____________________________________________________
( 1 ) في بعض نسخ الحديث " رهين بقفربين تلك الجنادل " والجنادل : الصخور .
( 2 ) جمع طائلة وهى العداوة .
( 3 ) في بعض نسخ الحديث " عتابا " .
[196]
باب 8 : وصيّة أميرالمؤمنين إلى الحسن بن علي عليهما السلام والى محمد بن الحنفيّة
1 - قال السيد بن طاووس في كتاب الوصايا ( 1 ) : وقد وقع في خاطري أن أختم هذا الكتاب بوصية أبيك أمير المؤمنين عليه السلام الذي عنده علم الكتاب صلى الله عليه إلى ولده العزيز عليه ورسالته إلى الشيعة وذكر المتقدمين عليه ورسالته في ذكر الائمة من ولده ، ورأيت أن يكون رواية الرسالة إلى ولده بطريق المخالفين والمؤالفين ، فهو أجمع على ما تضمنه من سعادة الدنيا والدين فقال أبوأحمد الحسن بن عبدالله بن سعيد العسكري في كتاب الزواجر والمواعظ في الجزء الاول منه من نسخة تأريخها ذوالقعدة سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة ما هذا لفظه : وصية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام لولده ولو كان من الحكمة ما يجب أن يكتب بالذهب لكانت هذه ، وحد ثني بها جماعة ، فحد ثني علي بن الحسين بن إسماعيل قال حدثنا الحسن بن أبي عثمان الادمي قال : أخبرنا أبوحاتم المكتب يحيى بن حاتم بن عكرمة قال : حدثني يوسف بن يعقوب بأنطاكية قال : حدثني بعض أهل العلم قال : لما انصرف علي عليه السلام من صفين إلى قنسرين كتب به إلى ابنه الحسن بن علي عليهما السلام من الواالد الفاني المقر للزمان .
اه .
وحدثنا أحمد بن عبدالعزيز قال : حدثنا سليمان بن الربيع النهدي قال : حدثنا كادح بن رحمة الزاهدي قال : حدثنا صباح بن يحيى المزني .
وحدثنا علي بن عبدالعزيز الكوفي الكاتب قال : حدثنا جعفر بن هارون بن زياد قال : حدثنا محمد بن علي بن موسى الرضا ، عن أبيه ، عن جده جعفر الصادق ، عن
____________________________________________________
( 1 ) كشف المحجة لثمرة المهجة الفصل الرابع والخمسون والمائة ص 157 .
" ط " النجف الاشرف .
[197]
أبيه ، عن جده عليهم السلام أن عليا عليه السلام كتب إلى الحسن بن علي عليهما السلام .
وحدثنا علي بن محمد بن إبراهيم التستري قال : حدثنا جعفر بن عنبسة قال : حدثنا عبادبن زياد قال : حدثنا عمر وبن أبي المقدام ، عن أبي جعفر محمد بن علي عليها السلام قال : كتب أمير المؤمنين إلى الحسن بن علي عليهما السلام .
وحدثنا محمد بن علي بن زاهر الرازي قال : حدثنا محمد بن العباس قال : حدثنا عبدالله بن داهر ، عن أبيه ، عن جعفر بن محمد ، عن آبائه ، عن علي عليهم السلام قال : كتب علي عليه السلام إلى ابنه الحسن عليه السلام .
كل هؤلاء حدثونا أن أمير المؤمنين عليه السلام كتب بهذه الرسالة إلى الحسن عليه السلام وأخبرني أحمد بن عبدالرحمن بن فضال القاضي قال : حدثنا الحسن ابن محمد بن أحمد ، وأحمد بن جعفر بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام قال : حدثنا جعفر بن محمد الحسني قال : حدثنا الحسن بن عبدل قال : حدثنا الحسن بن ظريف بن ناصح ، عن الحسين بن علوان ، عن سعد بن طريف ، عن الاصبغ ابن نباتة المجاشعي قال : كتب أمير المؤمنين عليه السلام إلى ابنه محمد كذا .
واعلم ياولدي محمد ضاعف الله جل جلاله عنايته بك ورعايته لك أن قد روى الشيخ المتفق على ثقته وأمانته محمد بن يعقوب الكليني تغمده الله جل جلاله برحمته رسالة مولينا أمير المؤمنين عليه السلام إلى جدك الحسن ولده سلام الله جل جلاله عليهما .
وروى رسالة اخرى مختصرة عن مولينا علي عليه السلام إلى ولده محمد بن الحنفية رضوان الله جل جلاله عليه وذكر الرسالتين في كتاب الرسائل ، ووجدنا نسخة عتيقة يوشك أن يكون كتابتها في زمن حياة محمد بن يعقوب ( ره ) وهذا الشيخ محمد بن يعقوب ( ره ) كان حياته في زمن وكلاء مولينا المهدي عليه السلام عثمان بن سعيد العمري وولده أبي جعفر محمدوأبي القاسم الحسين بن روح وعلي بن محمد السمري وتوفي محمد بن يعقوب قبل وفاة محمد بن علي السمري لان علي بن محمد السمري توفي في شعبان سنة تسع وعشرين وثلاثمائة وهذا محمد بن يعقوب الكليني توفى ببغداد سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة فتصانيف هذا الشيخ محمد بن يعقوب و رواياته في زمن الوكلاء المذكورين يجد طريقا إلى تحقيق منقولاته وتصديق مصنفاته ورأيت يا ولدي بين رواية حسن بن عبدالله العسكري مصنف كتاب الزواجر والمواعظ
[198]
الذي قدمناه وبين الشيخ محمد بن يعقوب في رسالة أبيك أمير المؤمنين عليه السلام إلى ولده تفاوتا فنحن نوردها برواية محمد بن يعقوب الكليني فهو أجمل وأفضل فيما قصدناه ، فذكر محمد بن يعقوب الكليني في كتاب الرسائل باسناده إلى جعفر بن عنبسة عن عبادبن زياد الاسدي عن عمرو بن أبي المقدام ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : لما أقبل أمير المؤمنين عليه السلام من صفين كتب إلى ابنه الحسن عليه [ وعلى جده وأبيه وامه وأخيه الصلاة و ] السلام .
بسم الله الرحمن الرحيم من الوالد الفان ، المقر للزمان ( 1 ) المدبر العمر المستسلم للدهر ( 2 ) الذام للدنيا ، الساكن مساكن الموتى ، الظاعن عنها غدا ( 3 ) إلى الولد المؤمل ما لا يدرك ( 4 ) السالك سبيل من قدهلك ، غرض الاسقام ، ورهينة الايام ، ورمية المصائب ( 5 ) وعبد الدنيا ، وتاجر الغرور ، وغريم المنايا ( 6 ) وأسير الموت
____________________________________________________
( 1 ) حذفت الياء ههنا للازدواج بين الفان والزمان .
وقوله " المقر للزمان " أى المقر له بالغلبة والقهر ، المعترف بالعجز في يد تصرفاته كانه قدره خصما ذابأس .
وقوله " المدبر العمر " لانه عليه السلام حين ذاك مضى من عمره ازيد من ستين سنة ولم يبق من عمره عليه السلام الا أقل قليل .
( 2 ) عبارة اخرى عن قوله " المقر للزمان " وهو آكد منه .
لانه قد يقر الانسان لخصمه ولا يستسلم .
( 3 ) يريد عليه السلام قرب الرحيل ، والظاعن : الراحل .
( 4 ) أى يؤمل البقاء في الدنيا وهو مما لا يدر كه احد من أبناء آدم وغيره من موجودات هذا العالم .
( 5 ) الرهينة : المرهونة أى أنه في قبضتها وحكمها : والرمية في الاصل اسم للصيد و يجوزان يكون اسما لما يرمى وما أصابه السهم .
ولهذا الحق به الهاء كالذبيحة والانسان كالهدف لافات الدنيا ولا محالة يدركه الموت .
( 6 ) قال ابن أبى الحديد قوله " عبدالدنيا وتاجر الغرور وغريم المنايا " لان الانسان طوع شهواته فهو عبدالدنيا ، وحركاته فيها مبنية على غرور لا أصل له ، فهو تاجر الغرور لامحالة ، ولما كانت المنايا ( أى الموت والهلاك ) تطالبه بالرحيل عن هذه الدار كانت غريما له يقتضيه ما لا بد له من أدائه .
انتهى .
[199]
وحليف الهموم ، وقرين الاحزان ، ورصيد الافات ، وصريع الشهوات ( 1 ) وخليفة الاموات .
أما بعد فان فيما تبينت من إد بار الدنيا عني وجموح الدهر علي وإقبال الاخرة إلي ما يز عني عن ذكر من سواي ( 2 ) والاهتمام بما ورائي غيرأني حيث تفرد بي دون هم الناس هم نفسي ، فصد فني رأيي وصرفني عن هواي ، وصرح لي محض أمري فأفضى بي إلى جد لايرى معه لعب ، وصدق لا يشوبه كذب ( 3 ) وجدتك بعضي بل وجدتك كلي ( 4 ) حتى كان شيئا لو أصابك أصابني ، وحتى كان الموت لو أتاك أتاني ، فعناني من أمرك ما يعنيني عن أمر نفسي ( 5 ) فكتبت إليك كتابي ، هذا مستظهرا به إن أنا بقيت لك أو فنيت ( 6 ) .
فاوصيك بتقوى الله يا بني ، ولزوم أمره ، وعمارة قلبك بذكره ، والاعتصام بحبله ، وأي سبب أوثق من سبب بينك وبين الله جل جلاله إن أخذت به فأحي قلبك بالموعظة ، وأمته بالزهد ، وقوة باليقين ، ونوره بالحكمة ، وذلله بذكر الموت ، وقرره بالفناء ( 7 ) وأسكنه بالخشية ، وأشعره بالصبر ، وبصره فجائع الدنيا ( 8 ) وحذره صولة
____________________________________________________
( 1 ) الحليف المحالف ، والحلف - بالكسر وبالفتح - : المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد .
والرصيد : الرقيب والذى يرصد .
والصريح : الطريح .
( 2 ) جمع الفرس ادا غلب على صاحبه فلم يملكه .
ويزعنى أى يمنعنى ويصدنى .
و لفظة " ما " مفعول " تبينت " .
( 3 ) صدفه : صرفه والضمير للرأى ، والمحض : الخالص ، وأفضى أى انتهى .
والشوب المزج والخلط .
( 4 ) اذا كان هو الخليفة له والقائم مقامه ووارث علمه وفضائله .
( 5 ) عنانى اى أهمنى من أمرك ما أهمنى من أمر نفسى .
( 6 ) كتب عليه السلام اليه هذه الوصية ليكون له ظهرا ومستندا يرجع إلى العمل بها في حالتى بقائه وفنائه عنه .
( 7 ) أى اطلب منه الاقرار بالفناء .
( 8 ) الفجائع جمع الفجيعة وهى المصيبة تفزع بحلولها .
[200]
الدهر ، وفحش تقلبه ، وتقلب الليالي والايام ( 1 ) وأعرض عليه أخبار الماضين ، وذكره بما أصاب من كان قبلك من الاولين ، وسر في ديارهم ، واعتبر آثارهم ، وانظر ما فعلوا وأين حلوا ونزلوا ، وعمن انتقلوا ، فانك تجدهم قد انتقلوا عن الاحبة ، وحلوا دار الغربة وكأنك عن قليل قد صرت كأحدهم ، فأصلح متواك ، ولا تبع آخرتك بدنياك ، ودع القول فيما لاتعرف ، والنظر فيما لا تكلف ، وأمسك عن طريق إذا خفت ضلالته فان الكف عند حيرة الضلالة خير من ركوب الاهوال ، وأمر بالمعروف تكن من أهله ، و أنكر المنكر بلسانك ويدك ، وباين من فعله بجهدك وجاهد في الله حق جهاده ولا تأخذك في الله لومة لائم ، وخض الغمرات إلى الحق حيث كان ، وتفقه في الدين ، وعود نفسك التصبر على المكروه ( 2 ) فنعم الخلق الصبر ، والجئ نفسك في الامور كلها إلى الهك فانك تلجئها إلى كهف حريز ( 3 ) ومانع عزيز ، وأخلص في المسألة لربك ، فان بيده العطاء والحرمان ، وأكثر الاستخارة ( 4 ) وتفهم وصيتي ولا تذهبن عنك صفحا ، فان خير القول ما نفع ( 5 ) واعلم أنه لا خير في علم لا ينفع ، ولا ينفع ، ولا ينتفع بعلم لا يحق تعلمه .
يا بني إني لما رأيتك قد بلغت سنا ، ورأيتني ازداد وهنا بادرت بوصيتي إليك لخصال ، منها أن يعجل بي أجلي دون أن أفضى إليك بما في نفسي أو أنقص في رأيي كما نقصت في جسمي ، أو أن يسبقني إليك بعض غلبات الهوى وفتن الدنيا وتكون كالصعب النفور ( 6 ) وإنما قلب الحدث كالارض الخالية ما القي فيها
____________________________________________________
( 1 ) الصولة : السطوة والقدرة .
والفحش بمعنى الزيادة والكثرة .
( 2 ) التصبر : تكلف الصبر .
( 3 ) الكهف : الملجأ .
والحريز : الحصين .
( 4 ) المراد بالاستخارة هنا : اجالة الرأى في الا مرقبل فعله لا ختيار أفضل الوجوه .
أوطلب الخير من الله تعالى .
لا ما هو المشهور اليوم ويفعله أكثر المقدسين بالسبحة والمصحف .
( 5 ) الصفح : الاعراض .
( 6 ) اشارة إلى أن الصبى اذا لم يؤدب الاداب في حداثة سنه ولم ترض قواه لمطاوعة العقل وموافقته ربما تميل به القوى الحيوانية إلى مشتهياتها وتصرفه عن وجه الصواب
[201]
من شئ إلا قبلته ، فبادر بالادب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لبك ، وتستقبل بجد رأيك من الامر ما قد كفاك أهل التجارب بغيته وتجربته ( 1 ) فتكون قد كفيت مؤونة الطلب ، وعوفيت من علاج التجربة ، فأتاك من ذلك ما كنا نأتيه ، واستبان لك منها ما ربما أظلم علينا فيه ( 2 ) .
يا بني إني وإن لم أكن قد عمرت عمر من كان قبلي ، فقد نظرت في أعمارهم ، و فكرت في أخبارهم ، وسرت في آثارهم حتى عدت كأحدهم ، بل كأني بما انتهى إلي من امور هم قد عمرت مع أولهم إلى آخر هم ، فعرفت صفوذلك من كدره ، ونفعه من ضرره ، واستحلصت لك من كل أمر نخيله ، وتوخيت لك جميله ( 3 ) وصرفت عنك مجهوله ، ورأيت حيث عناني من أمرك ما يعني الوالد الشفيق ، وأجمعت عليه ( 4 ) من أدبك أن يكون ذلك وأنت مقبل العمر مقبل الدهر ، ذونية سليمة ، ونفس صافية ، و أن ابتدأك بتعليم كتاب الله عزوجل وتأويله وشرايع الاسلام وأحكامه وحلاله وحرامه لا اجاوز بك ذلك إلى غيره ، ثم أشفقت أن يلتبس ما اختلف الناس فيه من أهوائهم و آرائهم مثل الذي التبس عليهم وكان إحكام ذلك لك على ما كرهت من تنبيهك له أحب إلى من إسلامك إلى أمر لا آمن عليك فيه الهلكة ( 5 ) ورجوت أن يوفقك الله فيه لرشدك
____________________________________________________
وما ينبغى له ، فيكون حينئذ كالصعب النفور من الابل ، ووجه التشبيه أنه يعسر حمله على الحق وجذبه اليه كما يعسر قود الجمل الصعب النفور وتصريفه بحسب المنفعة .
" ابن ميثم " ( 1 ) وذلك ليكون جد رأيك أى محققه وثابته مستعدا لقبول الحقايق التى وقف عليها أل التجارب وكفوك طلبها .
والبغية - بالكسر - : الطلب .
-بحار الانوار مجلد: 70 من ص 201 سطر 19 الى ص 209 سطر 18 ( 2 ) استبان أى ظهر ووضح وذلك لان العقل حفظ التجارب واذا ضم رأيه إلى آرائهم ربما يظهر له ما لم يكن ظهر لهم .
( 3 ) النخيل : المختار المصفى وفى بعض النسخ " جليله " .
وتو خيت أى تحريت .
( 4 ) أجمعت أى عزمت ، وهو عطف على " يعنى " و " أن يكون " في محل النصب على أنه مفعول أول لرأيت ويكون هنا تامة .
والواو في قوله " وأنت " للحال .
( 5 ) أى أنك وأن كنت تكره أن ينبهك احد لما ذكرت لك فانى اعد اتقان التنبيه على كراهتك له أحب إلى من اسلامك أى القائك إلى أمر تخشى عليك فيه الهلكة .
[202]
وأن يهديك لقصدك ، فعهدت إليك وصيتي بهذه .
واعلم مع ذلك يا بني أن أحب ما أنت آخذ به من وصيتي إليك تقوى الله والاقتصار على ما فرضه الله عليك ، والاخذ بما مضى عليه الاولون من آبائك و الصالحون من أهل بيتك فانهم لن يدعوا أن ينظروا لانفسهم كما أنت ناظر ، وفكروا كما أنت مفكر ، ثم ردهم آخر ذلك إلى الاخذ بما عرفوا ، والامساك عما لم يكلفوا فان أبت نفسك عن أن تقبل ذلك دون أن تعلم كما علموا فليكن طلبك لذلك بتفهم و تعلم لا بتور ط الشبهات وعلو الخصومات ، وابدأ قبل نظرك في ذلك بالاستعانة بإلهك عليه والرغبة إليه وفي توفيقك ونبذكل شائبة أدخلت عليك كل شبهة ، أو أسلمتك إلى ضلالة فان أيقنت أن قد صفا لك قبلك فخشع وتم رأيك فاجتمع ، وكان همك في ذلك هما واحدا ، فانظر فيما فسرت لك ، وإن لم يجتمع لك رأيك على ما تحب من نفسك وفراغ نظرك وفكرك ، فاعلم أنك إنما تخبط خبط العشواء ( 1 ) [ وتتورط الظلماء ] ( 2 ) وليس طالب الدين من خبط ولا خلط ، والامساك عند ذلك أمثل ( 3 ) .
وإن أول ما أبدؤك به في ذلك وآخره أني أحمد إليك الله إلهى وإله الاولين والاخرين ورب من في السماوات والارضين بما هو أهله ، وكما يجب وينبغي له ، ونسأله أن يصلي على سيدنا محمد النبي صلى الله عليه وآله ، وعلى أنبياء الله بجميع صلاة من صلى عليه من خلقه ، وأن يتم نعمته علينا بما وفقنا له من مسألته بالاستجابة لنا فان بنعمته تتم الصالحات .
يا بني قد أنبأتك عن الدنيا وحالها وانتقالها وزوالها بأهلها ، وأنبأتك عن الاخرة وما أعد الله فيها لاهلها ، وضربت لك أمثالا لتعتبر وتحذو عليها الامثال
____________________________________________________
( 1 ) العشواء : ضعيفة البصر أى تخبط خبط الناقة العشواء لا تأمن أن تسقط فيما لا خلاص منه ، واشعار لفظ الخبط له باعتبار أنه طالب للعلم من غير استكمال شرائط الطلب وعلى غير وجهه فهو متعسف ، سالك على غير طريق المطلوب كالناقة العشواء .
( 2 ) أى تدخل في الورطة وهى الهلكة .
( 3 ) لان كف النفس عن الخبط والخلط في أمر الدين أقرب إلى الخير وأفضل .
[203]
إنما مثل من أبصر الدنيا كمثل قوم سفر نبابهم منزل جدب فأموا منزلا خصيبا فاحتملوا وعثاء الطريق ( 1 ) وفراق الصديق ، وخشونة السفر في الطعام والمنام ليأتوا سعة دارهم ومنزل قرارهم فليس يجدون لشئ من ذلك ألما ولا يرون لنفقته معزما ولا شئ أحب إليهم مما يقربهم من منزلهم ، ومثل من اغتربها كقوم كانوا في منزل خصيب فنبابهم إلى منزل جدب فليس شئ أكره إليهم ، ولا أهول لديهم من مفارقة ما هم فيه إلى ما يهجمون عليه ، ويصيرون إليه ، ثم فزعتك بأنواع الجهالات لئلا تعد نفسك عالما فان العالم من عرف أن ما يعلم فيما لا يعلم قليل فعد نفسه بذلك جاهلا وازداد بما عرف من ذلك في طلب العلم اجتهادا فما يزال للعلم طالبا وفيه راغبا ، وله مستفيدا ، ولاهله خاشعا ، ولرأيه متهما ، وللصمت لازما ، وللخطأ جاحدا ، ومنه مستحييا وإن ورد عليه ما لا يعرف لا ينكر ذلك لما قد قدر به نفسه من الجهالة ، وأن الجاهل من عد نفسه بما جهل من معرفة العلم عالما وبرأيه مكتفيا فما يزال من العلماء مباعدا ، وعليهم زاريا ، ولمن خالفه مخطيا ، ولمالم يعرف من الامور مضللا ، وإذا ورد عليه من الامر ما لا يعرفه أنكره وكذب به ، وقال بجهالته ما أعرف هذا ، وما أراه كان ، وما أظن أن يكون وأنى كان ، ولا أعرف ذلك لثقته برأيه ، وقلة معرفته بجهالته فما ينفك مما يرى فيما يلتبس عليه رأيه ، ومما لا يعرف للجهل مستفيدا ، وللحق منكرا ، وفي اللجاجة متجريا ، وعن طلب العلم مستكبرا .
يا بني تفهم وصيتي واجعل نفسك ميزانا فيما بينك وبين غيرك وأحب لغيرك ما تحب لنفسك ، وأكره له ما تكره لها ، لا تظلم كما لا تحب أن تظلم ، وأحسن كما تحب أن يحسن إليك ، واستقبح لنفسك ما تستقبحه من غيرك ، وارض من الناس ما ترضى لهم منك ، ولا تقل ما لا تعلم ، بل لا تقل كلما علمت مما لا تحب أن
____________________________________________________
( 1 ) نبا الشئ : بعد وتأخر .
والجدب ضد الخصب .
وجدب المكان أى انقطع عنه المطر .
والخطب - بالكسر - : كثرة العشب ورجل خصيب كثير الخير .
ووعثاء السفر : مشقته .
وفى بعض النسخ " جديب " .
[204]
يقال لك ، واعلم أن الاعجاب ضد الصواب ( 1 ) وآفة الالباب ، وإذا هديت لقصدك فكن أخشع ما تكون لربك [ وأسعى في كدحك ، ولا تكن خازنا لغيرك ] .
واعلم يا بني إن أمامك طريقا ذا مسافة بعيدة ، وأهوال شديدة ، وإنه لاغنا بك عن حسن الارتياد ، وقدر بلاغك من الزاد ( 2 ) مع خفة الظهر ، فلا تحملن على ظهرك فوق بلاغك ، فيكون ثقيلا ووبالا عليك ، وإذا وجدت من أهل الحاجة من يحمل لك زادك [ إلى يوم القيامة ] فيوافيك به [ غدا ] حيث تحتاج إليه فاغتنمه ، واغتنم من استقرضك في حال غناك وجعل قضاءه لك في يوم عسرتك [ وحمله إياه ، وأكثر من تزويده وأنت قادر عليه فلعلك تطلبه فلا تجده ] واعلم أن أمامك عقبة كؤودا ( 3 ) لا محالة أن مهبطها بك على جنة أو نار ، فارتد لنفسك قبل نزولك .
وأعلم أن الذي بيده خزائن ملكوت الدنيا والاخرة قد أذن لدعائك ، وتكفل لاجابتك ، وأمرك أن تسأله ليعطيك وهو رحيم كريم ، لم يجعل بينك وبينه من يحجبك عنه ، ولم يلجئك إلى من يشفع لك إليه ، ولم يمنعك إن أسأت من التوبة ولم يعيرك بالانابة ، ولم يعا جلك بالنقمة ، ولم يفضحك حيث تعرضت للفضيحة ولم يناقشك بالجريمة ، ولم يؤيسك من الرحمة ، ولم يشدد عليك في التوبة ، فجعل توبتك التورع عن الذنب ، وحسب سيئتك واحدة وحسنتك عشرا ، وفتح لك باب المتاب والاستعتاب ، فمتى شئت سمع ندإك ونجواك فأضيت إليه بحاجتك وأبثثته ذات نفسك ( 4 ) وشكوت إليه همومك ، واستعنته على امورك ، ثم جعل في يدك مفاتيح خزائنه بما أذن فيه من مسألته ، فمتى شئت استفتحت بالدعاء أبواب خزائنه ، فألحح
____________________________________________________
( 1 ) الاعجاب : استحسان ما يصدر عن النفس .