ويفرق بين كل نفس وحبيبها ، ويحار في تلك الاهوال عقل لبيبها ، إذا تنكرت الارض بعد حسن عمارتها ، وتبدلت بالخلق بعد أنيق زهرتها ( 4 ) أخرجت من معادن الغيب أثقالها ، ونفضت إلى الله أحمالها يوم لا ينفع الجد ( 5 ) إذا عاينوا الهول الشديد فاستكانوا ، وعرف المجرمون بسيماهم فاستبانوا فانشقت القبور بعد طول انطباقها ، واستسلمت النفوس إلى الله بأسبابها ، كشف عن الاخرة غطاؤها ، وظهر للخلق أبناؤها ، فدكت الارض دكا دكا ( 6 ) ، ومدت

____________________________________________________
( 1 ) الحبور : السرور .
وراعه الامر : أفزعه .
( 2 ) الجمان ، الؤلؤ .
( 3 ) جفا صاحبة أعرض عنه .
والكرى : النعاس .
وتترى أى متواليا .
( 4 ) الانيق : الحسن المعجب .
( 5 ) في المصدر " لا ينفع الحذر " .
( 6 ) دكت الارض أى سوى صعودها وهبوطها .

[373]


لامر يراد بها مدا مدا ، واشتد المثارون إلى الله ( 1 ) شدا شدا ، وتزاحفت الخلايق إلى المحشر زحفا زحفا ( 2 ) ورد المجرمون على الاعقاب ردا ردا ، وجد الامر ويحك يا إنسان جدا جدا ، وقربوا للحساب فردا فردا ، وجاء ربك و الملك صفا صفا ، يسألهم عما عملوا حرفا حرفا ، فجئ بهم عراة الابدان ، خشعا أبصارهم ، أمامهم الحساب ، ومن ورائهم جهنم يسمعون زفيرها ويرون سعيرها ، فلم يجدوا ناصرا ولا وليا يجيرهم من الذل ، فهم يعدون سراعا ( 3 ) إلى مواقف الحشر يساقون سوقا فالسموات مطويات بيمينه كطي السجل للكتب ، والعباد على الصراط وجلت قلوبهم ، يظنون أنهم لا يسلمون ، ولا يؤذن لهم فيتكلمون ، ولا يقبل منهم فيعتذرون ، قد ختم على أفواهم ، واستنطقت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون .
يالها من ساعة ما أشجى مواقعها من القلوب ، حين ميز بين الفريقين فريق في الجنة وفريق في السعير .
من مثل هذا فليهرب الهاربون ، إذا كانت الدار الاخرة لها يعمل العاملون .
36 - ما : ( 4 ) عن محمد بن أحمد بن شاذان ، عن محمد بن علي بن المفضل ، عن علي بن حسن النحوي ، عن الحسن بن علي الزفري ( 5 ) عن العباس بن بكار الضبي عن أبي بكر الهذلي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : خطب أمير المؤمنين عليه السلام فقال : الحمد لله الذي لا يحويه مكان ، ولا يحده زمان ، علا بطوله ودنى بحوله ، سابق كل

____________________________________________________
( 1 ) ثار اليه وثب عليه وفى بعض النسخ " المبارون " .
( 2 ) تزاحف القوم في الحرب : بعضهم إلى بعض وتدانوا .
والزحف : الجيش يزحفون إلى العدو أى يمشون .
ويقال زحف اليه كمنع زحفا اذا مشى نحوه .
وزحفا زحفا أى زحفا بعد زحف متفرقين .
( 3 ) في بعض النسخ " يقودون سراعا " .
( 4 ) الامالى ج 2 ص 296 .
( 5 ) كذا وفى المصدر " الرمزنى " .

[374]


غنيمة وفضل ، وكاشف كل عظيمة وإزال ( 1 ) أحمده على جود كرمه وسبوغ نعمه وأستعينه على بلوغ رضاه والرضا بما قضاه وأومن به إيمانا وأتوكل عليه إيقانا وأشهد أن لا إله إلا الله الذي رفع السماء فبنيها وسطح الارض فطحيها وأخرج منها ماءها ومرعيها والجبال أرسيها ( 2 ) لا يؤوده خلق وهو العلي العظيم ، وأشهد أن محمد عبده ورسوله أرسله بالهدى المشهور والكتاب المسطور والدين المأثور إبلاء لعذره وإنهاء لامره ، فبلغ الرسالة وهدى من الضلالة وعبد ربه حتى أتاه اليقين فصلى الله عليه وآله كثيرا .
أوصيكم بتقوى الله فان التقوى أفضل كنز وأحرز حرز وأعز عز ، فيه نجاة كل هارب ودرك كل طالب وظفر كل غالب وأحثكم على طاعة الله فانها كهف العابدين وفوز الفائزين وأما المتقين ، واعلموا أيها الناس إنكم سيارة قد حدابكم الهادي وحدى لخراب الدنيا حادي ، وناداكم للموت منادي ، فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور ألا وإن الدنيا دار غرارة خداعة تنكح في كل يوم بعلا وتقتل في كل ليلة أهلا ، وتفرق في كل ساعة شملا ، فكم من منافس فيها وراكن إليها من الامم السالفة قد قذفتهم في الهاوية ودمرتهم تدميرا وتبرتهم تتبيرا وأصلتهم سعيرا ( 3 ) أين من جمع فأوعى ، وشد فاوكى ، ومنع فأكدى ( 4 ) بل أين من عسكر العساكر ، و دسكر الدساكر ( 5 ) وركب المنابر ، أين من بنى الدور ، وشرف القصور ، وجمهر -

____________________________________________________
( 1 ) الازال - بكسر الهمزة - : الداهية .
( 2 ) " طحيها " أى بسطها .
و " أرسيها " أى أثبتها .
( 3 ) التدمير : الاهلاك والتتبير : الاهلاك أيضا ، وأصلاه النار : أدخله أيا ها وأثواه فيها .
والسعير : لهب النار .
( 4 ) أوكى ايكاء - القربة وعلى ما في القربة : شدها بالوكاء ، والوكاء رباط القربة ونحوها .
وأكدى اكداء - الرجل - : لم يظفر بحاجته ، أو بخل في العطاء .
وأكده عن كذا : رده عنه ومنعه .
( 5 ) قال الفيومى في المصباح : الدسكرة بناء يشبه القصر ، حوله بيوت ، ويكون

[375]


الالوف ( 1 ) قد تداولتهم أيامها ، وابتعلتهم أعوامها ، فصاروا أمواتا وفي القبور رفاتا قد يئسوا ما خلفوا ( 2 ) ووقفوا على ما أسلفوا ، ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين .
وكأني بها وقد أشرفت بطلايعها وعسكرت بفظايعها ، فأصبح المرء بعد صحته مريضا ، وبعد سلامته نقيصا ( 3 ) يعالج كربا ويقاسي تعبا ، في حشرجة السباق ( 4 ) و تتابع الفواق ، وتردد الانين ، والذهول عن البنات والبنين ، والمرء قد اشتمل عليه شغل شاغل وهو هائل ، قد اعتقل منه اللسان وتردد منه البنان ، والمرء فأصاب مكروها وفارق الدنيا مسلوبا ، لا يملكون له نفعا ولا لما حل به دفعا ، يقول الله عزوجل في كتابه : " فلولا إن كنتم غير مدينين * ترجعونها إن كنتم صادقين ( 5 ) " ثم من دون ذلك أهوال يوم القيامة ويوم الحسرة والندامة ، يوم تنصب الموازين ، وتنشر الدواوين بإحصاء كل صغير وإعلان كل كبيرة ، يقول الله في كتابه " ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا " ( 6 ) [ ثم قال : ] .
أيها الناس الآن الآن من قبل الندم ومن قبل أن تقوم نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين * أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين * أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين "

____________________________________________________
للملوك : قال الازهرى : وأحسبه معربا .
والدسكره : القربة .
( 1 ) شرف البيت - من باب التفعيل - : جعل له شرفا .
وجمهر الشئ : جمعه .
( 2 ) في المصدر " قد نسوا ما خلفوا " .
( 3 ) في المصدر " نقيضا " بالضاد المعجمة .
( 4 ) حشرج الرجل أى غرغر عند الموت وتردد نفسه .
والفواق - بالضم - : ما يأخذ الانسان عند النزع ، وترجيع الشهقة العالية .
( 5 ) الواقعة : 86 و 87 وقوله " غير مدينين " أى غير مجزيين يوم القيامة أو غير مملوكين مقهورين من دانه اذا اذله واستعبده وأصل التركيب للذل والانقياد .
( 6 ) الكهف : 47 .

[376]


فيرد الجليل جل ثناؤه " بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين " ( 1 ) فوالله ما سئل الرجوع إلا ليعمل صالحا ، ولا يشرك بعبادة ربه أحدا .
[ ثم قال : ] أيها الناس الآن الآن ما دام الوثاق مطلقا ، والسراج منيرا ، وباب التوبة مفتوحا ، ومن قبل أن يخف القلم ، وتطوى الصحيفة ، فلا رزق ينزل ، ولا عمل يصعد ، المضمار اليوم ، والسباق غدا ، فانكم لا تدرون إلى جنه أو إلى النار .
وأستغفر الله لي ولكم .

باب 15 : مواعظ أمير المؤمنين عليه السلام وخطبه أيضا وحكمه

1 - مع ، لى : ( 2 ) الطالقاني ، عن أحمد بن محمد الهمداني ، عن الحسن بن القاسم قراءة ، عن علي بن إبراهيم بن المعلى ، عن أبي عبدالله محمد بن خالد ، عن عبدالله ابن بكر المرادي ، عن موسى بن جعفر ، عن أبيه ، عن جده ، عن علي بن الحسين عن أبيه عليهم السلام قال : بينا أمير المؤمنين عليه السلام ذات يوم جالس مع أصحابه يعبيهم للحرب إذ أتاه شيخ عليه شخبة السفر ( 3 ) فقال أين أمير المؤمنين ؟ فقيل هو ذا فسلم عليه ثم قال : يا أمير المؤمنين إني أتيتك من ناحية الشام وأنا شيخ كبير قد سمعت فيك من الفضل ما لا احصى ، وإني أظنك ستغتال ( 4 ) فعلمني مما علمك الله ، قال : نعم .
يا شيخ من اعتدل يوماه فهو مغبون ، ومن كانت الدنيا همته اشتدت حسرته

____________________________________________________
( 1 ) الزمر : 58 إلى 61 .
( 2 ) معانى الاخبار ص 197 ، المجالس ص 236 .
( 3 ) عباهم تعبئة وتعبيئا : جهزهم .
والشخبة : التعب والمشقة .
وفى المصدر بالحاء المهملة بمعنى تغير اللون من مرض ونحوه .
وفى أمالى الشيخ ج 2 ص 49 " في هيئة السفر " .
( 4 ) غاله واغتاله : اخذه من حيث لا يدرى وقتله .

[377]


عند فراغها ، ومن كانت غده شر يوميه فمحروم ، ومن لم يبال ما رزء ( 1 ) من آخرته إذا سلمت له دنياه فهو هالك ، ومن لم يتعاهد النقص من نفسه غلب عليه الهوى ، ومن كان في نقص فالموت خير له .
يا شيخ إن الدنيا خضرة حلوة ولها أهل وإن الاخرة لها أهل ، ظلفت أنفسهم عن مفاخرة أهل الدنيا ( 2 ) لا يتنافسون في الدنيا ، ولا يفرحون بغضارتها ، ولا يحزنون لبؤسها .
يا شيخ من خاف البيات قل نومه ، ما أسرع الليالي والايام في عمر العبد ، فاخزن لسانك ، وعد كلامك يقل كلامك إلا بخير .
يا شيخ ارض للناس ما ترضى لنفسك ، وأت إلى الناس ما تحب أن يؤتي إليك .
ثم أقبل على أصحابه فقال : أيها الناس أما ترون إلى أهل الدنيا يمسون ويصبحون على أحوال شتى ، فبين صريع يتلوى ، وبين عائد ومعود ( 3 ) وآخر بنفسه يجود ، وآخر لا يرجى وآخر مسجى ( 4 ) وطالب الدنيا والموت يطلبه ، وغافل و ليس بمغفول عنه ، وعلى أثر الماضي يصير الباقي .
فقال له زيد بن صوحان العبدي : يا أمير المؤمنين أي سلطان أغلب وأقوى ؟ قال : الهوى قال : فأي ذل أذل ؟ قال : الحرص على الدنيا ، قال : فأي فقر أشد ؟ قال : الكفر بعد الايمان ، قال : فأي دعوة أضل ؟ قال : الداعي بما لا يكون قال : فأي عمل أفضل ؟ قال : التقوى ، قال فأي عمل أنجح ؟ قال : طلب
-بحار الانوار مجلد: 70 من ص 377 سطر 19 الى ص 385 سطر 18 ما عند الله ، قال : فأي صاحب شر ؟ قال : المزين لك معصية الله ، قال :

____________________________________________________
( 1 ) رزأه : أصابه ونقصه .
( 2 ) ظلف نفسه عن الشئ : كف عنه .
( 3 ) تلوى أى انعطف وانطوى .
والصريع : المطروح على الارض .
والمعود الذى يعوده الناس في مرض .
( 4 ) سجى الميت تسجية : مد عليه ثوبا يستره .

[378]


فأي الخلق أشقى ؟ قال : من باع دينه بدنياه غيره ، قال : فأي الخلق أقوى ؟ قال : الحليم ، قال : فأي الخلق أشح ؟ قال : من أخذ المال من غير حله فجعله في غير حقه ، قال : فأي الناس أكيس ؟ قال : من أبصر رشده من غيه فمال إلى رشده ، قال : فمن أحلم الناس ؟ قال : الذي لا يغضب ، قال : فأي الناس أثبت رأيا ؟ قال : من لم يغره الناس من نفسه ولم تغره الدنيا بتشوفها ( 1 ) قال : فأي الناس أحمق ؟ قال المغتر بالدنيا وهو يرى ما فيها من تقلب أحوالها ، قال : فأي الناس أشد حسرة ؟ قال : الذي حرم الدنيا والاخرة ذلك هو الخسران المبين ، قال : فأي الخلق أعمى ؟ قال : الذي عمل لغير الله ، يطلب بعمله الثواب من عند الله عزوجل قال : فأي القنوع أفضل ؟ قال : القانع بما أعطاه الله ، قال : فأي المصائب أشد ؟ قال : المصيبة بالدين ، قال : فأي الاعمال أحب إلى الله عزوجل ؟ قال : انتظار الفرج ، قال : فأي الناس خير عندالله عزوجل ؟ قال : أخوفهم الله وأعملهم بالتقوى وأزهدهم في الدنيا ، قال : فأي الكلام أفضل عند الله عزوجل ؟ قال : كثرة ذكره والتضرع إليه ودعاؤه ، قال : فأي القول أصدق ؟ قال : شهادة أن لا إله إلا الله قال : فأي الاعمال أعظم عند الله عزوجل ؟ قال : التسليم والورع ، قال : فأي الناس أكرم ؟ قال : من صدق في المواطن .
ثم أقبل عليه السلام على الشيخ فقال : يا شيخ إن الله عزوجل خلق خلقا ضيق الدنيا عليهم نظرا لهم ، فزهدهم فيها وفي حطامها ، فرغبوا في دار السلام الذي دعاهم إليه ، وصبروا على ضيق المعيشة ، وصبروا على المكروه ، واشتاقوا على ما عند الله من الكرامة ، وبذلوا أنفسهم ابتغاء رضوان الله ، وكانت خاتمة أعمالهم الشهادة فلقوا الله وهو عنهم راض ، وعلموا أن الموت سبيل من مضى ومن بقي ، فتزودوا لاخرتهم غير الذهب والفضة ، ولبسوا الخشن ، وصبروا على القوت ( 2 ) وقدموا الفضل ، و

____________________________________________________
( 1 ) التشوف : التزين .
( 2 ) في المصدر " فصبروا على الذل " .

[379]


أحبوا في الله وأبغضوا في الله عزوجل ، اولئك المصابيح ( 1 ) وأهل النعيم في الاخرة والسلام .
فقال الشيخ : فأين أذهب وأدع الجنة وأنا أراها وأرى أهلها معك يا أمير المؤمنين جهزني بقوة أتقوى بها على عدوك ، فأعطاه أمير المؤمنين عليه السلام سلاحا وحمله فكان في الحرب بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام يضرب قدما [ قدما ] وأمير المؤمنين عليه السلام يعجب مما يصنع ، فلما اشتدت الحرب أقدم فرسه حتى قتل رحم الله وأتبعه رجل من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام فوجده صريعا ووجد دابته ووجد سيفه في ذراعه فلما انقضت الحرب أتى أمير المؤمنين عليه السلام بدابته وسلاحه وصلي أمير المؤمنين عليه السلام عليه وقال : هذا والله السعيد حقا فترحموا على أخيكم .
ما ( 2 ) : عن الحسين بن عبيدالله الغضائري ، عن الصدوق باسناده مثله .
كتاب الغايات : ( 3 ) للشيخ جعفر بن أحمد القمي مرسلا مثله .
2 - لى : ( 4 ) عن جعفر بن علي بن الحسن بن علي بن عبدالله بن المغيرة ، عن جده الحسن ، عن جده عبدالله ، عن إسماعيل بن مسلم ، عن الصادق جعفر بن محمد عن أبيه ، عن آبائه عليهم السلام قال : قال أمير المؤمنين عليه السلام كانت الفقهاء والحكماء إذا كاتب بعضهم بعضا كتبوا بثلاث ليس معهن رابعة : من كانت الاخرة همه كفاه الله همه من الدنيا ، ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته ، ومن أصلح فيما بينه وبين الله عزوجل أصلح الله له فيما بينه وبين الناس .
3 - لى : ( 5 ) عن أبيه ، عن علي ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني عن الصادق ، عن أبيه ، عن آبائه عليهم السلام قال : قال علي عليه السلام : ما من يوم يمر على

____________________________________________________
( 1 ) في المصدر " اولئك المصابيح في الدنيا " .
( 2 ) الامالى ج 2 ص 49 .
( 3 ) مخطوط .
( 4 ) المجالس ص 22 .
( 5 ) المصدر ص 66 .

[380]


ابن آدم إلا قال له ذلك اليوم : يا ابن آدم أنا يوم جديد ، وأنا عليك شهيد ، فقل في خيرا واعمل في خيرا ، أشهد لك به يوم القيامة فانك لن تراني بعده أبدا .
4 - لى : ( 1 ) عن محمد بن علي ، عن عمه محمد بن أبي القاسم ، عن هارون بن مسلم ، عن مسعدة بن صدقة ، عن الصادق جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن آبائه عليهم السلام أن أمير المؤمنين عليه السلام خطب بالبصرة ، فقال بعد ما حمد الله عزوجل وأثنى عليه وصلى على النبي وآله : المدة وإن طالت قصيرة ، والماضي للمقيم عبرة ، والميت للحي عظة ، وليس لامس مضى عودة ، ولا المرء من غد على ثقة [ إن ] الاول للاوسط رائد والاوسط للاخر قائد ، وكل لكل مفارق ، وكل بكل لاحق ، و الموت لكل غالب ، واليوم الهائل لكل آزف ، وهو اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم .
ثم قال عليه السلام : معاشر شيعتي اصبروا على عمل لا غنى بكم عن ثوابه ، و اصبروا عن عمل لا صبر لكم على عقابه ، إنا وجدنا الصبر على طاعة الله أهون من الصبر على عذاب الله عزوجل ، اعملوا أنكم في أجل محدود ، وأمل ممدود ، ونفس معدود ، ولابد للاجل أن يتناهى ، ، وللامل أن يطوى وللنفس أن يحصى ، ثم دمعت عيناه ، وقرأ " وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين * يعلمون مالا تفعلون " ( 2 ) .
5 - يد ، لى : ( 3 ) عن ابن عصام ، عن الكليني ، عن محمد بن علي بن معن ، عن محمد بن علي بن عاتكة ، عن الحسن بن النضر الفهري ، عن عمرو الاوزاعي ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر بن يزيد الجعفي ، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر ، عن أبيه ، عن جده عليهم السلام قال : قال أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة خطبها بعد موت النبي صلى الله عليه وآله بتسعة ( 4 ) أيام وذلك حين فرغ من جمع القرآن فقال :

____________________________________________________
( 1 ) المصدر ص 67 .
( 2 ) الانفطار : 11 - 13 .
( 3 ) التوحيد ص 54 والمجالس ص 193 .
( 4 ) في التوحيد " بسبعة " أيام .

[381]


الحمد لله الذي أعجز الاوهام أن تنال إلا وجوه ، وحجب العقول أن تتخيل ذاته في امتناعها من الشبه والشكل ، بل هو الذي لم يتفاوت في ذاته ، ولم يتبعض بتجزئة العدد في كماله ، فارق الاشياء لا على اختلاف الاماكن ، وتمكن منها لا على الممازجة ، وعلمها لابأداة ، لا يكون العلم إلا بها ، وليس بينه وبين معلومة علم غيره ، إن قيل : " كان " فعلى تأويل أزلية الوجود ، وإن قيل : " لم يزل " فعلى تأويل نقي العدم ، فسبحانه وتعالى عن قول من عبد سواه واتخذ إلها غيره علوا كبيرا .
نحمده بالحمد الذي ارتضاه لخلقه وأوجب قبوله على نفسه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، شهادتان ترفعان القول وتضاعفان العمل ، خف ميزان ترفعان منه ، وثقل ميزان توضعان فيه ، وبهما الفوز بالجنة ، والنجاة من النار ، والجوار على الصراط ، وبالشهادتين تدخلون الجنة وبالصلاة تنالون الرحمة ، فأكثروا من الصلاة على نبيكم وآله " إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما " أيها الناس إنه لا شرف أعلى من الاسلام ، ولا كرم أعز من التقوى .
ولا معقل آحرز من الورع ، ولا شفيع أنجح من التوبة ، ولا كنز أنفع من العلم ، ولا عز أرفع من الحلم ، ولا حسب أبلغ من الادب ، ولا نصب أوضع من الغضب ، ولا جمال أزين من العقل ، ولا سوءة أسوء من الكذب ، ولا حافظ أحفظ من الصمت ، ولا لباس أجمل من العافية ، ولا غائب أقرب من الموت .
أيها الناس من مشى على وجه الارض فانه يصير إلى بطنها ، والليل والنهار مسرعان في هدم الاعمار ، ولك ذي رمق قوت ، ولكل حبة آكل ، وأنت قوت الموت ، وإن من عرف الايام لم يغفل عن الاستعداد ، لن ينجو من الموت غني بماله ، ولا فقير لاقلاله ، أيها الناس من خاف ربه كف ظلمه ، ومن لم يرع في كلامه أظهر هجره ، ومن لم يعرف الخير من الشر فهو بمنزلة البهم ( 1 ) ، ما أصغر المصيبة مع عظم الفاقة غدا ، هيهات هيهات وما تناكرتم إلا لما فيكم من المعاصي

____________________________________________________
( 1 ) في المجالس " بهيمة " .

[382]


والذنوب ، فما أقرب الراحة من التعب ، والبؤس من النعيم ، وما شر بشر بعده الجنة ، وما خير بخير بعده النار ، وكل نعيم دون الجنة محقور ، وكل بلاء دون النار عافية .
6 - لى : ( 1 ) عن محمد بن القاسم الاسترابادي ، عن أحمد بن الحسن الحسيني عن الحسن بن علي العسكري ، عن آبائه عليهم السلام قال : قال أمير المؤمنين عليه السلام : كم من غافل ينسج ثوبا ليلبسه وإنما هو كفنه ، ويبني بيتا ليسكنه وإنما هو موضع قبره .
7 - لى : ( 2 ) قيل لامير المؤمنين عليهم السلام : ما الاستعداد للموت ؟ قال : أداء الفرائض ، واجتناب المحارم ، والاشتمال على المكارم ، ثم لا يبالي أوقع على الموت أم وقع الموت عليه ، والله ما يبالي ابن أبي طالب أوقع على الموت ، أم وقع الموت عليه .
8 - لى : ( 3 ) قال أمير المؤمنين عليه السلام في بعض خطبه : أيها الناس إن الدنيا دار فناء والاخرة دار بقاء ، فخذوا من ممركم لمقركم ، ولا تهتكوا أستاركم عند من لا يخفى عليه أسراركم ، وأخرجوا من الدنيا قلوبكم من قبل أن تخرج منها أبدانكم ، ففي الدنيا حييتم ، وللاخرة خلقتم ، إنما الدنيا كالسم يأكله من لا يعرفه ، إن العبد إذا مات قالت الملائكة : ما قدم ، وقال الناس : ما أخر ، فقدموا فضلا يكن لكم ، ولا تؤخروا كلا يكن عليكم ، فإن المحروم من حرم خير ماله والمغبوط من ثقل بالصدقات والخيرات موازينه ، وأحسن في الجنة بها مهاده ، وطيب على الصراط بها مسلكه .