وخـلاصـة الكلام , هي ان عدم التجسس على اوضاع الاخرين وحياتهم الخاصة ((اصل )) لابد ان يـحفظ, ولكن التجسس في موارد معينة ((استثنا)) ولابد ان يحفظ هوالاخر في حدود وشرائط خاصة باعتباره وظيفة شرعية واجتماعية .
وفـي الـواقـع ان هذا الاستثنا يخضع لقانون الاهم والمهم ويخضع للعناوين الثانوية , فحفظ كرامة الافـراد مـهم جدا, ولكن حفظ وجود المجتمع الاسلامي ونظام الحكم والامن والاستقرار اهم من ذلك واوجب , ولذا ففي مثل هذه الموارد يقدم الثاني على الاول .
ومـمـا تقدم يتضح ان التجسس وتفتيش اسرار الاخرين يحتاج الى مجوز ودليل كاف , واما التصرف الشخصي فغير مجاز.
هذا ما يرتبط بالتجسس في داخل المجتمع الاسلامي .
وامـا فـي خـارج المجتمع الاسلامي , فالمسالة اوضح , فان على المسلمين دائماان يتعرفوا على ما يجري في ظاهر وباطن المجتمعات الاجنبية والذي قد يرتبطبمصير المجتمع الاسلامي , فعليهم ان يـحـبـطوا المؤامرات في مهدها ويخنقوها وهي في مرحلة النطفة , وبغير ذلك فانهم سيطلعون عليها بعد فوات الاوان , ويكون القضا عليها صعبا حينئذ, او يكلف ثمنا باهضا جدا وهـنـاك نوع آخر من التجسس في الحكومة الاسلامية (وكل حكومات العالم ) وهوالتجسس على احـوال مـوظفي وكوادر الحكومة الاسلامية ومسؤوليها, ليحصل الاطمئنان بانهم يؤدون وظائفهم بـشـكـل صـحـيح , وانهم لا يجحفون ولا يتعدون على حقوق المسلمين , وانهم لا يسيئون استغلال مناصبهم .
وعـلـى اي حال , فالمستفاد من آيات القرآن هو ان مسالة التجسس كانت موجودة في تلك الاعصار, وان الـنبي (ص ) كان له اجهزة للامن المضاد لمواجهة عمليات التجسس لصالح اعدا الاسلام , وبهذا الطريق كان يحبط موامراتهم وتحركاتهم .
وقـد حـذر اللّه عـزؤجـل فـي سـورة التوبة ـ الاية 47, المسلمين وامرهم بمراقبة تحركات جواسيس المنافقين , وقال :
(لو خرجوا فيكم مازادوكم الا خبالا ولا وضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم واللّه عليم بالظالمين ) ((438)) .
وقد يكون لفظ ((سماع )) بمعنى ((الجاسوس )), او من يتميز بقوة السمع والاستقبال , والاحتمال الاول انسب لمورد الاية .
هـذا فـي حين انه قبل عدة آيات يامر النبي (ص ) ببذل الجهد للتعرف على المنافقين , ويقول : (عفى اللّه عنك لم اذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ) ((439)) .

قصة تجسس حاطب وسارة :

يـظـهـر ان النبي الاكرم (ص ) كان له جهاز تجسس قوي من خلال قصة ((حاطب بن ابي بلتعة )) الواقعة قبيل فتح مكة المكرمة .
وتـوضـيـح ذلك : كان النبي الاكرم (ص ) يستعد لفتح مكة وكان حريصا على عدم انتشار اخبار ذلك وانـتـقـالـهـا الى اسماع المشركين وكان هناك رجل من المسلمين يقال له ((حاطب بن ابي بلتعة )) اشـتـرك فـي غـزوة ((بـدر)) و ((بـيـعـة الرضوان )), وكان يخاف على اهله في مكة من كيد الـمـشـركين فوسوس له الشيطان , فاراد ان يقدم خدمة لهم ليامن كيدهم على عياله , فاتفق مع امراة تدعى ((سارة )) كانت قد جات من مكة الى المدينة , وعندما ارادت العودة الى مكة كتب حاطب كتابا مـعـهـا لـتوصله الى اهل مكة يخبرهم بنية رسول اللّه (ص ) واعطاها عشرة دنانير, وقيل عشرة دراهـم , وكـان قـدكـتـب فـي الكتاب : من حاطب بن ابي بلتعة الى اهل مكة ان رسول اللّه يريدكم فـخـذواحـذركـم , فخرجت سارة , ونزل جبرئيل فاخبر النبي (ص ) بما فعل حاطب , فبعث رسول اللّه (ص ) عليا وعمارا وعمر والزبير وطلحة والمقداد بن الاسود وابا مرثد,وكانوا كلهم فرسانا وقـال لهم : انطلقوا حتى تاتوا روضة خاخ فان بها ظعينة معها كتاب من حاطب الى المشركين فخذوه مـنـهـا فخرجوا حتى ادركوها في ذلك المكان الذي ذكره رسول اللّه (ص ) فقالوا لها: اين الكتاب ؟ فـحـلـفت باللّه ما معها من كتاب , فنحوهاوفتشوا متاعها فلم يجدوا معها كتابا, فهموا بالرجوع فقال علي (ع ): واللّه ما كذبنا ولاكذبنا وسل سيفه وقال لها: اخرجي الكتاب والا واللّه لا ضربن عنقك , فـلـمـا رات الـجـداخـرجـتـه مـن ذوائبـهـا قـد اخـبـاتـه فـي شـعرها, فرجعوا بالكتاب الى رسـول اللّه (ص )فـارسـل الـى حـاطب فاتاه , فقال له : تعرف الكتاب ؟ قال : نعم , قال ما حملك على ما صـنعت ؟ قال : يا رسول اللّه , واللّه ما كفرت منذ اسلمت , ولا غششتك منذنصحتك ولا احببتهم منذ فـارقـتـهم ولكن لم يكن احد من المهاجرين الاوله بمكة من يمنع عشيرته وكنت عزيزا فيهم ـ اي غريبا.
وكان اهلي بين ظهرانيهم فخشيت على اهلي فاردت ان اتخذ عندهم يدا وقدعلمت ان اللّه ينزل بهم بـاسـه وان كـتابي لا يغني عنهم شيئا فصدقه رسول اللّه (ص )وعذره , فقام عمر بن الخطاب وقال دعـنـي يا رسول اللّه اضرب عنق هذاالمنافق , فقال رسول اللّه (ص ): وما يدريك يا عمر لعل اللّه اطلع على اهل بدر فغفرلهم , فقال لهم اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم .
فـنـزلـت الايـات الاولـى مـن سـورة ((الممتحنة )) وحذرت بشدة المسلمين من تكرارمثل هذه التصرفات , لانها تذهب بدنياهم وآخرتهم ((440)) .
فـفـي هـذه القصة , نجد ان هناك تجسسا لصالح الاعدا, ولكن جهاز الامن المضادعند النبي (ص ) ـ سوا كان عن طريق اطلاع جبرئيل الامين او اي طريق آخر ـ احبطمؤآمرة العدو, بنحو لم يصل اي خـبـر عـن تـحرك النبي (ص ) ومخططة لفتح مكة الى اسماع قريش وفوجي مشركوا قريش بـدخـول جيش الاسلام الى مكة , وكان ذلك سببا في تحرير اقوى قلاع الشرك بلا اراقة دما ولا حرب , ولو كانت الجاسوسة قداوصلت ذلك الكتاب الى مكة , كان يحتمل ان تراق دما كثيرة في هذا الـطـريـق , وهـذايـدل عـلى اهمية دور الاجهزة الجاسوسية او الامن المضاد في تحديد مصير مجتمع وامة بكاملها.

قصة استخبار حذيفة :

نـمـوذج آخـر مـن الـنشاطات التجسسية في عصر النبي (ص ), هو قصة ((حذيفة ))في حرب الاحزاب .
فـقد روي في التواريخ , ذات ليلة من ليالي حرب الاحزاب , وبعد اختلاف الاحزاب فيما بينهم , قال رسـول اللّه (ص ): مـن رجـل يـقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع ـ يشرط له رسول اللّه (ص ) الـرجـعـة ـ اسـال اللّه تعالى ان يكون رفيقي في الجنة ؟قال حذيفة : فما قام رجل من القوم من شدة الـخـوف وشدة الجوع وشدة البرد فلما لم يقم احد دعاني رسول اللّه (ص ) فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني فقال : ياحذيفة اذهب فاوغل في القوم فانظر ماذا يصنعون ولا تحدثن شيئا حتى تاتينا)).
قـال فتهيات فدخلت في القوم والريح وجنود اللّه تفعل بهم ما تفعل لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بنا, فـقـام ابو سفيان فقال : يا معشر قريش لينظر امرؤ من جليسه ؟قال حذيفة : فاخذت بيد الرجل الذي كان الى حنبي فقلت : من انت قال : فلان بن فلان ثم قال ابو سفيان : يا معشر قريش انكم واللّه ما اقمتم بدار فقام لقد هلك الكراع والخف واخلفتنا بنو قريظة وبلغنا عنهم الذي نكره ولقينا من شدة الريح ما ترون ماتطمئن لنا قدر ولا تقوم لنا نار ولا يستمسك لنا بنا فارتحلوا تحلوا فاني مرتحل , ثم قام الى حـمـلـه وهو معقول فجلس عليه ثم ضربه فوثبت به على ثلاث فواللّه ما اطلق عقاله الا وهو قائم ولولا عهد رسول اللّه (ص ) الي ((ان لا تحدث شيئا حتى تاتيني ))ثم شئت لقتلته بسهم )).
والـمـسـتفاد من ايات القرآن , ان وجود الاجهزة الامنية والتجسسية كان امرا رائجاحتى في زمن الانـبـيـا الـذيـن سـبـقـوا نبينا محمد(ص ), حتى استفيد من الطيور في هذاالمجال كما في قصة سـلـيـمان (ع ) والهدهد, الذي كان ياتي باخبار البلدان البعيدة الى سليمان , ثم يحمل رسالة سليمان ـ التي كانت تبين علاقته بالدول الاخرى ـ الى تلك الدول ((441)) .

المنظمات التجسسية في الروايات الاسلامية

لـهـذه المسالة في الروايات الاسلامية وكتب التاريخ صدى واسع جدا, فمن مطالعتها يمكن الوقوف على هذه الحقيقة وهي ان الحكومة الاسلامية ينبغي ان لاتغفل عن هذه المسالة المهمة , وان عليها ان تمارس نشاطا موسعا في اتجاهين : ان تطلع على تحركات العدو العسكرية والسياسية والاقتصادية الـتـي لـهـا تـاثـيـر على مستقبل ومصير المسلمين , وان تواجه الفعاليات الجاسوسية , للعدو الذي يحاول النفوذ واختراق المسلمين للتعرف على اسرارهم وسرقتها.
وسنتعرض هنا الى بيان نموذج من هذه الروايات والنقول التاريخية :
1 ـ ورد فـي حـديـث عن الامام علي بن موسى الرضا(ع ): ((كان رسول اللّه (ص )اذا بعث جيشا فاتهم اميرا بعث معهم من ثقاته من يتجسس خبره )) ((442)) .
فقد يكون ذلك الامير معتمدا من بعض الجهات , ولكن خطورة مسؤوليته توجب وجود ناظر ومفتش عليه , تحسبا من انحرافه ـ لا سمح اللّه ـ وارتكابه ما لا يمكن جبرانه من قبل المسلمين .
وهذا الحديث موافق لما ورد في متن الوسائل وقرب الاسناد الطبعة الجديدة ((443)) , ولكن ورد فـي بـعـض الـكـتـب كلمة ((فامهم )) بدلا من ((فاتهم )), اي عين لهم اميرا, ولكن تعيين المفتش والجاسوس انسب بلفظ ((فاتهم )), وانتخاب مثل هذاالامير يكون لتميزه ببعض الميزات المفقودة في غيره (التفتوا جيدا).
2 ـ ورد فـي حديث آخر حول سرية ((عبد اللّه بن جحش )) (والسرية , الحرب التي لم يحضر الـرسـول بنفسه فيها), ان النبي الاكرم (ص ) بعث عبداللّه بن جحش بن رئاب الاسدي ومعه ثمانية رهـط مـن المهاجرين ليس فيهم من الانصار احد, وكتب له كتابا وامره ان لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه فيمضي لما امره به فلما سارعبداللّه يومين فتح الكتاب فنظر فيه فاذا فيه : اذا نظرت في كتابي هذا فامضى حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد بها قريشا وتعلم من اخبارهم (والقصة طويلة وقد جا في ذيلها انه اشتبك معهم واسر منهم جماعة وغنم غنائم ((444)) .
3 ـ بعد غزوة بدر ((445)) , لما انصرف ابو سفيان ومن معه نادى : ان موعدكم بدر للعام القابل فقال رسول اللّه (ص ) لرجل من اصحابه قل : نعم , هو بيننا وبينكم موعد.
ثـم بعث رسول اللّه (ص ) علي بن ابي طالب (ع ) فقال : اخرج في آثار القوم , فانظرماذا يصنعون وما يـريـدون , فـان كانوا قد جنبوا الخيل وامتطوا الابل فانهم يريدون مكة وان ركبوا الخيل وساقوا الابل فانهم يريدون المدينة , والذي نفسي بيده لئن ارادوها لاسيرن اليهم فيها ثم لاناجزنهم قال علي : فخرجت في آثارهم انظر ماذا يصنعون , فجنبوا الخيل وامتطوا الابل وتوجهوا الى مكة .
وكـان هـذا الـنـشاط التجسسي للنبي على يد امير المؤمنين (ع ), عمل مهم جداومؤثر في تحديد مصير المسلمين , وكان ينقذهم من ان يفاجئوا.
4 ـ ونقرا ((446)) في قصة حرب احد ان النبي (ص ) ارسل رجلين يتجسسان على احوال جيش قـريـش قـبل ان يردوا احد ليتعرفوا على عدد قوات العدو وعدتهم , كماانه ارسل ((الحباب بن الـمنذر)) سرا ليستطلع اوضاع قريش بعد ان نزلوا احدا, وطلب منه ان ياتيه بالخبر سرا اذا كان عددهم كبير وان اذا كان قليلا فلا مانع من ان يخبره علنا.
ولما كان عدد المشركين كبيرا, جا الحباب واخبر رسول اللّه (ص ) بعددهم سرا.
5 ـ وكتب نهج البلاغة , تبين لنا بوضوح ان الجهاز الامني للامام علي (ع ) كان مطلعا على الامور في كل بقاع الدولة الاسلامية .
ومـن جملة ذلك ((عهده لمالك الاشتر)) في تعيين المفتشين السريين للنظر في كيفية قيام العمال ـ الـولاة بـوظـائفـهم , يقول (ع ): ((وابعث العيون من اهل الصدق والوفا عليهم فان تعاهدك في السر لامورهم حدوة لهم على الاستعمال الامانة والرفق بالرعية )).
وبطبيعة الحال , فان هذا النشاط واحد من نشاطات العيون التجسسية , وهو ان يتجسسوا على كيفية قيام ماموري وموظفي لدولة الاسلامية بوظائفهم .
6 ـ وفـي كتاب آخر له (ع ) الى واليه على مكة ((القثم بن عباس )) وهو اخو عبد اللّه بن عباس , يـقول فيه : ((اما بعد, فان عيني بالمغرب ((447)) كتب الي يعلمني انه وجه الى الموسم اناس من اهل الشام العمي القلوب الصم الاسماع الكمه الابصار الذين يلبسون الحق بالباطل ويطيعون المخلوق فـي مـعصية الخالق فاقم على ما في يديك قيام الحازم الصليب )) ((448)) ويبدو ان معاوية كان قد اعد مخططا لخداع ((القثم بن عباس )) ودعوته لخيانة علي (ع ), وايجاد الفوضى في موسم الحج , فـاخـبـر عـيـون الامـام (ع ) الـمخترقين جهاز حكم معاوية , الامام علي (ع ) بهذا الخبر بسرعة فاسرع الامام (ع ) في احباط تلك المؤامرة .
والـكلام هنا في المامورين السريين الذين يخترقون قلب اجهزة العدو وينفذون فيها لنقل المعلومات السرية .
7 ـ ونقرا كتاب امير المؤمنين (ع ) الى ((عثمان بن حنيف )), حيث يقول (ع ): ((امابعد يا بن حنيف فـقـد بـلغني ان رجلا من فتية اهل البصرة دعاك الى مادبة فاسرعت اليها تستطاب لك الالوان وتنقل اليك الجفان )) ((449)) .
فمن هذا الكتاب يتضح لنا بان عيون الامام (ع ) السرية لم تكن تنقل له المسائل السياسية والعسكرية فـقـط, بل وكذلك المسائل الاخلاقية التي لم تكن مناسبة لمقام الولاة وموظفي الحكومة الاسلامية وغـير المنسجمة مع اصول التعاليم الاسلامية وخاصة فيما يرتبط بالزهد, وان جزئيات حركاتهم غير خافية على عيون الامام التجسسية الفطنة .
وشـبـيه هذا المعنى نراه في كتابه (ع ) الى ((المنذر بن جارود)) واليه على ((اصطخر)) حيث ورد في هذا الكتاب :
((امـا بعد فان صلاح ابيك غرني منك , وظننت انك تتبع هديه , وتسلك سبيله فاذا انت فيما رقي الي عـنـك لا تـدع لهواك انقيادا ولا تبقى لاخرتك عنادا تعمردنياك بخراب آخرتك وتصل عشيرتك بقطيعة دينك )) ((450)) .
والـمـسـتفاد من الروايات ان خيانة ابن الجارود هي انه اختلس اربعمائه الف درهم من بيت المال له ولاقربائه , فعزله الامام (ع ) من ولايته وحبسه مدة من الزمن ((451)) .
ونرى هنا ان عيون الامام (ع ) قد نقلوا خيانة هذا الوالي الخفية بعد ان كشفوها,وان الامام (ع ) ابدى موقفا شديدا تجاهه .
8 ـ جـا فـي تـاريـخ حـيـاة الامـام الـحـسـن المجتبى (ع ) لما بلغ معاوية بن ابي سفيان وفاة امير الـمـؤمنين (ع ) وبيعة الناس ابنه الحسن (ع ) دس رجلا من حمير الى الكوفة , ورجلا من بني القين الـى الـبـصـرة لـيـكـتـبا اليه بالاخبار, ويفسدا على الحسن الامور, فعرف ذلك الحسن (ع ) فامر بـاسـتـخـراج الـحـمـيـري من عند لجام بالكوفة ,فاخرج وامر بضرب عنقه , وكتب الى البصرة بـاستخراج القيني من بني سليم فاخرج وضربت عنقه )) ((452)) وكتب الحسن (ع ) الى معاوية : امـا بـعد فانك دسست الرجال للاحتيال والاغتيال وارصدت العيون كانك تحب اللقا وما اشك في ذلك فتوقعه ان شا اللّه .
9 ـ بـعـد حرب صفين اعلن جماعة من ((بني ناجية )) يتزعمهم ((الحريث بن راشد))مخالفتهم لـلامـام ونـقضهم البيعة , فارسل الامام علي (ع ) الى الحريث وطلب منه المثول عنده ليبين له السنن وامـورا مـن الـحـق , فـلم يحضر الحريث وفر برجاله , وفي الطريق قتلوا رجلا مسلما من اتباع الامـام (ع ), وتـركـوا يـهـوديـا واعتبروه من اهل الذمة , فكتب الامام (ع ) كتابا الى عماله في تلك المناطق , مضمونه ان قوما مذنبين هربوا, ونظن انهم قصدوا البصرة , وكان مما جا في ذلك الكتاب : ((واجعل عليهم العيون في كل ناحية من ارضك ثم اكتب الي بما ينتهي اليك عنهم )) ((453)) .
مـن مجموع الروايات اعلاه , والروايات والتواريخ الاخرى التي يطول المقام بذكرها, يتضح جيدا ان اجـهـزة الـتـجـسـس والـتـفـتـيـش كـانت تعمل دائبة في عصر النبي الاكرم (ص ) والائمة الـمـعـصـومين (ع ) سوا في مجال كشف مؤامرات الاعدا, اوفي ابطال خطط الاجهزة الجاسوسية للمخالفين , او في التحقيق في سلوك موظفي الدولة الاسلامية , وكذلك كشف مؤامرات المنافقين في داخل الدولة الاسلامية .
وبطبيعة الحال , فان اساليب ((التجسس )) و ((ضد التجسس )) في زماننا تغيرت كثيراكغيرها من المسائل عما كانت عليه في ذلك الوقت واتسعت وتعقدت كثيراواستفيد فيها من التكنولوجيا الحديثة المتطورة بشكل واسع .
ولا شك , فان الحكومة الاسلامية لا يمكنها الاكتفا بالاساليب القديمة والبدائية للوصول الى اهدافها الامـنـيـة وفـي الامن المضاد, بل لابد ان تتجهز بكل الوسائل المتطورة , لكي تكشف كل مؤامرات الاعـدا ومـخـططاتهم الرامية الى تضعيف الدولة الاسلامية وقهرها, كما ان عليها ان تراقب بدقة تـصـرفات المسؤوليين في الدولة الاسلامية , ونشاطات الاحزاب والمجاميع السياسية المتواجدة , لاقرار الامن والحدمن المفاسد والتخريب .
فـعـلـى الـحـكـومـة الاسلامية ان تستعين بالتكنولوجيا الحديثة وكل اساليب التجسس ولا تكتفي بالاساليب القديمة .
وعلى الرغم من ان هذا يكلف الدولة اموالا طائلة , الا انه قد يكون صرف اموال قليلة في هذا المجال سببا للحد من ضياع اموال طائلة في المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية , او تكون سببا في الوقاية من خسائر كثيرة لا يمكن تعويضها.
فمثلا لو ان اجهزة التجسس في الدول الاسلامية , كشفت عملية تفجير تستهدف زعزعة امنها, فانها سـتـمـنـع من حدوث خسائر فادحة في القوى البشرية والاقتصادية ,والاهم من ذلك انها ستكشف مؤامرة الاعدا العسكرية الخطيرة وتمنع من مضاعفات مثل هذا العمل .

استراق السمع :

لا شـك فـي ان مراقبة المكالمات الهاتفية الشخصية والتجسس على محتواهاللاطلاع على اسرار الناس , مصداق من مصاديق الاية الشريفة في سورة الحجرات الدالة على حرمة ((التجسس )), كما ان الروايات الاذسلامية تؤكد هذا المعنى .
فـقـد ورد فـي حـديـث عن رسول اللّه (ص ) : ((لا تتبعوا عثرات المسلمين فانه من تتبع عثرات المسلمين تتبع اللّه عثرته , ومن تتبع اللّه عثرته يفضحه )).
والملفت للنظر هو انه ذكر المخاطبين في هذا الحديث بقوله : ((يا معشر من اسلم بلسانه ولم يسلم بقلبه )) ((454)) .
وفـي اصـول الكافي , في باب من طلب عثرات المسلمين وعوراتهم ذكرت احاديث كثيرة اخرى ـ غير الحديث اعلاه .
وحرمة هذا الامر كانت مسلمة بين المسلمين الى درجة ان عمر بن الخطاب كان ذلك ليلة يتجول في ازقـة الـمـديـنة , فسمع رجلا يغني في داره , فتسلق عمر حائطالدار وصاح بالرجل يا عدو اللّه اتعصي اللّه هنا وتظن ان اللّه لن يفضحك ؟ فقال الرجل : مهلا ايها الخليفة , فان كنت قد ارتكبت ذنبا واحدا فانك قد ارتكبت ثلاثة ذنوب , فان اللّه عزوجل يقول ولا تجسسوا وانت تتجسس , وان اللّه عزوجل يقول (وآتوا البيوت من ابوابها) وانت سـطـوت مـن على الجدران , وان اللّه عزوجل يقول : (لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستانسوا وتسلموا على اهلها) ولم تفعل انت ذلك فاستحى عمر وقال : لو عفوت عنك فهل تترك اقتراف هذا الذنب ؟
قال الرجل : نعم , فعفى عنه عمر وخرج ((455)) .
وعـلـى اي حـال , فـلا شـبـهة في ان استراق السمع , بمعنى مراقبة مكالمات الناس ,العادية منها او الـهـاتـفية , وحتى التجسس على الرسائل والمكاتيب الخاصة , كل ذلك من مصاديق التجسس المحرم الواضحة .
ولكن , قد تقتضي الضرورات احيانا, ان ترتكب الحكومة الاسلامية مثل هذاالفعل في بعض الموارد, وهـو مـورد احـتـمال وجود مؤامرة ضد الاسلام والمسلمين ,واحتمال وجود خطر على الانفس والاموال المحترمة , ففي مثل هذه الموارد لا مفرمن استراق السمع والتفتيش في الاعمال , بالضبط كـمـا يتم ذلك في التفتيش عن المواد المخدرة وامثال ذلك في الطرق العامة ووسائل النقل او تفتيش الاشخاص في مداخل المدن والـواقع ان هذه المسالة فرع من فروع مسالة تزاحم الواجبات او تزاحم الواجب والحرام , ولابد من مراعاة ((المرجحات )) ومسالة ((الاهم والمهم )).
وبتعبير اوضح , التجسس على افعال المسلمين حرام ولكن حفظ نفوس افرادالمجتمع , ونظام الدولة الاسـلامية , واحباط مؤامرات الاعدا, اهم من ذلك , وعليه ففي كل مورد يخاف فيه من تعرض مثل هذه الامور للخطر, يجوز استراق السمع للحد من وقوع تلك المخاطر.

التعذيب الجسدي لاخذ الاعترافات

لاشك في ان ايذا اي انسان بلا مبرر غير جائز, وقلنا في الابحاث السابقة ايضابانه لا يجوز تعذيب احد لاخذ الاعترافات منه , وان كل اقرار ماخوذ بهذا الاسلوب غير معتبر شرعا ولا مؤاخذة عليه في القانون .
فـفـي حـديث عن امير المؤمنين الامام علي (ع ) قال : ((من اقر عند تجريد اوتخويف او حبس او تهديد فلا حد عليه )) ((456)) .
ولـكـن اذا كان المتهم قد ارتكب جرما بينا غير ذلك الجرم الذي لم يثبت عليه ,جاز تعزيره لاجله , كـمـا لو القي القبض على سارق في اثنا اقتحامه منزل مسلم , ولم تثبت سرقته , فلو عزر لاقتحامه المنزل واعترف اثنا التعزير بالسرقة ظنا منه ان هذاالتعزير تعذيب لاخذ الاقرار, وثبت بالقرائن صـدق اعـترافه هذا (كما لو دل على مواضع اخفا تلك المسروقات وتبين صحة ذلك ), امكن الاخذ بهذا الاقرارواعتباره شرعيا, وذلك لان القرائن القطعية هي التي تثبت صحة هذا الاقرار.
كـما يمكن اتباع هذا الاسلوب في خصوص الجواسيس الاجانب حتى لو لم يرتكبوا مخالفة قطعية , وكـان حـاكـم الشرع يعتقد يقينا او ظنا قويا بان هذا الجاسوس يحمل معلومات سرية خطيرة تهدد مـصـير الدولة الاسلامية والمسلمين بالخطر, فانه في مثل هذه الحالة يمكن تعذيب هذا الجاسوس والتضييق عليه بشرط مراعاة التعامل الانساني .
وقـد مـر بـنـا فـي قـصة ((حاطب بن ابي بتلعة )), عندما امتنعت ((سارة )) تلك الجاسوسة , عن الاعـتـراف وتسليم الكتاب الذي كتبه حاطب لاهل مكة , سل علي (ع ) سيفه وهددها بالقتل , فخافت ((سـاره )) فـاخـرجـت الـكتاب من شعرهاوسلمته للامام (ع ) فهذا الاقرار كان مقرونا بالتعذيب الروحي ومع ذلك حكم بصحته .
فـمـن الـواضح ان مثل هذه الضغوط في مثل هذه الموارد, ليست امرا مخالفاللعقل ولا للشرع , لان اهـمـيـة الـمـسالة تكون الى درجة يجوز معها مثل هذا التعذيب ,ففي تلك الحادثة , لو ان خبر عزم الرسول (ص ) على فتح مكة , كان قد وصل الى اسماع قريش , لاريقت دما كثيرة في ذلك البلد الامن مع ان نتيجة الحرب كانت واحدة .
وفـي قـصـة قضا امير المؤمنين (ع ) نجد موارد كثيرة مارس الامام (ع ) فيهاالتعذيب الروحي ضد الـمـجـرمين وخاصة في القضايا المهمة التي كانوا يرفضون الاعتراف والاقرار فيها, فكان الامام يمارس مثل ما مر ذكره من الاساليب للحصول على اقرارهم , فمثلا جا في قضيته : ان رجلين تداعيا عـنده , وكان كل منهما يدعي انه السيد وان الاخر غلامه , فقال الامام (ع ) لقنبر يا قنبر علي بسيف رسـول اللّه (ص )عـجـل اضـرب رقبة العبد (بعد ان ادخل راسيهما في ثقبين اعدهما خصيصالهذا الامـر), قـال : فـاخرج الغلام راسه مبادرا فقال علي (ع ) للغلام : الست تزعم انك لست بعبد, ومكث الاخر في الثقب , قال : بلى انه ضربني وتعدى علي ((457)) .
فـلا شـك في ان هذا التهديد كان مؤذيا للغلام الواقعي ولكن هذا المقدار جائزللكشف عن واقع حق مهم ففي موارد التجسس يكون الامر كذلك , بل هو اعلى واولى .
وبـتعبير آخر, فان قانون ((الاهم والمهم )) و ((تزاحم الواجبات والمحرمات )) يجيرمثل هذا التعذيب في مثل هذه الموارد.
ولـكن , ينبغي ان لا يستغل هذا القانون بهذه الذريعة ويعذب المتهمون تعذيباشديدا لا يطاق او يطبق هذا القانون والاستثنا لادنى سؤ ظن بالاشخاص .
ويـنـبغي ان لا ننسى ان هذا مجرد استثنا, ولا يجوز الاستفادة من مثل هذه الاساليب الا في موارد الضرورة مع رعاية الحقوق الانسانية كما وكيفا.
ومـن هـنـا تـتضح لنا مسالة اخرى وهي ان بعض المامورين لجمع المعلومات والاسرار يضطرون ولكسب الاخبار الحساسة والمصيرية , ان يتزيوا بزي الاعداويتقمصوا شخصيات افراد العدو في الـمـلـبس والماكل كي يتمكنوا من اختراق العدو, وفي مثل هذه الحالات قد يضطروا الى ارتكاب بـعـض الـذنـوب كـاكل الحرام اوالحديث ضد الاسلام والمقدسات الاسلامية لتحقيق اغراضهم , فـالـحـكـم هـنـامشمول لقاعدة ((تزاحم الواجب والحرام )) و ((الاهم والمهم )), فمتى ما كان الهدف اعلى واهم من الذنب , كان ارتكاب ذلك الذنب جائزا, لتحقيق الهدف .
سؤال :

هل الغاية تبرر الوسيلة ؟

قـد يـقـال , ان ما ذكرنا من استثناات اليس تعبيرا آخر عن ما هو معروف عند بعض زعما المدارس الالحادية المادية من ان : ((الغايات تبرر الوسائط))؟
وفـي الاجـابـة على هذا السؤال , لابد من الالتفات الى نكتة واحدة وهي ان هؤلاالذين يقولون بهذه الـمـقـالة لم يحددوا قيدا ولا شرطا لها, اي انهم يقولون : للوصول الى الاهداف (بلا استثنا) يمكن التوسل باية وسيلة (بلا استثنا), ولذا فانهم يوجهون الحروب المدمرة الدامية من اجل الحفاظ على مصالحهم الاقتصادية ,فيذهب آلاف الناس ضحية من اجل عدم تضرر مصالحهم بادنى ضرر.
امـا اتـبـاع الاديـان الـسماوية , فهم ينكرون هذه العمومية في الشقين معا, اي انه لايكفي كل هدف لـتـبـرير وتجويز الوسيلة , كما انه ليست كل وسيلة مجازة وان كان الهدف ساميا, فالحاكم هنا هو قـانـون ((الاهـم والـمهم )), تلك الاهمية المقررة عقلاوشرعا, لا كل اهمية وان كانت مصلحة شخصية , وهوى وهوسا شيطانيا.
فـقانون الاهم والمهم ليس امرا يمكن انكاره ـ فمثلا يجوز ضرب وجه من استعمل الترياق ويريد النوم ـ ذلك النوم الذي يؤدي بحياته ـ بعدة صفعات على خده ليفيق من نومه من اجل انقاذه من الموت , واكبر من ذلك يمكن اخذ الضرائب المالية من الناس من اجل اعداد القوة المناسبة لحفظهم من اخطار الاعـداوغـزوهـم , او حبس كل افراد المجتمع في منازلهم لعدة ايام , لتلقيحهم بلقاح ينقذهم من وبا خطير يهدد حياتهم جميعا.
هـذا ما يقوله اتباع مدرسة الانبيا(ع ), بينما نجد ان اتباع المدارس المادية الالحادية لا يشترطون اي شرط لتطبيق قاعدتهم , فيجيزون كل وسيلة للوصول الى اي هدف من اهدافهم .
وبـهـذا يـنتهي الجز العاشر من نفحات القرآن والذي يتناول البحث حول الحكومة والولاية , وبهذا تـنـتـهي الدورة الكاملة في المعارف والعقائد الاسلامية وموجهة نظر القرآن الكريم وعلى اساس الـتـفـسـير الموضوعي في عشرة اجزانشكر اللّه ونحمده على هذا التوفيق الذي شملنا لادا هذا الامر المهم .
الـهـنـا: تـقبل منا جميعا هذا المجهود المتواضع واجعله ذخرا لنا في يوم الجزا,ووفق كل من يود الاطلاع على المعارف والعقائد الاسلامية من وجهة نظر القرآن الكريم الى الاطلاع عليه .
تم في آخر شهر صفر يوم ذكرى استشهاد.
الامام علي بن موسى الرضا(ع ) سنة .
1416ه.