح في ان سعيد بن جبير جمع تفسير القرآن في كتاب , و هذا الكتاب اخذه عطا بن دينار و بـمـا ان سعيد بن جبير قتل سنة (95) و لا شك ان تاليفه هذا كان قبل موت عبدالملك سنة (86) فهذا التفسير قد كتب و دون قبل هذا الحين .
و يذكر ابن خلكان : ان عمرو بن عبيد ـ شيخ المعتزلة , توفي سنة (144) ـ كتب تفسيرا للقرآن عن الحسن البصري المتوفى سنة 116 ((4)) .
و لابـن جريج , توفي سنة (150) تفسير كبير في ثلاثة اجزا, يرويه بواسطة عطا بن ابي رباح عن ابن عباس , توفي سنة (68), و يرويه عنه محمد بن ثورو قد صححته الائمة ((5)) و ذكر احمد بن حنبل : انه اول من صنف الكتب ((6)) .
و امـثـال هـذه التفاسير مما كتب على الالواح او في صحائف ذلك العهد كثير, كانت تقتضيه طبيعة الاخذ و التلقي ذلك الحين , و قد قل الاعتماد على الحفظ و الضبط في الصدور.
غير ان هذه التفاسير كانت مقتصرة على نقل المعاني و روايتها عن التابعين و الاصحاب , و ثبتها في الدفاتر خشية الضياع ,و لم يكن التفسير قد توسع او دخله الاجتهاد في شكل ملحوظ.
و لـعـل اول مـن تـوسع في التفسير و ضم الى جانب المعاني جوانب اخر و لاسيما التعرض لادب الـقـرآن و ذكر خصائص اللغة , و اجتهد في ذلك , هو ابو زكريا يحيى بن زياد الفرا المتوفي سنة (207).
يذكر ابن النديم في ((الفهرست )) ان ابا العباس ثعلب قال : كان السبب في املا كتاب الفرا في معاني الـقـرآن , ان عـمر بن بكير كان من اصحابه , و كان منقطعا الى الحسن بن سهل فكتب الى الفرا : ان الامـيـر الـحسن بن سهل , ربما سالني عن الشي بعد الشي من القرآن , فلايحضرني فيه جواب فان رايـت ان تـجـمع لي اصولا, او تجعل في ذلك كتابا, ارجع اليه فعلت فقال الفرا لاصحابه : اجتمعوا حـتـى امـلـي عـلـيـكـم كـتابا في القرآن , و جعل لهم يوما, فلما حضروا خرج اليهم , و كان في الـمـسـجـدرجـل يـؤذن و يقرا بالناس في الصلاة فالتفت اليه الفرا, فقال له : اقرا بفاتحة الكتاب نـفـسرها, ثم نوفي الكتاب كله فقرا الرجل ويفسر الفرا قال ابوالعباس : لم يعمل احد قبله مثله , و لااحسب ان احدا يزيد عليه ((7)) .
و لا شك ان تفسير الفرا هذا هو اول تفسير تعرض لايات القرآن آية آية , حسب ترتيب المصحف و فـسـرهـا على التتابع ,و توسع فيه و كانت التفاسير قبله تقتصر على تفسير المشكل , و بصورة مـتـقـطـعـة , غير مستوعبة لجميع الايات على التتابع و قدجنح الى هذا الراي الاستاذ احمد امين المصري في ((ضحى الاسلام )) ((8)) .
و عـلى اى تقدير, فان ذلك يعد اول بذرة غرست للتفسير المدون بشكل رتيب فقد كان القرن الثاني من بدايته الى نهايته ,عهد تطور التفسير, من مرحلة تناقله بالحفظ الى مرحلة كتابته بالثبت كما اخذ بالتوسع و الشمول ايضا بعد ما كان مقتصرا على النقل بالماثور.
و ازداد فـي القرن الثالث فما بعد, في الاخذ في التنوع , و تلونه بالوان العلوم و المعارف و الثقافات التي كانت دارجة في تلك العصور.

تدرج التفسير و تلونه

و فـي هـذا الدور اخذ التفسير يخطو من مرحلة الى اخرى و يزداد توسعا و تنوعا فقد انتقل من دور الـتـفسير بالماثور الى دور الاجتهاد العقلي و اعمال النظر و الراي , و استنباط معاني القرآن الـكـريـم فـي ضؤ الادب ـ اولا ـ ثم في ضؤ انواع العلوم و المعارف التي كان ذلك العهد آهلا بها, مـضـافـا الـيـه بـعض النظرات الفلسفية الكلامية , مما نشا على يد ارباب الكلام و ذوي النزعات المذهبية العقائدية , و كانت متنوعة ذلك العهد كل ذلك اثر في التفسير, و زاد في حجمه , كما جعله على انواع و اشكال مختلفة .
فـمنهم من اقتصر على اسلوب السلف بالاكتفا بالتفسير بالماثور من اقوال الصحابة و كبار التابعين , و منهم من زاد عليه بالتوسع في اللغة و الادب , و منهم من تجاوز الى معارف اخر من فلسفة و كلام , و بذلك تلون التفسير حسب الوان الثقافات الموجودة آنذاك .
و لكل من هذه الالوان و الانحا التفسيرية مميزاته و مشخصاته , بها يمتاز كل نوع من التفسير عن سـائر الانـواع , و مـنهم من جمع بين هذه الالوان او بعضها, فكانت تفاسير جامعة تتعرض لمختلف ابـعاد التفسير, كاللغة و الادب و الكلام , الى جنب الماثور من الاحاديث الواردة و نقل الاقوال و قد كـثر في العهد المتاخر هذا النمط الجامع من التفسير, كما قد زاد عليه المتاخرون جوانب الشؤون الاجتماعية و السياسية التي تعرض لها القرآن , و بسطوا القول فيها حسب حاجة الزمن .
و هـكـذا تـدرج الـتفسير, و اتجهت الكتب المؤلفة فيه اتجاهات متنوعة و تحكمت الاصطلاحات الـعـلـمـية و العقائدالمذهبية في عبارات القرآن الكريم , فظهرت آثار الثقافة الفلسفية و العلمية للمسلمين في تفسير القرآن , كما ظهرت آثار العرفان الصوفي , و آثار النحل و الاهوا فيه ظهورا جليا.
و ذلـك ان كل من برع في فن من فنون العلم و الادب , يكاد يقتصر تفسيره على الفن الذي برع فيه فـالنحوى تراه لا هم له الا الاعراب , و ذكر ما يحتمل في ذلك من اوجه و تراه ينقل مسائل النحو و فـروعـه و خـلافاته , و ذلك كالزجاج , و الواحدي في ((البسيط)), و ابي حيان في ((البحر المحيط)).
و صـاحب العلوم العقلية تراه يعني في تفسيره باقوال الحكما و الفلاسفة , كما يذكر شبههم و الرد عليها, و ذلك كالفخرالرازي في كتابه ((مفاتيح الغيب )).
و صـاحـب الفقه تراه قد عنى بتقريره الادلة للفروع الفقهية , و الرد على من يخالف مذهبه , و ذلك كالجصاص و القرطبي و امثالهما كثير.
و صـاحـب الـتاريخ ليس له شغل الا القصص , و ذكر اخبار السلف , ما صح منها و ما لم يصح , و ذلك كالثعلبي و الخازن و غيرهما.
و اصـحـاب الـمـذاهب الكلامية انما يحاولون تاويل الظواهر الى ما يتفق و مذاهبهم في الكلام , و يـقصرون الكلام في تفاسيرهم على هذا الجانب , حيث يتوسعون فيه , و ذلك كالرماني و الجبائي , و القاضي عبدالجبار, و الزمخشري و الفيض الكاشاني .
و ارباب التصوف و العرفان الصوفي انما يتجهون بكل اتجاهاتهم الى ناحية تزكية الروح و تطهير الـنـفـس , و الترفع بها الى ذروة الاخلاق الحميدة , كما يحاولون في استخراج المعاني الاشارية ـ حسبما يزعمون ـ من الايات القرآنية بما يتفق مع مشاربهم , و يتناسب مع رياضاتهم و مواجيدهم في عـرفـان الـذات و مـن هـؤلا ابـن عـربـي , و ابو عبدالرحمان السلمي ,و القشيري في ((لطائف الاشارات )), و الفيض الكاشاني في اكثر مواضع تفسيره .
و هكذا فسر كل صاحب فن او مذهب بما يتناسب مع فنه او يشهد لمذهبه و قد استمرت هذه النزعة الـعـلـمـية و العقائدية , و راجت في فترة غير قصيرة رواجا عظيما, كما راجت في عصر متاخر تـفـسـيرات يحاول اهلها ان يحملوا آيات القرآن كل العلوم ما ظهر منها و ما لم يظهر, كان هذا فيما يبدو وجه وجوه اعجاز القرآن و صلاحيته , لان يتمشى مع الزمن , فيمازعموا.
امـا في عصرنا الحاضر فقد راج اللون الادبي الاجتماعي على التفسير, و وجدت بعض محاولات علمية , في كثير منهاتكلف باهت و غلو ظاهر و سنتكلم عن مختلف هذه الالوان , بما وسع لنا المقال ان شا اللّه .
كـان الـتـفـسير في اجتيازه تلك المراحل و تطوره مع سير الزمان , قد وجدت له الوان و ظهرت اشـكال , اشرنا اليها غير ان هذه الاشكال و الالوان لم تزل مستمرة , و دام وجودها في كل عصر من الاعـصـار و مـن ثـم فان المفسرين لم يزالوا يتنوعون في التفسير, و تظهر على ايديهم انواع من الـتفسير, حسب مختلف براعاتهم في الفنون و العلوم , و تخصصاتهم في انحا المعارف و الثقافات , و بذلك نستطيع ان ننوع التفسير منذ عهد تدوينه فالى الان , الى انواع مختلفة :
و لقد كان التفسير في بد نشوئه متقطعا و مترتبا حسب ترتيب السور و الايات كان المفسر يراجع شـيخه في مواضع من القرآن , كان قد اشكل عليه فهمه , فيساله عنه و يسجله في دفتره , مبتدئا من اول الـقرآن الى آخره هذا هو نمط التفسير الماثورعن السلف , المحفوظ بعضه الى اليوم , كتفسير مجاهد و غيره .
فاول نوع من التفسير الذي جا الى الوجود هو ((التفسير بالماثور)) و متقطعا, و لكن مرتبا حسب تـرتـيـب الـسـور و الايات ثم بعده اخذ في تشكل اكثر و انسجام ابلغ , مضافا اليه بعض التوسع و التنوع , كما عرفت .
و لـكن ظهر الى جنب هذا النوع من التفسير الرتيب , نوع آخر تعرض للجوانب الفقهية او اللغوية فـقط, تاركا جوانبه الاخر,و هذا نوع من ((التفسير الموضوعي )) الذي ظهر الى عالم الوجود, من اول يومه و لايزال .
فـهـذه كـتب آيات الاحكام , و كتب غريب القرآن , هي تفاسير موضوعية , مقتصرة على جانب فهم الاحكام , و استنباط فروع المسائل من القرآن , و هكذا تفسير ما ورد في القرآن من غريب الالفاظ.
و هـكذا تنوع التفسير من اول يومه الى تفسير رتيب و تفسير موضوعي , غير ان التفسير الر تيب كان مقتصرا في الاكثر على الماثور من الاقوال و الاثار, و الموضوعي على الفقه و اللغة فحسب و زاد الـمـتـاخـرون جـانب الناسخ و المنسوخ في القرآن ,و اسباب النزول , و غيرهما من مواضيع قرآنية , افردوا لها كتبا تبحث عنها بالخصوص .
و الـتفسير الرتيب مذ نشا, نشا على نمطين : تفسير بمجرد الماثور من الارا و الاقوال , و تفسير اجـتهادي معتمد على الراي و النظر و الاستدلال العقلاني و من هذا النمط الثاني التفاسير التي غلب عليها اللون المذهبي او الكلامي او الصوفي العرفاني ـ و هو من التفسير الباطني في مصطلحهم ـ و كـذلـك الـلغوي و الادبي و ما شاكل و هناك من جمع بين هذه الابعادالمتنوعة , فجا تفسيره جامعا لمختلف الجوانب التي تعرض لها المفسرون المتخصصون .
و قـد شـاع هذا النمط الجامع من التفسير في العصور المتاخرة , فكانت تفاسير جامعة بين العقل و الـنـقـل , مضافا اليه جانب ادب القرآن , امثال تفسير ابي علي الفضل بن الحسن الطبرسي ـ من اكبر عـلـمـا القرن السادس ـ و بحق اسمى تفسيره ب ((مجمع البيان )), حيث كان من احسن التفاسير و اجـمـعهن لمختلف جوانب القرآن الكريم و هكذا تفسير ابي عبداللّه محمد بن احمدالقرطبي ـ من علما القرن السابع ـ المسمى ب ((الجامع لاحكام القرآن )), فانه تفسير جامع نافع , و غيرهما كثير, و سنتعرض لها.
و امـا الـتـفـاسـيـر المقتصرة على مجرد النقل فاقدمها من حيث البسط و الشمول تفسير ((جامع الـبـيـان )) تاليف ابي جعفرمحمد بن جرير الطبري المتوفى سنة (310), ثم ((الدر المنثور)) لـجـلال الـديـن عبدالرحمان بن ابي بكر السيوطي المتوفى سنة (911), و بعدهما تفسير ((نور الـثـقـلـيـن )) لعبد علي بن جمعة العروسي الحويزي المتوفى سنة (1091))) و ((البرهان في تفسيرالقرآن )) للسيد هاشم بن سليمان البحراني التوبلي الكتكاني المتوفى سنة (1109), و هذان اقـتـصـرا عـلى الماثور عن ائمة اهل البيت (ع ) و قد زاد عليهما و بسط الكلام في هذا النوع من الـتـفـسـيـر المولى صالح البرغاني القزويني المتوفى سنة (1294),له تفسير كبير معتمد على الماثور من احاديث اهل البيت (ع ).
و امـا المناهج التفسيرية التي يسلكها المفسر و يتجه نحوها في تفسيره للايات القرآنية , فتختلف حـسـب اخـتـلاف اتـجاهات المفسرين و اذواقهم , و ايضا حسب معطياتهم و مواهبهم في العلوم و المعارف و انحا الثقافات , فمنهم من لايعدو النقل ,معتقدا ان لا سبيل للعقل في تفسير كلامه تعالى , و مـنهم من اجاز للعقل التدخل فيه , و يرى للراي و النظر و الاجتهاد مجالاواسعا في التفسير, حيث قـولـه تـعالى : (افلا يتدبرون القرآن ام على قلوب اقفالها) ((9)) و قوله تعالى : (و انزلنا اليك الذكرلتبين للناس ما نزل اليهم و لعلهم يتفكرون ) ((10)) فللتدبر في القرآن , و التفكر حول آياته و مـفاهيمه مجال واسع , قد فتح القرآن ذاته ابوابه بمصراعين غير ان بعضهم اسرف في التعقل , و ربما التحق بالتوهم المتكلف فيه .
و عـلـى اى تـقدير, فالمنهج الذي انتهجه المفسرون اما نقلي او اجتهادي و قد عرفنا سبيل النقلي واعـتـمـاده على الماثور من الارا و الاقوال , اما مع شي من البيان و التوضيح , كما سلكه ابو جعفر الـطـبـري , او مـجـرد الـنقل من غير نظر و بيان , كالذي انتهجه جلال الدين السيوطي و السيد البحراني .
و امـا الـنـظري الاجتهادي فمعتمده اما مجرد الراي الخاص حسب عقيدته و مذهبه , فهذا كاكثر تفاسير اهل الباطن او مجموعة مصادر التفسير من المنقول و المعقول , و هذا هو الشائع من التفاسير المعتبرة الدارجة بين المسلمين , منذ العهدالاول و لايزال .
و لنذكر هذين النمطين من التفسير, الل ذين بدئ بهما منذ اول يومه , و نذكر شيئا من آفاتهما.

النمط الاول التفسير بالماثور

يـعتمد التفسير النقلي او التفسير بالماثور على ماجا في القرآن نفسه من البيان و التفصيل اولا, ثم عـلى ما نقل عن المعصوم :النبي (ص ) او الائمة من خلفائه المرضيين (ع ), و بعده على الماثور من الصحابة الاخيار و التابعين لهم باحسان , مما جا بياناو توضيحا لجوانب ابهم من القرآن .
و كـان ادراج مـا روي عـن الـتابعين في التفسير بالماثور, من جهة ان اقدم كتب التفسير بالماثور كتفسير ابن جرير وغيره اعتمد على اقوال التابعين و آرائهم في التفسير, على نحو اعتماده على الـمـاثـور من المعصوم فنراهم قد اردفوا ما نقل عن التابعين الى جنب المنقول عن الصحابة , بل الى جنب احاديث الرسول (ص ) و سائر الائمة (ع ).
و لنتكلم عن انحا التفسير بالماثور, و مقدار صحته , و مدى اعتباره , في عالم التفسير :

1ـ تفسير القرآن بالقرآن

لا شـك ان اتقن مصدر لتبيين القرآن هو القرآن نفسه , لانه ينطق بعضه ببعض , و يشهد بعضه على بـعـض ((11)) ـ كـمـا قال الامام امير المؤمنين (ع ) ـ حيث ما جا منه مبهما في موضع منه , قد جا مـفـصلا و مبينا في موضع آخر, بل و في القرآن تبيان لكل شي جا مبهما في الشريعة , فلان يكون تبيانا لنفسه اولى و من ذلك جا قولهم : ((القرآن يفسر بعضه بعضا)) كلام معروف .
و تفسير القرآن بالقرآن على نمطين : منه ما ابهم في موضع و بين في موضع آخر ـ فكان احدهما مـتـناسبا مع الاخر تناسبامعنويا او لفظيا ـ كما في قوله تعالى : (حم و الكتاب المبين انا انزلناه في ليلة مباركة ) ((12)) و قد جا تبيين هذه الليلة المباركة بليلة القدر في سورة القدر : (انا انزلناه في لـيـلـة القدر) ((13)) و قد بين في سورة البقرة انها واقعة في شهر رمضان :(شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن ) ((14)) .
فقد تبين من مجموع ذلك : ان القرآن نزل في ليلة مباركة هي ليلة القدر من شهر رمضان .
و مـن ذلـك ايضا قوله تعالى : (يا ايها الذين امنوا استجيبوا للّه و للرسول اذا دعاكم لما يحييكم و اعـلـمـوا ان اللّه يـحول بين المر و قلبه ) ((15)) ما هذه الحيلولة و كيف هي , و هو تهديد لاذع باولئك الزائفين المتمردين عن الشريعة و الدين .
و هذا الابهام يرتفع عند مراجعة قوله تعالى : (و لاتكونوا كالذين نسوا اللّه فانساهم انفسهم اولئك هـم الفاسقون ) ((16)) فعرفنا انها نسيان الذات , فالذي يجعل من شريعة اللّه ورا ظهره , انما حرم نفسه و نسي حظه , فقد تاه في غياهب ضلالة الجهل و العمى .
و هـكذا قوله تعالى : (اولم يروا انا ناتي الارض ننقصها من اطرافها و اللّه يحكم لامعقب لحكمه و هـو سـريـع الـحـسـاب ) ((17)) ما هو المقصود من ((الارض )) هنا في هذه الاية , و كيف يقع نقصانها؟.
امـا الارض فـالمقصود منها هو العمران منها, و ليس المراد هي الكرة الارضية و يشهد لذلك قوله تعالى بشان المحاربين المفسدين في الارض : (انما جزا الذين يحاربون اللّه و رسوله و يسعون في الارض فـسادا ان يقتلوا او يصلبوااو تقطع ايديهم و ارجلهم من خلاف او ينفوا من الارض ذلك لهم خـزي في الدنيا و لهم في الاخرة عذاب عظيم ) ((18)) فان النفي من الارض , يراد به الابعاد عن العمران ليظل حيرانا بين البراري و القفار.
اما كيف يقع النقصان ؟ فقد فسره الامام ابو جعفر محمد بن علي الباقر(ع ) و كذا ولده الامام جعفر بـن مـحـمدالصادق (ع )بفقد العلما, و ان عمارة الارض سوف تزول و تندثر عند ذهاب علمائها و خيار اهلها, و هكذا ورد تفسير الاية بذلك عن ابن عباس ((19)) .
و من هذا النمط ايضا قوله تعالى : (انا عرضنا الامانة على الس ماوات و الا رض و الجبال فابين ان يحملنها و اشفقن منها و حملها الانسان انه كان ظلوما جهولا) ((20)) .
ما هذه الامانة التي كان الانسان صالحا لحملها, دون سائر المخلوق ؟.
فـجـات آيـة اخـرى تـفـسـرهـا بـالـخـلافة : (و اذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الارض خليفة ) ((21)) .
ثم ما هذه الخلافة التي منحت للانسان , و حظي بها هذا المخلوق دون سائر الخلق ؟.
كانت آية ثالثة تفسر الخلافة بقدرة الابداع و امكان التصرف في ساحة الوجود : (الم تروا ان اللّه سـخـر لـكـم مـا في السماوات و ما في الارض ) ((22)) (و سخر لكم ما في السماوات و ما في الارض جـمـيـعـا) ((23)) فقدرة الانسان التسخيرية و امكان تصرفه في عالم الوجود, علوه و سفله , هي قدرته الابداعية التي تمثل قدرة اللّه الحاكمة على عالم الوجود بذاته المقدسة .
فجات كل آية تفسر اختها, و القرآن يفسر بعضه بعضا.
و الـنمط الاخر من تفسير القرآن بالقرآن , كان ما جا فيه البيان غير مرتبط ظاهرا لا معنويا و لا لفظيا مع موضع الابهام من الاية الاخرى , سوى امكان الاستشهاد بها لرفع ذلك الابهام .
مـثـال ذلـك , آيـة السرقة , حيث ابهم فيها موضع قطع اليد, فقد بين الامام ابو جعفر محمد بن علي الـجـواد(ع ) انـه مـن مـوضع الاشاجع (مفصل اصول الاصابع ) مستشهدا لذلك بقوله تعالى : (و ان المساجد للّه فلاتدعوا مع اللّه احدا) ((24)) حيث ان السارق انما جنى على نفسه , فتعود عقوبته الـى مـا يمسه من الاعضا, و بما ان مواضع السجود للّه تعالى , لايشركه فيها احد,و راحة الكف من مواضع السجود للّه , فلا موضع للقطع فيها ((25)) .
و جـميع الايات التي بظاهرها التشبيه , يفسرها قوله تعالى : (ليس كمثله شي ) ((26)) حيث انها تنفي التشبيه على الاطلاق , فلابد هناك في آيات التشبيه من تاويل صحيح , يوضحه العقل السليم .

2ـ تفسير القرآن بالسنة

لا شك ان مجموعة احكام الشريعة و فروع مسائلها, جات تفاصيل عما ابهم في القرآن و اجمل من عموم و اطلاق و هكذا ما ورد في لسان المعصوم و فعله و تقريره , بيانا لمختلف ابعاد الشريعة , هي بيانات عما جا في القرآن من رؤوس الاحكام و الاخلاق و الاداب .
قـال اللّه تـعـالـى مـخـاطـبـا نبيه الكريم : (و انزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل اليهم و لعلهم يتفكرون ) ((27)) فقد كانت وظيفة النبي الاساسية هي بيان و تبيين ما جا في الذكر الحكيم , و كل ما صدر عنه في بيان ابعاد الشريعة , فانما هو تفسيرللقرآن الكريم .
هـذا فضلا عما سئل عن معاني القرآن , حيثما ابهم على الصحابة , فبينه لهم في شرح و تبيين , على ما اسلفنا في الكلام عن التفسير الماثور عن النبي (ص ).
و هكذا ما ورد عن ائمة اهل البيت (ع ) تفسيرا لما ابهم او تفصيلا لما اجمل في القران الكريم و قد تكلمنا عن دور اهل البيت في التفسير في فصل خاص .

3ـ تفسير القرآن بقول الصحابي

و نحن قد تكلمنا عن قيمة تفسير الصحابي الذي تربى في احضان الرسالة , و قد اخذ العلم مباشرة مـن مـنهله العذب السائغ , و كان ممن تفقه على يده الكريمة , و تحت هديه و ارشاده المستقيم (ص ) فـلابـد انـهـم ـ اي صحابته الاخيار ـ اقرب الناس فهما الى معاني القرآن الحكيمة , و اهداهم الى معالمه الرشيدة .
هذا ابن مسعود يقول : ((كان الرجل منا اذا تعلم عشر آيات , لم يجاوزهن حتى يعلم معانيهن و العمل بهن )) ((28)) .
و هـذا الامام اميرالمؤمنين (ع ) يقول : ((و انما هو تعلم من ذي علم علم علمه اللّه نبيه فعلمنيه و دعا لي بان يعيه صدري و تضطم عليه جوانحي )) ((29)) .
الـى غـيـر ذلـك مـن تصريحات تنبؤك عن مدى حرصه (ص ) على تعليم صحابته وتثقيفهم الثقافة الاسلامية القرآنية الكاملة .

4ـ تفسير القرآن بقول التابعي

لا شك ان التابعين هم امس جانبا باحاديث الرسول (ص ) و العلما من صحابته الاخيار, و كانوا اقرب فـهـمـا لمعاني القرآن الكريم , حيث قربهم باصول معاني اللغة الفصحى غير المتحورة , الباقية على صفوها الاول , كما كانت الحوادث و الوقائع المقترنة بنزول الايات , و الموجبة احيانا للنزول , كانت تـلـك الـحـوادث و الاسـباب و الموجبات في متناولهم القريب , كما كان باب الفهم و السؤال لديهم مفتوحا, و بالتالي كان باب العلم باسباب النزول و فهم معاني القرآن و السؤال عن مواضع الابهام فيه منفتحا لهم بمصراعين , الامر الذي لم يحظ بها من تاخر من ارباب التفسير.
هـذا, و مع ذلك انما نعتبر قول التابعي شاهدا و مؤيدا, و ليس حجة على الاطلاق , كما كان حديث الـمـعصوم (ع ) حجة براسه , او قول الصحابي بالنسبة و في الغالب الاكثر حجة معتبرة , فانما يقع قول التابعي في الدرجة الثالثة من الاعتبار, و ليس على اطلاقه .

آفات التفسير بالماثور

علمنا ان التفسير النقلي يشمل ما كان تفسيرا للقرآن بالقرآن , و ما كان تفسيرا للقرآن بالسنة , و ما كان موقوفا على الصحابة ,او المروي عن التابعين اما تفسير القرآن بالقرآن بعد وضوح الدلالة , او بما ثبت من السنة الصحيحة فذلك مما لا خلاف فيه و لاشك يعتريه , لانه من احسن الطرق الى فهم معاني كلامه تعالى , و امتنها و اتقنها.
و امـا ما اضيف الى النبي (ص ) او الى احد الائمة الاطهار, و كان في سنده ضعف او في متنه وهن , فذلك مردود غيرمقبول , مادام لم تصح نسبته الى المعصوم .
و امـا تفسير القرآن بالمروي عن الصحابة و التابعين , فقد تسرب اليه الخلل , و تطرق اليه الضعف و الـوهـن الكثير, الى حدكاد يفقدنا الثقة بكل ما روي من ذلك ـ كما قال الاستاذ الذهبي ((30)) ـ حـيـث وفـرة اسباب الضعف و الوهن في ذلك الخضم من المرويات , في كتب التفسير المعزوة الى الصحابة و التابعين و قد خلط سليمها بسقيمها, بحيث خفي وجه الصواب .
و لـقد كانت كثرة المروي من ذلك كثرة جاوزت الحد, و بخاصة ما اذا وجدنا التناقض و تضارب الاقـوال , و كـثيرا ما تضادما نسب الى شخص واحد, كالمرويات عن ابن عباس , كان ذلك من اكبر عوامل زوال الثقة بها او بالاكثرية الساحقة منها, الامرالذي يستدعي التثبت لديها, و امعان النظر و البحث و التمحيص .
هـذا الامـام احـمـد بـن حـنبل يصرح بانه لم يثبت في التفسير شي يقول : ثلاث كتب لا اصل لها : المغازي , و الملاحم ,والتفسير قال المحققون من اصحابه : مراده ان الغالب انه ليس لها اسانيد صحاح متصلة ((31)) .
و هـذا الامـام مـحـمد بن ادريس الشافعي يقول : لم يثبت عن ابن عباس في التفسير الا شبيه بمائة حديث ((32)) مراده : عدم صحة الاسناد اليه في الكثير من المرويات عنه .
و هـذا الـكـلام , و ان كان مبالغا فيه , الا انه يدلنا على مبلغ ما دخل في التفسير النقلي من الروايات المكذوبة المصطنعة ,فضلا عن الضعاف والمراسيل .
و على اى تقدير فاسباب الوهن في التفسير النقلي تعود الى الامور الثلاثة التالية :
اولا : ضعف الاسانيد و ارسالها او حذفها راسا, مما يوجب القدح في التفسير بالماثور.
و ثانيا : كثرة الوضع و الدس و التزوير في الحديث و التفسير, بما اوجب زوال الثقة به .
و ثالثا : وفرة الاسرائيليات في التفسير و التاريخ بما شوه وجه التفسير.
و لنتكلم عن هذه الامور الثلاثة في شي من التوضيح :

1ـ ضعف الاسانيد

مـمـا اوجـب الـوهـن في وجه التفسير النقلي , ضعف الاسانيد بكثرة المجاهيل او ضعاف الحال او الارسال او حذف الاسنادراسا, و ما الى ذلك مما يوجب ضعف الطريق في الحديث الماثور.
هـذا اذا كـنـا نـرافق علما الاصول ـ اصول الفقه ـ في اساليبهم في توثيق الاسانيد او تضعيفها, و جرينا معهم على غرار مانجري في فقه الاحكام , و ملاحظة شرائط استنباطها من دلائل الكتاب و الـسـنـة فـان كـانـت الـشـرائط هـناك تجري هنا ـ في باب التفسير ـ ايضا, كانت نفس الاساليب واجبة الاتباع , غير ان باب التفسير يختلف عن الفقه اختلافا في الجذور.
الفقه : استنباط احكام و تكاليف ترجع الى عمل المكلفين , اما فعلا او تركا, الزاما او رجحانا فلابد لـلفقيه من ان يستوثق في الاستنباط, و يبني الفروع على اصول متينة و الاستيثاق والاطمئنان انما يحصلان بحصول الظن الغالب المعتبر شرعاو عقلائيا, فيجب عليه اتباعه , و ان لم يحصل له القطع و اليقين , لان ظنه هذا حجة معتبرة .
امـا التفسير ـ و كذا التاريخ ـ فليس الامر كذلك , حيث طريق الاستيثاق و الحجية تختلف اساليبه عـن اسـاليب الفقه اذا لاحجية تعبدية هنا, كما كانت حجة تعبدا هناك فان دليل التعبد قاصرالشمول هنا, اذ لا عمل يوجب التعبد فيه انما هو عقيدة و ركون نفس , ان حصلت اسبابه حصل , و الا فلا, و لا معنى للتعبد في العقيدة و الراي او في وقوع حادثة او عدم وقوعها.
مثلا : لا معنى للتعبد بان تفسير الاية الفلانية كذا, اذ التفسير : كشف القناع عن وجه اللفظ المبهم , فان ارتفع الابهام وانكشف المعنى , اصبح موضع القبول و الاذعان به , و ان لم يرتفع الابهام , فلا موضع للقبول و الاذعان تعبدا محضا.
و هذا نظير الاحداث التاريخية , انما يذعن بها اذا حصل الاطمئنان الشخصي بوقوعها من اي سبب كان , و لايمكن التعبدبوقوع حدث تاريخي اطلاقا.
و هذا معنى قولهم : لا اعتبار بالخبر الواحد في باب التفسير و التاريخ و العقائد, اذ لايوجب علما و لا عملا, حيث المطلوب في هذه الابواب هو العلم , الذي لايحصل بخبر الواحد بمجرده , كما لا عـمـل ـ فـعـلا او تركا ـ هنا, كي يستدعي الخبرالواحد التعبد به و من ثم اختص باب التعبد في اعتبار الخبر الواحد بالفقه , حيث العمل هناك محضا.
اذن فـمـا قيمة الحديث ـ الخبر الواحد ـ في باب التفسير و كذا التاريخ ؟ الامر الذي يجب الامعان فيه : قيمة الخبر الواحدفي باب التفسير و التاريخ انما هي بملاحظة المتن الوارد فيه , دون مجرد الـسند فان كان مضمون الخبر ـ و هو محتوى الحديث الوارد ـ ما يعالج دفع مشكلة ابهام في الامر, فنفس المتن شاهد على صدقه , و الا فلا دليل على التعبد به .
فـالـحـديـث الـماثور عن الرسول (ص ) او عن احد الائمة (ع ) او احد الصحابة العلما او التابعين الـكـبـار, ان كـان يزيد في معرفة او يرفع من ابهام في اللفظ او المعنى فهو شاهد صدقه , ذلك انهم اعرف بمواضع النزول و اقرب تناولا فيه , حيث قرب عهدهم به , او انهم حضروا الحادثة فنقلوها.
و لـلـعـقلا طريقتهم في قبول خبر الثقة بل من لم يظهر فسقه علانية فيعتمدونه , و عليه جا قوله تـعـالى : (ان جاكم فاسق بنبا فتبينوا) ((33)) , فقد اقر العقلا على قبولهم للنبا ما لم يكن الاتي به متجاهرا بالفسق , ممن لايتورع الكذب , و لايخاف اللّه في سره و علانيته .
فمن عرف بالصدق و الامانة قبل نبؤه , و من عرف بالكذب و الخيانة ترك , و من كان مجهولا تريثنا, فان ظهرت منه دلائل الصدق قبلناه و الا رفضناه .
اذن فشرط قبول الخبر احتفافه بقرائن الصدق : من وجوده في اصل معتبر, وكون الراوي معروفا بـالـصـدق و الامانة , و على الاقل غير معروف بالكذب و الخيانة , و سلامة المتن و استقامته , مما يـزيـد علما او يزيل شكا و ان لايخالف معقولا او منقولاثابتا في الدين و الشريعة , الامر الذي اذا توفر في حديث اوجب الاطمئنان به و امكان ركون النفس اليه , و عليه فلايضره حتى الارسال في السند ان وجدت سائر شرائط القبول .

2ـ الوضع في التفسير

كان الوضع و التزوير من اهم اسباب الوهن في التفسير الماثور فقد كانت الدواعي متوفرة للدس و الاخـتـلاق فـي الـماثور من التفسير, الى جنب الوضع في الحديث , فهناك اسباب سياسية و اخرى مـذهـبية و كلامية , و ربما عاطفية , كانت عن قصور النظرلا عن سؤ نية و العمدة ان القرآن كان المحور الاساسي الذي يدور عليه رحى الدين و السياسة و السلوك آنذاك , فلابد لكل منتحلي مسلك مـن الـمـسـالك ان يتشبث بعرى القرآن , و يجعل من آياته الكريمة وسيلة ناجعة , لبلوغ اهدافه ان خـيـرا و ان شـرا,الامر الذي جعل من سوق الكذب و التزوير في التفسير و الحديث رابحة ذلك العهد.
و قد بدئ ذلك على يد معاوية , حيث كان يجعل الجعائل على و ضع الحديث او قلبه تمشية لسياسته الغاشمة ذلك الحين ((34)) , و راج ذلك طول عهد الامويين و بعدهم العباسيين , حيث اخذ بالتوسع و الاطراد.
قـال الاسـتـاذ الـذهـبـي : و كان مبدا ظهور الوضع في سنة احدى و اربعين بعد وفاة الامام امير الـمؤمنين حين اختلف المسلمون سياسيا, و تفرقوا شيعا, و وجد من اهل البدع و الاهوا من روجوا لـبدعهم و تعصبوا لاهوائهم و دخل في الاسلام من تبطن الكفر و التحف الاسلام بقصد الكيد له و تـضـلـيـل اهـلـه فوضعوا ما وضعوا من روايات باطلة ليصلوا بها الى اغراضهم السيئة و رغباتهم الخبيثة ((35)) .
قال الاستاذ ابورية : و قد اجمع الباحثون و العلما المحققون , على ان نشاة الاختراع في الرواية و وضـع الحديث على رسول اللّه (ص ) انما كان في اواخر عهد عثمان و بعد الفتنة التي اودت بحياته , ثـم اشـتـد الاختراع و استفاض بعد مبايعة الامام امير المؤمنين (ع ) فانه ما كاد المسلمون يبايعونه بـيـعة تامة , حتى ذر قرن الشيطان الاموي ليغتصب الخلافة من صاحبها,و يجعلها حكما امويا و قد كان وا اسفاه ((36)) .
و فـي ذلـك يـقـول الامـام الشيخ محمد عبده : و توالت الاحداث بعد الفتنة الكبرى , و نقض بعض المبايعين للخليفة الرابع الامام امير المؤمنين (ع ) ما عقدوا, و كانت حروب بين المسلمين انتهى فيها امر السلطان الى الامويين بـهـم الـمذاهب في الخلافة , و اخذت الاحزاب في تاييد آرائهم , كل ينصررايه على راى خصمه بالقول و العمل , و كانت نشاة الاختراع في الرواية و التاويل , و غلا كل قبيل ((37)) .

اهم اسباب الوضع

ذكـروا لـوضـع الـحديث و الكذب على رسول اللّه (ص ) و على اصحابه الخيار و الائمة الاطهار اسبابا كثيرة , ناتي على اهمها :
1ـ مـا وضـعه الزنادقة اللا بسون لباس الاسلام غشا و نفاقا, و قصدهم بذلك افساد الدين و ايقاع الخلاف و الافتراق بين المسلمين قال حماد بن زيد : وضعت الزنادقة اربعة آلاف حديث قال ابورية : هـذا بـحسب ما وصل اليه علمه و اختباره في كشف كذبها ((38)) , و الا فقد اكثر الزنادقة من وضـع الاحـاديث في اعداد هائلة فهذا عبدالكريم بن ابي العوجا ـ و كان خال معن بن زائدة و ربيب حـمـاد بـن سـلمة , و كان يدس الاحاديث في كتب حماد ـ فلما اخذ و اتي به الى محمد بن سليمان بـن عـلـى , فـامر بضرب عنقه لزندقته , فلما ايقن بالقتل قال : و اللّه لقد و ضعت فيكم اربعة آلاف حـديـث احـرم فـيها الحلال و احل فيها الحرام و لقد فطرتكم في يوم صومكم و صومتكم في يوم فطركم فهذا زنديق واحد يضع آلاف حديث , فكيف بغيره و هم كثيرون و ايضا روى حماد بن زيد عـن جـعفربن سليمان , قال : سمعت المهدي يقول : اقر عندي رجل من الزنادقة انه وضع اربعمائة حديث , فهى تحول في ايدي الناس .
كـمـا روى ابـن الـجوزي باسناده الى حماد بن زيد, يقول : وضعت الزنادقة على رسول اللّه (ص ) اربعة عشر الف حديث ((39)) .