next page

fehrest page

back page

ومـمـا يلفت النظر ان القرآن لم يشر الى هؤلاء الاشخاص اشارة خاصة , بل اكتفى بصفتهم البارزة وهي انهم يذكرون اللّه صباح مساء, اي دائما, وان ذكرهم اللّه هذا ليس فيه رياء, بل هو لذات اللّه وحده , فهم يريدونه وحده ويبحثون عنه , وليس ثمة امتياز اسمى من هذا.
يتبين من آيات قرآنية مختلفة ان هذا لم يكن اول طلب من نوعه يتقدم به هؤلاء المشركون الاغنياء الـمـتكبرون الى رسول اللّه (ص ), بل لقد تكرر اعتراضهم على النبي بشان اجتماع الفقراء حوله , ومطالبتهم اياه بطردهم .
فـي الـحـقـيـقة كان هؤلاء يستندون في طلبهم ذاك الى سنة قديمة خاطئة تقيم المرء على اساس ثـروتـه , وكـانـوايـعتقدون ان المعايير الطبقية القائمة على اساس الثروة يجب ان تبقى محفوظة , ويرفضون كل دعوة تستهدف الغاءهذه القيم والمعايير.
فـي سـيـرة الـنبي نوح (ع ) نرى ان اشراف زمانه كانوا يقولون له : (وما نراك اتبعك الا الذين هم اراذلنا بادي الراي ) ((161)) واعتبروا ذلك دليلا على بطلان رسالته .
ان واحدا من دلائل عظمة الاسلام والقرآن , وعظمة مدرسة الانبياء عموما, هو انها وقفت ثابتة لا تـتزحزح في وجه امثال هذه الطلبات , وراحت تحطم هذه الامتيازات الموهومة في كل المجتمعات الـتـي تـعـتبر التمايز الطبقي مسالة ثابتة , لتعلن ان الفقر ليس نقصا في اشخاص مثل سلمان وابي ذر والـخـبـاب وبـلال , كـمـا ان الـثـروة لـيست امتيازااجتماعيا او معنويا لهؤلاء الاثرياء الفارغين المتحجرين المتكبرين .
ثـم تـقـول الاية : انه ليس ثمة ما يدعو الى ابعاد هؤلاء المؤمنين عنك , لان حسابهم ليس عليك , ولا حـسـابـك عليهم : (ما عليك من حسابهم من شي ء, وما من حسابك عليهم من شي ء), ولكنك مع ذلك اذا فعلت تكون ظالما:(فتطردهم فتكون من الظالمين ).
يختلف المفسرون في توضيح المقصود من الحساب هنا.
منهم من يقول : ان المقصود هو حساب رزقهم , اي انهم وان كانوا فقراء فانهم لا يثقلون عليك بشي ء, لان حـسـاب رزقـهم على اللّه , كما انك انت ايضا لا تحملهم ثقل معيشتك , اذ ليس من حساب رزقك عليهم من شي ء.
غـير ان هذا الاحتمال يبدو بعيدا, لان الظاهر ان القصد من الحساب هو حساب الاعمال , كما يقول كـثير من المفسرين , اما لماذا يقول اللّه ان حساب اعمالهم ليس عليك , مع انهم لم يبدر منهم اي عمل سـي ء يستوجب هذاالقول ؟ فالجواب : ان المشركين كانوا يتهمون اصحاب رسول اللّه (ص ) الفقراء بـالابـتـعـاد عـن اللّه بـسبب فقرهم ,زاعمين انهم لو كانت اعمالهم مقبولة عند اللّه لزمه الترفية والـتوسعة عليهم في معيشتهم , بل كانوا يتهمونهم بانهم لم يؤمنوا الا لضمان معيشتهم والوصول الى لقمة العيش .
فـيـرد القرآن على ذلك مبينا اننا حتى لو فرضنا انهم كذلك , فان حسابهم على اللّه , مادام هؤلاء قد آمـنـواواصـبحوا في صفوف المسلمين , فلا يجوز طردهم باي ثمن , وبهذا يقف في وجه احتجاج اشراف قريش .
وشاهد هذا التفسير ما جاء في حكاية النبي نوح (ع ) التي تشبه حكاية اشراف قريش , فاءولئك كانوا يقولون لنوح : (انؤمن لك واتبعك الارذلون ) فيرد عليهم نوح قائلا: (وما علمي بما كانوا يعملون ان حسابهم الا على ربي لوتشعرون , وما انا بطارد المؤمنين ) ((162)) .
مـن هـنـا يجب على الانبياء ان يتقبلوا كل امرى ء يظهر الايمان بدون اي تمييز ومن اية طبقة كان فـكيف بالمؤمنين الاطهار الذين لا يريدون الا وجه اللّه , وكل ذنبهم هو انهم فقراء صفر اليدين من الثروة , ولم يتلوثوابالحياة الدنيئة لطبقة الاشراف امتياز كبير للاسلام : انـنـا نعلم ان دائرة صلاحيات رجال الدين المسيحيين المعاصرين قد اتسعت اتساعا مضحكا بحيث انـهـم اعـطـواانفسهم حق غفران الذنوب , فبامكانهم طرد الاشخاص وتكفيرهم او قبولهم لاتفه الامور.
الا ان القرآن , في هذه الاية وفي آيات اءخرى ينفي صراحة اءن يكون لاحد الحق , بل ولا لرسول اللّه (ص ) نفسه في ان يطرد احدا اظهر ايمانه ولم يفعل ما يوجب اخراجه من الاسلام , وان غفران الذنوب والحساب بيد اللّه وحده ,ولا يحق لاحد التدخل في هذا ابدا.
والـكـلام هنا على الطرد الديني لا الطرد الحقوقي فلو كانت احدى المدا وقفا على طبقة خـاصـة مـن الطلاب ,وقبل احدهم فيها لتوفر شروط القبول فيه , ثم فقد بعض تلك الشروط, فان طرده واخراجه من تلك المدرسة لا مانع فيه , كذلك لو ان مدير مدرسة اءعطيت له صلاحيات معينة لـغـرض ادارة شؤونها, فله كل الحق في الاستفادة من تلك الصلاحيات لحفظ النظام ورعاية مصالح المدرسة (فما ورد في حديث صاحب تفسير المنار عند تفسيره الاية ممايخالف هذا المعنى ناشي من الاشتباه بين الطرد الديني والطرد الحقوقي ).
الاية الثانية يحذر فيها القرآن اصحاب المال والثروة من ان هذه الامور اختبار لهم , فاذا لم يجتازوا الامـتـحـان فـعليهم ان يتحملوا العواقب المؤلمة , فاللّه يمتحن بعضهم ببعض : (وكذلك فتنا بعضهم ببعض ).
الفتنة تعني هنا الامتحان ((163)) واي امتحان اصعب مما يمر به الاغنياء الذين كانوا قد اعتادوا لـسنوات طويلة على الترفع على الطبقات الدنيا, فلا يشاركونهم افراحهم واتراحهم , بل حتى انهم يبعدون قبور موتاهم عن قبورهم ,اما الان فيطلب منهم ان يتخلوا عن كل ذلك وان يحطموا كل تلك العادات والسنن , ويكسروا القيود والسلاسل ليلتحقوا بدين طلائعه من الفقراء ومن يسمون بالطبقة الدنيا.
ثم تضيف الاية ان الامر يصل بهؤلاء الى انهم ينظرون الى المؤمنين الصادقين نظرة احتقار (ليقولوا ((164)) ؟ ثم تجيب الاية على المعترضين مؤكدة ان هؤلاء الاشخاص اءناس شكروا نعمة التشخيص الصحيح بـالـعـمل , كماانهم شكروا نعمة دعوة رسول اللّه (ص ) بقبولها, فاي نعمة اكبر, واي شكر ارفع , ولذلك رسخ اللّه الايمان في قلوبهم :(اليس اللّه باعلم بالشاكرين ).

الايتان 54 - 55:

واذا جـاءك الـذيـن يؤمنون باءيتنا فقل سلم عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة اءنه من عمل منكم سـوءا بـجـهـلـة ثـم تـاب من بعده واءصلح فاءنه غفور رحيم وكذلك نفصل الايت ولتستبين سبيل المجرمين التفسير يـرى بعض المفسرين ان الاية نزلت بشان الذين نهت الايات السابقة عن طردهم وابعادهم , ويرى بـعـض آخـرانـها نزلت في فريق من المذنبين قدموا على رسول اللّه (ص ) وقالوا: انهم قد اذنبوا كثيرا, فسكت النبي (ص ) حتى نزلت الاية .
ومـهـما يكن سبب نزول الاية , فالذي لا شك فيه ان معناها واسع وشامل , لانها تبدا اولا بالطلب من رسـول اللّه (ص ) ان لا يـطرد المذنبين مهما عظمت ذنوبهم , بل عليه ان يستقبلهم ويتقبلهم : (واذا جاءك الذين يؤمنون باياتنافقل سلام عليكم ).
يـحتمل ان يكون هذا السلام من اللّه بوساطة رسوله (ص ), او انه من الرسول (ص ) مباشرة , وهو - على كلاالاحتمالين دليل على القبول والترحيب والتفاهم والمحبة .
ثم تقول الاية (كتب ربكم على نفسه الرحمة ).
كـتـب تـاتـي في كثير من الاحيان كناية عن الالزام والتعهد, اذ ان من نتائج الكتابة توكيد الامر وثبوته .
وفي الجزء الاخير من الاية - وهو توضيح وتفيسر لرحمة اللّه - يتحدث بلهجة عاطفية : (انه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده واصلح فانه غفور رحيم ).
وقـد سـبـق الـقـول ((165)) ان الجهالة في مثل هذه المواضع تعني طغيان الشهوة وسيطرتها, والانـسـان بـسـبـب هـذه الاهـواء الـمستفحلة , لا بسبب عدائه للّه وللحق - يفقد المقدرة العقيلة والسيطرة على الشهوات , مثل هذا الشخص -وان كان عالما بالذنب والحرمة - يسمى جاهلا, لان عـلـمـه مـسـتتر وراء حجب الاهواء والشهوات , وهذا الشخص مسؤول عن ذنوبه , ولكنه يسعى لاصلاح نفسه وجبران اخطائه لان افعاله لم تكن عن روح عداء وخصام .
تـامر الاية رسول اللّه (ص ) ان لا يطرد اي شخص مؤمن مهما تكن طبقته وظروفه وعنصره , بل عـلـيـه ان يـنـظر الى الجميع بعين المساواة , وان يحتضنهم ويعمل على اصلاحهم حتى وان كانوا ملوثين بالذنوب .
الاية التالية ومن اجل توكيد هذا الموضوع تشير الى ان اللّه سبحانه يوضح آياته واوامره توضيحا بينا لكي يتبين طريق الباحثين عنه والمطيعين له , كما يتبين طريق الاثمين المعاندين من اعداء اللّه : (وكذلك نفصل الايات ولتستبين سبيل المجرمين ) ((166)) .
مـن الواضح في هذه الاية ان المجرم ليس كل مذنب , لان رسول اللّه (ص ) مكلف في هذه الاية ان يتقبل المذنبين الذين يقبلون عليه , مهما يكن جرمهم الذي ارتكبوه عن جهل , وعليه فان المجرمين هنا هم اءولئك المذنبون المعاندون الذين لا يستسلمون للحق .
اي بـعـد هـذه الدعوة العامة الى اللّه , التي تشمل حتى المجرمين النادمين يتضح بشكل كامل طريق المعاندين الذين لا يرجعون عن عنادهم .

الايات 56 - 58:

قـل انـى نـهـيت اءن اءعبد الذين تدعون من دون اللّه قل لا اءتبع اءهوآءكم قد ضللت اذا وما اءنامن الـمهتدين قل انى على بينة من ربى وكذبتم به ما عندى ما تستعجلون به ان الحكم الاللّه يقص الحق وهو خير الفصلين قل لو اءن عندى ماتستعجلون به لقضى الا مر بينى وبينكم واللّه اءعلم بالظلمين التفسير الاصرار العقيم : ما يزال الخطاب في هذه الايات موجها الى المشركين وعبدة الاصنام المعاندين - كداب معظم آيات هـذه السورة - يبدو من سياق هذه الايات انهم دعوا رسول اللّه (ص ) الى اعتناق دينهم , الامر الذي يستدعي نزول الاية :(قل اني نهيت ان اعبد الذين تدعون من دون اللّه ) ((167)) .
جملة نهيت التي وردت بصيغة الماضي ومبنية للمجهول تشير الى ان النهي عن عبادة الاصنام ليس امراجديدا, بل كان دائما قائما وسيبقى كذلك .
ثم بجملة (قل لا اتبع اهواءكم ) يجيب بوضوح على اصرارهم العقيم , بالنظر لان عبادة الاصنام لا تـتفق مع المنطق ولا مع الادلة العقلية , لان العقل يدرك بسهولة ان الانسان اشرف من الجماد, فكيف يـمكن للانسان ان يخضع لاي مخلوق آخر فضلا عن المخلوق الادني ؟ هذا مع ان هذه الاصنام هي مـن صـنع الانسان نفسه فكيف يتخذالانسان ما خلقه بنفسه معبودا يعبده ويلجا اليه في كل مشاكله ؟ وبـنـاء عـلـى ذلـك , فـان مـنـشا عبادة الاصنام ليس سوى التقليد الاعمى والاتباع المقيت للاهواء والشهوات .
وفي ختام الاية يؤكد القرآن مرة اءخرى على اءنه اذا فعل ذلك (قد ضللت اذا وما انا من المهتدين ).
الاية التالية تتضمن جوابا آخر, وهو: (قل اني على بينة من ربي وكذبتم به ).
الـبـيـنـة اصلا ما يفصل بين شيئين بحيث لا يكون بينهما تمازج او اتصال , ثم اطلقت على الدليل والحجة الواضحة , لانها تفصل بين الحق والباطل .
وفي المصطلح الفقهي تطلق البينة على الشاهدين العدلين , غير ان معنى الكلمة اللغوي واسع جدا, وشهادة العدل واحد من تلك المعاني , وكذلك كانت المعجزة بينة لانها تفصل بين الحق والباطل , واذا قيل للايات والاحكام الالهية بينات فلكونها من مصاديق الكلمة الواسعة .
وعـلـيـه , فرسول اللّه (ص ) يؤمر في هذه الاية ان يقول : ان دليلي في قضية عبادة اللّه ومحاربة الاصنام واضح وبين , وان تكذيبكم وانكاركم لا يقللان من صدق الدليل .
ثـم يـشـير الى حجة واهية اءخرى من حججهم , وهي اءنهم كانوا يقولون : ان كنت على حق فعلا فـعـجـل بـالـعقاب الذي تتوعدنا به , فيقول لهم رسول اللّه (ص ): (ما عندي ما تستعجلون به ), لان الاعمال والاوامر كلها بيد اللّه : (ان الحكم الا للّه ).
وبعد ذلك يقول مؤكدا: ان اللّه هو الذي : (يقص الحق وهو خير الفاصلين ).
بـديهي ان القادر على ان يفصل بين الحق والباطل على خير وجه هو الذي يكون اعلم الجميع , ومن الـسـهـل عـلـيه التمييز بين الحق والباطل , ثم تكون له القدرة الكافية على استخدام علمه , وهاتان الـصـفـتان (العلم والقدرة ) هما من صفات الذات الالهية اللامحدودة , وعليه فانه عز وجل خير من يقص الحق , اي يفصل الحق من الباطل .
الايـة الـتـالـيـة تامر رسول اللّه (ص ) ان يقول لهؤلاء الجماعة الملحاحة العنيدة الجاهلة : لو ان ما تـطـلبونه مني على عجل كان في سعتي وقدرتي , واجبتكم اليه لانتهى الامر, ولم يعد بيني وبينكم شي ء: (قل لو ان عندي ما تستعجلون به لقضي الامر بيني وبينكم ).
ولـكيلا يظنوا ان عقابهم قد طواه النسيان , يقول في النهاية (واللّه اعلم بالظالمين ) وسوف يعاقبهم في الوقت المناسب .
..
بحوث هنا لابد من ذكر بعض النقاط: 1 - يستفاد من آيات القرآن ان كثيرا من الامم الماضية طلبوا مثل هذا الطلب من انبيائهم , وهو: اذا كنت صادقا فيما تقول فلماذا لا ترسل علينا العقاب الذي تتوعدنا به ؟ قـوم نـوح (ع ) طـلـبوا منه ذلك (قالوا يا نوح قد جادلتنا فاكثرت جدالنا فاتنا بما تعدنا ان كنت من الصادقين ) ((168)) ونظير ذلك جاء على لسان قوم صالح ((169)) وكذلك فعل قوم عاد مع نبيهم هود ((170)) .
ويـسـتـفاد من سورة الاسراء ان هذا الطلب قد تكرر لرسول اللّه (ص ), حتى انهم قالوا له : اننا لا نؤمن لك (اوتسقط السماء كما زعمت علينا كسفا) ((171)) .
كـان الـدافع الى هذه الطلبات غير المعقولة السخرية والاستهزاء, او الرغبة في رؤية المعجزة , وفـي كـلـتا الحالتين كان الطلب احمقا, اذ في الحالة الثانية يكون تحقق الطلب سببا في ابادتهم , ولا يكون ثمة مجال للاستفادة من ظهورالمعجزة , وفي الحالة الاولى كان لدى الانبياء ادلة بينة توفر - عـلـى الاقـل - احـتمال التصديق عند كل ناظر بصير,فكيف يمكن مع هذا الاحتمال ان يطلب احد القضاء على نفسه , او ان لا ياخذ المسالة ماخذ الجد, غير ان التعصب والعناد بلاء عظيم يقفان بوجه كل فكر ومنطق .
2 - ان معنى (ان الحكم الا للّه ) واضح , اي ان كل امر في عالم الخلق والتكوين وفي عالم الاحكام والتشريع بيداللّه , وبناء على ذلك اذا كان لرسول اللّه (ص ) ان يقوم بمهمة فذلك ايضا بامر من اللّه .
فـاذا احـيا المسيح (ع ) ميتا - مثلا - فهو باذن اللّه , وكذلك كل منصب - بما في ذلك القيادة الالهية والتحكيم والقضاء - اذا اوكل الى احد, فانما هو بامر اللّه تعالى .
ولكن الذي يؤسف له ان هذه الاية الواضحة استغلت على مدى التاريخ , فمرة تمسك بها الخوارج في قضية الحكمين التي ارادوها هم وامثالهم في حرب صفين فكانت كلمة حق اءريد بها باطل كما قال الامام علي (ع ),حتى اصبح شعارهم (لا حكم الا للّه ).
لـقد كانوا من الجهل والبلاهة انهم حسبوا ان من حكم بامر اللّه والاسلام في امر من الامور يكون قد خالف (ان الحكم الا للّه ) بينما كانوا يقراون القرآن كثيرا, ولكن لا يفهمونه الا قليلا, فالقرآن نـفـسه في موضوع الاحتكام العائلي يصرح باختيار حكم من جانب الزوجة وحكم من جانب الزوج : (فابعثوا حكما من اهله وحكما من اهلها) ((172)) .
واعتبر بعض آخر هذه الاية - كما يقول الفخر الرازي في تفسيره - دليلا على الجبرية , قائلين اننا اذا قبلنا بان الاوامر في عالم الخلق بيد اللّه , فلا يبقى لاحد مجال للاختيار.
ولـكننا نعلم ان حرية ارادة عباد اللّه وحرية اختيارهم هي ايضا, بامر من اللّه الذي شاء ان يكونوا احرارا في اختيار ما يعملون , لكي يحملهم مسؤولية اعمالهم والتكاليف الملقاة على عواتقهم .
3 - يقص في اللغة ترد بمعنى القطع , وفي القاموس : قص الشعر والظفر اي قطع منهما بالمقص اي الـمقراض ,وعلى هذا يكون معنى و(يقص الحق ) ان اللّه يقطع الحق عن الباطل ويفصل بينهما, ولـذلك يتلوها بقوله : (هو خيرالفاصلين ) للتوكيد, فالفعل يقص هنا لا يعني سرد حكاية , كما ظن بعض المفسرين .

الايات 59 - 62:

وعـنده مفاتح الغيب لايعلمها الا هو ويعلم ما فى البر والبحر وما تسقط من ورقة الايعلمها ولا حبة فـى ظلمت الا رض ولا رطب ولا يابس الا فى كتب مبين وهو الذى يتوفكم باليل ويعلم ما جرحتم بـالـنـهار ثم يبعثكم فيه ليقضى اءجل مسمى ثم اليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى اذا جاءاءحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ثم ردوا الى اللّه مولهم الحق اءلا له الحكم وهو اءسرع الحسبين التفسير اسرار الغيب : فـي هـذه الايـات يدور الكلام حول علم اللّه وقدرته وسعة حكمه وامره , وهي تشرح ما اجملته الايات السابقة .
تشرع الاية في الكلام على علم اللّه فتقول : (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهاهو).
مـفـاتـح جـمع مفتح (بكسر الميم وفتح التاء) وهو المفتاح , اما اذا كانت بفتح الميم فهي بمعنى الخزانة التي تختزن فيها الاشياء.
وعلى الاول يكون المعنى : ان جميع مفاتيح الغيب بيد اللّه .
وعلى الثاني يكون المعنى : ان جميع خزائن الغيب بيد اللّه .
ويحتمل ان يكون المعنيان قد اجتمعا في عبارة واحدة , وكما هو ثابت في علم الاصول , فان استعمال لـفـظـة واحـدة لـعـدة معان لا مانع منه , وعلى كل حال فهاتان الكلمتان متلازمتان , لانه حيثما كانت الخزانة كان المفتاح .
واغـلـب الـظـن ان مفاتح بمعنى مفاتيح لا بمعنى خزائن لان الهدف هو بيان علم اللّه , فتكون الـمـفاتيح وسائل لمعرفة مختلف الذخائر وهو انسب بالاية , وفي موضعين آخرين في القرآن ترد كلمة مفاتح بمعنى المفاتيح ((173)) .
ثم لتوكيد ذلك اكثر يقول : (ويعلم ما في البر والبحر).
البر كل مكان واسع فسيح , وتطلق على اليابسة , والبحر كذلك تعني المحل الواسع الذي يتجمع فيه الماء,وتطلق على البحار والمحيطات وعلى الانهر العظيمة احيانا.
فـالـقول بان اللّه يعلم ما في البر والبحر, كناية عن احاطته بكل شي ء, وهذه الاحاطة بما في البر والبحر انما تمثل في الحقيقة جانبا من علمه الاوسع .
فهو عالم بحركة آلاف الملايين من الكائنات الحية , الكبيرة والصغيرة , في اعماق البحار.
وهو عالم بارتعاش اوراق الاشجار في كل غابة وجبل .
وهو عالم بمسيرة كل برعمة وتفتح اوراقها.
وهو عالم بجريان النسيم في البوادي ومنعطفات الوديان .
وهو عالم بعدد خلايا جسم الانسان وكريات دمه .
وهو عالم بكل الحركات الغامضة في الالكترونات في قلب الذرة .
وهو عالم بكل الافكار التي تمر بتلافيف ادمغتنا حتى اعماق ارواحنا ... نعم انه عالم بكل ذلك على حد سواء.
لذلك فانه يؤكد ذلك مرة اءخرى فيقول : (وما تسقط من ورقة الا يعلمها).
اي انـه يـعلم عدد الاوراق ولحظة انفصال كل ورقة عن غصنها وطيرانها في الهواء, حتى لحظة استقرارها على الارض , كل هذا جلي امام علم اللّه .
كـذلـك لا تختفي حبة بين طيات التراب الا ويعلمها اللّه ويعلم كل تفاصيلها: (ولا حبة في ظلمات الارض ).
الـتـركـيـز هنا - في الحقيقة - على نقطتين حساستين لا يمكن ان يتوصل اليهما الانسان حتى لو امضى ملايين السنين من عمره يرتقي سلم الكمال في صنع اجهزته وادواته المدهشة .
تـرى من ذا الذي يستطيع ان يعرف كم تحمل الرياح معها في هبوبها على مختلف اصقاع الارض في الـلـيـل والـنـهار, من انواع البذور المنفصلة عن نباتاتها؟ والى اين تحملها وتنشرها, او تدسها في التراب حيث تبقى سنوات مختفية , حتى يتهيا لها الماء فتنبت وتنمو؟ مـن ذا الـذي يعلم كم من هذه البذور في كل انحاء الدنيا تحمل عن طريق الانسان او الحشرات في كل ساعة من نقطة الى نقطة اءخرى ؟ اي دمـاغ الكتروني هذا الذي يستطيع ان يحصي عدد اوراق الشجر التي تسقط كل يوم من اشجار الـغابات ؟انظر الى غابة من الغابات في الخريف , وخاصة بعد مطر شديد او ريح عاصفة , وتطلع الى مشهد سقوط الاوراق المتواصل البديع , عندئذ تتكشف لك هذه الحقيقة , وهي ان علوما من هذا القبيل لن تكون يوما في متناول يدالانسان .
ان سـقـوط الورقة - في الحقيقة - هو لحظة موتها, بينما سقوط البذرة في مكمنها من الارض هو لـحـظـة بدءحياتها, وما من احد غير اللّه يعلم بنظام هذا الموت وهذه الحياة , وحتى ان كل خطوة تخطوها البذرة نحو حياتهاوانبعاثها وتكاملها خلال اللحظات والساعات , جلية في علم اللّه .
ان لهذا الموضوع اثرا فلسفيا وآخر تربويا: اما اثره الفلسفي , فينفي راي الذين يحصرون علم اللّه بالكليات , ويعتقدون انه لا يعلم عن الجزئيات شيئا, وفي الاية هنا تاكيد على ان اللّه يعلم الكليات والجزئيات كلها.
اما اثره التربوي فواضح , لان الايمان بهذا العلم الواسع للّه يقول للانسان : ان جميع اسرار وجودك , واعمالك ,واقوالك ونياتك , وافكارك كلها بينة امام اللّه , فاذا آمن الانسان حقا بهذا, فكيف يمكن له ان لا يكون رقيبا على نفسه ويسيطر على اعماله واقواله ونياته وفي ختام الاية يقول تعالى : (ولا رطب ولا يابس الا في كتاب مبين ).
تـبين هذه العبارة القصيرة سعة علم اللّه اللامحدود واحاطته بكل الكائنات بدون اي استثناء, اذ ان الرطب واليابس لا يقصد بهما المعنى اللغوي , بل هما كناية عن الشمول والعمومية .
وللمفسرين آراء متعددة في معنى : كتاب مبين , ولكن الاقوى انه كناية عن علم اللّه الواسع , اي ان كل الموجودات مسجلة في علم اللّه اللامحدود, كما انه تفسر بكونه اللوح المحفوظ نفسه , اذ لا يستبعد ان يكون اللوح المحفوظ هو صفحة علم اللّه .
وثمة احتمال آخر عن معنى كتاب مبين وهو انه عالم الخلق وسلسلة العلل والمعلولات التي كتب فيها كل شي ء.
جـاء فـيـما روي عن اهل البيت (ع ) ان الورقة الساقطة بمعنى الجنين الساقط, والحبة بمعنى الابـن , وظـلمات الارض بمعنى رحم الام , ورطب ما بقي حيا من النطفة , ويابس ما تلاشى من النطفة ((174)) .
لا شـك ان هـذا الـتـفـسير لا ينسجم مع الجمود على المعاني اللغوية للاية , اذ ان معنى الورقة والحبة وظلمات الاض والرطب واليابس معروف , ولكن ائمة اهل البيت (ع ) بهذا التفسير ارادوا ان يـوسـعـوا مـن آفاق نظرة المسلمين الى القرآن , وان لا ينحصروا في اطار الالفاظ, بل يتوسعوا في نظرتهم حين توجد قرائن على هذاالتوسع .
الرواية اعلاه تشير الى ان معنى الحبة لا ينحصر في بذور النباتات , بل يشمل ايضا بذور النطف الانسانية .
في الاية الثانية ينتقل الكلام الى احاطة علم اللّه باعمال الانسان وهو الهدف الاصلي والى بيان قدرة اللّه الـقـاهرة , لكي يستنتج الناس من هذا البحث الدروس التربوية اللازمة فتبدا بالقول بان اللّه هو الـذي يـقـبـض ارواحكم في الليل , ويعلم ما تعملون في النهار: (وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار).
توفى تعني استرجع , فالقول بان النوم هو استرجاع للروح يعود الى ان النوم اخو الموت , كما هو مـعـروف ,فـالـموت تعطيل كامل لجهاز الدماغ , وانقطاع تام في ارتباط الروح بالجسد, بينما النوم تـعـطـيـل قـسم من جهاز الدماغ وضعف في هذا الارتباط, وعليه فالنوم مرحلة صغيرة من مراحل الموت ((175)) .
جرحتم من جرح وهي هنا بمعنى الاكتساب , اي انكم تعيشون تحت ظل قدرة اللّه وعلمه ليلا ونـهـارا, وان الـذي يـعلم بانفلاق الحبة ونموها في باطن الارض , ويعلم بسقوط اوراق الاشجار وموتها في اي مكان وزمان , يعلم باعمالكم ايضا.
ثـم يـقـول : ان نـظـام الـنوم واليقظة هذا يتكرر,فانتم تنامون في الليل (ثم يبعثكم فيه ليقضى اجل مسمى ) ((176)) اي ثم يوقظكم في النهار .. وتستمر هذه العملية حتى نهاية حياتكم .
ويـبـيـن الـقرآن النتيجه النهائية لهذا المبحث بالشكل التالي : (ثم اليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون ).
وفـي الاية الثالثة توضيح اكثر لاحاطة علم اللّه باعمال عباده وحفظها بكل دقة ليوم الحساب , بعد ان يسجلهامراقبون مرسلون لاحصاء اعمالهم : (وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة ).
سـبق ان قلنا ان القاهر هو المتسلط الغالب المهيمن الذي لا تقف امامه اية قوة , ويرى بعضهم هذه الكلمة تستعمل حيث يكون المقهور عاقلا.
اما كلمة الغالب فليست فيها هذه الخصوصية , فهي عامة واسعة المعنى .
حـفـظـة جـمـع حـافـظ وهم هنا الملائكة الموكلون بحفظ اعمال الناس , كما جاء في سورة الانفطار, الايات 10- 13: (ان عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون ).
ويـرى بـعـض المفسرين انهم لا يحفظون اعمال الانسان , بل هم مامورون بحفظ الانسان نفسه من الـحـوادث والبلايا حتى يحين اجله المعين , ويعتبرون (حتى اذا جاء احدكم الموت ) بعد حفظة قرينة تدل على ذلك , كما يمكن اعتبار الاية (11) من سورة الرعد دليلا عليه كذلك ((177)) .
ولكن بالتدقيق في مجموع الاية التي نحن بصددها نتبين ان القصد من الحفظ هنا هو حفظ الاعمال , اما بشان الملائكة الموكلين بحفظ الناس فسوف نشرحه باذن اللّه عند تفسير سورة الرعد.
ثـم يـبين القرآن الكريم ان حفظ الاعمال يستمر حتى نهاية الاعمار وحلول الموت : (حتى اذا جاء احدكم الموت توفته رسلنا).
وتبين الاية في النهاية ان هؤلاء الملائكة لا يقصرون ولا يفرطون في مهمتهم , فلا يتقدمون لحظة ولا يتاخرون في موعد قبض الروح .
ويـحتمل ايضا ان هذه الصفة ترتبط بالملائكة الذين يحفظون حساب اعمال البشر, فهم في حفظهم للحساب لايصدر منهم ادنى تقصير او قصور, والاية تركز على هذا القسم بالذات .
فـي الاية الاخيرة يشير القرآن الكريم الى آخر مراحل عمل الانسان , فيقول : (ثم ردوا الى اللّه مولاهم الحق ) اي عادوا الى اللّه بعد ان طووا مرحلة حياتهم , واختتم ملفهم الحاوي على كل شي ء.
وفي تلك المحكمة يكون النظر في القضايا واصدار الاحكام بيد اللّه : (الا له الحكم ).
وعلى الرغم من كل تلك الاعمال والملفات المتراكمة عن افراد البشر طوال تاريخهم الصاخب فان اللّه سريع في النظر فيها: (وهو اسرع الحاسبين ).
لـقـد جـاء في بعض الروايات : انه سبحانه يحاسب جميع عباده في مقدار حلب شاة اي ان ذلك لا يتجاوز فترة حلب شاة ((178)) .
وكما قلنا في تفسير الاية (202) من سورة البقرة , ان اجراء الحساب من السرعة بحيث انه يمكن ان يتم في لحظة واحدة بالنسبة للجميع , بل ان ذكر فترة حلب شاة في الرواية المذكورة يقصد منه بـيـان قـصر الزمن اللازم لذلك ,وعلى هذا نقرا في رواية اءخرى : ان اللّه تعالى يحاسب الخلائق كلهم في مقدار لمح البصر ((179)) .
والدليل على ذلك هو ما ذكرناه في تفسير هذه الاية , وهو ان اعمال الانسان تؤثر في وجوده وفي وجود الكائنات المحيطة به , تماما مثل الماكنة التي تسجل مقدار حركتها في عداد متصل بها.
وبـتـعـبـيـر اوضـح , لو كانت هناك اجهزة دقيقة جدا لاستطاعت ان تسجل في عين الانسان عدد الـنظرات الاثمة ,وعلى الالسنة عدد الاكاذيب والافتراءات والتهم والطعون التي اقترفتها, اي ان كـل عـضـو من اعضاء الجسم فيه -بالاضافة الى روحه - جهاز حاسب يكشف الحساب في لحظة واحدة .
واذا جاء في بعض الروايات ان محاسبة المسؤولين والاغنياء تطول يوم القيامة فان هذا لا يعني في الـواقـع طول زمن الحساب , بل هو طول زمن المحاسبة عليهم , اذ لابد لهم من الاجابة على الاسئلة الـكـثـيرة التي تلقى عليهم بشان الاعمال التي ارتكبوها, اي ان ثقل مسؤولياتهم ولزوم اجابتهم على الاسئلة لاتمام الحجة عليهم هي التي تطيل زمن محاكمتهم .
يـؤلـف مـجموع هذه الايات درسا تربويا كاملا لعباد اللّه في احاطة علمه تعالى باصغر ذرات هذا العالم وباكبرهاوقدرته وقهره لعباده ومعرفته بجميع اعمال البشر, وقيام كتبة اءمناء بحفظ اءعمال الـنـاس وقبض اءرواحهم في لحظات معينة بالنسبة لكل منهم , وبعثهم يوم القيامة , ومن ثم محاسبتهم محاسبة دقيقة وسريعة .
كيف يمكن ان يؤمن الشخص بمجموع هذه المسائل ثم لا يراقب اعماله , يظلم دون وازع , ويكذب ويفتري ويعتدي على الاخرين ؟ هل يجتمع كل هذا مع الايمان والاعتقاد على صعيد واحد؟

الايتان 63 - 64:

قل من ينجيكم من ظلمت البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن اءنجنا من هذه لنكونن من الشكرين قل اللّه ينجيكم منها ومن كل كرب ثم اءنتم تشركون التفسير النور الذي يضي ء في الظلام : مرة اءخرى ياءخذ القرآن بيد المشركين ويتوغل بهم الى اءعماق فطرتهم , وهناك في تلك الاغوار الـمحفوفة بالاسرار الغامضة يريهم نور التوحيد وعبادة الواحد الاحد, فيقول للنبي (ص ) قل لهم : (قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر)؟ ان الـظـلام يـكـون حسيا احيانا ومعنويا احيانا اءخرى , الظلام الحسي هو الذي يكون عند انقطاع الـنـور انـقـطاعاتاما, او يضعف بحيث لا يرى شي ء, او يرى بالجهد الجهيد, والظلام المعنوي هو الـمـشـاكـل والـصـعـوبـات ذات الـنهايات المظلمة الغامضة , الجهل ... الاضطرابات الاجتماعية والاقـتصادية والفكرية , والانحرافات والفساد الاخلاقي التي لا يمكن التكهن بعواقبها السئية , او التي تجر الى التعاسة والشقاء ... كلها ظلام .
ان الـظـلام بـذاته مخيف مثير للاوهام والتخيلات , فهجوم الكثير من الحيوانات الخطرة وسطوة الـلصوص والمجرمين يقع تحت جنح الظلام , ان لكل امرى ء ذكرياته عن هذه الحالات , فعند هبوط الظلام تنشط الاوهام وتخرج منها الاشباح المرعبة , فيستولي الخوف والهلع على العامة من الناس .
الظلام من العدم , والانسان يهرب بطبيعته من العدم ويخافه , ولهذا نراه يخاف الظلام .
واذا حدثت في هذا الظلام حوادث واقعية مرعبة , كان يكون الانسان مسافرا في البحر, وتحاصره فـي لـيـلة ظلماء الامواج الهائلة والدوامات المائية , فان خوفه من ذلك يكون اضعاف ما لو حدث ذلك بـالنهار, لان الانسان في مثل هذه الظروف يجد ابواب النجاة مسدودة في وجهه , وهكذا لو كان في لـيـلـة حالكة الظلام يسير في الصحراءفيضل الطريق ويسمع زمجرة الوحوش المفترسة من هنا وهـناك وهي تبحث عن فريسة , في مثل هذه اللحظات ينسى الانسان كل شي ء ولا يعود يتذكر شيئا سـوى نفسه , والنور الذي يسطع في اعماقه ويجذبه نحو المبدا قادر على ازالة ما يعتوره من بلاء وضـيق , هذه الحالات تفتح نوافذ على عالم التوحيد ومعرفة اللّه , لذلك يقول في امثال هذه الحالات : (تدعونه تضرعا وخفية ).
وتـعقدون - وانتم في تلك الحالة - عهدا وميثاقا على انفسكم , وتقولون : (لئن انجانا من هذه لنكونن من الشاكرين ).
ثـم تـامر الاية النبي (ص ) ان يخبرهم ان اللّه سوف ينجيهم من هذه ومن غيرها من الاخطار, وقد فعل ذلك من قبل مرارا, ولكنهم بعد زوال الخطر عنهم يعودون الى طريق الشرك والكفر: (قل اللّه ينجيكم منها ومن كل كرب ثم انتم تشركون ).
ملاحظات : هنا لابد من الالتفات الى عدة نقاط: 1 - لعل ذكر التضرع وهو الدعاء علانية , والخفية هي الدعاء في السر, اشارة الى ان المصائب تختلف ,فالتي لم تصل مرحلة شديدة قد تستدعي الدعاء خفية , وعندما تكون شديدة تحمل المرء على ان يـرفـع يـديـه بالدعاءجهرا, وقد يصاحب ذلك البكاء والصراخ , اي ان اللّه يحل مشاكلكم خفيفها وشديدها.
2 - يـرى بعضهم ان الاية تشير الى اربع حالات نفسية في الانسان , كل واحدة منها ردة فعل معينة لـظـهـورالمشاكل : حالة الدعاء وحالة التضرع وحالة الاخلاص وحالة تقديم الشكر عند النجاة من الاخطار.
ولكن الذي يؤسف له ان هذه الحالات تمر ببعض الناس مرورا خاطفا وكانه ا حالات اضطرارية في مـواجـهـة الاخـطار والمشاكل , وبما انها ليست مصحوبة بالوعي والادراك , فانه ا تخفت وتنطفى ء بمجرد انتهاء الازمة .
وبـنـاء عـلى ذلك , فان هذه الحالات , وان تكن خاطفة , تستطيع ان تكون دليلا على معرفة اللّه لمن عسر عليه ادراك الدلائل الاخرى .
3 - الـكـرب في الاصل بمعنى حفر الارض وقلبها, وكذلك تعني العقدة المحكمة الشد في حبل الدلو, ثم اطلقت بعد ذلك على الغم والهم والحزن التي تقلب قلب الانسان وتثقل عليه كالعقدة .
لـذلـك فـان ذكر الكرب بما له من المعنى الواسع الذي يشمل انواع المشاكل والازمات بعد ذكر (ظـلمات البروالبحر) والتي تشمل جانبا من المشاكل فقط, يعتبر من قبيل ذكر مفهوم عام بعد بيان مفهوم خاص (تامل بدقة ).
وهذا يجدر بنا ان نذكر حديثا تورده بعض التفاسير في هذه الاية : روي عـن رسول اللّه (ص ) قال : خير الدعاء الخفي وخير الرزق ما يكفي (لا الثروات الضخمة التي هي حصيلة حرمان الاخرين , وتكون عبئا على كاهل الانسان ), وروي ايضا انه (ص ) مر بقوم رفعوا اصواتهم بالدعاء فقال :انكم لا تدعون اصم ولا غائبا, وانما تدعون سميعا قريبا ((180)) .
يستفاد من هذا الحديث ان خير الدعاء ما كان خفيا مقترنا بتوجه واخلاص .

الاية 65:

قـل هـو القادر على اءن يبعث عليكم عذابا من فوقكم اءو من تحت اءرجلكم اءو يلبسكم شيعاويذيق بعضكم باءس بعض انظر كيف نصرف الايت لعلهم يفقهون التفسير الوان العذاب : فـي الايـات الـسابقة التي تتضمن بيان التوحيد الفطري تتجلى محبة اللّه لعباده , وحنوه عليهم عند الشدائدوالصعاب , واستجابته لدعواتهم .
وفـي هذه الاية تركيز على التهديد بعذاب اللّه وعقابه , من اجل اكمال طرق التربية والتهذيب , اي ان اللّه وهـوارحم الراحمين وملجا اللاجئين , قهار منتقم مقابل الطغاة العصاة , ففي هذه الاية يؤمر الـرسول (ص ) بتهديدالمجرمين بثلاثة انواع من العقاب : عذاب من فوق , وعذاب من تحت , وعقاب يـتـمـثـل في اختلاف الكلمة والحرب واراقة الدماء: (قل هو القادر على ان يبعث عليكم عذابا من فوقكم او من تحت ارجلكم او يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم باس بعض ).
وفـي الختام تقول الاية : (انظر كيف نصرف الايات لعلهم يفقهون ), اي انظر كيف نوضح لهم المعالم والدلائل على امل ان يفهموا الحقائق ويعودا الى اللّه .
بحوث هنا ايضا لابد من الاشارة الى بعض النقاط: 1 - هـنالك اختلاف بين المفسريين بشان المقصود من العذاب من فوق ومن تحت , ويظهر ان لهاتين الكلمتين معاني واسعة , فهما تشملان الجهتين الماديتين من السماء ومن الارض كالصواعق والامطار الغزيرة والعواصف المدمرة التي ياتي من فوق , والزلازل والانشقاقات الارضية المدمرة وفيضانات الانهر والبحار من تحت .
كـذلـك تـشـمـل الالام والمصائب التي ينزلها بعض الحكام والطبقات المتسلطة في المجتمع على رؤوس الشعوب ,وكذلك الالام والعذاب الذي يسببه بعض الموظفين الذين لا يعرفون واجبهم للناس مما قد لا يقل عما يسببه الحكام والطبقات العليا من المجتمع .
وكذلك يحتمل ان تشمل اسلحة الحرب المخيفة في عصرنا التي تبيد حياة البشر بشكل وحشي من الارض والـجـو, وتـحـيـل الـمدن خلال مدة قصيرة الى ركام وانقاض عن طريق القصف الجوي والهجوم الارضي وزرع الالغام والغواصات المدمرة داخل البحار.
2 - يـلبسكم من اللبس بفتح اللام بمعنى الاختلاط والامتزاج , لا من اللبس بضم اللام بمعنى ارتـداءالملابس , وعلى ذلك يكون معنى الاية : انه قادر على ان يجعل منكم جماعات مختلفة تختل ط بعض ببعض .
يـستنتج من هذا التعبير ان مسالة اختلاف الكلمة والتفرق في المجتمع لا تقل خطورتها عن العذاب الـسـماوي والصواعق والزلازل , وهو في الحقيقة كذلك , بل قد يكون الخراب الناشى ء من اختلاف الـكـلمة والتفرق احيانا اشدوطاة ودمارا من الزلازل والصواعق , كثيرا ما نلاحظ ان دولا عامرة يصيبها الفناء بسبب النفاق والتفرقة , وهذه الكلمة تحذير لجميع مسلمي العالم هنالك ايضا احتمال آخر في تفسير هذه الاية , وهو - ان اللّه قد اشار - الى جانب العذاب السماوي والارضـي - الـى لونين آخرين من العذاب : احدهما: اختلاف العقيدة والفكر (وهو في الواقع مثل الـعـذاب الـنـازل من فوق ),والاخر: هو الاختلاف في العمل والسلوك الاجتماعي الذي يؤدي الى الحروب واراقة الدماء (وهو اشبه بالعذاب الاتي من تحت ).
وعليه , فالاية تشير الى اربعة الوان من العذاب الطبيعي , ولونين من العذاب الاجتماعي .
3 - لابـد من الانتباه الى ان قوله تعالى : (اويلبسكم شيعا) ((181)) , لايعني ان اللّه يبتلي الناس - بدون مبرر -بالنفاق والاختلاف , بل ان ذلك نتيجة سوء اعمالهم وغرورهم وانانياتهم , والانغماس في منافعهم الشخصية , مما يثيرروح النفاق والتفرقة بينهم , وما نسبة ذلك الى اللّه الا لانه جعل تلك الاثار من نتائج تلك الاعمال .
4 - على الرغم من ان الخطاب في هذه الاية موجه الى المشركين وعبدة الاصنام , فاننا نستنتج ان الـمـجتمع المشرك والمنحرف عن طريق التوحيد وعبادة اللّه , يصاب بظلم الطبقات العليا, وظلم الطبقات الدنيا المتهاونة في واجباتها, كما تقع البشرية بين براثن الاختلاف العقائدية والمخاصمات الـدمـويـة فـي المجتمع , كما هو حال المجتمعات المعاصرة التي تعبد اوثان الصناعة والثروة , فهي رهين مصائب لا فكاك لها من مخالبها.

next page

fehrest page

back page