يا كميل فإذا كنا كذلك فعلام يتقدمنا من تقدم وتأخر عنا من تأخر ؟ .
يا كميل قد أبلغهم رسول الله صلى الله عليه وآله رسالة ربه ونصح لهم ، ولكن لا يحبون الناصحين .
____________________________________________________
( 1 ) الانعام : 112 .
( 2 ) كذا وفى التحف " ولا ممنيا حتى لا اعصى " .
( 3 ) انتحل الشعر أو القول ادعاه لنفسه .
وانتحل مذهب كذا انتسب اليه .
[276]
يا كميل قال رسول الله صلى الله عليه وآله لي قولا والمهاجرين والانصار متوافرون يوما بعد العصر يوم النصف من شهر رمضان قائم على قدميه فوق منبره : علي [ مني ] وابناي منه والطيبون مني وأنا منهم وهم الطيبون بعد امهم ، وهم سفينة من ركبها نجى ومن تخلف عنها هوى الناجي في الجنة والهاوي في لظى .
يا كميل على م يحسدوننا والله أنشأنا قبل أن يعرفونا فتراهم بحسدهم إيانا عن ربنا يزيلونا .
ياكميل من لا يسكن الجنة فبشره بعذاب أليم وخزي مقيم وأكبال ومقامع وسلاسل طوال ، ومقطعات النيران ومقارنة كل شيطان .
الشراب صديد ، واللباس حديد ، والخزنة فظظة ( 1 ) والنار ملتهبة والابواب موثقة مطبقة ينادون فلا يجابون ويستغيثون فلاير حمون ، نداهم يا مالك ليقض علينا ربك قال : إنكم ما كثون لقد جئناكم بالحق ولكن أكثر كم للحق كارهون .
يا كميل نحن والله الحق الذي قال الله عزوجل : " ولو اتبع الحق أهوائهم لفسدت السموات والارض ومن فيهن " .
يا كميل ثم ينادون الله تقد ست أسماؤه بعد أن يمكثوا أحقابا اجعلنا على االرخاء فيجيبهم " اخسؤا فيها ولا تكلمون " .
يا كميل فعندها ييئسون من الكره ، واشتدت الحسرة ، وأيقنوا بالهلكة والمكث جزاء بما كسبوا عذبوا .
يا كميل قل الحمدلله الذي نجانا من القوم الظالمين .
يا كميل أنا أحمد الله على توفيقه إياي ، والمؤمنين على كل حال .
يا كميل إنما حظي من حظي بدينا زائلة مدبرة ، فافهم وتحظى بآخرة باقية ثابتة .
____________________________________________________
( 1 ) الفظ : الغليظ ، السئ الخلق .
[277]
يا كميل كل يصير إلى الاخرة والذي يرغب فيه منها ثواب الله عزوجل والدرجات العلى من الجنة التي لا يورثها إلا من كان تقيا .
يا كميل إن شئت فقم .
أقول : وسيجئ في باب مواعظ أمير المؤمنين عليه السلام وخطبه وحكمه عين هذه الوصية منه عليه السلام لكميل بن زياد هذا من كتاب تحف العقول أيضا لكن أخصر من هذه الوصيته ، وسيأتي في باب ما جمع من جوامع كلم أمير المؤمنين عليه السلام وفي غيره أيضا ما يناسب هذا الباب إن شاء الله تعالى ( 3 ) .
باب 12 : كتاب كتبه عليه السلام لدار شريح
1 - لى ( 3 ) عن صالح بن عيسى العجلي ، عن محمد بن علي ، عن محمد بن الفرج ، عن عبدالله بن محمد العجلي ، عن عبدالعظيم الحسني ، عن أبيه ، عن أبان مولى زيد ابن علي ، عن عاصم بن بهدلة قال : قال لي شريح القاضي : اشتريت دارا بثمانين دينارا وكتبت كتابا ، وأشهدت عدولا فبلغ ذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فبعث إلي مولاه قنبرا فأتيته فلما أن دخلت عليه قال : ياشريح اشتريت داراو
____________________________________________________
( 1 ) المصدر ص 171 .
( 2 ) هنا بياض مقدار ورق .
( 3 ) المجلس الحادى والخمسون ص 187 .
وشريح القاضى هو الذى استعمله عمر ابن الخطاب على القضاء بالكوفة فلم يزل قاضيا ستين سنة الاثلاث سنين في فتنة ابن الزبير وقيل فلم يزل بالكوفة قاضيا من عهد عمرالى مدة 75 سنة ولم يعطل فيها غير عامين اوأربعة استعفى الحجاج بن يوسف في فتنة ابن الزبير فاعفاه ومات سنة 87 وعمره مائة وثمان سنين وأدراك الجاهلية ولا يعد من الصحابة بل كان من التابعين ، وقيل عزله على عليه السلام عن القضاء مدة عشرين يوما ثم نصبه .
[278]
كتبت كتابا وأشهدت عدولا ووزنت مالا ؟ قال : قلت : نعم قال : يا شريح اتق الله فانه سيأتيك من لا ينظر في كتابك ، ولا يسئل عن بينتك ، حتى يخرجك من دارك شاخصا ( 1 ) ويسلمك إلى قبرك خالصا ، فانظر أن لاتكون اشتريت هذه الدار من غير مالكها ، ووزنت مالا من غير حله ، فإذا أنت قد خسرت الدارين جميعا الدنياو الاخرة ، ثم قال عليه السلام : يا شريح فلو كنت عند ما اشتريت هذه الدار أتيتني فكتبت لك كتابا على هذه النسخة إذا لم تشترها بدر همين .
قال : قلت : وما كنت تكتب يا أمير المؤمنين قال : كنت أكتب لك هذا الكتاب : بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما اشترى عبد ذليل من ميت ازعج بالرحيل ( 2 ) اشترى منه دارا في دار الغرور ، من جانب الفانين إلى عسكر الها لكين ، وتجمع هذه الدار حدودا أربعة فالحد الاول منها ينتهي إلى دواعي الافات ، والحد الثاني منها ينتهى إلى دواعي العاهات ، والحد الثالث منها ينتهي إلى دواعي المصيبات ، والحد الرابع منها ينتهي إلى الهوى المردي والشيطان المغوي ، وفيه يشرع باب هذه الدار ( 3 ) ، اشترى هذا المفتون بالامل ، من هذا المزعج بالاجل ، جميع هذه الدار بالخروج من عز القنوع والدخول في ذل الطلب فما أدرك هذا المشتري [ فيما اشتري منه ] من درك فعلى مبلي أجسام الملوك ( 4 ) ، وسالب نفوس الجبابرة مثل كسرى وقيصر وتبع وحمير ( 5 ) ومن جمع المال إلى المال فأكثر ، وبنى فشيد ، ونجد فزخرف ( 6 ) وادخر بزعمه للولد ، إشخاصهم جميعا إلى موقف العرض والحساب لفصل القضاء ، و
____________________________________________________
( 1 ) شاخصا أى ذاهبا مبعدا .
( 2 ) ازعج على صيغة المجهول : أى اقلع .
( 3 ) يشرع أى يفتح في الحد الرابع .
( 4 ) كذا وفى بعض النسخ " مبلبل اجسام الملوك " .
أى مهيج داء اتها ، المهلكة لها .
( 5 ) تبع : ملوك اليمن .
حمير أبوقبيلة من اليمن .
( 6 ) شيد أى رفع .
ونجد بشد الجيم أى زين .
[279]
خسر هنالك المبطلون ، شهد على ذلك العقل إذا خرج من أسر الهوى ، ونظر بعين الزوال لاهل الدنيا ، وسمع منادي أهل الزهد ينادي في عرصاتها ما أبين الحق لذي عينين ، إن الرحيل أحد اليومين ، تزودوا من صالح الاعمال وقربوا الامال بالاجال فقد دنا الراحلة والزوال .
بيان : قوله عليه السلام ( 1 ) .
باب 13 : تفسيره عليه السلام كلام الناقوس
أقول : قد مضى بعض أخبار هذا الباب في كتاب العلم في باب غرائب العلوم وفي كتاب قصص الانبياء في باب أحوال عيسى عليه السلام يعني أخبار هذا الباب فتذكر .
1 - قب : ( 2 ) وروى أنه عليه السلام يعني أمير المؤمنين قد فسر صوت الناقوس ذكره صاحب مصباح الواعظ وجمهور أصحابنا عن الحارث الاعور ، وزيد وصعصعة ابنا صوحان والبراء بن مسيرة ( 3 ) والاصبغ بن نباتة ، وجابر بن شرجيل ، ومحمود ابن الكوا أنه قال عليه السلام يقول : سبحان الله حقا حقا ، إن المولى صمد يبقى ، يحلم عنا رفقا رفقا ، لولا عمله كنا نشقى ، حقا حقا صدقا صدقا ، إن المولى يسائلنا ويواقفنا ويحاسبنا ، يا مولينا لا تهلكنا وتداركنا واستخدمنا واستخلصنا ، حلمك عنا قدجر أنا يا مولينا عفوك عنا ، إن الدنيا قد غرتنا وشغلتنا واستهوتنا واستلهتنا واستغوتنا ، يا ابن الدنيا جمعا جمعا يا ابن الدنيا مهلا مهلا يا ابن الدنيا دقا دقا ، وزنا وزنا ، تفني الدنيا قرنا قرنا ، ما من يوم يمضي عنا إلا يهوى منا ركنا ، قد ضيعنا دارا تبقى ،
____________________________________________________
( 1 ) هنا بياض مقدار نصف صفحة .
( 2 ) مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب باب مسابقته بالعلم .
( 3 ) كذا .
[280]
واستوطنا دارا تفنى الدنيا قرنا قرنا كلا موتا كلا موتا ، كلا موتا ، كلا دفنا ، كلا فيها موتا ( 1 ) نقلا نقلا دفنا دفنا ، ياابن الدنيا مهلا مهلا ، وزن ما يأتي وزنا وزنا ، لولا جهلي ما إن كانت عندي الدنيا إلا سجنا ، خيرا خيرا شرا شرا شيئا شيئا حزنا حزنا ، ماذا من ذاكم ذا أم ذا ، هذا أسنا ترجو تنجو تخشى تردى ، عجل قبل الموت الوزنا ، ما من يوم يمضي عنا إلا أوهن منا ركنا إن المولى قد أنذرنا ، إنا نحشر غرلا بهما .
قال : ثم انقطع صوت الناقوس فسمع الديراني ذلك وأسلم وقال : إني وجدت في الكتاب إن في آخر الانبياء من يفسر ما يقول الناقوس ( 2 ) .
باب 14 : خطبه صلوات الله عليه المعروفة
1 - ف ( 3 ) خطبة الوسيلة : ( 4 ) الحمدلله الذي أعدم الاوهام أن تنال إلى وجوده ( 5 ) وحجب العقول أن تختال ( 6 ) ذاته لا متناعها من الشبه والتشاكل ، بل هو الذي لا تتفاوت ذاته ، ولا تتبعض بتجزية العدد في كماله .
فارق الاشياء لاباختلاف الاماكن ، ويكون فيها
____________________________________________________
( 1 ) كذا .
( 2 ) هنا بياض مقدار صفحة .
( 3 ) التحف ص 92 .
( 4 ) هذه الخطبة قد أخرجها الكلينى - رحمه الله - في كتاب الروضة بتمامها مع اختلاف كثير ولذلك تعرضنا لتلك الاختلافات في الهامش .
والحرانى رحمة الله عليه اختارمنها ما اقتضاه كتابه ( تحف العقول ) وقد صرح به .
( 5 ) أعدم فلانا منه أى منع وفى الروضة " منع الاوهام " .
( 6 ) في الروضة " أن يتخيل " .
[281]
لا على الممازجة .
وعلمها لا بأداة ، لا يكون العلم إلا بها .
وليس بينه وبين معلومه علم غيره ( 1 ) كان عالما لمعلومه .
إن قيل كان فعلي تأويل أزلية الوجود .
وإن قيل : لم يزل فعلى تأويل نفي العدم ( 2 ) فسبحانه وتعالى عن قول من عبد سواه ، فاتخد إلها غيره علوا كبيرا ، نحمده بالحمد الذي ارتضاه من خلقه وأوجب قبوله على نفسه .
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له .
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .
شهادتان ترفعال القول وتضعان العمل ( 3 ) خف ميزان ترفعان منه ، وثقل ميزان توضعان فيه ، وبهما الفوز بالجنة والنجاة من النار والجواز على الصراط وبالشهادة تدخلون الجنة وبالصلاة تنالون الرحمة ، فأكثروا من الصلاة على نبيكم " إن الله وملا ئكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما " .
أيها الناس إنه لا شرف أعلى من الاسلام ، ولا كرم أعز من التقوى ، ولا معقل أحرز من الورع .
ولا شفيع أنجح من التوبة .
ولا لباس أجل من العافية .
ولا وقاية أمنع من السلامة .
ولا مال أذهب بالفاقة من الرضي والقنوع .
ومن اقتصر على بلغة الكفاف فقد انتظم الراحة .
والرغبة مفتاح التعب والاحتكار مطيه النصب .
والحسد آفة الدين .
والحرص داع إلى التقحم في الذنوب ، وهو داع إلى الحرمان ( 4 ) والبغي سائق إلى الحين .
والشرة جامع لمساوى العيوب ( 5 ) .
رب طمع خائب .
و
____________________________________________________
( 1 ) يحتمل الافاضة والتوصيف فعلى الاول فالمراد أنه لا يتوسط بينه وبين معلومه علم غيره وعلى الثانى فالمراد أن ذاته المقدسه كافية للعلم ولا يحتاج إلى علم أى صورة علمية
-بحار الانوار مجلد: 70 من ص 281 سطر 19 الى ص 289 سطر 18 غير ذاته تعالى ، بهذه الصورة العلمية وبار تسامها كان عالما بمعلومه كما في الممكنات .
( 2 ) أى ليس كونه موجودا في الازل عبارة عن مقارنته للزمان أزلا لحدوث الزمان بل بمعنى أن ليس لوجوده ابتداء أو أنه تعالى ليس بزمانى و " كان " يدل على الزمانية فتأويله أن معنى كونه أزلا أن وجوده يمتنع عليه العدم ولعل المعنى الاخير في الفقرة الثانية متعين .
( 3 ) تضعان خلاف ترفعان أى تثقلان .
وفى الروضة " وتضاعفان العمل " .
( 4 ) قد مضى هذه الكلمات مع اختلاف يسير في وصيته لابنه الحسين عليهما السلام .
( 5 ) الحين - بفتح المهملة والمثناة التحتانية - : الهلاك والمحنة والشرة غلبة الحرص والغضب والطيش والحدة والنشاط .
وفى بعض النسخ " الشره " وهو الحرص أيضا .
[282]
أمل كاذب ورجاء يؤدي إلى الحرمان ، وتجارة تؤول إلى الخسران .
ألا ومن تورط في الامور غير ناظر في العواقب فقد تعرض لمفضحات النوائب .
وبئست القلادة الدين للمؤمن ( 1 ) .
أيها الناس إنه لاكنز أنفع من العلم .
ولا عز أنفع من الحلم .
ولا حسب أبلغ من الادب .
ولا نصب ( 2 ) أوجع من الغضب .
ولا جمال أحسن من العقل .
ولا قرين شر من الجهل .
ولا سوأة أسوء من الكذب ( 3 ) ولا حافظ أحفظ من الصمت .
ولا غائب أقرب من الموت .
أيها الناس إنه من نظر في عيب نفسه شغل عن عيب غيره .
ومن رضي برزق الله لم يأسف على مافي يدغيره .
ومن سل سيف البغي قتل به .
ومن حفر لا خيه بئرا وقع فيها .
ومن هتك حجاب غيره انكشفت عورات بيته .
ومن نسي زلته ( 4 ) استعظم زلل غيره .
ومن أعجب برأيه ضل .
ومن استغنى بعقله زل .
ومن تكبر على الناس ذل .
ومن سفه على الناس شتم .
ومن خالط العلماء وقر .
ومن خالط الانذال حقر .
ومن حمل ما لا يطيق عجز .
أيها الناس إنه لا مال [ هو ] أعود من العقل ( 5 ) .
ولا فقر هو أشد من الجهل ولا واعظ هو أبلغ من النصح ( 6 ) ولا عقل كالتدبير .
وعبادة كالتفكر .
ولا مظاهرة أوثق من المشاورة ( 7 ) .
ولا وحدة أوحش من العجب .
ولا ورع كالكف ( 8 ) ولا حلم
____________________________________________________
( 1 ) وفى الروضة " وبئست القلادة قلادة الذنب للمؤمن " .
( 2 ) النصب : التعب والمشقة الذي يتفرع على الغضب وهو من أخس المتاعب اذلا ثمرة له ولا داعى اليه الاعدم تملك النفس وفى بعض نسخ الروضة " ولا نسب أوضع من الغضب " .
( 3 ) السوأة : الخلة القبيحة والجمع سوءات .
( 4 ) الزلة : السقطة والخطيئة .
وفى بعض النسخ والروضة " ومن نسى زلله " .
( 5 ) الاعود : الانفع .
( 6 ) النصح : الخلوص .
( 7 ) المظاهرة : المعاونة .
والعجب : الكبر واعجاب المرء بنفسه وبفضائله وأعماله .
( 8 ) وفى الروضة " كالكف عن المحارم " وفى بعض نسخ الروضة " ولا حكم كالصبر والصمت " .
أى ولا حكمة .
[283]
كالصبر والصمت .
أيها الناس إن في الانسان عشر خصال يظهرها لسانه : شاهد يخبر عن الضمير وحاكم يفصل بين الخطاب ، وناطق يرد به الجواب .
وشافع تدرك به الحاجة وواصف تعرف به الاشياء وأمير يأمر بالحسن وواعظ ينهى عن القبيح ومعز تسكن به الاحزان وحامد تجلى به الضغائن ، ومؤنق يلهى الاسماع ( 1 ) .
أيها الناس [ إنه ] لا خير في الصمت عن الحكم كما أنه لاخير في القول بالجهل ( 2 ) .
اعلموا أيها الناس أنه من لم يملك لسانه يندم .
ومن لا يتعلم يجهل .
ومن لا يتحلم لا يحلم ( 3 ) .
ومن لا يرتدع لا يعقل .
ومن لا يعقل يهن ، ومن يهن لا يوقر و من يتق ينج ( 4 ) .
ومن يكسب مالا من غير حقه يصرفه في غير أجره ( 5 ) .
ومن لا يدع وهو محمود يدع وهو مذموم ( 6 ) .
ومن لم يعط قاعدا منع قائما ( 7 ) .
ومن يطلب العز بغير حق يذل .
ومن عاند الحق لزمه الوهن .
ومن تفقه وقر .
وتكبر حقر .
ومن لا يحسن لا يحمد .
____________________________________________________
( 1 ) المعز من التعزية بمعنى التسلية ، والضغائن جمع الضغينة بمعنى الحقد ، وفى الروضة وحاضر تجلى به الضغائن " .
والمونق : العجب .
وفى الروضة " ومونق يتلذذبه " .
( 2 ) الحكم - بالضم - : الحكمة .
( 3 ) أى لا يحصل ملكة الحلم الا بالتحلم وهو تكلف الحلم .
( 4 ) الردع : الرد والكف .
" ومن لا يرتدع " أى من لا ينزجز عن القبائح بنصح الناصحين لا يكون عاقلا ولا يكمل عقله ولا يعقل قبح القبائح .
وفى الروضة " ومن لا يوقر يتوبخ " .
( 5 ) أى فيما لا يوجر عليه في الدنيا والاخرة .
( 6 ) أى من لايتراك الشروما ينبغى على اختيار يدعه على اضطرار ولا يحمد بهذا الترك .
( 7 ) أى من لم يعط المحتاجين حال كونه قاعدا يقوم عنده الناس ويسألونه ؟ يبتلى بان يفتقر إلى سؤال غيره فيقوم بين يديه ويسأله ولا يعطيه .
[284]
أيها الناس إن المنية قبل الدنية .
والتجلد قبل التبلد ( 1 ) والحساب قبل العقاب .
والقبر خير من الفقر .
وعمي البصر خير من كثير من النظر .
والدهر يوم لك ويوم عليك ( 2 ) فاصبر فبكليهما تمتحن .
أيها الناس أعجب ما في الانسان قلبه ( 3 ) .
وله مواد من الحكمة وأضداد من خلافها .
فإن سنح له الرجاء أذله الطمع ( 4 ) .
وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص وإن ملكه اليأس قتله الاسف .
وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ .
وإن أسعد بالرضى نسي التحفظ ( 5 ) .
وإن ناله الخوف شغله الحزن ( 6 ) .
وإن اتسع بالامن استلبته الغرة وإن جددت له نعمة أخذته العزة ( 7 ) .
وإن أفاد مالا أطغاه الغنى وإن عضته فاقة ( 8 ) شغله البلاء .
وإن أصابته مصيبة فضحه الجزع .
وإن أجهده الجوع قعد به الضعف .
وإن أفرط في الشبع كظته البطنة ( 9 ) ، فكل تقصيز به
____________________________________________________
( 1 ) المنية : الموت .
والدنية : الذلة يعنى أن الموت خير من الذلة ، فالمراد بالقبلية القبلية بالشرف .
وفى النهج " المنية ولا الدنية والتعلل ولا التوسل " وهو أوضح .
والتجلد : تكلف الشدة والقوة .
والتبلد ضده .
( 2 ) زاد في الروضة " فاذا كان لك فلا تبطر واذا كان عليك - الخ " ولعله سقط من قلم النساخ .
( 3 ) في النهج " ولقد علق بنياط هذا الانسان بضعة هى أعجب ما فيه وذلك القلب " .
( 4 ) سنح له : بدا وظهر .
( 5 ) التحفظ : التوقى والتحرز من المضرات .
( 6 ) وفى الروضة والنهج " شغله الحذر " .
( 7 ) الغرة - بالكسر - : الاغترار والغفلة .
واستلبته أى سلبته عن رشده ويمكن أن تكون " العزة " بالاهمال والزاى .
( 8 ) " أفاد مالا " أى أعطاه اياه .
وعضته أى اشتد عليه الفاقة والفقر .
( 9 ) وفى الروضة والنهج " وان جهده الجوع قعدبه الضعف " .
والكظة - بالكسر - : ما يعترى الانسان عند الامتلائه من الطعام ، يقال : كظ الطعام فلانا أى ملاءه حتى لا يطيق التنفس .
والبطنة بالكسر : الامتلاء المفرط من الاكل .
[285]
مضر وكل أفراط له مفسد .
أيها الناس من قل ذل .
ومن جاد ساد .
ومن كثر ماله رأس ( 1 ) .
ومن كثر حلمه نبل ( 2 ) .
ومن فكر في ذات الله تزندق ( 3 ) .
ومن أكثر من شئ عرف به .
ومن كثر مزاحه استخف به .
ومن كثر ضحكه ذهبت هيبته .
فسد حسب [ من ] ليس له أدب ، إن أفضل الفعال صيانة العرض بالمال .
ليس من جالس الجاهل بذي معقول .
من جالس الجاهل فليستعد لقيل وقال ( 4 ) .
لن ينجو من الموت غني بماله .
ولا فقير لاقلاله .
أيها الناس إن للقلوب شواهد تجري الانفس عن مدرجة أهل التفريط ( 5 ) .
فطنة الفهم للمواعظ مما يدعو النفس إلى الحذر من الخطأ ( 6 ) .
وللنفوس خواطر للهوى والعقول تزجر وتنهى ( 7 ) .
وفي التجارب علم مستأنف .
والاعتبار يقود إلى الرشاد .
وكفاك أدبا لنفسك ما تكرهه من غيرك ( 8 ) .
عليك لاخيك المؤمن مثل
____________________________________________________
( 1 ) رأس بفتح الهمزة أى هو رئيس للقوم ويحتمل أن يكون من رأس يرؤس أى مشى متبخترا أو أكل كثيرا .
( 2 ) النبل : الفضل والشرف والنجابة .
( 3 ) تزندق أى اتصف بالزندقة .
( 4 ) في اللغة : يستعمل " القول " في الخير .
" والقال والقيل والقالة " في الشر .
والقول مصدر والقال والقيل اسمان له .
والقال الابتداء والقيل الجواب .
والاقلال : قلة المال .
( 5 ) المدرج والمدرجة : المذهب والمسلك يعنى أن للقلوب شواهد تعرج الانفس عن مسالك أهل التقصير إلى درجات المقربين .
( 6 ) الفطنة : الحذق والفهم وهى مبدأ وخبره قوله : " مما يدعو " يعنى أن الفطنة هى مما يدعو النفس إلى الحذر من المخاطرات .
( 7 ) الخواطر ، جمع خاطر : ما يخطر بالقلب والنفس من أمر أو تدبير والعقول تزجر وتنهى عنها .
( 8 ) وفى الروضة " وعليك " .
[286]
الذي لك عليه .
لقد خاطر من استغنى برأيه ( 1 ) .
[ و ] التدبير قبل العمل يؤمنك من الندم .
ومن استقبل وجوه الآراء عرف مواقف الخطاء ( 2 ) .