10 شى : عن مسعدة بن صدقة ، عن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن جده قال :
_____________________________________________________
( 1 2 ) تفسير العياشى ج 1 ص 10 .
( 3 7 ) تفسير العياشى ج 1 ص 13 .
[116]
قال أمير المؤمنين عليهم السلام : سموهم بأحسن أمثال القرآن ، يعني عترة النبي صلى الله عليه وآله ( هذا عذب فرات ) فاشربوا ( وهذا ملح اجاج ) فاجتنبوا ( 1 ) .
11 شى : عن عمر بن حنظلة ، عن أبي عبدالله عليه السلام عن قول الله : قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ) ( 2 ) فلما رآني أتتبع هذا وأشباهه من الكتاب ، قال : حسبك كل شئ في الكتاب من فاتحته إلى خاتمته مثل هذا فهو في الائمة عنى به ( 3 ) .
باب 13 : ما عاتب الله تعالى به اليهود
البقرة : قال الله تعالى : أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون * وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون * أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون * ومنهم اميون لا يعلمون الكتاب إلا أمانى وإن هم إلا يظنون * فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عندالله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون * وقالوا لن تمسنا [ النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عندالله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون ] ( 4 ) .
_____________________________________________________
( 1 ) تفسير العياشى ج 1 ص 13 .
( 2 ) الرعد : 43 .
( 3 ) تفسير العياشى ج 1 ص 13 .
( 4 ) البقرة : 75 80 ، وما بين العلامتين أضفناه من المصحف الشريف لتكون الايات المربوطة ، المتعلقة بعنوان الباب كاملة .
ونسخة الاصل كنسخة الكمبانى ينتهى إلى
[117]
باب 14 : أن القرآن مخلوق
1 يد ( 1 ) لى : المهداني ، عن علي ، عن أبيه ، عن ابن معبد ، عن ابن خالد قال : قلت للرضا عليه السلام : يا ابن رسول الله أخبرني عن القرآن أخالق أو مخلوق ؟ فقال : ليس بخالق ولا مخلوق ، ولكنه كلام الله عزوجل ( 2 ) .
2 يد ( 3 ) ن ( 4 ) لى : ابن مسرور ، عن محمد الحميري ، عن أبيه ، عن ابن هاشم ، عن الريان قال : قلت للرضا عليه السلام : ما تقول في القرآن ؟ فقال : كلام الله لا تتجاوزوه ، ولا تطلبوا الهدى في غيره فتضلوا ( 5 ) .
3 يد ( 6 ) لى : المكتب ، عن الاسدي ، عن البرمكي ، عن عبدالله بن أحمد بن داهر ، عن الفضل بن إسماعيل ، عن علي بن سالم ، عن أبيه قال : سألت الصادق عليه السلام فقلت له : يا ابن رسول الله ما تقول في القرآن ؟ فقال : هو كلام الله ، وقول الله ، وكتاب الله ، ووحي الله ، وتنزيله ، وهو الكتاب العزيز الذي
_____________________________________________________
قوله تعالى ( لن تمسنا ) وبعده بياض .
وكيف كان الظاهر من سيرة المؤلف العلامة رضوان الله عليه أن يكتب بعد ذلك ما يتعلق بتفسير الايات الكريمة من التفسير المنسوب إلى الامام العسكرى عليه السلام ، ولما كان الايات مع تفسيرها منقولة مستخرجة في ج 70 ص 166 170 ، لم ننقلها هنا ، من أرادها فليراجع هناك .
( 1 ) التوحيد : الباب الثلاثون ص 156 .
( 2 ) أمالى الصدوق ص 326 .
( 3 ) التوحيد : 157 .
( 4 ) عيون الاخبار ج 2 ص 56 .
( 5 ) أمالى الصدوق ص 326 .
( 6 ) التوحيد : 157 وفيه عن البرمكى ، عن على بن سالم .
[118]
لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ( 1 ) .
4 يد ( 2 ) لى : أبي ، عن سعد ، عن اليقطيني قال : كتب أبوالحسن الثالث عليه السلام إلى بعض شيعته ببغداد ( بسم الله الرحمن الرحيم ، عصمنا الله وإياك من الفتنة ، فان يفعل فأعظم بها نعمة ، وإلا يفعل فهي الهلكة ، نحن نرى أن الجدال في القرآن بدعة ، اشترك فيها السائل والمجيب ، فتعاطى السائل ما ليس له وتكلف المجيب ما ليس عليه ، وليس الخالق إلا الله ، وما سواه مخلوق ، والقرآن كلام الله ، لا تجعل له اسما من عندك ، فتكون من الضالين ، جعلنا الله وإياك من الذين يخشون ربهم بالغيب ، وهم من الساعة مشفقون ) ( 3 ) .
5 يد ( 4 ) لى : المكتب ، عن الاسدي ، عن البرمكي ، عن عبدالله بن أحمد ، عن الجعفري قال : قلت لابي الحسن موسى عليه السلام : يا ابن رسول الله ما تقول في القرآن : فقد اختلف فيه من قبلنا فقال قوم : إنه مخلوق ، وقال قوم : إنه غير مخلوق ، فقال عليه السلام : أما إني لا أقول في ذلك ما يقولون ، ولكني أقول : إنه كلام الله عزوجل ( 5 ) .
6 يد : ابن الوليد ، عن الصفار ، عن ابن معروف ، عن ابن أبي نجران عن حماد بن عثمان ، عن عبدالرحيم قال : كتبت على يدي عبدالملك بن أعين إلى أبي عبدالله عليه السلام : جعلت فداك اختلف الناس في القرآن فزعم قوم أن القرآن كلام الله غير مخلوق ، وقال آخرون : كلام الله مخلوق ، فكتب عليه السلام : القرآن كلام الله محدث غير مخلوق ، وغير أزلي مع الله تعالى ذكره ، وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ، كان الله عزوجل ولا شئ غير الله ، معروف ولا مجهول ، كان عزوجل
_____________________________________________________
( 1 ) أمالى الصدوق 326 .
( 2 ) التوحيد : 157 .
( 3 ) أمالى الصدوق ص 326 .
( 4 ) التوحيد : 157 .
( 5 ) أمالى الصدوق ص 330 .
[119]
ولا متكلم ولا مريد ولا متحرك ولا فاعل ، عزوجل ربنا .
فجميع هذه الصفات محدثه غير حدوث الفعل منه ، عزوجل ربنا ، والقرآن كلام الله غير مخلوق ، فيه خبر من كان قبلكم ، وخبر ما يكون بعدكم ، انزل من عندالله على محمد رسول الله صلى الله عليه وآله ( 1 ) .
قال الصادق رحمه الله : كأن المراد من هذا الحديث ما كان فيه من ذكر القرآن ، ومعنى ما فيه أنه غير مخلوق أي غير مكذوب ، ولا يعني به أنه غير محدث ، لانه قد قال : محدث غير مخلوق ، وغير أزلي مع الله تعالى ذكره وقال أيضا : قد جاء في الكتاب أن القرآن كلام الله ، ووحي الله ، وقول الله وكتاب الله ، ولم يجئ فيه أنه مخلوق ، وإنما ؟ ؟ من إطلاق المخلوق عليه لان المخلوق في اللغة قد يكون مكذوبا ، ويقال : كلام مخلوق أي مكذوب قال الله تبارك وتعالى : ( إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا ) ( 2 ) أي كذبا ، وقال عزوجل حكاية عن منكري التوحيد : ( ما سمعنا بهذا في الملة الاخرة إن هذا إلا اختلاق ) ( 3 ) أي افتعال وكذب ، فمن زعم أن القرآن مخلوق بمعنى أنه مكذوب فقد كذب ، ومن قال : إنه غير مخلوق بمعنى أنه غير مكذوب فقد صدق وقال الحق والصواب ، ومن زعم أنه غير مخلوق بمعنى أنه غير محدث وغير منزل وغير محفوظ ، فقد أخطأ وقال غير الحق والصواب .
وقد أجمع أهل الاسلام على أن القرآن كلام الله عزوجل على الحقيقة دون المجاز ، وأن من قال غير ذلك فقد قال منكرا وزورا ، ووجدنا القرآن مفصلا وموصلا ، وبعضه غير بعض ، وبعضه قبل بعض ، كالناسخ التي يتأخر عن المنسوخ ، فلولم يكن ما هذه صفته حادثا بطلت الدلالة على حدوث المحدثات ، وتعذر إثبات محدثها ، بتناهيها وتفرقها واجتماعها .
وشئ آخر : وهو أن العقول قد شهدت ، والامة قد أجمعت : أن الله
_____________________________________________________
( 1 ) التوحيد : 158 .
\ \ \ ( 2 ) العنكبوت : 17 .
( 3 ) سورة ص 1 .
[120]
عزوجل صادق في أخباره ، وقد علم أن الكذب هو أن يخبر بكون ما لم يكن وقد أخبر الله عزوجل عن فرعون وقوله : ( أنا ربكم الاعلى ) ( 1 ) وعن نوح أنه ( نادى ابنه وهو في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين ) ( 2 ) فان كان هذا القول وهذا الخبر قديما فهو قبل فرعون وقبل قوله ما أخبر عنه وهذا هو الكذب ، وإن لم يوجد إلا بعد أن قال فرعون ذلك ، فهو حادث لانه كان بعد أن لم يكن .
وآمر آخر وهو أن الله عزوجل قال : ( ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ) ( 3 ) وقوله : ( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ) ( 4 ) وما له مثل أو جاز أن يعدم بعد وجوده ، فحادث لا محالة ( 5 ) .
7 شى : عن فضيل بن يسار قال : سألت الرضا عليه السلام عن القرآن فقال لي : هو كلام الله ( 6 ) .
8 شى : عن زرارة قال : سألت أبا جعفر عليه السلام عن القرآن فقال لي : لا خالق ولا مخلوق ، ولكنه كلام الخالق ( 7 ) .
9 شى : عن زرارة قال : سألته عن القرآن أخالق هو ؟ قال ك لا ، قلت : مخلوق ؟ قال : [ لا ] ولكنه كلام الخالق ( 8 ) .
10 شى : عن ياسر الخادم ، عن الرضا عليه السلام أنه سئل عن القرآن فقال : لعن الله المرجئة ولعن الله أبا حنيفة ، إنه كلام الله غى مخلوق ، حيث ما تكلمت به وحيث ما قرأت ونطقت ، فهو كلام وخبر وقصص ( 9 ) .
_____________________________________________________
( 1 ) النازعات : 24 .
( 2 ) هود : 42 .
\ \ \ ( 3 ) أسرى : 86 .
( 4 ) البقرة : 106 .
\ \ \ ( 5 ) التوحيد : 158 159 .
( 6 7 ) تفسير العياشى ج 1 ص 6 .
( 8 ) تفسير العياشى ج 1 ص 7 .
( 9 ) تفسير العياشى ج 1 ص 8 .
[121]
11 كش : حمدويه وإبراهيم معا ، عن محمد بن عيسى ، عن هشام المشرقي أنه دخل على أبي الحسن الخراساني عليه السلام فقال : إن أهل البصرة سألوا عن الكلام فقالوا : إن يونس يقول : إن الكلام ليس بمخلوق ، فقلت لهم : صدق يونس إن الكلام ليس بمخلوق ، أما بلغكم قول أبي جعفر عليه السلام حين سئل عن القرآن : أخالق هو أم مخلوق ؟ فقال لهم : ليس بخالق ولا مخلوق ، إنما هو كلام الخالق فقويت أمر يونس ، فقالوا : إن يونس يقول : إن من السنة أن يصلي الانسان ركعتين وهو جالس بعد العتمة ، فقلت : صدق يونس ( 1 ) .
باب 15 : وجوه اعجاز القرآن
أقول : قد سبق ما يناسب هذا الباب في الباب الاول من هذا الكتاب ، وقد أوردنا أكثر ما يناسب هذا الباب في كتاب أحوال النبي صلى الله عليه وآله فتذكر ( 2 ) .
ولنذكر هنا ما أورده القطب الراوندي رحمه الله بطوله في كتاب الخرائج والجرائح في هذا المعنى ، فانه كاف في هذا الباب ، ومقنع في دفع الشبه الموردة على ذلك في كل باب .
قال رضوان الله عليه : اعلم أن كتاب الله المجيد ليس مصدقا لنبي الرحمة خاتم النبيين فقط بل هو مصدق لسائر الانبياء والاوصياء قبله ، وسائر الاوصياء بعده جملة وتفصيلا ، وليس جملة الكتاب معجزة واحدة ، بل هي معجزات لا تحصى وفيه إعلام عدد الرمل والحصى ، لان أقصر سورة فيه إنما هو الكوثر ، وفيه إعجاز من وجهين : أحدهما أنه قد تضمن خبرا عن الغيب قطعا قبل وقوعه ، فوقع كما أخبر عنه من غير خلف فيه ، وهو قوله : ( إن شانئك هو الابتر ) لما قال قائلهم :
_____________________________________________________
( 1 ) رجال الكشى : 414 .
( 2 ) راجع ج 17 ص 159 225 من هذه الطبعة الحديثه .
[122]
إن محمدا رجل صنبور ( 1 ) فاذا مات انقطع ذكره ، ولا خلف له يبقى به ذكره فعكس ذلك على قائله ، وكان كذلك .
والثاني من طريق نظمه لانه على قلة عدد حروفه ، وقصر آيه ، يجمع نظما بديعا ، وأمرا عجيبا ، وبشارة للرسول ، وتعبدا للعبادات بأقرب لفظ وأوجز بيان ، وقد نبهنا على ذلك في كتاب مفرد لذلك .
ثم إن السور الطوال متضمنة للاعجاز من وجوه كثيرة نظما وجزالة وخبرا عن الغيوب ، فلذلك لا يجوز أن يقال : إن القرآن معجز واحد ولا ألف معجز ، ولا أضعافه ، فلذلك خطأنا قول من قال : إن للمصطفى صلى الله عليه وآله ألف معجز أو ألفي معجز ، بل يزيد ذلك عند الاحصاء على الالوف .
ثم الاستدلال في أن القرآن معجز لا يتم إلا بعد بيان خمسة أشياء : أحدها ظهور محمد صلى الله عليه وآله بمكة ، وادعاؤه أنه مبعوث إلى الخلق ورسول إليهم ، وثانيها تحديه العرب بهذا القرآن الذي ظهر على يديه ، وادعاؤه أن الله أنزله عليه وخصه به ، وثالثها أن العرب مع طول المدة لم يعارضوه ، ورابعها أنه لم يعارضوه للتعذر والعجز ، وخامسها أن هذا التعذر خارق للعاذه ، فاذا ثبت ذلك فإما أن يكون القرآن نفسه معجزا خارقا للعادة بفصاحته ، ولذلك لم يعارضوه ، أولان
-بحار الانوار جلد: 85 من صفحة 122 سطر 16 إلى صفحه 130 سطر 16 الله صرفهم عن معارضتهم ولو لا الصرف لعارضوه ، وأي الامرين ثبت صحت نبوته عليه السلام لانه تعالى لا يصدق كاذبا ، ولا يخرق العادة لمبطل .
وأما ظهوره عليه السلام بمكة ، ودعاؤه إلى نفسه فلا شبهة فيه ، بل هو معلوم ضرورة لا ينكره عاقل ، وظهر هذا القرآن على يده أيضا معلوم ضرورة ، والشك في أحدهما كالشك في الاخر .
وأما الذي يدل على أنه صلى الله عليه وآله تحدى بالقرآن فهو أن معنى قولنا إنه تحدى : أنه كان يدعي أن الله تعالى خصه بهذا القرآن وإنبائه به ، وأن
_____________________________________________________
( 1 ) الصنبور كعصفور النخلة المنفردة من النخيل ، والتى دقت من أسفلها وانجرد كربها وقل حملها ، ثم كنى به عن الرجل الضعيف الذليل بلا أهل ولا عقب ولا ناصر .
[123]
جبرئيل عليه السلام أتاه به ، وذلك معلوم ضرورة لا يمكن لاحد دفعه ، وهذا غاية التحدي في المعنى .
وأما الكلام في أنه لم يعارض ، فلانه لو عورض لوجب أن ينقل ولو نقل لعلم ، كما علم نفس القرآن ، فلما لم يعلم ، دل على أنه لم يكن ، وبهذا يعلم أنه ليس بين بغداد والبصرة بلد أكبر منهما لانه لو كان لنقل وعلم ، وإنما قلنا إن المعارضة لوكانت لوجب نقلها لان الدواعي متوفرة على نقلها ، ولانها تكون الحجة ، والقرآن شبهة ، لوكانت ، ونقل الحجة أولى من نقل الشبهة وأما الذي نعلم به أن جهة انتفاء المعارضة التعذر لا غير ، فهو أن كل فعل ارتفع عن فاعله مع توفر دواعيه إليه ، علم أنه ارتفع للتعذر ، ولهذا قلنا إن هذه الجواهر والاكوان ليست في مقدورنا ، وخاصة إذا علمنا أن الموانع المعقولة مرتفعة كلها ، فيجب لنا أن نقطع على أن ذلك من جهة التعذر لا غيره وإذا علمنا أن العرب تحدوا بالقرآن فلم يعارضوه مع شدة حاجتهم إلى المعارضة ، علمنا أنهم لم يعارضوه للتعذر لا غير ، وإذا ثبت كون القرآن معجزا وأن معارضته تعذرت لكونه خارقا للعادة ، ثبت بذلك نبوته المطلوبة .
ثم اعلم أن الطريق إلى معرفة صدق النبي صلى الله عليه وآله أو الوصي عليه السلام ليس إلا ظهور المعجز عليه ، أو خبر نبي ثابت نبوته بالمعجز ، والمعجز في اللغة ما يجعل غيره عاجزا ، ثم تعورف في الفعل الذي يعجز القادر عن مثله ، وفي الشرع هو كل حادث من فعل الله أو بأمره أو تمكينه ناقض لعادة الناس في زمان تكليف مطابق لدعوته أو ما يجري مجراه .
واعلم أن شروط المعجزات امور : منها أن يعجز عن مثله أو عما يقاربه المبعوث إليه وجنسه ، لانه لو قدر عليه أو واحد من جنسه في الحال لما دل على صدقه ، ووصي النبي حكمه حكمه .
ومنها أن يكون من فعل الله أو بأمره وتمكينه لان المصدق للنبي بالمعجز هو الله ، فلا بد أن يكون من جهته تعالى .
[124]
ومنها أن يكون ناقضا للعادة لانه لو فعل معتادا لم يدل على صدقه ، كطلوع الشمس من المشرق .
ومنها أن يحدث عقيب دعوى المدعي أو جاريا مجى ذلك .
والذي يجري مجراه أن يدعي النبوة ويظهر عليه معجزا ، ثم يشيع دعواه في الناس ثم يظهر معجز من غير تجديد دعوى لذلك ، لانه إذا لم يظهر كذلك لم يعلم تعلقه بالدعوى فلا يعلم أنه تصديق له في دعواه .
ومنها أن يظهر ذلك في زمان التكليف لان أشراط الساعة ينتقض بها عادته تعالى ، ولا يدل على صدق مدع .
ثم إن القرآن معجز ، لانه صلى الله عليه وآله تحدى العرب بمثله وهم النهاية في البلاغة ، وتوفرت دواعيهم إلى الاتيان بما تحداهم به ، ولم يكن لهم صارف عنه ولا مانع منه ، ولم يأتوا به ، فعلمنا أنهم عجزوا عن الاتيان بمثله .
وإنما قلنا إنه عليه السلام صلى الله عليه وآله تحداهم به لان القرآن نفسه يتضمن التحدي كقوله تعالى : ( فأتوا بسورة من مثله ) ومعلوم أن العرب في زمانه وبعده كانوا يتبارون بالبلاغة ، ويفخرون بالفصاحة ، وكانت لهم مجامع يعرضون فيها شعرهم ، وحضر زمانه من يعد في الطبقة الاولى كالاعشى ولبيد وطفة ، وزمانه أوسط الازمنة في استعمال المستأنس من كلام العرب دون الغريب الوحشي الثقيل على اللسان فصح أنهم كانوا الغاية في الفصاحة ، وإنما قلنا اشتدت دواعيهم إلى الاتيان بمثله فانه تحداهم ثم قرعهم بالعجز عنه ، بقوله تعالى : ( قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولوكان بعضهم لبعض ظهيرا ) وقوله تعالى : ( فان لم تفعلوا ولن تفعلوا ) .
فان قيل : لعل صارفهم هو قلة احتفالهم به أو بالقرآن لا نحطاطه في البلاغة قلنا لا شبهة أنه صلى الله عليه وآله كان من أو سطهم في النسب [ وفي الخصال المحمودة ] حتى سموه الامين ، الصدوق ، وكيف لا يختفلون به وهم كانوا يستعظمون القرآن حتى شهروه بالسحر ، ومنعوا الناس من استماعه ، لئلا يأخذ بمجامع قلوب السامعين ، فكيف
[125]
يرغبون عن معارضته ( 1 ) .
فان قيل : ألستم تقولون إن ما يأتي به محمد من القرآن هو كلام الله وفعله وقلتم إن مقدورات العباد لا تنتقض بها العادة ، وقلتم إن القرآن هو أول كلام تكلم به تعالى ، وليس بحادث في وقت نزوله ، والناقض للعادة لابد وأن يكون هو متجدد الحدوث ، لان الكلام مقدور للعباد ، فما يكون من جنسه لا يكون ناقضا للعادة ، فلا يكون معجزا للعباد .
الجواب أن الناقض للعادة هو ظهور القرآن في مثل بلاغته المعجزة ، وذلك يتجدد ، وليس يظهر مثله في العادة سواء جوز أن يكون من قبله أو من قبل ملك يظهر عليه بأمره تعالى أو أوحى الله به إليه ، فاذا علم صدقه في دعواه بظهور مثل هذا الكلام البليغ الذي يعجز عنه المبعوث إليه وجنسه عن مثله ، وعما يقاربه وكان ناقضا للعادة ، فكان معجزا دالا على صدقه ، ولم يضرنا في ذلك أن يكون تعالى تكلم به قبل ، إذ لم يجر تعالى عادته في إظهاره على أحد غيره .
وقوله ( إنه مركب من جنس مقدور العباد ) لا يقدح في كونه ناقضا للعادة ولا في كونه معجزا ، لان الاعجاز فيه هو من جملة البلاغة ، وفيها يقع التفاوت بين البلغاء ، ألا ترى أن الشعراء والخطباء يتفاضلون في بلاغتهم في شعرهم وخطبهم ؟ فصح أن يكون في الكلام ما بلغ حدا في البلاغة ينقض به العادة في بلاغة البلغاء من العباد .
ويبين ذلك أن البلاغة في الكلام البليغ لا يحصل بقدرة القادر على إحداث الحروف المركبة ، وإنما يظهر بعلوم المتكلم بالكلام البليغ ، وتلك العلوم لا تحصل للعبد باكتسابه ، وإنما يحصل له من قبل الله الله ابتداء ، وعند اجتهاد العبد في استعمال ما يحصل عنده ، وتلك العلوم من فعله تعالى ، وقد أجرى الله عادته فيها بمنح العبد من العلوم للبلاغة ، فلا يمنح من ذلك إلا مقدارا يتفاوت فيه
_____________________________________________________
( 1 ) مختار الخرائج ص 267 268 ، وما بعده لم يطبع إلى قوله وأما وجه اعجاز القرآن وقد صححه المؤلف العلامة بخط يده في نسخة الاصل وضرب على بعض جملاتها .
[126]
بلاغة بعضهم عن بعض ، ويتفاوتون في ذلك بقدر تفاوت بلاغتهم ، فاذا تجاوز بلاغة القرآن ذلك المقدار الذي جرت به العادة في بلاغة العبد ، وبلغت حدا لا تبلغه بلاغ أبلغهم ، ظهر كونه ناقضا للعادة ، وإنما يبين كونه كذلك ، إذا بينا أنه تحداهم بمثل القرآن ، فعجزوا عنه ، وعما يقاربه .
فاذا قيل : فبما ذا علمتم أن القرآن ظهر معجزة له دون غيره ، وما أنكرتم أن الله بعث نبيا غير محمد ، وآمن محمد بن ، فتلقته منه محمد ، ثم قتل ذلك النبي وادعاه معجزة لنفسه .
الجواب أنا نعلم باضطرار أنه مختص به كما نعلم في كثير من الاشعار والتصانيف أنها مختصة بمن تضاف إليه كشعر امرء القيس وكتاب العين للخليل ، ثم إن القرآن ظهر منه وسمع ، ولم يجر ، في الناس ذكر أنه ظهر لغيره ، ولا جوزوه ، وكيف يجوز في حكمه الحكيم أن يمكن أحدا من ذلك وقد علم حال محمد في عزف نفسه عن ملاذ الدنيا من أول أمره إلى أواخره ، كيف يتهم بما قالوه .
فان قيل : لعل من تقدم محمدا كامرء القيس وأضرابه لو عاصره لامكنه معارضته ، قلنا : إن التحدي لم يقع بالشعر فيصح ما قتله ، وكان في زمانه صلى الله عليه وآله وسلم وقريبا منه من قدم في البلاغة من تقدم ، ولانه ما كلفهم أن يأتوا بالمعارضة من عند أنفسهم ، وإنما تحداهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن من كلامهم أو كلام غيرهم ممن تقدمهم ، فلو علموا أن في كلامهم ما يوازي بلاغة القرآن لاتوابه ، ولقالوا إن هذا كلام من ليس بمنبئ وهو مساو للقرآن في بلاغته ومعلوم أن محمدا صلى الله عليه وآله ما قرأ الكتب ولا تتلمذ لاحد من أهل الكتاب ، وكان ذلك معلوما لاعدائه ، ثم قص عليهم قصص نوح ، وموسى ، ويوسف ، وهود ، وصالح ، وشعيب ولوط ، وعيسى وقصة مريم على طولها ، فما رد عليه أحد من أهل الكتاب شيئا منها ، ولا خطاؤه في شئ من ذلك ، ومثل هذه الاخبار لا يتمكن منها إلا بالتبخيت والاتفاق ( 1 ) وقد نبه الله عليه بقوله ( ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا
_____________________________________________________
( 1 ) أى الا بأن نقول بالبخت والاتفاق .