و عـلـى ايـة حـال , فان التفسير الماثور عن صحابي جليل ـ اذا صح الطريق اليه ـ فان له اعتباره الـخـاص فـامـا ان يـكون قد اخذه من رسول اللّه (ص ), و هو الاكثر فيما لا يرجع الى مشاهدات حـاضرة او فهم الاوضاع اللغوية الاولى او ما يرجع الى آداب و رسوم جاهلية بائدة , كان الصحابة يـعـرفونها, و اشباه ذلك فان كان لا يرجع الى شي من ذلك , فان من المعلوم بالضرورة انه مستند الى علم تعلمه من ذي علم هذا ما يقتضيه مقام ايمانه الذي يحجزه عن القول الجزاف .
و الا فـهو موقوف عليه و مستند الى فهمه الخاص , و لا ريب انه اقرب فهما الى معاني القرآن , من الـذي ابتعد عن لمس اعتاب الوحي و الرسالة , و حتى عن امكان معرفة لغة الاوائل , و عادات كانت جارية حينذاك .
و هـكذا صرح العلامة الناقد السيد رضي الدين بن طاووس المتوفى سنة (664 ) بشان العلما من صحابة الرسول (ص ) قال : ((انهم اقرب علما بنزول القرآن )) ((818)) .
قال الامام بدر الدين الزركشي : لطالب التفسير مخذ كثيرة , امهاتها اربعة :
الاول : الـنـقـل عن رسول اللّه (ص ), و هذا هو الطراز الاول , لكن يجب الحذر من الضعيف فيه و الموضوع , فانه كثير.
الـثاني : الاخذ بقول الصحابي , فان تفسيره عندهم بمنزلة المرفوع الى النبى (ص )كما قاله الحاكم في تفسيره وقال ابو الخطاب ـ من الحنابلة ـ : يحتمل ان لا يرجع اليه اذا قلنا: ان قوله ليس بحجة و الصواب الاول , لانه من باب الرواية لا الراي .
و قد اخرج ابن جرير عن مسروق بن الاجدع قال : قال عبد اللّه بن مسعود: و الذي لا اله الا هو, مـا نـزلت آية في كتاب اللّه الا و انا اعلم فيمن نزلت و اين نزلت , و لو اعلم مكان احد اعلم بكتاب اللّه مـني تناله المطايا لاتيته وقال ايضا: كان الرجل منا اذا تعلم عشر آيات لم يتجاوزهن حتى يعلم معانيهن , و العمل بهن .
قـال : و صـدور المفسرين من الصحابة , علي ثم ابن عباس ـ و هو تجرد لهذا الشان ـ و المحفوظ عنه اكثر من المحفوظ عن علي , الا ان ابن عباس كان اخذ عن علي (ع ), و يتلوه عبد اللّه بن عمرو بن العاص و كل ما وردعن غيرهم من الصحابة فحسن مقدم ((819)) .
و اخيرا قال : و اعلم ان القرآن قسمان : احدهما ورد تفسيره بالنقل عمن يعتبر تفسيره , و قسم لم يـرد و الاول ثـلاثـة انـواع : امـا ان يرد التفسير عن النبى (ص ) او عن الصحابة , او عن رؤوس التابعين فالاول : يبحث فيه عن صحة السند و الثاني : ينظر في تفسير الصحابي , فان فسره من حيث اللغة , فهم اهل اللسان , فلا شك في اعتمادهم , و ان فسره بما شاهده من الاسباب و القرائن فلا شك فـيـه و حـيـنـئذ ان تعارضت اقوال جماعة من الصحابة , فان امكن الجمع فذاك , و ان تعذر قدم ابن عباس ((820)) .
و سياتي نقل كلامه في الرجوع الى التابعي .
هـذا ما يقتضيه ظاهر البحث في هذا المجال و اما الذي جرى عليه مذهب علمائنا الاعلام , فهو: ان الـتـفـسيرالماثور من الصحابي ـ مهما كان على جلالة من القدر و المنزلة ـ فانه موقوف عليه , لا يـصح اسناده الى النبى (ص ) ما لم يسنده هو بالذات و هذا منهم مطلق , سوا اكان للراي فيه مدخل ام لا, لانـه انـما نطق عن علمه ,حتى و لو كان مصدره التعليم من النبي , ما لم يصرح به , اذ من الجائز انـه من استنباطه الخاص , استخرجه من مبان و اصول تلقاها من حضرة الرسول (ص ) اما التنصيص على هذا الفرع المستنبط بالذات فلم يكن من النبي ,و انما هو من اجتهاد الصحابي الجليل , و مرتب ط مـع مـبـلغ فطنته و سعة دائرة علمه , و المجتهد قد يخطا, و ليس الصواب حليفه دائما, ما لم يكن معصوما.
و مـن ثم فان الذي يصدر من ائمتنا المعصومين (ع ) نسنده اليهم , و ان كنا على علم و يقين انه تعلم من ذي علم عليم , ذلك انه حجة لدينا, لانه صادر من منبع معصوم .

ميزات تفسير الصحابي

يمتاز تفسير الصحابي بامور خمسة لم تتوفر جميعا في سائر التفاسير المتاخرة : اولا: بساطته , بما لم يتجاوز بضع كلمات في حل معضل او رفع ابهام , في بيان واف شاف و مع كمال الايـجـاز والايفا فاذ قد سئل احدهم عن معنى (غير متجانف لاثم ) ((821)) , اجاب على الفور: ((غير متعرض لمعصية )), من غير ان يتعرض لاشتقاق الكلمة , او يحتاج الى بيان شاهد و دليل , و ما شاكل ذلك , مما اعتاده المفسرون و اذا سئل عن سبب نزول آية , او عن فحواها العام , اجاب بشكل قاطع من غير ترديد, و على بساطة من غير تعقيد, كان قد الفه المتاخرون .
ثـانيا: سلامته عن جدل الاختلاف , بعد وحدة المبنى و الاتجاه و الاستناد, ذلك العهد, اذ لم يكن بين الـصـحـابـة فـي الـعهد الاول اختلاف في مباني الاختيار, و لا تباين في الاتجاه , و لا تضارب في الاسـتـناد, و انما هي وحدة في النظر و الاتجاه و الهدف , جمعت طوائف الصحابة على خط مستو مستقيم فلم تكن ثمة داعية لنشؤ الاختلاف و التضارب في الارا, و لا سيما و الرسول (ص )ادبهم على التزام سبيل الرشاد.
على ان التفسير ذلك العهد لم يكن ليتعد ـ في شكله و هندامه ـ حدود الحديث و شكله , بل كان جز منه وفرعا من فروعه , كما داب عليه جامعو الاحاديث .
ثـالثا: صيانته عن التفسير بالراي , بمعنى الاستبداد بالراي غير المستند الى ركن وثيق , ذلك تعصب اعـمـى او تلبيس في الامر, كان يتحاشاه الاجلا من الصحابة الاخيار و سنشرح من معنى التفسير بالراي الممنوع شرعا, و المذموم عقلا, بما يرفع الابهام عن المراد به ان شا اللّه .
رابـعـا: خلوصه عن اساطير بائدة , و منها الاقاصيص الاسرائيلية , لم تكن لتجد مجالاللتسرب في الاوساط الاسلامية العريقة , ذلك العهد المناوئ لدسائس اسرائيل ,الامر الذي انقلب ظهرا لبطن بعد حين , و جعلت الدسائس السياسية تلعب دورهافي ترويج اساطير بني اسرائيل .
خـامـسـا: قـاطعيته عن احتمال الشك و تحمل الظنون , بعد وضوح المستند و صراحته , و وفرة وسـائل الايضاح و دلائل التفسير المعروضة ذلك العهد, لسذاجتها و سلامتها عن التعقيد الذي طرا عليها في عهد متاخر.
لا سـيما و الدلائل العلمية و الفلسفية التي استند اليها المتاخرون في تفسير معاني القرآن , لم تكن معهودة حينذاك , او لم تكن مشروعة , و لا صالحة للاستناد في العهد الاول و انما كان استنادهم الى العرف و اللغة , والعلم باسباب النزول , الى جنب النصوص الشرعية الصادرة في مختلف شؤون الدين و القرآن , هذا لا غير.

المرحلة الثالثة التفسير في دور التابعين

مدارس التفسير. اعلام التابعين .
قيمة تفسير التابعي .
ميزات تفسير التابعي .
منابع التفسير في هذا العهد.

مدارس التفسير:

مدرسة مكة اقامها ابن عباس . مدرسة المدينة اقامها ابى بن كعب .
مدرسة الكوفة اقامها ابن مسعود.
مدرسة البصرة اقامها ابو موسى .
مدرسة الشام اقامها ابو الدردا.
مدارس التفسير.

نعم الخلف لخير سلف

لم يكد ينصرم عهد الصحابة الا و قد نبغ رجال اكفا, ليخلفوهم في حمل امانة اللّه و ادا رسالته في الارض , وهـم الـتـابـعون الذين اتبعوهم باحسان , رضي اللّه عنهم و رضوا عنه , و ذلك هو الفوز العظيم .
انـهـم رجـال لم تمكنهم الاستضاة من انوار ذلك العهد (عهد الرسالة ) الفائض بالخير و البركات , فـاسـتـعـاضـوا عـنـهابالمثول بين يدي اكابر الصحابة الاعلام , و العكوف على اعتابهم المقدسة , يستفيدون من علومهم و يهتدون بهداهم .
و قـد كـان اعيان الصحابة كثرة منتشرين في البلاد كنجوم السما, مصابيح الدجى واعلام الهدى , اينما حلوا او ارتحلوا من بقاع الارض , و بذلك انتشرت تعاليم الاسلام , و شاع و ذاع مفاهيم الكتاب و السنة النبوية بين العباد, في مختلف البلاد.
مدارس التفسير.
و حـيـثـمـا ارتـحل صحابي جليل و حل به من بلد اسلامي كبير, كان قد شيد فيه مدرسة واسعة الـرحـب , بعيدة الارجا, يبث بها معالم الكتاب و السنة , و يقصدها الرواد من كل صوب و كان اشهر هذه المدارس ـ حسب شهرة مؤسسيهاـ خمسة :
1ـ مـدرسـة مـكة : اقامها عبد اللّه بن عباس , يوم ارتحل اليها عام الاربعين من الهجرة , حيث غادر البصرة وقدم الحجاز, بعد استشهاد الامام امير المؤمنين (ع ), و كان واليا من قبل الامام , فلم يتصد ولايـة بـعـده , عـاكفا على اعتاب حرم اللّه , يؤدي رسالته هناك في بث العلوم و نشر المعارف التي تـعلمها و اخذها عن الامام (ع ) و قددامت المدرسة مدة حياته حتى عام ثمانية و ستين , حيث وفاته بالطائف , رضوان اللّه عليه .
و قد تخرج من هذه المدرسة اكبر رجالات العلم في العالم الاسلامي حينذاك , و كان لهذه المدرسة و لـمن تخرج منها صدى محمود في ارجا البلاد, و بقيت آثارها الحسنة سنة متبعة بين العباد, و لا تزال و لعل اعلم التابعين بمعاني القرآن هم المتخرجون من مدرسة ابن عباس و المتعلمون على يديه .
قال ابن تيمية : و اما التفسير فان اعلم الناس به اهل مكة , لانهم اصحاب ابن عباس , كمجاهد و عطا و عكرمة وغيرهم من اصحاب ابن عباس كطاووس و ابي الشعثا و سعيد بن جبير و امثالهم و كذلك اهل الكوفة من اصحاب ابن مسعود و من ذلك تميزوا به على غيرهم ((822)) .
2ـ مـدرسـة الـمدينة : قيامها على الصحابة الموجودين بها, و لا سيما ابى بن كعب الانصاري سيد الـقرا كان من اصحاب العقبة الثانية , و شهد بدرا و المشاهد كلها قال له النبى (ص ): ليهنك العلم , ابا المنذر.
و كـان اول مـن كـتـب لـرسول اللّه مقدمه المدينة , فاذا لم يحضر ابي كتب زيد ابن ثابت كان اقرا اصحاب رسول اللّه (ص ), و كان ممن جمع القرآن حفظا على عهد رسول اللّه , و تاليفا بعد وفاته و كان قد تفرغ للاقرا بالمدينة ما لم يتفرغ له سائر الصحابة الباقين فيها.
و مـن ثـم تـصـدى الاملا على لجنة توحيد المصاحف على عهد عثمان , و كانوا يرجعون اليه عند الاختلاف توفي سنة (30) في خلافة عثمان , حسبما قدمنا.
3ـ مـدرسـة الـكـوفـة : اقـام دعائمها الصحابي الكبير عبد اللّه بن مسعود, كان خصيصا برسول اللّه (ص )يخدمه و يتربى على يديه قال حذيفة : اقرب الناس برسول اللّه (ص ) هديا و دلا و سمتا, ابـن مـسعود و لقد علم المحفوظون من اصحاب محمد(ص ) ان ابن ام عبد من اقربهم الى اللّه زلفى كـان اول مـن جهر بالقرآن على ملامن قريش , فاوذي في اللّه و اصطبر على البلا كان قد هاجر الهجرتين و شهد المشاهد كلها.
قـدم الكوفة ـ على عهد ابن الخطاب ـ معلما و مؤدبا, حتى احضره عثمان سنة (31) و كانت فيها وفاته و لما بلغ ‌ابا الدردا نعيه قال : ما ترك بعده مثله .
تربى على يديه خلق كثير, فمن التابعين : علقمة بن قيس النخعي , و ابو وائل شقيق بن سلمة الاسدي الكوفي , و الاسود بن يزيد النخعي , و مسروق بن الاجدع , وعبيدة بن عمرو السلماني , و قيس بن ابي حازم , و غيرهم .
و قد عرفت ان مدرسة الكوفة كانت اهم المدارس بعد مدرسة مكة , توسعا و شمولا لمعاني القرآن و الفقه والحديث .
4ـ مـدرسـة البصرة : اقامها ابو موسى الاشعري : عبد اللّه بن قيس (44) قدم البصرة سنة (17) واليا عليهامن قبل عمر, بعد ان عزل المغيرة , ثم اقره عثمان , و بعد فترة عزله , فسار الى الكوفة و لما ان عزل سعيدااستعمله عليها, و عزله الامام امير المؤمنين (ع ), فكان يراود معاوية في سر, و لاخـوة قـديمة كانت بينهما, كمايبدو من وصية معاوية لابنه يزيد بشان ابي بردة ابن ابي موسى الاشعري ((823)) كان منحرفا عن علي (ع ) وافتضح امره يوم الحكمين .
و هـو الذي فقه اهل البصرة و اقراهم قال ابن حجر: و تخرج على يديه جماعة من التابعين و من بعدهم ((824)) واخرج الحاكم عن ابي رجا, قال : تعلمنا القرآن عن ابي موسى الاشعري في هذا المسجد ـ يعني مسجد البصرة ـ و كنا حلقا حلقا, و كانما انظر اليه بين ثوبين ابيضين ((825)) .
و كـانـت مـدرسته ذات انحراف شديد, و من ثم كانت البصرة من بعده ارضا خصبة لنشؤ كثير من البدع و الانحرافات الفكرية و العقائدية , و لا سيما في مسائل الاصول و الامامة و العدل .
قـال عـبد الكريم الشهرستاني : و سمعت من عجيب الاتفاقات ان ابا موسى الاشعري (المتوفى سنة 44) كـان يـقـرر عـين ما يقرر حفيده ابو الحسن الاشعري (المتوفى سنة 324) في مذهبه , و ذلك قد جرت مناظرة بين عمرو بن العاص و بينه , فقال عمرو: اين اجد احدا احاكم اليه ربي ؟ فقال ابـو مـوسى : اناذلك المتحاكم اليه فقال عمرو: او يقدر علي شيئا ثم يعذبني عليه ؟ قال ابو موسى : نعم , قال عمرو: و لم ؟ قال :لانه لا يظلمك ((826)) .
و ذكـر ابن ابي الحديد ابا بردة ابن ابي موسى الاشعري فيمن ابغض عليا, و كان من القالين له , ثم قـال : ورث الـبغضة له , لا عن كلالة ((827)) , اي كان هذا الحقد للامام امير المؤمنين ـ صلوات اللّه عـلـيه ـ قد اتاه مستقيما من قبل والده , فكانت البغضة منه تليدا, و لم تاته من عرض عارض , لا تلد الحية الا الحية .
5ـ مدرسة الشام : قام بها ابو الدردا عويمر بن عامر الخزرجي الانصاري كان من افاضل الصحابة وفـقـهائهم و حكمائهم اسلم يوم بدر, و شهد احدا و ابلى فيها بلا حسنا روي ان رسول اللّه (ص ) قال بشانه حينذاك : نعم الفارس عويمر, و قال : هو حكيم امتي .
تولى قضا دمشق ايام خلافة عمر, و توفي في خلافة عثمان سنة (32) و لم ينزل دمشق من اكابر الـصحابة سوى ابي الدردا, و بلال بن رباح المؤذن الذي مات في طاعون عمواس سنة (20) و دفن بـحـلـب و كذا واثلة بن الاسقع , و كان آخر من مات بدمشق من اصحاب رسول اللّه (ص ) مات سنة (85) في خلافة عبد الملك بن مروان .
تخرج على يدي ابي الدردا جماعة من اكابر التابعين , منهم : سعيد بن المسيب , و علقمة بن قيس , و سويد بن غفلة , و جبير بن نفير, و زيد بن وهب , و ابو ادريس الخولاني , و آخرون .
كان ابو الدردا من الثابتين على ولا آل الرسول (ص ) لم تزعزعه العواصف .
روى الـصدوق ـ في اماليه ـ باسناده الى هشام بن عروة بن الزبير عن ابيه عروة , قال :كنا جلوسا فـي حـلقة في مسجد رسول اللّه (ص ) نتذاكر اهل بدر و بيعة الرضوان , فقال ابو الدردا: يا قوم , الااخبركم باقل القوم مالا و اكثرهم ورعا و اشدهم اجتهادا في العبادة ؟ قالوا: من ؟ قال : ذاك امير المؤمنين على بن ابي طالب (ع ).
قـال عروة : فو اللّه , ما نطق ابو الدردا بذلك الا و اعرض عنه بوجهه من في المجلس ثم انتدب له رجـل مـن الانـصار, فقال له : يا عويمر, لقد تكلمت بكلمة ما وافقك عليها احد منذ اتيت بها فقال ابو الـدردا: يـا قوم , اني قائل ما رايت , و ليقل كل قوم منكم ما راوا ثم اخذ في بيان مواضع علي (ع ) من العبادة و البكا, عند ما كان يختلي بربه في ظلمة الليل و الناس نيام ((828)) .

اعلام التابعين المفسرين :

1ـ سعيد بن جبير. 2ـ سعيد بن المسيب .
3ـ مجاهد بن جبر.
4ـ طاووس بن كيسان .
5ـ عكرمة مولى ابن عباس .
6ـ عطا بن ابي رباح .
7ـ عطا بن السائب .
8ـ ابان بن تغلب .
9ـ الحسن البصري .
10ـ علقمة بن قيس .
11ـ محمد بن كعب القرظي .
12ـ ابو عبد الرحمان السلمي .
13ـ مسروق بن الاجدع .
14ـ الاسود بن يزيد النخعي .
15ـ مرة الهمداني .
16ـ عامر الشعبي .
17ـ عمرو بن شرحبيل .
18ـ زيد بن وهب .
19ـ ابو الشعثا الكوفي .
20ـ ابوالشعثا الازدي .
21ـ الاصبغ بن نباتة .
22ـ زر بن حبيش .
23ـ ابن ابي ليلى .
24ـ عبيدة بن قيس .
25ـ الربيع بن انس .
26ـ الحارث بن قيس .
27ـ قتادة بن دعامة .
28ـ زيد بن اسلم .
29ـ ابو العالية .
30ـ جابر الجعفي .

اعلام التابعين

قلنا: ان كثيرا من رواد العلم , كانوا قد نهضوا نهضتهم الكبرى , في سبيل كسب المعرفة و الحصول عـلـى مـعـالـم الـدين الحنيف و حيث كان قد اعوزتهم الاستضاة المباشرة من انوار عهد الرسالة , استعاضوا عنها باللجؤ الى اعتاب الصحابة الاعلام , فاخذوا منهم العلوم و نشروها بين العباد فكانوا هـم الـواسطة و الحلقة الواصلة بين منابع العلم الاولية و بين الامة على الاطلاق , ليس لذلك الدور فحسب , بل لجميع الادوار و الاعصار فاصبحوا هم حاملي لوا هداية الاسلام الى كافة الانام .
و هـم جماعات , لا يحصون عددا, كنجوم السما المتالقة في دياجي الظلام , و مبثوثون في الارض منتشرون في الاقطار و الاكناف .
غير انا نقتصر على الاعلام , و المعروفين بتعليم القرآن , و نشر علومه و بيان معارفه بين الناس و هـم الـمـتـخـرجـون مـن الـمـدارس الـتـفسيرية المعهودة , و لا سيما مدرسة ابن عباس بمكة المكرمة ,حسبما عرفت , و اليك منهم :

1 سعيد بن جبير

ابو عبد اللّه , او ابو محمد الاسدي بالولا, الكوفي , من اصل حبشي , اسود اللون ابيض الخصال كان مـن كـبـارالتابعين و متقدميهم في الفقه و الحديث و التفسير اخذ القراة من ابن عباس , و سمع منه الـتـفـسـير, و اكثر روايته عنه كان قد تفرغ للعلم و القرآن حتى صار علما و اماما للناس قال ابو القاسم الطبري : هو ثقة , حجة , امام على المسلمين , و كان مجمعا عليه بين ارباب الحديث و التفسير.
له مناظرة مع الطاغية الحجاج بن يوسف الثقفي , حينما اراد قتله , تدل على قوة ايمانه و صلابته في الولا لال البيت (ع ), قتله صبرا سنة (95) و هو ابن (49).
روى ابـو عمرو محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي باسناده الى الامام ابي عبد اللّه الصادق (ع ) قـال : ان سعيد بن جبير كان ياتم بعلى بن الحسين (ع ), و كان على (ع ) يثني عليه و ما كان سبب قتل الحجاج له الا على هذا الامر,و كان مستقيما ((829)) .
و في مصنفات اصحابنا الامامية عنه وصف جميل ((830)) , و كذا في سائر المصنفات الرجالية و غيرها ((831)) .
روى ابـو نـعيم الاصبهاني باسناده الى خلف بن خليفة عن ابيه قال : شهدت مقتل سعيد بن جبير, فلما بان راسه , قال : لا اله الا اللّه , لا اله الا اللّه , ثم قالها الثالثة فلم يتمها ((832)) .
و ذكر ابن قتيبة : انه امر الحجاج فضربت عنقه , فسقط راسه الى الارض يتدحرج , وهو يقول : لا اله الا اللّه , فلم يزل كذلك , حتى امر الحجاج من يضع رجله على فيه , فسكت .
و لم يدم الحجاج بعده غير سنة , و لم يستطع اراقة دم بعد دمه الطاهرو كان الحجاج عند ما حضره الموت يقول :ما لي و لسعيد بن جبير, كان يقول ذلك و هو يغوص ثم يفيق و كان يراه في المنام , و قد اخذ بمجامع ثوبه يقول له : يا عدو اللّه , فيم قتلتني ؟ فيستيقظ مذعورا, و يقول : ما لي و لسعيد ذكر ذلك ابن خلكان في الوفيات .
مـكانته العلمية : اخذ العلم عن عبد اللّه بن عباس , و كان قد لازمه في طلب العلم , فاجازه ابن عباس في التحديث قال له : حدث , فقال ـ متحاشيا ـ : احدث و انت هاهنا؟ فقال ابن عباس : اليس من نعم اللّه عليك ان تحدث و انا شاهد؟ .
قـال احـمد بن حنبل : قتل الحجاج سعيد بن جبير, و ما على وجه الارض احد الا و هو مفتقر الى علمه ((833)) ورواه ابو نعيم عن عمرو بن ميمون عن ابيه .
و كان ابن عباس اذا اتاه اهل الكوفة يستفتونه يقول : اليس فيكم ابن ام الدهما, يعني سعيد بن جبير.
قـال يـحـيـى بن سعيد: مرسلات ابن جبير احب الي من مرسلات عطا و مجاهد و كان سفيان يقدم سعيدا على ابراهيم النخعي في العلم , و كان اعلم من مجاهد و طاووس ((834)) .
و كـان سـعـيـد يـعـظم من شيخه تعظيما بالغا, قال : كنت اسمع الحديث من ابن عباس , فلو اذن لي لقبلت راسه ((835)) .
و قد جمع ابو نعيم من التفسير الماثور عن سعيد بن جبير نخبا, و عقد له فصلا, وعنونه بثاره في الـتـفسير ((836)) فقد روى عنه في قوله تعالى ـ حكاية عن نبي اللّه موسى (ع ) ـ : (رب انى لـمـاانـزلـت الـى من خير فقير) ((837)) قال : انه يومئذ لفقير الى شق تمرة و في قوله تعالى : (امثلهم طريقة ) ((838)) قال : اوفاهم عقلا ((839)) .

2ـ سعيد بن

المسيب . قـال ابو نعيم الاصبهاني : فاما ابو محمد سعيد بن المسيب بن حزن المخزومي , فكان من الممتحنين , امـتحن فلم تاخذه في اللّه لومة لائم صاحب عبادة و جماعة و عفة و قناعة و كان كاسمه بالطاعات سعيدا, و من المعاصي و الجهالات بعيدا ((840)) .
قـال ابـن الـمديني : لا اعلم في التابعين اوسع علما من سعيد بن المسيب قال : و اذا قال سعيد: مضت السنة ,فحسبك به قال : هو عندي اجل التابعين .
و قال ابوحاتم : ليس في التابعين انبل منه .
و قال سليمان بن موسى : كان افقه التابعين .
و قال ابو زرعة : مدني قرشي ثقة امام .
و قال قتادة : ما رايت احدا قط اعلم بالحلال و الحرام منه .
و قال ابن شهاب : قال لي عبد اللّه بن ثعلبة : ان كنت تريد هذا ـ يعني الفقه ـ فعليك بهذا الشيخ , سعيد بن المسيب .
و عن عمرو بن ميمون بن مهران عن ابيه , قال : قدمت المدينة فسالت عن اعلم اهلها,فدفعت الى سعيد بن المسيب .
قال مكحول : طفت الارض كلها في طلب العلم فما لقيت اعلم منه .
قال احمد بن حنبل : مرسلات سعيد صحاح , لا نرى اصح من مرسلاته .
و قال الشافعي : ارسال ابن المسيب عندنا حسن ((841)) .
قـال ابـن خـلكان : كان سعيد بن المسيب سيد التابعين من الطراز الاول , جمع بين الحديث و الفقه و الزهد والعبادة و الورع , و هو احد الفقها السبعة بالمدينة ((842)) ولد سنة (15) و توفي سنة (95).
و اسـنـد ابـن سـعـد ـ كـاتـب الـواقـدي ـ الى الامام ابي جعفر الباقر(ع ) قال : سمعت ابي , على بن الحسين (ع )يقول :((سعيد بن المسيب اعلم الناس بما تقدمه من الاثار, و افقههم في رايه )).
و له ترجمة مسهبة في الطبقات , و فيها من احواله و قضاياه العجيبة الشي الكثير ((843)) .
اضف الى ذلك ما ورد بشانه من الثنا عليه عند اصحابنا الامامية :
و اول شي , انه تربية الامام امير المؤمنين (ع ), رباه في حجره بوصية من جده ((حزن )) فقد نشا و تـرعـرع فـي اهـل بيت العلم و الورع و الطهارة , كما و اصبح من خلص اصحاب الامام على بن الـحـسـين زين العابدين , و احدالاوتاد الخمسة الذين ثبتوا على الاستقامة في الدين على ما وصفهم الـفـضـل بن شاذان قال : و لم يكن في زمان على بن الحسين في اول امره الا خمسة انفس : سعيد بن جبير, سعيد بن المسيب , محمد بن جبير بن مطعم ,يحيى بن ام الطويل , ابوخالد الكابلي .
و كان يرى من الامام السجاد(ع ) النفس الزكية , لم يعرف له نظيرا و لا راى مثله كما كان يرى في مـثاله القدوسي مثال داود القديس (ع ) تسبح معه الجبال بالعشي و الاشراق و الطير محشورة كل له اواب .
روى الـكشي باسناده الى الزهري عن ابن المسيب , قال : كان القوم لا يخرجون من مكة حتى يخرج عـلى بن الحسين سيد العابدين فخرج و خرجت معه , فنزل في بعض المنازل , فصلى ركعتين فسبح فـي سجوده , فلم يبق شجر و لا مدر الا سبحوا معه , ففزعنا فقلت : نعم , يا ابن رسول اللّه (ص )فقال : هذا التسبيح الاعظم , حدثني ابي عن جدي رسول اللّه , انه لا يبقي الذنوب مع هذا التسبيح فقلت : علمنا.
و روى عـن مـحـمـد بـن قـولـويه باسناده الى اسباط بن سالم عن الامام موسى بن جعفر(ع ) في حـديـث حـواريي ((844)) النبي و الائمة (ع ), و عد من حواريي الامام زين العابدين : جبير بن مطعم , و يحيى بن ام الطويل , واباخالد, و سعيد بن المسيب .
كـما روى عنه باسناده الى ابي مروان عن ابي جعفر قال : سمعت على بن الحسين يقول : ((سعيد بن الـمـسـيـب اعـلم الناس بما تقدمه من الاثار و افهمهم ـ او افقههم ـ في زمانه )) ((845)) و قد تقدم الحديث , برواية ابن خلكان عن ابي مروان ايضا, مع اختلاف في العبارة الاخيرة : ((افقههم في رايه )).
و روى الـشـيـخ الـمـفـيد باسناده الى ابي يونس محمد بن احمد قال : حدثني ابي و غيرواحد من اصـحـابـنـا, ان فـتـى من قريش جلس الى سعيد بن المسيب , فطلع على بن الحسين , فقال القرشي لابـن الـمـسـيـب : مـن هـذا يـا ابـا محمد؟ قال : هذا سيد العابدين على بن الحسين بن على بن ابي طالب (ع ) ((846)) .
و روى الـحـميري باسناده الى البزنطي قال : و ذكر عند الرضا(ع ) القاسم بن محمد بن ابي بكر خال ابيه , و سعيدبن المسيب , فقال : ((كانا على هذا الامر)) ((847)) .
و روى ثـقة الاسلام الكليني ـ في باب مولد الصادق (ع ) ـ باسناده الى اسحاق ابن جرير, قال : قال ابـو عبد اللّه (ع ): ((كان سعيد بن المسيب , و القاسم بن محمد ابن ابي بكر, و ابوخالد الكابلي , من ثقات على بن الحسين (ع ) ((848)) .
و في مناقب آل ابي طالب لابن شهر آشوب بشان كرامات الامام زين العابدين (ع ), روايات عن سعيد بن المسيب , تدل على مبلغ ولائه لال البيت و مدى صلته بسيد الساجدين , فراجع ((849)) .
و لـلـمـحـقـق الـبـحـرانـي ـ فـي حـاشـيـة البلغة ـ استظهار تشيعه من كلام الشيخ في اوائل التبيان ((850)) .
و هو الذي روى قضية بجدل الجمال و قطعه لاصبع السبط الشهيد, و تعلقه باستار الكعبة , آيسا من رحمة اللّه ((851)) .
و قـد عـده الـشيخ من اصحاب الامام زين العابدين و من السابقين الاولين قال : سعيد بن المسيب بن حـزن ابـومـحـمـد المخزومي سمع من الامام على بن الحسين , و روى عنه (ع ) و هو من الصدر الاول ((852)) .
و قـد اسـتـوفـى الـسـيد الامين الكلام بشانه و شان ولائه لال البيت , و ذكر انه صحب عليا امير المؤمنين (ع ) و لم يفارقه حتى في حروبه و نقل عن ابن ابي الحديد و غيره بعض الطعن عليه , و فنده على اسلوب حكيم ((853)) .

نموذج من تفسيره

اخـرج ابـو نـعـيم ـ في الحلية ـ باسناده الى يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب , في قوله تعالى : (ربـكـم اعـلـم بـما في نفوسكم , ان تكونوا صالحين فانه كان للاوابين غفورا) ((854)) , قال : ((الذي يذنب الذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب , و لا يعود في شي قصدا)) ((855)) .
و هذا ادق تفسير للاية الكريمة فان الاية قد فسرت على وجوه :
1ـ فقيل : هم المسبحون عن ابن عباس و عمرو بن شرحبيل .
2ـ و قيل : المطيعون المحسنون عن ابن عباس ايضا.
3ـ هم المطيعون و اهل الصلاة عن قتادة .
4ـ الذين يصلون بين المغرب و العشا عن ابن المنكدر يرفعه , و كذلك عن الامام الصادق (ع ).
5ـ يصلون صلاة الضحى عن عون العقيلي .
6ـ الراجع من ذنبه التائب الى اللّه .
و هذا المعنى الاخير هو الراجح , و اختلفوا في شرائطه و كيفيته :
فمن سعيد بن جبير: الراجعون الى الخير.
و عن مجاهد: الذي يذكر ذنوبه في الخلا فيستغفر اللّه منها.
و عـن عـطـا بن يسار: يذنب العبد ثم يتوب , فيتوب اللّه عليه , ثم يذنب فيتوب اللّه عليه , ثم يذنب الثالثة فان تاب تاب اللّه عليه توبة لاتمحى .
و عن عبيد بن عمير: الاواب : الحفيظ ان يقول : اللهم اغفر لي ما اصبت في مجلسي هذا.
لـكـن سـعيد بن المسيب فسرها بالذي يذنب و يتوب ثم يذنب و يتوب , و لكن ليس يعود في شي من ذنـوبـه قـصـدا, و انـمـا هـو شـي فـرط مـنه و هذه النكتة الظريفة هي بيت القصيد, نظرا لان ((الاواب )) مـبالغة في الاوب والرجوع و المراد: الكثرة و التكرار فيه , لكنه هل هو مطلق , ام الذي يصدر منه الذنب لا تمردا و عصيانا, و انماهو شي قد يفرط منه او تغلبه نفسه ثم يتذكر عن قريب ؟.
قال تعالى : ( انما التوبة على اللّه للذين يعملون السؤ بجهالة ثم يتوبون من قريب ) ((856)) .
و قال : (ان الذين اتقوا اذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فاذا هم مبصرون ) ((857)) .
و هذا هو معنى اللمم المغفور في الاية الكريمة : ( و يجزى الذين احسنوا بالحسنى الذين يجتنبون كـبـائر الا ثـم و الـفـواحـش الا الـلـم ان ربـك واسـع الـمغفرة هو اعلم بكم اذانشاكم من الا رض ) ((858)) .
قـال الامام الصادق (ع ): ((اللمم : الرجل يلم بالذنب فيستغفر اللّه منه قال : ما من ذنب الا و قد طبع عـلـيه عبدمؤمن يهجره الزمان ثم يلم به قال : اللمام : العبد الذي يلم بالذنب ليس من سليقته )) اي من طـبيعته و في رواية قال : ((الهنة بعد الهنة )) اي الذنب بعد الذنب يلم به العبد و في اخرى : (( هو الذنب يلم به الرجل , فيمكث ما شااللّه ثم يلم به بعد)) ((859)) .
فالعبد قد تغلبه نفسه فيرتكب اثما ليس من دابه , و من ثم يتذكر فيتوب الى اللّه مما اغترف , و هكذا فلو عادليس من عادته , و تاب تاب اللّه عليه , ان اللّه هو التواب الرحيم .
و هـذه هـي الـنـكـتـة الدقيقة التي جات الاشارة اليها في تفسير ابن المسيب (( ولايعود في شي قـصدا)), و هذاالمعنى هو الذي يفيده صدر الاية (ربكم اعلم بما في نفوسكم , ان تكونوا صالحين فانه كان للاوابين غفورا) ((860)) .
و الـى هذا المعنى يشير التفسير الوارد عن الامام ابي عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق (ع ), قال : ((و الاواب :النواح المتعبد الراجع عن ذنبه )) و هكذا روي عن مجاهد بن جبر ايضا ((861)) .
الـنـواح : مبالغة في النوح , و هو الذي ينوح على نفسه و ندبها ندما على ما فرط منه , منيبا مستغفرا اوابا و تدل اداة الاعراض ((عن )) على ندم بالغ , و عزم صارم على الترك ابدا.
و امـا مـا روي من التفسير ب ((الصلاة )) بين المغرب و العشا, فهذا من الوسيلة التي يجب ابتغاؤها الـى اللّه عـز شـانه (يا ايها الذين امنوا اتقوا اللّه و ابتغوا اليه الوسيلة ) ((862)) و من ثم سميت صلاة الاوابين .
روى هشام بن سالم عن الامام ابي عبد اللّه الصادق (ع ), قال : صلاة اربع ركعات , يقرا في كل ركعة خـمـسـين مرة ((قل هو اللّه احد)) هي صلاة الاوابين ((863)) و قد ورد الترغيب في التنفل باربع ركعات بعد المغرب , لايدعهن العبد في حضر و لا سفر ((864)) .

من نوادر حكمته :

و لـما ان جرد ليضرب على امتناعه من البيعة للوليد و سليمان ابني عبد الملك , قالت امراة : ان هذا لمقام الخزي فقال سعيد: ((من مقام الخزي فررنا)) ((865)) .
و قـال : ((يد اللّه فوق عباده , فمن رفع نفسه وضعه اللّه , و من وضعها رفعه اللّه الناس تحت كنفه يـعـمـلـون اعـمـالـهـم ,فـاذا اراد اللّه فـضـيـحـة عـبـد, اخرجه من تحت كنفه , فبدت للناس عورته )) ((866)) .
و قـال : ((لا خـيـر فـيمن لا يحب هذا المال , يصل به رحمه , و يؤدي به امانته , و يستغني به عن خلق ربه )) ((867)) .
و روي عن الامام امير المؤمنين (ع ) انه سال فاطمة (س ): ما خير للنسا؟ قالت : ان لا يرين الرجال ولايرونهن فذكره للنبي (ص ) فقال : ((انما فاطمة بضعة مني )).
و ايضا عن الامام امير المؤمنين (ع ) ((من اتقى اللّه عاش قويا و سار في بلاده آمنا)) ((868)) .
و قـال : ((لا تـمـلـؤا اعـيـنـكـم مـن اعوان الظلمة الا بانكار من قلوبكم , لكي لا تحبط اعمالكم الصالحة )) ((869)) .
و كان معبرا للرؤيا, معروفا بذلك فوجه اليه عبد الملك بن مروان من يساله عن منامه , كان قد راى كـانـه قد بال في المحراب اربع مرات قال , فانه ولي الوليد وسليمان و يزيد و هشام , و هم اولاد عبد الملك لصلبه ((870)) .

3ـ مجاهد بن جبر

هـو ابـو الـحـجـاج الـمـخزومي المكي , المقرئ المفسر ولد سنة (21), و توفي بمكة ساجدا سنة (104) كان اوثق اصحاب ابن عباس , و من ثم اعتمده الائمة و اصحاب الحديث و التفسير.
و روي عنه انه قال : عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث مرات , اقف عند كل آية ,اساله فيم نزلت , و كيف نزلت .
قـال ابن ابي مليكة ((871)) : رايت مجاهدا يسال ابن عباس عن تفسير القرآن و معه الواحه , فيقول له ابن عباس : اكتب , حتى ساله عن التفسير كله و من ثم قيل : اعلمهم بالتفسير مجاهد.
و قال سفيان الثوري : اذا جاك التفسير عن مجاهد فحسبك به .
قـال الـذهبي : اجمعت الامة على امامة مجاهد و الاحتجاج به كان ثقة مامونا, و فقيها ورعا, و عالما كثيرالحديث , جيد الحفظ متقنا.
قـال الاعـمـش : اذا رايـت مـجـاهـدا كانه جمال او خربندج ((872)) , فاذا نطق خرج من فيه الؤلؤ ((873)) .
مـكانته في التفسير: استفاضت شهادة العلما بعلو مكانته في التفسير و ثقته و امانته و سعة علمه و قداحتج بتفسيره الائمة النقاد والعلما و اصحاب الحديث .
اتهم بالاخذ من اهل الكتاب , و لكن شدة نكير شيخه ابن عباس على الاخذين من اهل الكتاب , يتنافى و هـذه الـتـهمة و الارجح ان رجوعه اليهم كان في امور لا تدخل في دائرة النهي الوارد عن رسول اللّه (ص ), و ربما كان لغرض التحقيق لا التقليد.
و كذلك اتهم بانه يفسر القرآن برايه ـ كان قد اعطى نفسه حرية واسعة في التفسير العقلي ـ فقد روى ابنه عبدالوهاب ان رجلا قال لابيه : انت الذي تفسر القرآن برايك ؟ فبكى ابي ثم قال : اني اذن لجري , لقد حملت التفسير عن بضعة عشر رجلا من اصحاب النبى (ص ) ((874)) .
قلت : و هذه التهمة يرجع سببها الى الجو الحاكم آنذاك من التحاشي عن الخوض في معاني القرآن , و لا سيماالمتشابهات , غير ان شريعة العقل ترفض كل مناشئ الجمود و سنبحث عن مسالة التفسير بالراي الممنوع .
حـريـته في التفسير العقلي : كان مجاهد حر الراي , يفسر القرآن حسبما يبدو له من ظاهر اللفظ, ويـرشده اليه عقله الرشيد و فطرته السليمة , بعد احاطته بمفاهيم الكلمات و الاوضاع اللغوية و الـعـرفـيـة (حـسب متفاهم العرف العام آنذاك ) و ما كان قد عهده من مباني الشريعة و اسس الدين القويمة و بعد مراجعة كلمات اعلام الامة و خيار الصحابة الاولين , الامر الذي يجب توفره في كل مفسر حر الراي و مضطلع خبير.
قـال ـ في تفسير قوله تعالى : ( فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين ) ((875)) ـ : لم يمسخوا قردة , و انـما هو مثل ضربه اللّه , كما قال : (كمثل الحمار يحمل اسفارا) ((876)) قال : انه مسخت قلوبهم فجعلت كقلوب القردة لا تقبل وعظا و لا تتقي زجرا قال الطبرسي : و هذا يخالف الظاهر الذي عليه اكثر المفسرين من غير ضرورة تدعو اليه ((877)) .
و لـلـزمخشري هنا كلام يشبه تفسير مجاهد, في دقة ادبية لطيفة قال : قوله تعالى : (كونوا قردة خاسئين )خبران , اي كونوا جامعين بين القردية و الخسؤ, و هو الصغار و الطرد ((878)) .
و من ثم قال المولى جمال الدين ابو الفتوح الرازي ـ من اعلام القرن السادس ـ : مجاهد گفت : معنى آن است ((اذلا صاغرين )) ذليل و مهين و در اين عظمتى و عبرتى است آنانرا ((879)) .
قـال الامـام الـرازي (544 ـ 606): ان مـا ذكـره مجاهد ـ رحمه اللّه ـ غير مستبعد جدا, لان الانسان اذا اصر على جهالته بعد ظهور الايات و جلا البينات , فقد يقال ـ في العرف الظاهر ـ : انه حـمـار و قـرد و اذا كـان هـذا المجازمن المجازات الظاهرة المشهورة , لم يكن في المصير اليه محذور البتة ((880)) .
قلت : و يشهد لهذا التاويل قوله تعالى ـ في سورة المائدة ـ : (من لعنه اللّه و غضب عليه و جعل منهم القردة و الخنازير و عبد الطاغوت , اولئك شر مكانا و اضل عن سواالسبيل ) ((881)) .
بـدليل عطف ((و عبد الطاغوت )), و كذا عطف ((الخنازير)) و هذان لم يات ذكرهما في سائر القرآن , فيكون المعنى : ان من شديد العقوبة ان يتحول الانسان من شموخ كرامته و اعتلا شرفه , الى سافل مبتذل يحمل سمات القردة و الخنازير, مهانا لئيما, يرضخ للطواغيت رضوخ الذليل الحقير.
و عند تفسير قوله تعالى : (وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة ) ((882)) , روى وكيع عن سفيان عـن مـنـصـور عـن مجاهد, قال : تنتظر الثواب من رب ها و عن الاعمش عنه : ((تنتظر رزقه و فضله )) و في حديث :((تنتظر من ربها ما امر لها)) قال منصور: قلت لمجاهد: ان اناسا يقولون : انه تـعـالـى يرى , فيرون ربهم ؟ شي ((883)) .
و انـت تـرى ان الـقـول بامتناع الرؤية يخالف عقيدة السلفيين من اصحاب الظواهر, و من ثم رموه بالحياد عن طريقة السلف , و انه يفسر برايه , او انه يرى مذهب الاعتزال , كما رموا تلاميذه حسبما ياتي في ابن ابي نجيح راوي تفسيره .
و من ثم قال الطبري ـ تعقيبا على ذلك ـ : و اولى القولين في ذلك عندنا بالصواب ,القول الذي ذكرناه عن الحسن و عكرمة , من ان معنى ذلك : تنظر الى خالقها.
قـال الاستاذ الذهبي : و هذا التفسير عن مجاهد كان فيما بعد متكا قويا للمعتزلة فيما ذهبوا اليه في مسالة الرؤية ((884)) .
قـلـت : و الـعـجيب ان الارا المستقيمة المتوافقة مع الفطرة و العقل الرشيد, حيث صدرت قديما و حـديـثـا, فـانها تعزى الى فريق المعتزلة , او هي منشا لمذاهبهم في العقيدة الاسلامية , الامر الذي يجعل من العقل و الفطرة ـ في نظر اهل الجمود ـ في قبضة اهل الاعتزال , و في منحصر آرائهم و مذاهبهم .