next page

fehrest page

back page

وفـي الاية الثانية نرى ان القرآن يهدد المنافقين تهديدا شديدا, فقال : (الم يعلمواانه من يحادد اللّه ورسوله فان له نار جهنم خالدا فيها) ومن اجل ان يؤكد ذلك اضاف تعالى (ذلك الخزي العظيم ).
(يـحـادد) مـاخـوذ مـن (المحادة ) واصلها (حد), ومعناها نهاية الشي ء وطرفه , ولماكان الاعداء والـمخالفون يقفون في الطرف الاخر المقابل , لذا فان مادة (المحادة )قد وردت بمعنى العداوة ايضا, كما نستعمل كلمة (طرف ) في حياتنا اليومية ونريدمنها المخالفة والعداوة .

الايات 64 - 66

يحذر المنفقون اءن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما فى قلوبهم قل استهزءوا ان اللّه مخرج ما تحذرون ولـئن ساءلتهم ليقولن انماكنا نخوض ونلعب قل اءباللّه وءايته ورسوله كنتم تستهزءون لا تعتذروا قد كفرتم بعد ايمنكم ان نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة باءنهم كانوا مجرمين سبب النزول ذكرت عدة اسباب لنزول هذه الايات , وكلها ترتبط باعمال المنافقين بعدغزوة تبوك . فمن جملتها: ان جـمـعـا من المنافقين كانوا قد اجتمعوا في مكان خفي وقرروا قتل النبي (ص ) عند رجوعه من غـزوة تـبـوك , وكـانـت خـطـتهم ان ينصبواكمينا في احدى عقبات الجبال الصعبة , وعندما يمر الـنـبـي (ص ) مـن تـلك العقبة ينفرون بعيره , فاطلع اللّه نبيه على ذلك , فامر جماعة من المسلمين بـمـراقـبـة الـطـريـق والـحـذر, فـلـما وصل النبي (ص ) الى العقبة - وكان عمار يقود الدابة وحذيفة يسوقها اقترب المنافقون متلثمين لتنفيذ مؤامرتهم فامر النبي (ص ) حذيفة ان يضرب وجوه دوابهم ويدفعهم , ففعل حذيفة ذلك .
فـلما جاوز النبي (ص ) العقبة - وقد زال الخطر - قال لحذيفة : هل عرفتهم ؟فقال : لم اعرف احدا منهم , فعرفه رسول اللّه (ص ) بهم , فقال حذيفة : الا ترسل اليهم من يقتلهم ؟ فقال : اني اكره ان تقول العرب : ان محمدا لما انقضت الحرب بينه وبين المشركين وضع يده في قتل اصحابه .
وقد نقل سبب النزول هذا عن الامام الباقر(ع ), وجاء ايضا في العديد من كتب التفسير والحديث .
وذكـر سـبـب آخـر لـلـنزول وهو: ان مجموعة من المنافقين لما راوا النبي (ص )وقد تهيا للقتال واصـطـف امـام الاعـداء, قـال هؤلاء بسخرية : ايظن هذا الرجل انه سيفتح حصون الشام الحصينة ويـسكن قصورها, ان هذا الشي ء محال , فاطلع اللّه نبيه على ذلك , فامر رسول اللّه (ص ) ان يسدوا عـليهم المنافذ والطرق , ثم ناداهم ولامهم واخبرهم بما قالوا, فاعتذروا بانهم انما كانوا يمزحون واقسموا على ذلك .
التفسير مؤامرة اءخرى للمنافقين : لاحـظـنا في الايات السابقة كيف ان المنافقين اعتبروا نقاط القوة في سلوك النبي (ص ) نقاط ضعف , وكـيـف حاولوا استغلال هذه المسالة من اجل بث التفرقة بين المسلمين . وفي هذه الايات اشارة الى نوع آخر من برامجهم وطرقهم .
فـمـن الايـة الاولى يستفاد ان اللّه سبحانه وتعالى يكشف الستار عن اسرارالمنافقين احيانا, وذلك لدفع خطرهم عن النبي (ص ) وفضحهم امام الناس ليعرفواحقيقتهم , ويحذروهم وليعرف المنافقون مـوقـع اقـدامـهم ويكفوا عن تامرهم ,ويشير القرآن الى خوفهم من نزول سورة تفضحهم وتكشف خبيئة اسرارهم فقال :(يحذر المنافقون ان تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم ).
الا ان العجيب في الامر ان هؤلاء ولشدة حقدهم وعنادهم لم يكفوا عن استهزائهم وسخريتهم , لذلك تـضـيـف الاية : بانهم مهما سخروا من اعمال النبي (ص )فان اللّه لهم بالمرصاد وسوف يظهر خبيث اسرارهم ويكشف عن دني ء نياتهم ,فقال : (قل استهزؤوا ان اللّه مخرج ما تحذرون ).
تـجـدر الاشـارة الـى ان جملة (استهزؤوا) من قبيل الامر لاجل التهديد كما يقول الانسان لعدوه : اعـمل كل ما تستطيع من اذى واضرار لترى عاقبة امرك , ومثل هذه الاساليب والتعبيرات تستعمل في مقام التهديد.
كـمـا يـجـب الالتفات الى اننا نفهم من الاية بصورة ضمنية ان هؤلاء المنافقين يعلمون باحقية دعوة النبي (ص ) وصدقها, ويعلمون في ضميرهم ووجدانهم ارتباط النبي (ص ) باللّه سبحانه وتعالى , الا انهم لعنادهم واصرارهم بدل ان يؤمنوابه ويسلموا بين يديه , فانهم بداوا بمحاربته واضعاف دعوته المباركة , ولذلك قال القرآن الكريم : (يحذر المنافقون ان تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم ).
وينبغي الالتفات الى ان جملة (تنزل عليهم ) لا تعني ان امثال هذه الايات كانت تنزل على المنافقين , بل المقصود انها كانت تنزل في شان المنافقين وتبين احوالهم .
امـا الاية الثانية فانها اشارت الى اءسلوب آخر من اءساليب المنافقين , وقالت :(ولئن سالتهم ليقولون انما كنا نخوض ونلعب ) ((42)) . اي اذا سالتهم عن الدافع لهم على هذه الاعمال المشينة قالوا: نحن نـمزح وبذلك ضمنوا طريق العودة , فهم من جهة كانوا يخططون المؤامرات , ويبثون السموم , فاذا تحقق هدفهم فقد وصلوا الى ماربهم الخبيثة اما اذا افتضح امرهم فانهم سيتذرعون ويعتذرون بانهم كانوايمزحون , وعن هذا الطريق سيتخلصون من معاقبة النبي (ص ) والناس لهم .
ان الـمنافقين في اي زمان , تجمعهم وحدة الخطط, والضرب على نفس الوتر,لذا فلهم نغمة واحدة , وهـم كـثيرا ما يستفيدون ويتبعون هذه الطرق , بل انهم في بعض الاحيان يطرحون اكثر المسائل جـدية لكن بلباس المزاح الساذج البسيط,فان وصلوا الى هدفهم وحققوه فهو, والا فانهم يفلتون من قبضة العدالة بحجة المزاح .
غـيـر ان القرآن الكريم واجه هؤلاء بكل صرامة , وجابههم بجواب لا مفر معه من الاذعان للواقع , فـامـر الـنبي (ص ) ان يخاطبهم (قل اباللّه وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون ), اي انه يسالهم : هل يمكن المزاح والسخرية حتى باللّه ورسوله وآيات القرآن ؟ هل ان هذه المسائل التي هي ادق الامور واكثرها جدية قابلة للمزاح ؟ هل يمكن اخفاء قضية تنفير البعير وسقوط النبي (ص ) من تلك العقبة الخطيرة ,والتي تعني الموت , تـحت عنوان ونقاب المزاح ؟ ام ان السخرية والاستهزاءبالايات الالهية واخبار النبي بالانتصارات الـمـستقبلية من الامور التي يمكن ان يشملها عنوان اللعب ؟ كل هذه الشواهد تدل على ان هؤلاء كان لديهم اهداف خطيرة مستترة خلف هذه الاستار والعناوين .
ثـم يـامر القرآن النبي (ص ) ان يقول للمنافقين بصراحة : (لا تعتذروا), والسبب في ذلك انكم (قد كفرتم بعد ايمانكم ), فهذا التعبير يشعر ان هذه الفئة لم تكن منذالبداية في صف المنافقين , بل كانوا مؤمنين لكنهم ضعيفو الايمان , بعد هذه الحوادث الانفة الذكر سلكوا طريق الكفر.
ويـحـتـمل ايضا في تفسير العبارة اعلاه ان هؤلاء كانوا منافقين من قبل , الا انهم لم يظهروا عملا مخالفا, فان النبي (ص ) والمسلمين كانوا مكلفين ان يعاملوهم كافراد مؤمنين , لكن لما رفع النقاب بعد احداث غزوة تبوك , وظهر كفرهم ونفاقهم اءعلم هؤلاء باءنهم لم يعودوا من المؤمنين .
واختتمت الاية بهذه العبارة : (ان نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بانهم كانوامجرمين ) فهي تبين ان طـائفة قد استحقت العذاب نتيجة الذنوب والمعاصي , وهذادليل على ان افراد الطائفة الاخرى انما شملهم العفو الالهي لانهم غسلوا ذنوبهم ومعاصيهم بماء التوبة من اعماق وجودهم .
وفي الايات القادمة - كالاية 74 - قرينة على هذا المبحث .
وقـد وردت روايـات عديدة في ذيل الاية , تبين ان بعض هؤلاء المنافقين الذين مر ذكرهم في هذه الايات قد ندموا على ما بدر منهم من اعمال منافية للدين والاخلاق فتابوا, غير ان البعض الاخر قد بـقـي عـلـى مسيرته حتى النهاية .ولمزيد التوضيح والاطلاع راجع : تفسير نور الثقلين , ج2 , ص 239.

الايات 67 - 70

الـمـنفقون والمنفقت بعضهم من بعض يامرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون اءيديهم نسوا اللّه فـنـسيهم ان المنفقين هم الفسقون وعد اللّه المنفقين والمنفقت والكفار نار جهنم خلدين فيها هى حـسـبـهـم ولـعـنـهـم اللّه ولهم عذاب مقيم كالذين من قبلكم كانوا اءشد منكم قوة واءكثر اءمولا واءولـدافـاسـتمتعوا بخلقهم فاستمتعتم بخلقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلقهم وخضتم كالذى خـاضـوا اءولئك حبطت اءعملهم فى الدنيا والا خرة واءولئك هم الخسرون اءلم ياءتهم نباء الذين من قـبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم ابرهيم واءصحب مدين والمؤتفكت اءتتهم رسلهم بالبينت فما كان اللّه ليظلمهم ولكن كانوا اءنفسهم يظلمون التفسير علامات المنافقين : الـبحث في هذه الايات يدور كالسابق حول سلوك المنافقين وعلاماتهم وصفاتهم , فالاية الاولى من هـذه الايات تشير الى امر كلي , وهو ان روح النفاق يمكن ان تتجلى باشكال مختلفة وتبدو في صور متفاوتة بحيث لا تلفت النظر في اول الامر, خصوصا ان روح النفاق هذه يمكن ان تختلف بين الرجل والـمـراة , لـكـن يـجـب ان لا يخدع الناس بتغيير صور النفاق بين المنافقين , المنافقين يشتركون فـي مـجـمـوعـة من الصفات تعتبر العامل المشترك فيما بينهم , لذلك يقول اللّه سبحانه :(المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض ).
وبعد ذلك يشرع القرآن الكريم في ذكر خمس صفات لهؤلاء: الاولى والثانية : انهم يدعون الناس الى فعل المنكرات ويرغبونهم فيها من جهة ,ويبعدونهم وينهونهم عـن فـعـل الاعـمـال الـصالحة من جهة اءخرى (ياءمرون بالمنكروينهون عن المعروف ) اي انهم يـسـلكون طريقا ويتبعون منهاجا هو عكس طريق المؤمنين تماما, فان المؤمنين يسعون دائما - عن طريق الامر بالمعروف والنهي عن المنكر - الى ان يصلحوا المجتمع وينقوه من الشوائب والفساد, بينما يسعى المنافقون الى افساد كل زاوية في المجتمع واقتلاع جذور الخير والاعمال الصالحة من بـيـن الـنـاس مـن اجل الوصول الى اهدافهم المشؤومة , ولا شك ان وجود مثل هذا المحيط الفاسد والبيئة الملوثة ستساعدهم كثيرا في تحقيق اهدافهم .
الـثـالـثـة : ان هـؤلاء بخلاء لا يتمتعون بروح الخير للناس فلا ينفقون في سبيل اللّه ,ولا يعينون محروما, ولا يستفيد اقوامهم ومعارفهم من اموالهم , فعبر عنهم القرآن :(ويقبضون ايديهم ) ولا شك ان هـؤلاء انـما يبخلون باموالهم لانهم لا يؤمنون بالاخرة والثواب والجزاء المضاعف لمن انفق في سـبـيـل اللّه , بـالرغم من انهم كانوايبذلون الاموال الطائلة من اجل الوصول الى اغراضهم وآمالهم الـشـريـرة الـدنـيئة ,وربما بذلوها ريا وسمعة , لكنهم لا يقدمون على البذل على اساس الاخلاص للّه سبحانه وتعالى .
الـرابـعة : ان كل اعمالهم واقوالهم وسلوكهم يوضح ان هؤلاء قد نسوا اللّه ,والوضع الذي يعيشونه يبين ان اللّه قد نسيهم في المقابل , وبالتالي فانهم قد حرموامن توفيق اللّه وتسديده ومواهبة السنية , اي انـه سـبـحانه قد عاملهم معاملة المنسيين , وآثار وعلامات هذا النسيان المتقابل واضحة في كل مراحل حياتهم ,والى هذا تشير الاية : (نسوا اللّه فنسيهم ).
وهـنـا نـود الاشارة الى ان نسبة النسيان الى اللّه جل وعلا ليست نسبة واقعية وحقيقية - كما هو الـمـعلوم بديهة - بل هي كناية عن معاملة لهؤلاء معاملة الناسي ,اي انه لا يشملهم برحمته وتوفيقه لانهم نسوه في البداية , ومثل هذا التعبير متداول حتى في الحياة اليومية بين الناس , فقد نقول لشخص مـثلا: اننا سوف ننساك عنداعطاء الاجرة او الجائزة لانك قد نسيت واجبك , وهذا تعبير يعني اننا سوف لانعطيه اجره ومكافاته . وهذا المعنى ورد كثيرا في روايات اهل البيت (ع ) ((43)) .
ومـما ينبغي الالتفات اليه ان موضوع نسيان اللّه تعالى قد عطف بفاء التفريع على نسيان هؤلاء القوم , وهـذا يـعني ان نتيجة نسيان هؤلاء لاوامر اللّه تعالى وطغيانهم وعصيانهم هي حرمانهم من مواهب اللّه ورحمته وعنايته .
الـخامسة : ان المنافقين فاسقون وخارجون من دائرة طاعة اوامر اللّه سبحانه وتعالى , وقالت الاية : (ان المنافقين هم الفاسقون ).
ونلاحظ ان هذه الصفات المشتركة متوفرة في المنافقين في كل الاعصار.فمنافقو عصرنا الحاضر وان تلبسوا بصور واشكال جديدة , الا انهم يتحدون في الصفات والاصول المذكورة اعلاه مع منافقي الـعـصور الغابرة , فانهم كسابقيهم يدعون الناس الى الفساد ويرغبونهم فيه , وينهون الناس عن فعل الـخـيـر ويـمـنـعـونـهم ان استطاعوا, وكذلك في بخلهم وامساكهم وعدم انفاقهم , وبعد كل ذلك فـانهم يشتركون في الاصل الاهم , وهو انهم قد نسوا اللّه سبحانه وتعالى في جميع مراحل حياتهم , وتعديهم على قوانينه وفسقهم . ومما يثير العجب ان هؤلاء بالرغم من كل هذه الصفات القبيحة السيئة يدعون الايمان باللّه والاعتقاد الرصين باحكام الدين الاسلامي واءصوله ومناهجه في الاية التي تليها نلاحظ الوعيد الشديد والانذار بالعذاب الاليم والجزاء الذي ينتظر هؤلاء حيث تـقول : (وعد اللّه المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم ) وانهم سيخلدون في هذه النار المحرقة (خـالـديـن فـيـها) وان هذه المجازاة التي تشمل كل انواع العذاب والعقوبات تكفي هؤلاء, اذ (هي حـسبهم ) وبعبارة اءخرى : ان هؤلاءلا يحتاجون الى عقوبة اءخرى غير النار, حيث يوجد في نار جهنم كل انواع العذاب : الجسمية منها والروحية .
وتـضـيف الاية في خاتمتها ان اللّه تعالى قد ابعد هؤلاء عن ساحة رحمته وجازاهم بالعذاب الابدي (ولـعـنـهـم اللّه ولـهم عذاب اليم ), بل ان البعد عن اللّه تعالى يعتبر بحد ذاته اعظم واشد عقوبة وآلمها.
تكرر التاريخ والاعتبار به : مـن اجـل تـوعـية هؤلاء المنافقين , وضعت الاية الاتية مرآة التاريخ امامهم ,ودعتهم الى ملاحظة حياتهم وسلوكهم ومقارنتها بالمنافقين والعتاة المردة الذين تمردوا على اوامر اللّه سبحانه وتعالى , واعطتهم اوضح الدروس واكثرها عبرة ,فذكرهم بانهم كالمنافقين الماضين ويتبعون نفس المسير وسـيـلـقـون نفس المصير:(كالذين من قبلكم ) علما ان هؤلاء (كانوا اشد منكم قوة واكثر اموالا واولادا).
وكـمـا ان هـؤلاء قـد تـمـتعوا بنصيبهم في هذه الحياة الدنيا, وصرفوا اعمارهم في طريق قضاء الـشهوات والمعصية والفساد والانحراف , فانكم قد تمتعتم بنصيبكم كهؤلاء: (فاستمتعوا بخلاقهم فـاسـتـمـتـعـتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم ) والخلاق في اللغة بمعنى النصيب والحصة , يقول الراغب في مفرداته : انهاماخوذة من مادة (خلق ), ويحتمل - على هذا - ان الانسان قد يستفيد ويتمتع بنصيبه في هذه الحياة الدنيا بما يناسب خلقه وخصاله .
ثـم تقول بعد ذلك : انكم كمن مضى من امثالكم قد اوغلتم وسلكتم مسلك الاستهزاء والسخرية , تماما كهؤلاء: (وخضتم كالذي خاضوا) ((44)) .
ثـم تـبين الاية عاقبة اعمال المنافقين الماضين لتحذر المنافقين المعاصرين للنبي (ص ) وكل منافقي العالم في جملتين : الاولـى : ان كـل اعـمال المنافقين قد ذهبت ادراج الرياح , في الدنيا والاخرة ,ولم يحصلوا على اي نتيجة حسنة , فقالت : (حبطت اعمالهم في الدنيا والاخرة ).
الثانية : ان هؤلاء هم الخاسرون الحقيقيون بما عملوه من الاعمال السيئة :(واءولئك هم الخاسرون ).
ان هـؤلاء المنافقين يمكن ان يستفيدوا ويحققوا بعض المكاسب والامتيازات من اعمال النفاق , لكن ما يـحـصـلـون عـليه مؤقت ومحدود, فاننا اذا امعنا النظرفسنرى ان هؤلاء لم يجنوا من سلوك هذا الطريق شيئا, لا في الدنيا ولا في الاخرة , كما يعكس التاريخ هذه الحقيقة , ويبين كيف ان المنافقين عـلى مر الدهوروالايام قد توالت عليهم النكبات وازرت بهم وحكمت عليهم بالفناء والزوال , كماان مما لا شك فيها ان هذه العاقبة الدنيوية تبين المصير الذي ينتظرهم في الاخرة .
ان الايـة الـكـريمة تنبه المنافقين المعاصرين للنبي (ص ) فتقول لهم : انكم ترون ان هؤلاء السابقين رغم تلك الامكانات والقدرات والاموال والاولاد لم يصلواالى نتيجة , وان اعمالهم قد اصبحت هباء مـنـثـورا لانـهـا لم تستند الى اساس محكم ,بل كانت اعمال نفاق ومراوغة , فانكم ستواجهون ذلك المصير بطريق اولى , لانكم اقل من هؤلاء قدرة وقوة وامكانات .
وبـعـد هـذه الايـات يـتحول الحديث من المنافقين ويتوجه الى النبي (ص ) ويتبع اءسلول الاستفهام الانـكـاري , فـتـقـول الايـة : (اءلـم ياءتهم نباء الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم ابراهيم واصحاب مدين والمؤتفكات ) ((45)) فان هذه الاقوام كانت في الازمان السالفة تسيطر على مناطق مهمة من العالم , الا ان كل فئة قدابتليت بنوع من العقاب الالهي نتيجة لانحرافها وطغيانها واجرامها, وفرارها من الحق والعدالة , واقدامها على الظلم والاستبداد والفساد.
فـقـوم نوح عوقبوا بالطوفان والغرق , وقوم عاد (قوم هود) بالرياح العاصفة والرعب , وقوم ثمود (قـوم صـالـح ) بـالزلازل والهدم والدمار, وقوم ابراهيم بسلب النعم , واصحاب مدين (قوم شعيب ) بـالصواعق المحرقة , وقوم لوط بخسف المدن وفنائهم جميعا. ولم يبق من هؤلاء الا الجثث الهامدة , والعظام النخرة تحت التراب او في اعماق البحار.
ان هـذه الـحـوادث المرعبة تهز وجدان واحاسيس كل انسان اذا امتلك ادنى احساس وشعور عند مطالعتها وتحقيقها.
ورغم طغيان هؤلاء وتمردهم فان اللّه الرؤوف الرحيم لم يحرم هؤلاء من رحمته وعطفه لحظة , وقد ارسل اليهم الرسل بالايات البينات لهدايتهم وانقاذهم من الضلالة اذ (اتتهم رسلهم بالبينات ) الا ان هؤلاء لم يصغوا الى آية موعظة ولم يقبلوا نصيحة من انبياء اللّه واوليائه , ولم يقيموا وزنا لجهاد ومـتاعب هؤلاء الابراروتحملهم كل المصاعب في سبيل هداية خلق اللّه , واذا كان العقاب قد نالهم فـلايعني ان اللّه عزوجل قد ظلمهم , بل هم ظلموا انفسهم بما اجرموا فاستحقوا العذاب (فما كان اللّه ليظلمهم ولكن انفسهم يظلمون ).

الايتان 71 - 72

والـمؤمنون والمؤمنت بعضهم اءولياء بعض ياءمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلوة ويـؤتـون الـزكـاة ويـطـيعون الللّه ورسوله اءولئك سيرحمهم اللّه ان اللّه عزيزحكيم وعد اللّه الـمـؤمـنـيـن والـمـؤمـنت جنت تجرى من تحتهاالا نهر خلدين فيها ومسكن طيبة فى جنت عدن ورضون من اللّه اءكبر ذلك هو الفوز العظيم التفسير صفات المؤمنين الحقيقيين : مـر في الايات السابقة ذكر بعض الصفات المشتركة بين المنافقين , الرجال منهم والنساء, وتلخصت في خمس صفات : الامر بالمنكر, والنهي عن المعروف ,والبخل وعدم الانفاق , ونسيان اللّه سبحانه وتعالى , ومخالفة وعصيان اوامر اللّه .
وتـذكـر هذه الايات صفات وعلامات المؤمنين والمؤمنات , وتتلخص في خمس صفات ايضا, فتقابل كل صفة منها صفة من صفات المنافقين , واحدة بواحدة , لكنها في الاتجاه المعاكس .
وتـشـرع الايـة بـذكـر صـفـات المؤمنين والمؤمنات , وتبدا ببيان ان بعضهم لبعض ولي وصديق (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض ).
ان اول مـا يـلـفـت النظر ان كلمة (اولياء) لم تذكر اثناء الكلام عن المنافقين , بل ورد (بعضهم من بـعـض ) التي توحي بوحدة الاهداف والصفات والاعمال , ولكنهاتشير ضمنا الى ان هؤلاء المنافقين وان كـانـوا في صف واحد ظاهرا ويشتركون في البرامج والصفات , الا انهم يفتقدون روح المودة والـولايـة لـبـعـضهم البعض , بل انهم اذا شعروا في اي وقت بان منافعهم ومصالحهم الشخصية قد تـعـرضـت لـلـخـطر فلامانع لديهم من خيانة حتى اصدقائهم فضلا عن الغرباء, والى هذه الحالة تشيرالاية (14) من سورة الحشر: (تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ).
وبعد بيان هذه القاعدة الكلية , تشرع ببيان الصفات الجزئية للمؤمنين : 1 - ففي البداية تبين ان هؤلاء قوم يدعون الناس الى الخيرات (يامرون بالمعروف ).
2 - انهم ينهون الناس عن الرذائل والمنكرات (وينهون عن المنكر).
3 - انـهـم بـعكس المنافقين الذين كانوا قد نسوا اللّه , فانهم يقيمون الصلاة ,ويذكرون اللّه فتحيا قلوبهم وتشرف عقولهم (ويقيمون الصلاة ).
4 - انهم - على عكس المنافقين والذين كانوا يبخلون باموالهم - ينفقون اموالهم في سبيل اللّه وفي مساعدة عباد اللّه وبناء المجتمع واصلاح شؤونه ,ويؤدون زكاة اموالهم (ويؤتون الزكاة ).
5 - ان المنافقين فساق ومتمردون , وخارجون من دائرة الطاعة لاوامر اللّه ,اما المؤمنون فهم على عكسهم تماما, اذ (ويطيعون اللّه رسوله ).
امـا خـتـام الايـة فـانه يتحدث عن امتيازات المؤمنين , والمكافاة والثواب الذي ينتظرهم , واول ما تعرضت لبيانه هو الرحمة الالهية التي تنتظرهم ف (اءولئك سيرحمهم اللّه ).
ان كـلمة (الرحمة ) التي ذكرت هنا لها مفهوم واسع , ويدخل ضمنه كل خير وبركة وسعادة , سواء فـي هـذه الحياة او في العالم الاخر, وهذه الجملة في الواقع جاءت مقابلة لحال المنافقين الذين لعنهم اللّه وابعدهم عن رحمته .
ولا شـك ان وعد اللّه للمؤمنين قطعي ويقيني لان اللّه قادر وحكيم , ولا يمكن للحكيم ان يعد بدون سبب , وليس اللّه القادر بعاجز عن الوفاء بوعده حين وعد(ان اللّه عزيز حكيم ).
الايـة الـثـانـيـة شرحت جانبا من هذه الرحمة الالهية الواسعة التي تعم المؤمنين في بعديها المادي والـمـعنوي . فهي اولا تقول : (وعد اللّه المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الانهار), ومن خـصـائص هـذه الـنـعـمـة الـكبيرة انها لا زوال لها ولافناء, بل الخلود الابدي , لذا فان المؤمنين والمؤمنات سيكونون (خالدين فيها).
ومـن المواهب الالهية الاخرى التي سوف ينعمون بها هي المساكن الجميلة ,والمنازل المرفهة التي اعدها اللّه لهم وسط الجنان (ومساكن طيبة في جنات عدن ).
(عدن ) في اللغة تعني الاقامة والبقاء في مكان ما, ولهذا يطلق على المكان الذي توجد فيه مواد خاصة اصـطـلاح (مـعـدن ), وعـلى هذا المعنى فان هناك شبها بين الخلود وعدن , لكن لما اشارت الجملة السابقة الى مسالة الخلود, يفهم من هذه الجملة ان جنات عدن محل خاص في الجنة يمتاز على سائر حدائق الجنة .
لقد وردت هذه الموهبة الالهية باشكال وتفسيرات مختلفة في الروايات وكلمات المفسرين , فنطالع فـي حديث عن النبي (ص ): عدن دار اللّه التي لم ترهاعين , ولم يخطر على قلب بشر, لا يسكنها غير ثلاثة : النبيين , والصديقين ,والشهداء ((46)) .
وفي كتاب الخصال نقل عن النبي (ص ) قوله : من سره ان يحيا حياتي , ويموت مماتي , ويسكن جنتي التي واعدني اللّه ربي , جنات عدن ... فليوال علي بن ابي طالب (ع ) وذريته (ع ) من بعده . ((47)) ويتضح من هذا الحديث ان جنات عدن حدائق خاصة في الجنة سيستقر فيها النبي (ص ) وجماعة من خـلص اصحابه واتباعه . وهذا المضمون قد ورد في حديث آخر عن علي (ع ), ويدل على ان جنات عدن مقر اقامة نبي الاسلام (ص ).
بـعـد ذلـك تـشـيـر الايـة الى الجزاء المعنوي المعد لهؤلاء, وهو رضى اللّه تعالى عنهم المختص بالمؤمنين الحقيقيين , وهو اهم واعظم جزاء, ويفوق كل النعم والعطايا الاخرى (ورضوان من اللّه اكبر).
ان اللذة المعنوية والاحساس الروحي الذي يحس ويلتذ به الانسان عندشعوره برضى اللّه سبحانه وتـعالى عنه لا يمكن ان يصفه اي بشر, وعلى قول بعض المفسرين فان نسمة ولحظة من هذه اللذة الروحية تفوق نعم الجنة كلها ومواهبهاالمختلفة والمتنوعة واللامتناهية .
مـن الطبيعي اننا لا نستطيع ان نجسم ونرسم صورة في افكارنا عن اي نعمة من نعم الحياة الاخرى ونـحـن فـي قـفـص الحياة الدنيا وحياتها المحدودة , فكيف سنصل الى ادراك هذه النعمة المعنوية والروحية الكبرى ؟ نـعم , يمكن ايجاد تصور ضعيف عن الاختلافات المادية والمعنوية التي نعيشهافي هذه الدنيا, فمثلا يـمـكـن ادراك الاخـتـلاف في اللذة بين اللقاء بصديق عزيز جدابعد فراق طويل ولذة الاحساس الـروحي الخاص الذي يعتري الانسان عندادراكه او حله لمسالة علمية معقدة صرف في تحصيلها والـوصـول الـى دقـائقـهاالشهور, بل السنين , او الانشداد الروحي الذي يبعث على النشاط والجد فـي لـحظات خلوص العبادة , او النشوة عند توجه القلب وحضوره في مناجاة تمتزج بهذا الحضور, وبـين اللذة التي نحس بها من تناول طعام لذيذ وامثالها من اللذائذ,ومن الطبيعي ان هذه اللذائذ المادية لا يمكن مقارنتها باللذائذ المعنوية , ولا يمكن ان تصل الى مصافها.
من هنا يتضح التصور الخاطي ء لمن يقول بان القرآن الكريم عندما يتحدث عن الجزاء والعطاء الالهي الـذي سـيـناله المؤمنون الصالحون يؤكد على النعم المادية , ولا يتطرق الى النواحي المعنوية , لان الجملة اعلاه - اي : رضوان من اللّه اكبر - ذكرت ان رضوان اللّه اكبر من كل النعم , خاصة وانها وردت بـصيعة النكرة ,وهي تدل على ان قسما من رضوان اللّه افضل من كل النعم المادية الموجودة في الجنة , وهذا يبين القيمة السامية لهذا العطاء المعنوي .
ان الدليل على افضلية الجزاء المعنوي واضح ايضا, لان الروح في الواقع بمثابة (الجوهر) والجسم بمكان (الصدف ), فالروح كالامر والقائد, والجسم كالجندي المطيع والمنفذ, فالتكامل الروحي هو الهدف , والجسم وسيلة ولهذا السبب فان اشعاعات الروح وآفاقها اوسع من الجسم واللذائذ الروحية لا يـمـكـن قـيـاسـهـاومـقـارنتها باللذائذ المادية والجسمية , كما ان الالام الروحية اشد الما من الالام الجسمية .
وفـي نـهـاية اشارت الاية الى جميع هذه النعم المادية والمعنوية , وعبرت عنهابان (ذلك هو الفوز العظيم ).

الاية 73

ياءيها النبي جهد الكفار والمنفقين واغلظ عليهم وماويهم جهنم وبئس المصير التفسير جهاد الكفار والمنافقين : واخيرا, صدر القرار الالهي للنبي الاكرم (ص ) في وجوب جهاد الكفاروالمنافقين بكل قوة وحزم (يا ايها النبي جاهد الكفار والمنافقين ) ولا تاخذك بهم رافة ورحمة , بل شدد (واغلظ عليهم ). وهذا العقاب هو العقاب الدنيوي , اما في الاخرة فان محلهم (وماواهم جهنم وبئس المصير).
ان طـريقة جهاد الكفار واضحة ومعلومة , فان جهادهم يعني التوسل بكل الطرق والوسائل في سبيل القضاء عليهم , وبالذات الجهاد المسلح والعمل العسكري , لكن البحث في اسلوب جهاد المنافقين , فمن الـمـسـلم ان النبي (ص ) لم يجاهدهم عسكريا ولم يقابلهم بحد السيف , لان المنافق هو الذي اظهر الاسلام ,فهو يتمتع بكل حقوق المسلمين وحماية القانون الاسلامي بالرغم من انه يسعي لهدم الاسلام فـي الباطن فكم من الافراد لاحظ لهم من الايمان , ولا يؤمنون حقيقة بالاسلام , غير اننا لا نستطيع ان نعاملهم معاملة غير المسلمين .
اذن , فـالـمـسـتـفاد من الروايات واقوال المفسرين هو ان المقصود من جهادالمنافقين هو الاشكال والـطـرق الاخـرى لـلجهاد غير الجهاد الحربي والعسكري ,كالذم والتوبيخ والتهديد والفضيحة , وربما تشير جملة (واغلظ عليهم ) الى هذاالمعنى .
ويـحـتـمـل فـي تفسير هذه الايه : ان المنافقين يتمتعون باحكام الاسلام وحقوقه وحمايته ما دامت اسـرارهم مجهولة , ولم يتضح وضعهم على حقيقته , اما اذا تبين وضعهم وانكشفت خبيئة اسرارهم فسوف يحكمون بانهم كفار حربيون , وفي هذه الحالة يمكن جهادهم حتى بالسيف .
لـكن الذي يضعف هذا الاحتمال ان اطلاق كلمة المنافقين على هؤلاء لا يصح في مثل هذه الحالة , بل انـهـم يـعتبرون من جملة الكفار الحربيين , لان المنافق - كماقلنا سابقا - هو الذي يظهر الاسلام ويبطن الكفر.

الاية 74

يـحـلفون باللّه ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعداسلمهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا الا اءن اءغـنـهـم اللّه ورسوله من فضله فان يتوبوا يك خيرا لهم وان يتولوايعذبهم اللّه عذابا اءليما فى الدنيا والا خرة وما لهم فى الا رض من ولى ولا نصير سبب النزول ذكـرت فـي سـبـب نـزول هذه الايات اقوال وآراء مختلفة , وكلها تتفق على ان بعض المنافقين قد تـحـدثـوا بـاحاديث سيئة وغير مقبولة حول الاسلام والنبي (ص ),وبعد ان فشا امرهم وانتشرت اسرارهم اقسموا كذبا بانهم لم يتفوهوا بشي ء,وكذلك فانهم قد دبروا مؤامرة ضد النبي (ص ), غير انها قد اءحبطت .
ومـن جـمـلتها: ان احد المنافقين - واسمه جلاس - سمع بعضا من خطب الرسول (ص ) ايام غزوة تبوك , وانكرها بشدة وكذبها, وبعد رجوع المسلمين الى المدينة حضر رجل يقال له : عامر بن قيس - كان قد سمع جلاس - عند النبي (ص )وابلغه كلام جلاس , فلما حضر جلاس وساله النبي (ص ) عـن ذلـك انـكـر, فامرهماالنبي (ص ) ان يقسما باللّه - في المسجد عند المنبر - انهما لا يكذبان , فـاقـتربا من المنبر في المسجد واقسما, الا ان عامرا دعا بعد القسم وقال : اللهم انزل على نبيك آية تـعـرف الـصادق , فامن النبي (ص ) والمسلمون على دعائه . فنزل جبرئيل بهذه الاية , فلما بلغ قوله تـعـالـى : (فان يتوبوا يك خيرا لهم ) قال جلاس : يا رسول اللّه , ان اللّه اقترح علي التوبة , واني قد ندمت على ما كان مني , واتوب منه , فقبل النبي (ص ) توبته .
وكـما اشرنا سابقا فقد ذكر ان جماعة من المنافقين صمموا على قتل النبي الاكرم (ص ) في طريق عـودته من غزوة تبوك , فلما وصل الى العقبة نفروا بعيره ليسقط في الوادي , الا ان النبي (ص ) قد اطلع بنور الوحي على هذه النية الخبيثة ,فرد كيدهم في نحورهم وابطل مكرهم . وكان زمام الناقة بـيـد عـمـار يقودها, وكان حذيفة يسوقها لتكون الناقة في مامن تام , وامر النبي (ص ) المسلمين ان يسلكواطريقا آخر حتى لا يخفي المنافقون انفسهم بين المسلمين وينفذوا خطتهم .
ولما وصل الى سمع النبي (ص ) وقع اقدام هؤلاء او حوافر خيولهم امر بعض اصحابه ان يدفعوهم ويـبـعدوهم , وكان عدد هؤلاء المنافقين اثني عشر او خمسة عشر رجلا, وكان بعضهم قد اخفى وجـهه , فلما راوا ان الوضع لا يساعدهم على تنفيذ ما اتفقوا تواروا عن الانظار, الا ان النبي (ص ) عرفهم وذكر اسماءهم واحداواحدا لبعض اصحابه ((48)) .
لـكـن الايـة - كما سنرى - تشير الى خطتين وبرنامجين للمنافقين : احداهما:اقوال هؤل ء السيئة .
والاخـرى : الـمـؤامـرة والخطة التي احبطت , وعلى هذا الاساس فانا نعتقد ان كلا سببي النزول صحيحان معا.
التفسير مؤامرة خطرة : ان ارتـبـاط هذه الاية بالايات السابقة واضح جدا, لان الكلام كان يدور حول المنافقين , غاية ما في الامـر ان هـذه الاية تزيح الستار عن عمل آخر من اعمال المنافقين , وهو ان هؤلاء عندما راوا ان امرهم قد انكشف , انكروا ما نسب اليهم بل اقسموا باليمين الكاذبة على مدعاهم .
فـي البداية تذكر الاية ان هؤلاء المنافقين لا يرتدعون عن اليمين الكاذبة في تاييد انكارهم , ولدفع الـتـهـمة فانهم (يحلفون باللّه ما قالوا) في الوقت الذي يعلمون انهم ارتكبوا ما نسب اليهم من الكفر (ولقد قالوا كلمة الكفر) وعلى هذا فانهم قداختاروا طريق الكفر بعد اعلانهم الاسلام (وكفروا بعد اسلامهم .). ومن البديهي ان هؤلاء لم يكونوا مسلمين منذ البداية , بل انهم اظهروا الاسلام فقط, وعلى هذافانهم باظهارهم الكفر قد هتكوا ومزقوا حتى هذا الحجاب المزيف الذي كانوايتسترون به .
وفوق كل ذلك فقد صمموا على امر خطير لم يوفقوا لتحقيقه (وهموا بما لم ينالوا)ويمكن ان يكون هذا اشارة الى تلك المؤامرة لقتل النبي (ص ) في ليلة العقبة ,والتي مر ذكرها آنفا, او انه اشارة الى كل اعمال المنافقين التي يسعون من خلالهاالى تحطيم المجتمع الاسلامي وبث بذور الفرقة والفساد والنفاق بين اوساطه ,لكنهم لن يصلوا الى اهدافهم مطلقا.
مـمـا يـسـتـحق الانتباه ان يقظة المسلمين تجاه الحوادث المختلفة كانت سببا في معرفة المنافقين وكـشـفـهـم , فـقـد كان المسلمون - دائما - يرصدون هؤلاء, فاذاسمعوا منهم كلاما منافيا فانهم يـخـبـرون النبي (ص ) به من اجل منعهم وتلقي الاوامر فيما يجب عمله تجاه هؤلاء. ان هذا الوعي والعمل المضاد المؤيد بنزول الايات ادى الى فضح المنافقين واحباط مؤامراتهم وخططهم الخبيثة .
الـجـمـلة الاخرى تبين واقع المنافقين القبيح ونكرانهم للجميل فتقول الاية : ان هؤلاء لم يروا من الـنبي (ص ) اي خلاف او اذى , ولم يتضرروا باي شي ء نتيجة للتشريع الاسلامي , بل على العكس , فانهم قد تمتعوا في ظل حكم الاسلام بمختلف النعم المادية والمعنوية (وما نقموا الا ان اغناهم اللّه ورسوله من فضله ) ((49)) وهذه قمة اللؤم .
ولا شـك ان اغـنـاءهـم وتـامين حاجاتهم في ظل رحمة اللّه وفضله وكذلك بجهودالنبي (ص ) لا يستحق ان ينقم من جرائه هؤلاء المنافقون , بل ان حقه الشكروالثناء, الا ان هؤلاء اللؤماء المنكرين للجميل والمنحرفي السيرة والسلوك قابلواالاحسان بالاساءة .
ومـثـل هـذا التعبير الجميل يستعمل كثيرا في المحادثات والمقالات , فمثلا نقول للذي انعمنا عليه سـنين طويلة وقابل احساننا بالخيانة : ان ذنبنا وتقصيرنا الوحيداننا اويناك ودافعنا عنك وقدمنا لك منتهى المحبة على طبق الاخلاص .
غـيـر ان الـقـرآن - كعادته - رغم هذه الاعمال لم يغلق الابواب بوجه هؤلاء, بل فتح باب التوبة والـرجوع الى الحق على مصراعيه ان ارادوا ذلك , فقال : (فان يتوبوا يك خيرا لهم ). وهذه علامة واقـعـية الاسلام واهتمامه بمسالة التربية ,ومعارضته لاستخدام الشدة في غير محلها وهكذا فتح بـاب الـتـوبة حتى بوجه المنافقين الذين طالما كادوا للاسلام وتامروا على نبيه وحاكوا الدسائس والتهم ضده , بل انه دعاهم الى التوبة ايضا.
هـذه فـي الحقيقة هي الصورة الواقعية للاسلام , فما اظلم هؤلاء الذين يرمون الالام بانه دين القوة والارهاب والخشونة هل توجد في عالمنا المعاصر دولة مستعدة لمعاملة من يسعى لاسقاطهاوتحطيمها كما راينا في تعامل الاسـلام الـسـامي مع مناوئيه , مهما ادعت انها من انصار المحبة والسلام ؟ نـزول الايـة , فـان احـد رؤوس الـنـفاق والمخططين له لما سمع هذا الكلام تاب مما عمل , وقبل النبي (ص ) توبته .
وفـي نـفس الوقت ومن اجل ان لا يتصور هؤلاء ان هذا التسامح الاسلامي صادر من منطق الضعف , حـذرهم بانهم ان استمروا في غيهم وتنكروا لتوبتهم , فان العذاب الشديد سينالهم في الدارين (وان يـتولوا يعذبهم اللّه عذابا اليما في الدنياوالاخرة ) واذا كانوا يظنون ان احدا يستطيع ان يمد لهم يد الـعون مقابل العذاب الالهي فانهم في خطا كبير, فان العذاب اذا نزل بهم فساء صباح المنذرين : (وما لهم في الارض من ولي ولا نصير).
مـن الـواضـح بـديـهـة ان عذاب هؤلاء في الاخرة معلوم , وهو نار جهنم , اماعذابهم في الدنيا فهو فضيحتهم ومهانتهم وتعاستهم وامثال ذلك .

الايات 75 - 78

ومـنهم من ع هد اللّه لئن ءاتنا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصلحين فلما ءاتيهم من فضله بخلوا به وتـولوا وهم معرضون فاءعقبهم نفاقا فى قلوبهم الى يوم يلقونه بما اخلفوااللّه ما وعدوه وبما كانوا يكذبون اءلم يعلموا اءن اللّه يعلم سرهم ونجويهم واءن اللّه علم الغيوب سبب النزول المعروف بين المفسرين ان هذه الايات نزلت في رجل من الانصار يدى ثعلبة بن حاطب , وكان رجلا فقيرا يختلف الى المسجد دائما, وكان يصر على النبي (ص ) ان يدعو له بان يرزقه اللّه مالا وفيرا, فـقـال له النبي (ص ): قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه او ليس الاولى لك ان تتاسى بنبي اللّه (ص ), وتـحـيـاحياة بسيطة وتقنع بها؟ لكن ثعلبة لم يكف ولم يصرف النظر عن امله , واخيرا قـال للنبي (ص ): والذي بعثك بالحق نبيا, لئن رزقني اللّه لاعطين كل الحقوق واؤدي كل الواجبات , فدعا له النبي (ص ).
فلم يمض زمان - وعلى رواية - حتى توفي ابن عم له , وكان غنيا جدا,فوصلت اليه ثروة عظيمة , وعلى رواية اءخرى اءنه اشترى غنما, فلم تزل تتوالدحتى اصبح حفظها ورعايتها في المدينة امرا غـيـر مـمكن , فاضطر ان يخرج الى اطراف المدينة , فالهته امواله عن حضور الجماعة , بل وحتى الجمعة .
وبعد مدة ارسل النبي (ص ) عاملا الى ثعلبة لياخذ الزكاة منه , غير ان هذاالرجل البخيل الذي عاش لتوه حياة الرفاه امتنع من اداء حقوق اللّه تعالى , ولم يكتف بذلك , بل اعترض على حكم الزكاة وقال : ان حـكـم الزكاة كالجزية , اي اننااسلمنا حتى لا نؤدي الجزية , فاذا وجبت علينا الزكاة فاي فرق بيننا وبين غيرالمسلمين ؟ قال هذا في الوقت الذي لم يفهم معنى الجزية ولا معنى الزكاة , او انه فهمه , الاان حب الدنيا وتعلقه بـهـا لـم يسمح له ببيان الحقيقة واظهار الحق , فلما بلغ ‌النبي (ص ) ما قاله قال : يا ويح ثعلبة ثعلبة , فنزلت هذه الايات .

next page

fehrest page

back page