next page

fehrest page

back page

5 - فـي ان جملة (ان الظالمين لهم عذاب اليم ) تابعة لحديث الشيطان ام كلام مستقل من اللّه تعالى , هـناك آراءمختلفة عند المفسرين , لكن التفسير الاقرب هو ان الجملة مستقلة ومن كلام اللّه حيث قالها في نهاية حديث الشيطان مع اتباعه لتكون درسا تربويا.
وبعد بيان حال الجبارين والظالمين ومصيرهم المؤلم , تتطرق الاية الاخيرة من هذا البحث الى حال المؤمنين وعاقبتهم حيث يقول تعالى : (واءدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الانهار) الى آخر الاية .
التحية في الاصل الحياة وتستعمل لسلامة وحياة الافراد, وتطلق لكل تحية وسلام ودعاء في بداية اللقاء.
قال بعض المفسرين : التحية هنا من اللّه للمؤمنين قرينة على نعمهم وسلامتهم من كل اذى ونزاع (لذلك فتحيتهم اضافة لمفعول , وفاعله اللّه ).
وقال البعض الاخر: ان القصد هو تحية المؤمنين فيما بينهم , او تحية الملائكة لهم , وعلى اية حال فـسلام التي قيلت بشكل مطلق لها من المفهوم الواسع بحيث يشمل كل سلامة من اي نوع من انواع العذاب الروحي والجسمي ((307)) .

الايات 24 - 27

اءلـم تر كيف ضرب اللّه مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة اءصلها ثابت وفرعها فى السماء تؤتى اءكلها كـل حـيـن باذن ربها ويضرب اللّه الا مثال للناس لعلهم يتذكرون ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجـتثت من فوق الا رض ما لها من قرار يثبت اللّه الذين ءامنوا بالقول الثابت فى الحيوة الدنيا وفى الا خرة ويضل اللّه الظلمين ويفعل اللّه ما يشاء التفسير الشجرة الطيبة والشجرة الخبيثة هـنا مشهد آخر في تجسيم الحق والباطل , الكفر والايمان , الطيب والخبيث ضمن مثال واحد جميل وعميق المعنى ... يكمل البحوث السابقة في هذا الباب .
يـقول تعالى اولا: (الم تر كيف ضرب اللّه مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة ) ثم يشير الى خصائص هذه الشجرة الطيبة في جميع ابعادها ضمن عبارات قصيرة .
ولكن قبل ان نستعرض هذه الخصائص يجب ان نعرف ما المقصود من الكلمة الطيبة ؟ قال بعض المفسرين : انها كلمة التوحيد (لا اله الا اللّه ).
وقال آخرون : انها تشير الى الاوامر الالهية .
وقال البعض الاخر: انه الايمان الذي محتواه ومفهومه (لا اله الا اللّه ).
وقال آخرون في تفسيرها: انها شخص المؤمن .
واخيرا قال بعضهم : انها الطريقة والبرامج العملية .
ولكن بالنظر الى سعة مفهوم ومحتوى الكلمة الطيبة نستطيع ان نقول : انها تشمل جميع هذه الاقوال , لان الكلمة في معناها الواسع تشمل جميع الموجودات , ولهذا السبب يقال للمخلوقات كلمة اللّه .
و الـطـيـب كـل طـاهـر ونظيف , فالنتيجة من هذا المثال انه يشمل كل سنة ودستور وبرنامج وطـريـقة , وكل عمل ,وكل انسان .. والخلاصة : كل موجود طاهر ونظيف وذي بركة , وجميعها كشجرة طيبة فيها الخصائص التالية : 1 - كائن يمتلك الحركة والنمو, وليس جامدا ولا خاملا, بل ثابت وفاعل ومبدع للاخرين ولنفسه (التعبيربالشجرة بيان لهذه الحقيقة ).
2 - هـذه الشجرة طيبة , ولكن من اية جهة ؟ بما انه لم يذكر لها قسم خاص بها, فانها طيبة من كل جهة .. منظرها,ثمارها, ازهارها, ظلالها, ونسيمها جميعها طيب وطاهر.
3 - لـهذه الشجرة نظام دقيق , لها جذور واغصان , وكل واحد له وظيفته الخاصة , فوجود الاصل والفرع فيهادليل على سيادة النظام الدقيق عليها.
4 - اصـلـهـا ثـابـت محكم بشكل لا يمكن ان يقلعها الطوفان ولا العواصف . وباستطاعتها ان تحفظ اغـصـانـهـا العالية في الفضاء وتحت نور الشمس , لان الغصن كلما كان عاليا يحتاج الى جذور قوية (اصلها ثابت ).
5 - ان اغـصـان هذه الشجرة الطيبة ليست في محيط ضيق ولا ردي ء, بل مقرها في عنان السماء, وهذه الاغصان والفروع تشق الهواء وتصعد فيه عاليا (وفرعها في السماء).
ومـن الـواضح ان الاغصان كلما كانت عالية وسامقة تكون بعيدة عن التلوث والغبار وتصبح ثمارها نظيفة ,وتستفيد اكثر من نور الشمس والهواء الطلق , فتكون ثمارها طيبة جدا ((308)) .
6 - هذه الشجرة كثيرة الثمر لا كالاشجار الذابلة العديمة الثمر, ولذلك فهي كثيرة العطاء (تؤتي اكلها).
7 - وثمارها ليست فصلية , بل في كل فصل وزمان , فاذا اردنا ان نمد يدنا الى اغصانها في اي وقت لم نرجع خائبين (كل حين ).
8 - ان انتاجها من الثمار يكون وفق قوانين الخلقة والسنن الالهية وليس بدون حساب (باذن ربها).
والان يجب ان نفتش , اين نجد هذه الخصائص والبركات ؟ نجدها بالتاكيد في كلمة التوحيد ومحتواها, وفي الانسان الموحد ذي المعرفة , وفي البرامج الحية النظيفة ,وجميعها نامية ومتحركة ولها اصول ثابتة ومحكمة وفروع كثيرة وعالية بعيدة عن التلوث بالادران الجسدية والدنيوية , وكلها مثمرة وفياضة .
ومـا مـن احـد ياتي اليها ويمد يده الى فروعها الا ويستفيد من ثمارها اللذيذة العطرة , وتتحقق فيه الخصال المذكورة , فعواصف الاحداث الصعبة والمشاكل الكبيرة لا تزحزحه من مكانه , ولا يتحدد, وافق تفكيره في هذه الدنيا الصغيرة , بل يشق حجب الزمان والمكان ويسير نحو المطلق اللامتناهي .
سـلـوكـهم وبرامجهم ليست تابعة للهوى والهوس , بل طبقا للاوامر الالهية وباذن ربهم , وهذا هو مصدر الحركة والنمو في حركتهم .
الـرجـال العظام من المؤمنين هم كلمة اللّه الطيبة , وحياتهم اصل البركة , دعوتهم توجب الحركة , آثـارهـم وكـلماتهم واقوالهم وكتبهم وتلاميذهم وتاريخهم .. وحتى قبورهم جميعها ملهمة وحية ومربية .
نعم (ويضرب اللّه الامثال للناس لعلهم يتذكرون ).
وهناك سؤال مطروح بين المفسرين وهو: هل لوجود هذه الشجرة وصفاتها واقع خارجي ؟ يعتقد البعض بوجودها وهي النخلة , ولذلك اضطروا الى ان يفسروا (كل حين ) بستة اشهر.
ولكن لا حاجة الى الاصرار في وجود مثل هذه الشجرة , بل هناك تشبيهات كثيرة وليس لها وجود خارجي اصلا.
وعـلـى اية حال , فالهدف من التشبيه هو تجسيم الحقائق والمسائل العقلية وصبها في قالب الحواس , وهذه الامثال ليس فيها اي ابهام , بل هي مقبولة ومؤثرة وجذابة .
وفـي عـيـن الـحال هناك اشجارا في هذه الدنيا ثمارها لا تنقطع على طول السنة , وقد راينا بعض الاشجار في المناطق الحارة وكانت مثمرة وفي نفس الوقت لها ازهار جديدة للثمار المقبلة وبـما ان احد افضل الطرق لتوضيح المسائل هو الاستفادة من طريق المقابلة والمقايسة , فقد جعلت النقطة المقابلة للشجرة الطيبة , الشجرة الخبيثة (ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الارض ما لها من قرار).
والـكـلـمـة الخبيثة هي كلمة الكفر والشرك , وهي القول السي ء والردي ء, وهي البرنامج الضال والمنحرف ,والناس الخبثاء, والخلاصة : هي كل خبيث ونجس .
ومـن البديهي ان مثل هذه الشجرة ليس لها اصل , ولا نمو ولا تكامل ولا ثمار ولا ظل ولا ثبات ولا استقرار, بل هي قطعة خشبية لا تصلح الا للاشتعال ... بل اكثر من ذلك هي قاطعة للطريق وتزاحم السائرين واحيانا تؤذي الناس ومـن الـطـريـف ان الـقرآن الكريم فصل الحديث في وصف الشجرة الطيبة بينما اكتفى في وصف الـشـجرة الخبيثة بجملة قصيرة واحدة (اجتثت من فوق الارض وما لها من قرار), وهذا نوع من لطافة البيان ان يتابع الانسان جميع خصوصيات ذكر المحبوب بينما يمر بسرعة في جملة واحدة بذكر المبغوض ومرة اءخرى نجد المفسرين اختلفوا في تفسير الشجرة الخبيثة , وهل لها واقع خارجي ؟ قال البعض : انها شجرة الحنظل والتي لها ثمار مرة ورديئة .
واعتقد آخرون انها الكشوت وهي نوع من الاعشاب المعقدة التي تنبت في الصحراء ولها اشواك قصيرة تلتف حولها وليس لها جذر ولا اوراق .
وكـما قلنا في تفسير الشجرة الطيبة , ليس من اللازم ان يكون للشجرة الخبيثة وجود خارجي في جميع صفاتها,بل الهدف هو تجسيم الوجه الحقيقي لكلمة الشرك والبرامج المنحرفة والناس الخبثاء, وهـؤلاء كالشجرة الخبيثة ليس لها ثمار ولا فائدة ... الا المتاعب والمشاكل . مضافا الى ان الاشجار والنباتات الخبيثة التي قلعتها الاعاصير ليست قليلة .
وبما ان الايات السابقة جسدت حال الايمان والكفر, الطيب والخبيث من خلال مثالين صريحين , فان الايـة الاخـيـرة تـبحث نتيجة عملهم ومصيرهم النهائي , يقول تعالى : (يثبت اللّه الذين آمنوا بالقول الـثـابـت في الحياة الدنيا وفي الاخرة ) لان ايمانهم لم يكن ايمانا سطحيا وشخصيتهم لم تكن كاذبة ومـتـلونة , بل كانت شجرة طيبة اصلها ثابت وفرعها في السماء, وبما ان ليس هناك من لا يحتاج الى الـلـطـف الالهي , وبعبارة اءخرى : كل المواهب تعود لذاته المقدسة , فالمؤمنون المخلصون الثابتون بـالاسـتناد الى اللطف الالهي يستقيمون كالجبال في مقابل اية حادثة . واللّه تعالى يحفظهم من الزلات التي تعتريهم في حياتهم . ومن الشياطين الذين يوسوسون لهم زخرف الحياة ليزلوهم عن الطريق .
وكـذلـك فـاللّه تـعالى يثبتهم امام القوى الجهنمية للظالمين القساة , الذين يسعون لاخضاعهم بانواع التهديدوالوعيد.
ومن الطريف ان هذا الحفظ والتثبت الالهيين يستوعبان كل حياتهم في هذه الدنيا وفي الاخرة , فهنا يثبتون بالايمان ويبرؤون من الذنوب , وهناك يخلدون في النعيم المقيم .
ثم يشير الى النقطة المقابلة لهم (ويضل اللّه الظالمين ويفعل اللّه ما يشاء).
قـلنا مرارا: ان الهداية والضلال التي تنسب الى اللّه عزوجل لا تتحققان الا بان يرفع الانسان القدم الاول لـهـا,فـاللّه عـزوجـل عـندما يسلب المواهب والنعم من العبد او يمنحها له يكون ذلك بسبب استحقاقه او عدم استحقاقه .
ووصـف الـظـالمين بعد جملة يضل اللّه افضل قرينة لهذا الموضوع , يعني ما دام الانسان غير ملوث بالظلم لاتسلب الهداية منه , اما اذا تلوث بالظلم وعمت وجوده الذنوب , فسوف يخرج من قلبه نـور الـهـدايـة الالهية , وهذه عين الارادة الحرة . وبالطبع اذا غير مسيره بسرعة فطريق النجاة مفتوح له , ولكن اذا استحكم الذنب فان طريق العودة يكون صعبا جدا.
..
بحوث 1 - هل القصد من الاخرة في الاية هو القبر؟ نـقـرا فـي روايـات متعددة ان اللّه يثبت الانسان على خط الايمان عندما يواجه اسئلة الملائكة في القبر, وهذا معنى الاية (يثبت اللّه الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الاخرة ).
ولقد وردت كلمة القبر بصراحة في بعض هذه الروايات ((309)) .
ولـكـن هـناك رواية شريفة عن الامام الصادق (ع ) قال : ان الشيطان لياتي الرجل من اوليائنا عند مـوتـه عـن يـمـيـنـه وعن شماله ليضله عما هو عليه , فيابى اللّه عزوجل له ذلك , وهو قول اللّه عزوجل : (يثبت اللّه الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الاخرة ) ((310)) .
واكثر المفسرين يميلون الى هذا التفسير, طبقا لما نقله المفسر الكبير العلامة الطبرسي في مجمع البيان ولعل ذلك يعود الى ان الاخرة ليست محلا للاعمال ولا للانحراف , بل هي محل الحصول على الـنـتائج فحسب ولكن عندوقوع الموت وحتى في البرزخ (الذي هو عالم بين الدنيا والاخرة ) قد تحصل بعض الهفوات , فهنا يكون اللطف الالهي عاملا في حفظ وثبات الانسان .
2 - دور الثبات والاستقامة مـن بـيـن جـميع الصفات التي ذكرتها الايات اعلاه للشجرة الطيبة والخبيثة , وردت مسالة الثبات وعـدم الـثـبات بشكل اكثر, وحتى في بيان ثمار هذه الشجرة يقول تعالى : (يثبت اللّه الذين آمنوا) وبهذا الترتيب تتضح لنا اهمية الثبات ودوره في حياة الانسان .
فـكثير من الاشخاص من ذوي القابليات المتوسطة , الا انهم ينالون انتصارات كبيرة في حياتهم , ثم اذا حققنافي الامر لم نجد دليلا الا الثبات والاستقامة لديهم .
ومـن جـهة اجتماعية لا يتحقق اي تقدم في البرامج الا في ظل الثبات , ولهذا السبب نجد المخربين يـسعون في تدمير الاستقامة , ولا نعرف المؤمنين الصادقين الا من خلال استقامتهم وثباتهم في مقابل الحوادث الصعبة .
3 - الشجرة الطيبة والخبيثة في الروايات الاسلامية كـمـا قـلـنا اعلاه فان كلمة الطيبة و الخبيثة التي شبهت الشجرتان بها, لها مفهوم واسع بحيث تـشـمل كل شخص وبرنامج ومبدا وفكر وعلم وقول وعمل , ولكن وردت في بعض الروايات في موارد خاصة ولكن لا تنحصر بها.
ومـن جملتها ما ورد في الكافي عن الامام الصادق (ع ) في تفسير الاية (كشجرة طيبة اصلها ثابت وفـرعها في السماء) قال : رسول اللّه اصلها وامير المؤمنين فرعها, والائمة من ذريتهما اغصانها, وعـلـم الائمة ثمرها, وشيعتهم المؤمنون ورقها, هل فيها فضل ؟ (اي هل يبقى شي ء) قال قلت : لا واللّه , قـال : واللّه ان الـمـؤمـن لـيـولـد فـتـورق ورقة فيها, وان المؤمن ليموت فتسقط ورقة منها ((311)) .
وعـنـه ايضا (ع ) حينما ساله سائل عن معنى الاية (تؤتي اكلها كل حين باذن ربها) قال : ذاك علم الائمة ياتيكم كل عام من كل المناطق ((312)) .
وفـي روايـة اءخرى : الشجرة الطيبة رسول اللّه وعلي وفاطمة وبنوها, والشجرة الخبيثة بنو امية ((313)) .
وفي بعضها الاخر فسرت الشجرة الطيبة بالنخل والخبيثة بالحنظلة .
وعـلـى اية حال ليس هناك من تضاد بين هذه التفاسير, بل بينها وبين ما قلناه اعلاه ترابط وتنسبق , لانهامصاديقها.

الايات 28 - 30

اءلـم تـر الـى الـذين بدلوا نعمت اللّه كفرا واءحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار وجعلوا للّه اءندادا ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا فان مصيركم الى النار التفسير نهاية كفران النعم : الـخطاب في هذه الايات موجه للرسول (ص ) وهو في الحقيقة عرض لواحد من موارد الشجرة الخبيثة .
يـقـول تـعـالى اولا: (الم تر الى الذين بدلوا ...) الى نهاية الاية . هؤلاء هم جذور الشجرة الخبيثة وقـادة الـكـفروالانحراف , لديهم افضل نعمة وهو رسول اللّه , وباستطاعتهم ان يستفيدوا منه في الـطـريق الى السعادة , الا ان تعصبهم الاعمى وعنادهم وحقدهم صارت سببا في تركهم هذه النعمة الكبيرة , ولم يقتصروا على تركها فحسب . بل اضلواقومهم ايضا مما جعلهم يسلكون هذا السلوك .
مـع ان بـعـض الـمفسرين الكبار عند متابعتهم للروايات الاسلامية فسروا - احيانا - هذه النعمة بوجود النبي (ص ), واحيانا اءخرى بالائمة (ع ), وفسروا الكافرين بهذه النعمة بني امية و بني الـمـغيرة مرة , ومرة اءخرى جميع الكفار الذين عاصروا عهد النبي (ص ), ولكن من المسلم به ان لـلاية مفهوما اوسع من هذا, وليس مختصا بمجموعة معينة , بل تشمل جميع الافراد الذين يكفرون بالنعم الالهية .
وتثبت الاية ضمنا هذه الحقيقة , وهي ان الاستفادة من وجود القادة العظام تعود لنفس الانسان , كما ان الكفربهذه النعمة العظيمة يؤدي الى الهلاك والبوار.
ثم ان القرآن الكريم يفسر دار البوار بقوله تعالى : (جهنم يصلونها وبئس القرار) ((314)) .
ثـم يشير في الاية الاخرى الى واحدة من اسوا انواع كفران النعم (وجعلوا للّه اندادا ليضلوا عن سـبيله ) لكي يستفيدوا عدة ايام من حياتهم المادية ومن رئاستهم وحكومتهم في ظل الشرك والكفر لاضلال الناس عن طريق الحق .
ايها النبي (قل تمتعوا فان مصيركم الى النار).
فـحـيـاتـكم هذه شقاء ورئاستكم فاسدة , ومع ذلك فانها تعد حياة لذيذة وسعيدة بالنسبة للنهاية التي تنتظرهم , كمانقرا في آية اءخرى (قل تمتع بكفرك قليلا انك من اصحاب النار). ((315)) ..
بحوث 1 - يقال في العبارات الدارجة : ان الشخص الفلاني كفر بنعمة اللّه , ولكن الاية اعلاه تقول : (الذين بدلوا نعمت اللّه كفرا) ان هذا التعبير الخاص يدل على احد امرين : الـف : الـمـراد من تبديل النعمة الى كفران هو عدم شكرهم لهذه النعم , فبدلوا الشكر بالكفران (في الحقيقة كلمة الشكر مقدرة , ففي التقدير: الذين بدلوا شكر نعمة اللّه كفرا).
ب : - ان الـمـقـصـود هـو تـبديلهم نفس النعمة كفرا, وفي الحقيقة فان النعم الالهية وسائل , وطريقة استعمالهامرتبطة بارادة الانسان , فمثلما يمكن ان نستفيد منها في طريق السعادة والايمان والعمل الصالح , يمكن ان نستعملهاكذلك في مسير الكفر والظلم والفساد, فهي كالمواد الاولية التي يمكن بمساعدتها الحصول على انواع مختلفة من الانتاج , الا انها خلقت في الاصل للخير والسعادة .
2 - ليس كفران النعم عدم الشكر اللساني فقط, بل كل استفادة غير صحيحة ومنحرفة للنعم , تلك هـي حـقيقة الكفران , واما عدم الشكر باللسان ففي الدرجة الثانية , وكما قلنا سابقا فان شكر النعمة تـعني صرفها في الهدف الذي خلقت من اجله , والشكر عليها باللسان ياتي في الدرجة الثانية , فاذا قلنا آلاف المرات : الحمد للّه , ولكننا اساناعمليا الاستفادة من النعم , فذلك كفران للنعم .
وفـي عـصـرنا الحاضر افضل نموذج لتبديل النعم بالكفران هو استخدام الانسان لمواهب الطبيعة بـفـكـره ومـهارته التي منحها اللّه للانسان لخدمة منافعه الخاصة . فالاكتشافات العلمية والخبرات الـصـناعية غيرت وجه العالم ورفعت عن كاهل الانسان عبئا ثقيلا ووضعته على عجلات المعامل .
فـالـمـواهب والنعم الالهية اكثر من اي زمن آخر,ووسائل نشر المعارف وانتشار العلوم ومعرفة جـمـيع اخبار العالم متوفرة في ايدي الجميع , فيجب على الناس في هذا العصر ان يكونوا سعداء من الناحية المادية والمعنوية .
ولـكـن بـسـبـب تـبديل النعم الالهية الكبيرة الى كفران , وصرف القوى الطبيعية في طريق الظلم والـطـغيان واستخدام الاختراعات والاكتشافات في طريق الاهداف المخربة بحيث ان كل تطور صـناعي يستخدم اولا في عمليات التدمير. وخلاصة القول : ان عدم الشكر هذا والذي هو بعيد عن التعاليم الصالحة للانبياء ادى الى ان يجروا قومهم ومجتمعهم الى دار البوار.
ودار البوار هذه هي مجموعة من الحروب الاقليمية والعالمية بكل آثارها التخريبية , وكذلك عدم الامن والظلم والفساد والاستعمار حيث يبتلي بها في النهاية المؤسسون لها ايضا, كما راينا في السابق ونراه اليوم .
وما الطف تصوير القرآن حيث جعل مصير كل الاقوام والامم التي كفرت بانعم اللّه الى دار البوار.
3 - انداد جمع ند بمعنى المثل ولكن الراغب في مفرداته والزبيدي في تاج العروس قالا: ان الـنـد يـقال للشي ء الذي يشابه الشي ء الاخر جوهريا, و المثل يطلق على كل شي ء شبيه لشي ء, ولذلك فالند له معنى اعمق وادق من المثل .
وطـبـقـا لـهـذا المعنى نستفيد من الاية اعلاه ان ائمة الكفر كانوا يسعون لان يجعلوا للّه شركاء ويشبهوهم في جوهرذاتهم باللّه عزوجل , لكي يضلوا الناس عن عبادة اللّه ويحصلوا على مقاصدهم الشريرة .
فـتـارة يقربون لهؤلاء الشركاء القرابين , واءخرى يجعلون قسما من النعم الالهية (كبعض الانعام ) مخصوصة للاصنام , ويعتقدون احيانا بعبادتها. واوقح من ذلك كله كانوا يقولون اثناء حجهم في عصر الجاهلية : (لبيك لا شريك لك - الا شريك هو لك - تملكه وما ملك ) ((316)) .

الايات 31 - 34

قل لعبادى الذين ءامنوا يقيموا الصلوة وينفقوا مما رزقنهم سرا وعلانية من قبل اءن ياءتى يوم لا بيع فيه ولا خلل اللّه الذى خلق السموات والا رض واءنزل من السماء ماء فاءخرج به من الثمرت رزقا لـكـم وسـخر لكم الفلك لتجرى فى البحر باءمره وسخر لكم الا نهر وسخرلكم الشمس والقمر دائبـيـن وسـخـر لكم اليل والنهار وءاتيكم من كل ما ساءلتموه وان تعدوانعمت اللّه لا تحصوها ان الانسن لظلوم كفار التفسير عظمة الانسان من وجهة نظر القرآن : تعقيبا للايات السابقة في الحديث عن برنامج المشركين والذين كفروا بانعم اللّه وكون مصيرهم الى دار الـبـوار,تتحدث هذه الايات عن برنامج عباد اللّه المخلصين والنعم النازلة عليهم , يقول تعالى : (قـل لعبادي الذين آمنوايقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ) قبل ان ياتي ذلك اليوم الذي لا يستطيع فيه الانسان من التخلص من العذاب بشراء السعادة والنعيم الخالد, ولا تنفع الصداقة حينئذ (من قبل ان ياتي يوم لا بيع فيه ولا خلال ).
ثـم تتطرق الاية الى معرفة اللّه عن طريق نعمه , معرفة تؤدي الى احياء ذكره في القلوب , وتحث الانـسـان عـلى تعظيمه في مقابل لطفه وقدرته , لان من الامور الفطرية ان يشعر الانسان في قلبه بالحب والود لمن اعانه واحسن اليه .
ويبين هذا الموضوع من خلال عدة آيات (اللّه الذي خلق السماوات والارض وانزل من السماء ماء فاخرج به من الثمرات رزقا لكم ).
ثـم انـه (وسـخر لكم الفلك ) سواء من جهة موادها الاولية المتوفرة في الطبيعة , او من جهة القوة المحركة لها وهي الرياح التي تهب على البحار والمحيطات بصورة منتظمة لتسيير هذه السفن فتنقل الانسان وما يحتاج اليه من منطقة الى اءخرى بيسر وسهولة : (لتجري في البحر باءمره ).
(وسخر لكم الانهار) كي تسقوا من مائها زروعكم , وتشربوا انتم وانعامكم , وفي كثير من الاحيان تكون طريقاللسفن والقوارب , وتستفيدون منها في صيد الاسماك .
ولـيـسـت مـوجـودات الارض - فـقـط - مـسـخـرة لـكـم , بـل (وسخر لكم الشمس والقمر دائبين ) ((317)) .
ولـيـسـت مخلوقات العالم بذاتها فقط, بل حتى الحالات العرضية لها هي في خدمتكم : (وسخر لكم الليل والنهاروآتاكم من كل ما سالتموه ) من احتياجاتكم البدنية والاجتماعية وجميع وسائل السعادة والـرفـاه (وان تـعـدوا نـعـمة اللّه لا تحصوها) لان النعم المادية والمعنوية للخالق شملت جميع وجـودكم وهي غير قابلة للاحصاء, وعلاوة على ذلك فان ما تعلمونه من النعم بالنسبة لما تجهلونه كقطرة في مقابل البحر.
وعلى الرغم من كل هذه الالطاف والنعم ف(ان الانسان لظلوم كفار).
فـلـو كان الانسان يستفيد من هذه النعم بشكلها الصحيح لاستطاع ان يجعل الدنيا حديقة غناء ولنفذ مـشروع المدينة الفاضلة , ولكن بسبب عدم الاستفادة الصحيحة لها اصبحت حياته مظلمة , واهدافه غير سامية , فتراكمت عليه المشاكل والصعاب وقيدته بالسلاسل والاغلال .
..
بحوث 1 - الصلة بالخالق والصلة بالخلق نـواجـه فـي هـذه الايـات مـرة اءخرى وفي تنظيم برنامج المؤمنين الصادقين مسالة الصلاة و الانـفـاق , وفي البداية قد يطرح هذا السؤال , وهو: كيف اشار القرآن الكريم لهاتين المسالتين من بين جميع البرامج العملية للاسلام ؟العلة في ذلك ان للاسلام ابعاد مختلفة يمكن تلخيصها في ثلاث نـقاط: علاقة الانسان بربه , وعلاقته بخلق اللّه ,وعلاقته بنفسه , وهذا القسم الاخير في الحقيقة نتيجة للقسم الاول والثاني , فالصلاة والانفاق كل واحدة منهما رمزللعلاقة الاولى والثانية .
والـصلاة مظهر لصلة الانسان بربه وهذه الصلة تظهر في الصلاة بشكل اوضح من اي عمل آخر, والانفاق رمزللصلة بين المخلوقين , فالرزق في مفهومه الواسع يشمل كل نعمة مادية ومعنوية .
وبالنظر الى ان هذه السورة مكية , واثناء نزولها لم يكن حكم الزكاة نازلا بعد, لا نستطيع القول : ان هذا الانفاق مرتبط بالزكاة , بل له معنى واسع بحيث يشمل حتى الزكاة بعد نزولها.
وعـلـى اية حال اذا تاصل الايمان فسوف يتجلى بالعمل فيقرب الانسان الى ربه من جانب , الى عباده من جانب آخر.
2 - لماذا السر والعلانية ؟ نـقـرا مرارا في آيات القرآن ان المؤمنين ينفقون او يتصدقون في السر والعلانية , وبهذا الترتيب فـانـه تـعـالى مع ذكره للانفاق يذكر كيفية الانفاق , لانه يكون مرة في السر اكثر تاثيرا وكرامة , ويكون مرة اءخرى في الجهر سببا في تشجيع الاخرين واقتدائهم في اقامة الشعائر الدينية .
ولـو قامت حرب بين دولة اسلامية واءخرى كافرة لراءينا الناس المؤمنين يحملون كل يوم مقادير كبيرة من التبرعات الى المناطق المنكوبة لمساعدة المتضررين بالحرب , او الجرحى والمعوقين او المقاتلين , ومن المعلوم ان نشر اخبار هذه التبرعات مفيد جدا ولتكون دليلا على مواساتهم , ودعمهم لـمـقـاتـلـيهم , واحياءا لروح الانسانية في عامة الناس , وتشجيعا للذين تخلفوا عن هذه القافلة لكي يوصلوا انفسهم بها, ومن البديهي ان الانفاق هنا في العلانية اكثر تاثيرا.
ويـقول بعض المفسرين : ان الفرق بين الانفاقين هو ان الانفاق العلني مرتبط بالواجبات , فلا يخشى عليه من الرياء, لان العمل بالواجبات لازم للجميع ولا داعي لاخفائه , واما الانفاق المستحب - ولانه زائد عـن الـوظـيفة الواجبة - فمن الممكن ان تتخلله حالة من التظاهر والرياء ولذلك كان اخفاؤه افضل .
ولكن الظاهر ان هذا التفسير ليس اصلا كليا على حدة . بل هو فرع من التفسير الاول .
3 - يوم لا بيع فيه ولا خلال مـن الـمعلوم ان يوم القيامة هو يوم استلام النتائج ومتابعة جزاء الاعمال , وبهذا الترتيب لا يستطيع احـد هناك ان ينجو من العذاب بفدية , حتى لو افترضنا انه ينفق جميع ما في الارض فانه لا يمكن ان يـمحو ذرة من جزاء اعماله ,لان صحيفته في دار العمل اي الدنيا مليئة بالاخطاء والذنوب وهناك دار الحساب .
وكـذلـك لا تـسـتـطـيع العلاقة المادية للصداقة مع اي شخص كان ان تنجيه من العذاب , وبعبارة اءخرى : ان الانسان غالبا ما يلجاء الى المال اءو الواسطة (الرشوة , العلاقات ) في نجاته من المصاعب في هذه الدنيا, فاذا كان تصورهم ان الاخرة كذلك فهذا دليل وهمهم وجهلهم .
ومـن هـنا يتضح ان نفي وجود الخلة والصداقة في هذه الاية لا يتنافى مع صداقة المؤمنين بعضهم لبعض في الاخرة والتي اشارت اليها بعض الايات , لانها صداقة مودة معنوية في ظل الايمان .
واما مسالة الشفاعة فقد قلنا كرارا انها تخلو من اي مفهوم مادي , بل بالنظر الى ما صرحت به بعض الايـات فـانـهـا في ظل العلاقات المعنوية وصلاحية البعض بسبب اعمال الخير (وقد شرحنا هذا الموضوع في ذيل الاية 254من سورة البقرة ).
4 - كل الموجودات تحت امرة الانسان نـواجه في هذه الايات مرة اءخرى تسخير مختلف الموجودات في الارض والسماء للانسان , وقد قسمت الى ستة اقسام : تسخير الفلك , والانهار, والشمس , والقمر, والليل , والنهار. ونرى ان قسما من هذه المسخرات من السماء, وقسما آخر من الارض , وقسما ثالثا من الظواهر بين الاثنين (الليل والنهار).
وقلنا سابقا, ونكرر هنا للتذكرة : ان الانسان من وجهة نظر القرآن له من العظمة بحيث سخر اللّه لـه جـميع ما في الوجود, اما ان يكون زمام امورها بيده او تتحرك ضمن منافعه , وعلى اية حال فهذه العظمة جعلته من اشرف الموجودات .
فـالـشمس : تسطع له بالنور, وتعطيه الحرارة , وتساعد على نمو النباتات له , وتطهر محيطه من الامراض ,وتخلق له البهجة والسرور, وتعلمه الحياة .
وامـا الـقـمر: فمصباح في ليله المظلم , ومفكرة طبيعية دائمة , ومن آثاره تتكون ظاهرة الجزر والـمد لتحل كثيرامن مشاكله , فتسقي الاشجار (بسبب ارتفاع منسوب المياه في الانهار المجاورة لـلبحار) وتتحرك مياه البحارالراكدة كي لا تتعفن , وليدخل الاوكسجين فيها بسبب الامواج ليكون تحت تصرف الكائنات الحية .
الـرياح : تؤدي الى حركة السفن في المحيطات حيث تشكل اكبر واسطة نقل وفي اوسع طريق لـلانـسان , بحيث تستطيع - احيانا - ان تدفع سفينة بحجم مدينة صغيرة بكامل افرادها وتنقلها في المحيطات .
الانـهـار: تـجري في خدمة الانسان , تسقي زرعه , وتروي مواشيه , وتجعل محيطة ذا طراوة , وتربي له الاسماك لتغذيته .
ظـلام الـلـيـل : حـيث هو سكن للانسان , ويمنحه الطمانينة والراحة , ويخفف من حرارة الجو الملتهبة في النهار.
واخيرا ضياء النهار: يدعوه الى الحركة والسعي , ويخلق له الدف ء والحرارة .
والـخـلاصـة : ان كل ما على الارض وحولها لنفع الانسان , وبيان هذه النعم وشرحها يمنح الانسان شخصية جديدة , وتفهمه عظمة مقامه وتبعث فيه الاحساس بالشكر اكثر.
ونستفيد ايضا من هذا البيان ان للتسخير في لغة القرآن معنيان : الاول : التسخير لخدمة الانسان وتحقيق منافعه ومصالحه (كتسخير الشمس والقمر).
والثاني : التسخير الذي يكون زمام اموره بيد الانسان (كتسخير الفلك والبحار).
وامـا مـا اعـتـقـده الـبعض من ان هذه الايات اشارة الى تسخير الانسان للقمر وغيره في عصرنا الـحـاضر فاننا لانراه صحيحا, لان هناك بعض الايات تقول : (وسخر لكم ما في السماوات وما في الارض جميعا منه ) ((318)) , فلا يستطيع الانسان ان يصل الى جميع الكرات السماوية بتاتا.
نعم هناك بعض الايات قد تشير الى هذا النوع من التسخير, وسوف نبحث هذا الموضوع باذن اللّه فـي تفسيرسورة الرحمن (وسبق لنا بحث في تسخير الموجودات للانسان في ذيل الاية (2) من سورة الرعد).
5 - دائبين قلنا ان دائب من مادة الدؤوب بمعنى استمرار العمل طبقا للعادة والسنة , فالشمس لا تدور حول الارض ,بـل الارض تدور حول الشمس , ونحن نظن ان الشمس تدور حولنا, وهذه الحركة ليست الـمقصودة في معنى دائب بل الاستمرار في انجاز العمل يدخل في مفهوم الدؤوب , ونحن نعلم ان الـشـمـس والـقمر لهما برنامج في انبعاث النوروما يتبعه من توقف الحياة على الارض عليه بشكل مـسـتمر وفي غاية من الدقة (وهناك حركات اءخرى للشمس كمايقوله العلماء, منها الحركة حول نفسها, وحركتها مع المجموعة الشمسية ).
6 - هل يعطينا اللّه كل ما نطلب منه ؟ قـرانـا فـي الايـات اعلاه ان اللّه عزوجل لطف بكم واعطاكم من كل ما سالتموه (من في الاية تـبـعيضية ) وذلك بسبب ان كثيرا مما يطلبه الانسان من ربه قد يعود عليه بالضرر والهلاك , ولكن اللّه حـكـيـم وعالم ورحيم فلا يستجيب لمثل هذه الطلبات , وفي المقابل نرى في اكثر الاحيان ان الانـسان لا يطلب شيئا بلسانه , ولكن يتمناه بفطرته ووجدانه فيستجيب اللّه له , وليس هناك مانع من ان يكون السؤال في جملة (ما سالتموه ) شاملا للسؤال باللسان والسؤال بالفطرة والوجدان .
7 - لماذا لا تحصى نعماؤه ؟ نـعـم اللّه - فـي الـحـقـيـقة - تعم كل وجودنا, واذا ما طالعنا الكتب المختلفة في العلوم الطبيعية والانسانية والنفسية وامثالها فسوف نرى الى اي مدى تتسع اطراف هذه النعم , وفي الحقيقة ان لكل نفس يتنفسه الانسان نعمتان , ولكل نعمة شكر واجب .
واكـثـر مـن ذلك فنحن نعلم بان متوسط عدد الخلايا الحية في جسم الانسان نحو العشرة ملايين مـيليارد, وكل مجموعة تشكل قسما فعالا في الجسم , وهذا العدد كبير جدا بحيث لو اردنا احصاءه نحتاج الى مئات السنين فهذا قسم من نعمه علينا, ولذلك - حقا - لا نستطيع عد نعمه , (وان تعدوا نعمة اللّه لا تحصوها).
ويـوجـد فـي دم الانسان مجموعتان من الكريات (وهي خلايا صغيرة سابحة في الدم ولها وظائف حـيـاتـية مهمة )ملايين من الكريات الحمراء وظيفتها ايصال الاوكسجين لاجل الاحتراق وصنع خلايا الجسم , وملايين من الكريات البيض وظيفتها حفظ سلامة الانسان مقابل هجوم المكروبات , والعجيب ان هذه الكريات في حالة حركة مستمرة لخدمة الانسان .
فهل نستطيع في هذه الاحوال ان نحصي نعمه تعالى غير المتناهية ؟ 8 - اسفا .. ان الانسان ظلوم وكفار تـوصلنا في البحوث السابقة الى هذه الحقيقة , وهي ان اللّه سخر للانسان جميع الموجودات , وهيا لـه كل هذه النعم بحيث سد جميع احتياجاته , ولكن الانسان بسبب ابتعاده عن نور الايمان والتربية , نراه يخطو في طريق الظلم والطغيان ويكفر بالنعم .
ويـسـعى المحتكرون في احتكار النعم الالهية الواسعة والسيطرة على منابعها الحياتية , مع انهم لا يـستهلكون الاالشي ء القليل ويحرمون الاخرين منها, ويظهر هذا الظلم باشكال مختلفة من السيطرة عـلى الشعوب الضعيفة واستعمارها والتجاوز على حقوق الاخرين , فيعرض الانسان حياته الهادئة الى الهلاك , يخلق الحروب , ويسفك الدماء, ويقضي على الاموال والانفس .
وفـي الحقيقة فان القرآن الكريم يناديه : ايها الانسان , كل شي ء بالقدر الكافي تحت تصرفك , بشرط ان لا تكون ظلوما كفارا, عليك ان تقنع بحقك ولا تتجاوز على حقوق الاخرين .

الايات 35 - 41

واذ قال ابرهيم رب اجعل هذا البلد ءامنا واجنبنى وبنى اءن نعبد الا صنام رب انهن اءضللن كثيرا من الـناس فمن تبعنى فانه منى ومن عصانى فانك غفور رحيم ربنا انى اءسكنت من ذريتى بواد غير ذى زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلوة فاجعل اءفئدة من الناس تهوى اليهم وارزقهم من الثمرت لـعـلـهـم يشكرون ربنا انك تعلم ما نخفى وما نعلن وما يخفى على اللّه من شى ء في الا رض ولا فى الـسماء الحمد للّه الذى وهب لى على الكبر اسمعيل واسحق ان ربى لسميع الدعاء رب اجعلنى مقيم الصلوة ومن ذريتى ربنا وتقبل دعاء ربنااغفر لى ولولدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب التفسير دعاء ابراهيم (ع ): لـما كان الحديث في الايات السابقة عن المؤمنين الصادقين والشاكرين لانعم اللّه , عقبت هذه الايات فـي بـحـث بعض ادعية وطلبات العبد المجاهد والشاكر للّه ابراهيم (ع ) ليكون هذا البحث تكملة للبحث السابق ونموذجا حياللذين يريدون ان يستفيدوا من النعم الالهية افضل استفادة .
يـقـول تعالى : (واذ قال ابراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني ان نعبد الاصنام ) لانه (ع ) كـان يـعـلـم حـجم البلاء الكبير الكامن في عبادة الاصنام , ويعلم كثرة الذين ذهبوا ضحية في هذا الـطريق (رب انهن اضللن كثيرا من الناس ) فاي ضلال اكبر من هذا الضلال الذي يفقد الانسان فيه حتى عقله وحكمته .
الـهـي انـني ادعو الى توحيدك , وادعو الجميع الى عبادتك (فمن تبعني فانه مني ومن عصاني فانك غفور رحيم ).
فـي الـحـقـيقة ان ابراهيم (ع ) اراد بهذه العبارة ان يقول للّه تعالى : انه حتى لو انحرف ابنائي عن مـسـيرة التوحيدواتجهوا الى عبادة الاصنام فانهم ليسوا مني , ولو كان غيرهم في مسيرة التوحيد فهم ابنائي واخواني .
ان تـعـبـيـر ابراهيم المؤدب والعطوف جدير بالملاحظة , فهو لم يقل : ومن عصاني فانه ليس مني وساعاقبه عقاباشديدا, بل يقول : (ومن عصاني فانك غفور رحيم ).
ثـم يستمر بدعائه ومناجاته (ربنا اني اسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيمواالصلاة ).
وكـان ذلـك عندما رزقه اللّه اسماعيل من جاريته هاجر فاثار ذلك حسد زوجته الاولى سارة ولم تستطيع تحمل وجود هاجر وابنها, فطلبت من ابراهيم ان يذهب بهما الى مكان آخر, فاستجاب لها ابراهيم طبقا للاوامرالالهية , وجاء باسماعيل وامه الى صحراء مكة القاحلة , ثم ودعهم وذهب .
ولـم يـمض قليل من الوقت حتى عطشت الام وابنها في تلك الشمس المحرقة , وسعت هاجر كثيرا فـي انـقاذ ابنها,ولكن اللّه تعالى اراد ان تكون تلك الارض قاعدة عظيمة للعبادة فاظهر عين زمزم , ولـم يـمض وقت حتى علمت قبيلة جرهم البدوية التي كانت قريبة منهم بالامر, فرحلوا واقاموا عندهم , فاخذت مكة بالتحضر شيئا فشيئا.
ثـم يـتـابع ابراهيم (ع ) دعاءه : الهي , ان اهلي قد سكنوا في هذه الصحراء المحرقة احتراما لبيتك المحرم : (فاجعل افئدة من الناس تهوي اليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ).
ومـن هـنـا لـمـا كان الانسان الموحد والعارف يعلم بمحدودية علمه في مقابل علم اللّه , وانه يعلم مـصـلـحـتـه الا اللّه تـعالى , فما اكثر ما يطلب شيئا من اللّه وليس فيه صلاحه , او لا يطلبه وفيه صـلاحه , واحيانا لا يستطيع ان يقوله بلسانه فيضمره في اعماق قلبه , ولذلك يعقب على ما مضى من دعـائه ويـقـول : (ربـنا انك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على اللّه من شي ء في الارض ولا في السماء).
فان كنت مغتما لفراق ابني وزوجتي فانت تعلم بذلك .. وترى دموع عيني المنهملة . وان كان قلبي قد ملاه هم الفراق , وامتزج بفرح العمل بالتكليف والطاعة لاوامرك فانت اعلم بذلك ..
وعندما فارقت زوجتي وقالت لي : الى من تكلني فانت ادرى بها وبمستقبلها ومستقبل هذه الارض .
ثم يشير القرآن الى شكر ابراهيم (ع ) لنعمه تعالى والتي هي من اهم ما امتاز به (ع ) .. شكره على منحه ولدين بارين اسماعيل واسحاق وذلك في سن الشيخوخة (الحمد للّه الذي وهب لي على الكبر اسماعيل واسحاق ) ((319)) نعم (ان ربي لسميع الدعاء).
ثم يستمر بدعاءه ومناجاته ايضا فيقول : (رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء).
ثم يختم دعاءه هنا فيقول : (ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب ).
..
بحوث 1 - هل كانت مكة في ذلك الوقت مدينة ؟

next page

fehrest page

back page