( 3 ) في المصدر " لا أزال " .

[ 84 ]


غيري ، فينزل سبعين ألف ملك يصلون وراءه ويستغرون له إلى الغد من ذلك اليوم .
ورجل قام من الليل فصلى وحده فسجد ونام وهو ساجد فيقول الله تعالى انظروا إلى عبدي روحه عندي وجسده ساجد .
ورجل في زحف فر أصحابه وثبت هو ويقاتل حتى يقتل .
يا أباذر ما من رجل يجعل جبهته في بقعة من بقاع الارض إلا شهدت له بها يوم القيامة وما من منزل ينزله قوم إلا وأصبح ذلك المنزل يصلي عليهم أو يلعنهم .
يا أباذر ما من صباح ولا رواح إلا وبقاع الارض تنادي بعضها بعضا يا جار هل مربك ذاكر لله تعالى أو عبد وضع جبهته عليك ساجدا لله ؟ فمن قائلة لا ومن قائلة نعم ، فاذا قالت نعم اهتزت وانشرحت وترى أن لها الفضل على جارتها .
يا أباذر إن الله جل ثناؤه لما خلق الارض وخلق ما فيها من الشجر لم يكن في الارض شجرة يأتيها بنو آدم إلا أصابوا منها منفعة ، فلم تزل الارض والشجر كذلك حتى تتكلم فجرة بني آدم بالكلمة العظيمة قولهم " اتخذ الله ولدا " فلما قالوها اقشعرت الارض وذهبت منفعة الاشجار .
يا أباذر إن الارض لتبكي علي المؤمن إذا مات أربعين صباحا .
يا أباذر إذا كان العبد في أرض قي [ يعني قفر ] فتوضأ أو تيمم ثم أذن وأقام وصلى أمر الله عزوجل الملائكة فصغوا خلفه صفا لايرى طرفاه يركعون بركوعه ويسجدون بسجوده ويؤمنون على دعائه .
يا أباذر من أقام ولم يؤذن لم يصل معه إلا ملكاه اللذان معه .
ياأباذر ما من شاب يدع لله الدنيا ولهوها وأهرم شبابه في طاعة الله إلا أعطاه الله أجراثنين وسبعين صديقا .
ياأباذر الذاكر في الغافلين كالمقاتل في الفارين .
يا أباذر الجليس الصالح خير من الوحدة والوحدة خير من جليس السوء وإملاء الخير خير من السكوت والسكوت خيرمن إملاء الشر .
يا أباذر لا تصاحب إلا مؤمنا ، ولا يأكل طعامك إلا تقي ولا تأكل طعام

[ 85 ]


الفاسقين .
يا أباذر أطعم طعامك من تحبه في الله وكل طعام من يحبك في الله عزوجل .
يا أباذر إن الله عزوجل عند لسان كل قائل فليتق الله أمرء وليعلم مايقول .
يا أباذر اترك فضول الكلام ، وحسبك من الكلام ما تبلغ به حاجتك .
يا أباذر كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما يسمع .
يا أباذر ما من شئ أحق بطول السجن ، من اللسان .
ياأباذر إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم وإكرام حملة القرآن العالمين ، وإكرام السلطان المقسط .
ياأباذر ما عمل من لم يحفظ لسانه .
يا أباذر لاتكن عيابا ولا مداحا ولا طعانا ولا مماريا .
ياأباذر لايزال العبد يزداد من الله بعدا ما ساء خلقه .
يا أباذر الكلمة الطيبة صدقة وكل خطوة تخطوها إلى الصلاة صدقة .
يا أباذر من أجاب داعي الله وأحسن عمارة مساجد الله كان ثوابه من الله الجنة فقلت : بأبي أنت وامي يا رسول الله كيف تعمر مساجد الله ؟ قال : لا ترفع فيها الاصوات ولا يخاض فيها بالباطل ، ولايشتر فيها ولا يباع واترك اللغو مادمت فيها فان لم تفعل فلا تلومن يوم القيامة إلا نفسك .
يا أباذر إن الله تعالى يعطيك مادمت جالسا في المسجد بكل نفس تنفست درجة في الجنة وتصلي عليك الملائكة وتكتب لك بكل نفس تنفست فيه عشر حسنات وتمحى عنك عشر سيئات .
يا أباذر أتعلم في أى شئ أنزلت هذه الآية " اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون " ( 1 ) قلت : لا [ أدري ] فداك أبي وامي ، قال : في انتظار الصلاة خلف الصلاة .

____________________________________________________
( 1 ) آل عمران : 200 .

[ 86 ]


يا أباذر إسباغ الوضوء في المكاره من الكفارات ، وكثرة الاختلاف إلى المساجد فذلكم الرباط .
يا أباذر يقول الله تبارك وتعالى : إن أحب العباد إلي المتحابون من أجلي المتعلقة قلوبهم بالمساجد ، والمستغفرون با لاسحار ، اولئك إذا أردت بأهل الارض عقوبة ذكرتهم فصرفت العقوبة عنهم .
يا أباذر كل جلوس في المسجد لغو إلا ثلاثة قراءة مصل أو ذكر الله أو سائل عن علم .
يا أباذر كن با لعمل بالتقوى أشد اهتماما منك بالعمل فانه لا يقل عمل بالتقوى وكيف يقل عمل يتقبل ، يقول الله عزوجل : " إنما يتقبل الله من المتقين " ( 1 ) .
يا أباذر لا يكون الرجل من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة الشريك شريكه فيعلم من أين مطعمه ومن أين مشربه ومن أين ملبسه ، أمن حل ذلك أم من حرام .
يا أباذر من لم يبال من أين اكتسب المال لم يبال الله عزوجل من أين أدخله النار .
يا أباذر من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله عزوجل .
يا أباذر إن أحبكم إلى الله جل ثناؤه أكثر كم ذكرا له ، وأكرمكم عند الله عزوجل أتقيكم له وأنجاكم من عذاب الله أشد كم له خوفا .
يا أباذر إن المتقين الذين يتقون [ الله عزوجل ] من الشئ الذي لا يتقى منه خوفا من الدخول في الشبهة .
يا أباذر من أطاع الله عزوجل فقد ذكر الله وإن قلت صلاته وصيامه وتلاوته للقرآن .
يا أباذر أصل الدين الورع ورأسه الطاعة .
يا أباذر كن ورعا تكن أعبد الناس ، وخير دينكم الورع .

____________________________________________________
( 1 ) المائدة : 30 .

[ 87 ]


يا أباذر فضل العلم خير من فضل العبادة ، واعلم أنكم لوصليتم حتى تكونوا كالحنايا ( 1 ) وصمتم حتى تكونوا كالا وتار ما ينفعكم ذلك إلا بورع .
يا أباذر إن أهل الورع والزهد في الدنيا هم أولياء الله حقا .
يا أباذر من لم يأت يوم القيامة بثلاث فقد خسر ، قلت : وما الثلاث فداك أبي وامي ؟ قال : ورع يحجزه عما حرم الله عزوجل عليه ، وحلم يرد به جهل السفيه ، وخلق يداري به الناس .
يا أباذر إن سرك أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله ، وإن سرك أن تكون أكرم الناس فاتق الله ، وإن سرك أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدالله عزوجل أوثق منك بما في يديك .
يا أباذر لو أن الناس كلهم أخذوا بهذه الآية لكفتهم " ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره " ( 2 ) .
يا أباذر يقول الله جل ثناؤه : وعز تي وجلالي لا يؤثر عبدي هواي على هواء إلا جعلت غناه في نفسه وهمومه في آخرته وضمنت السماوات والارض رزقه وكففت عليه ضيعته ( 3 ) وكنت له من وراء تجارة كل تاجر .
يا أباذر لو أن ابن آدم فر من رزقه كما يفر من الموت لادركه رزقه كما يدركه الموت .
يا أباذر ألا اعلمك كلمات ينفعك الله عزوجل بهن ؟ قلت : بلى يا رسول الله ، قال : احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده أمامك ، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة ، وإذا سألت فاسأل الله عزوجل ، وإذا استعنت فاستعن با لله فقد جرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة ، فلو أن الخلق كلهم جهدوا أن ينفعوك بشئ لم

____________________________________________________
( 1 ) الحنايا جمع حنية ما كان منحنيا كالقوس .
( 2 ) الطلاق : 32 .
( 3 ) وقد يقرء في بعض النسخ " كففت عنه ضيقه " .

[ 88 ]


يكتب لك ما قدروا عليه ، ولو جهدوا أن يضروك بشئ لم يكتبه الله عليك ما قدروا عليه ، فان استطعت أن تعمل لله عزوجل بالرضى في اليقين فافعل ، وإن لم تستطع فان في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا ، وإن النصر مع الصبر والفرج مع الكرب وإن مع العسر يسرا .
يا أباذر استعفن بغنى الله يغنك الله ، فقلت : وما هو يا رسول الله ؟ قال ، غداءة يوم وعشاءة ليلة فمن قنع بما رزقه الله فهو أغنى الناس .
يا أباذر إن الله عزوجل يقول : إني لست كلام الحكيم أتقبل ولكن همه وهواه ، فان كان همه وهواه فيما أحب وأرضى جعلت صمته حمدا لي وذكرا [ ووقارا ] وإن لم يتكلم .
يا أباذر إن الله تبارك وتعالى لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ( 1 ) ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم .
يا أباذر التقوى ههنا ، التقوى ههنا - واشار إلى صدره - .
يا أباذر أربع لا يصيبهن إلا مؤمن : الصمت وهو أول العبادة ، والتواضع لله سبحانه ، وذكر الله تعالى على كل حال ، وقلة الشئ يعني قلة المال .
يا أباذر هم بالحسنة وإن لم تعملها لكيلا تكتب من الغافلين .
يا أباذر من ملك ما بين فخذيه وبين لحييه دخل الجنة ، قلت يا رسول الله إنا لنؤخذ بما ينطق به ألسنتنا ، قال : يا باذر وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم ، إنك لا تزال سالما ما سكت فاذا تكلمت كتب لك أو عليك .
يا أباذر إن الرجل يتكلم با لكلمة في المجلس ليضحكهم بها فيهوى في جهنم ما بين السماء والارض .
يا أباذر ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم ويل له ويل له [ ويل له ] .
يا أباذر من صمت نجا فعليك با لصدق ولا تخرجن من فيك كذبة أبدا ، قلت

____________________________________________________
( 1 ) في بعض النسخ " أقوالكم " .

[ 89 ]


يا رسول الله فما توبة الرجل الذي يكذب متعمدا ؟ فقال : الاستغفار وصلوات الخمس تغسل ذلك .
يا أباذر إياك والغيبة فان الغيبة أشد من الزنا ، قلت : يا رسول الله ولم ذاك بأبي أنت وامي ؟ قال : لان الرجل يزني فيتوب إلى الله فيتوب الله عليه ، والغيبة لا تغفر حتى يغفرها صاحبها .
يا أباذر سباب المسلم فسوق ، وقتاله كفر ، وأكل لحمه من معاصي الله ، وحرمة ما له كحرمة دمه ، قلت : يا رسول الله وما الغيبة ؟ قال : ذكرك أخاك بما يكره ، قلت يا رسول الله فان كان فيه ذاك الذي يذكربه ؟ قال : اعلم أنك إذا ذكرته بما هو فيه فقد اغتبته وإذا ذكرة بما ليس فيه فقد بهته .

-بحار الانوار مجلد: 70 من ص 89 سطر 10 الى ص 97 سطر 10 يا أباذرمن ذب عن أخيه المسلم الغيبة كان حقا على الله عزوجل أن يعتقه من النار .
يا أباذر من اغتيب عنده أخوه المسلم وهو يستطيع نصره فنصره نصره الله عزوجل في الدنيا والآخرة ، فان خذله وهو يستطيع نصره خذله الله في الدنيا والاخرة .
يا أباذر لا يدخل الجنة قتات ، قلت : وما القتات ؟ قال : النمام .
يا أباذر صاحب النميمة لا يستريح من عذاب الله عزوجل في الآخرة .
يا أباذر من كان ذا وجهين ولسانين في الدنيا فهو ذولسانين في النار .
يا أباذر المجالس بالامانة وإفشاء سرأخيك خيانة فاجتنب ذلك واجتنب مجلس العشيرة .
يا أباذر تعرض أعمال أهل الدنيا على الله من الجمعة إلى الجمعة في يومين الاثنين والخميس فيغفر لكل عبد مؤمن إلا عبدا كان بينه وبين أخيه شحناء ( 1 ) فقال : اتركوا عمل هذين حتى يصطلحا .
يا أباذر إياك وهجران أخيك فان العمل لا يتقبل من الهجران .

____________________________________________________
( 1 ) الشحناء : العداوة امتلئت منها النفس .

[ 90 ]


يا أباذر أنهاك عن الهجران وإن كنت لا بد فاعلا فلا تهجره فوق ثلاثة أيام [ كملا ] فمن مات فيها مهاجرا لاخيه كانت النار أولى به .
يا أباذر من أحب أن يتمثل له الرجال قياما ( 1 ) فليتبو أمقعده من النار .
يا أباذر من مات وفي قلبه مثقال ذرة من كبرلم يجد رائحة الجنة إلا أن يتوب قبل ذلك ، فقال : يا رسول الله إنى ليعجبني الجمال حتى وددت أن علاقة سوطي وقبال نعلي حسن فهل يرهب على ذلك ؟ قال : كيف تجد قلبك ؟ قال : أجده عارفا للحق مطمئنا إليه ، قال : ليس ذلك بالكبر ولكن الكبر أن تترك الحق وتتجاوزه إلى غيره وتنظر إلى الناس ولا ترى أن أحدا عرضه كعرضك ولا دمه كدمك .
يا أباذر أكثر من يدخل النار المستكبرون فقال رجل : وهل ينجو من الكبر أحد يا رسول الله ؟ قال : نعم من لبس الصوف وركب الحمار وحلب العنز ( 2 ) وجالس المساكين .
يا أباذر من حمل بضاعته فقد برئ من الكبر ، يعني ما يشتري من السوق .
يا أباذر من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله عزوجل إليه يوم القيامة .
يا أباذر أزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه ولا جناح عليه فيما بينه وبين كعبيه .
يا أباذر من رفع ذيله وخصف نعله وعفر وجهه فقد برئ من الكبر .
يا أباذر من كان له قميصان فليلبس أحد هما وليلبس الآخر أخاه .
يا أباذر سيكون ناس من امتي يولدون في النعيم ويغذون به ، همتهم ألوان الطعام والشراب ويمدحون بالقول أولئك شرار امتي .
يا أباذر من ترك لبس الجمال وهو يقدر عليه تواضعا لله عزوجل فقد كساه حلة الكرامة .
يا أباذر طوبى لمن تواضع لله تعالى في غير منقصة وأذل نفسه في غير مسكنة وأنفق ما لا جمعه في غير معصية ورحم أهل الذل والمسكنة وخالط أهل الفقه والحكمة

____________________________________________________
( 1 ) مثل بين يديه مثولا : انتصب قائما .
( 2 ) في المصدر " حلب الشاة " .

[ 91 ]


طوبى لمن صلحت سريرته وحسنت علانيته وعزل عن الناس شره ، طوبى لمن عمل بعلمه ، وأنفق الفضل من ماله ، وأمسك الفضل من قوله .
يا أباذر البس الخشن من اللباس والصفيق من الثياب ( 1 ) لئلا يجد الفخر فيك مسلكا .
يا أباذر يكون في آخر الزمان قوم يلبسون الصوف في صيفهم وشتائهم يرون أن لهم الفضل بذلك على غير هم اولئك تلعنهم ملائكة السماوات والارض .
يا أباذر ألا اخبرك بأهل الجنة ؟ قلت : بلى يا رسول الله ؟ قال : كل أشعث أغبرذي طمرين لا يؤبه به ( 2 ) لو أقسم على الله لابره .
أقول : وجدت في بعض نسخ الامالي وكانت مصححة قديمة أملا علينا الشيخ أبوجعفر محمد بن الحسن قدس الله روحه يوم الجمعة الرابع من المحرم سنة سبع وخمسين وأربعمائة ، قال : أخبرنا جماعة عن أبي المفضل وساق الحديث إلى آخره .
ورواه الشيخ في أماليه ( 3 ) عن جماعة عن أبي المفضل قال : حد ثنار جاء بن يحيى أبوالحسين العبر تائي الكاتب ( 4 ) سنة أربع عشرة وثلاثمائة - وفيها مات - عن محمد ابن الحسن بن شمون ، عن عبدالله بن عبدالرحمن الاصم ، عن الفضيل بن يسار ، عن وهب ابن عبدالله بن أبي ذبي الهنائي ، عن أبي الحرب بن أبي الاسود الديلي مثله .
ورواه الورام في جامعه ( 5 ) أيضا .

____________________________________________________
( 1 ) ثوب صفيق : كثيف نسجه .
( 2 ) أى لا يلتفت اليه ولا يعتد به .
والطمر - بالكسر - الثوب الخلق .
( 3 ) الامالى ج 2 ص 138 .
( 4 ) العبر تائى بالعين المهملة المفتوحة والباء الموحدة والراء المهملة والتاء المثناة فوق .
والكاتب كذا في ( جشن وصه ) بخط المصنف وفى هامش جامع الرواة قال وفى نسخة من " صه " للشهيد الثانى " كايب بن يحيى " وضبطه بالباء بعد الياء .
( 5 ) تنبيه الخواطر ج 2 ص 51 .

[ 92 ]



باب 5 : وصيّة النبي صلى الله عليه وآله إلى عبدالله بن مسعود

1 - مكا ( 1 ) : عن عبدالله بن مسعود ( * ) قال : دخلت أنا وخمسة رهط من أصحابنا يوما على رسول الله صلى الله عليه وآله وقد أصابتنا مجاعة شديدة ولم يكن ذقنا منذ أربعة أشهر إلا الماء واللبن وورق الشجر ، قلنا : يا رسول الله إلى متى نحن على هذه المجاعة الشديدة ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله : لا تزالون فيها ما عشتم فأحدثوا لله شكرا فإني قرأت كتاب الله الذي أنزل علي وعلى من كان قبلي فما وجدت من يدخلون الجنة إلا الصابرون .
يا ابن مسعود قال الله تعالى : " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " ( 2 ) " اولئك يجزون الغرفة بما صبروا " ( 3 ) " إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون " ( 4 ) .
يا ابن مسعود قول الله تعالى : " وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا " ( 5 ) " اولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا " ( 6 ) يقول الله تعالى : " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء " ( 7 ) " ولنبلونكم

____________________________________________________
( * ) عبدالله بن مسعود من أصحاب النبى صلى الله عليه وآله بجله وأطراه قوم و جرحه آخرون .
( 1 ) مكارم الاخلاق ص 519 .
( 2 ) الزمر : 14 .
وقوله " بغير حساب " أى لا يهتدى اليه حساب الحساب .
( 3 ) الفرقان : 75 .
والغرفة أعلى درجات الجنة وذلك بما صبروا من المشاق .
( 4 ) المؤمنون : 113 .
( 5 ) الدهر : 12 .
اى بما صبروا على أداء الواجبات واجتناب المحرمات " جنة " أى بستانا و " حريرا " يلبسونه .
( 6 ) القصص : 54 .
( 7 ) البقرة : 213 .
قوله " لما " اصله " لم " وزيدت " ما " وفيها توقع .
والبأساء : الفقر والضراء : الوجع .

[ 93 ]


بشئ من الخوف والجوع ونقص من الاموال والانفس والثمرات وبشر الصابرين " ( 1 ) قلنا : يا رسول الله فمن الصابرون ؟ قال صلى الله عليه وآله : الذين يصبرون على طاعة الله وعن معصية الذين كسبوا طيبا وأنفقوا قصدا وقد موا فضلا فأفلحوا وأنجحوا .
يا ابن مسعود عليهم الخشوع والوقار والسكينة والتفكر واللين والعدل والتعليم والاعتبار والتدبير والتقوى والاحسان والتحرج ( 2 ) والحب في الله والبغض في الله وأداء الامانة والعدل في الحكم وإقامة الشهادة ومعاونة أهل الحق والبغية على المسئ ( 3 ) والعفو لمن ظلم .
يا ابن مسعود إذا ابتلوا صبروا ، وإذا اعطوا شكروا ، وإذا حكموا عدلوا وإذا قالوا صدقوا ، وإذا عاهدوا وفوا ، وإذا أساؤا استغفروا ، وإذا أحسنوا استبشروا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ، وإذا مروا باللغو مروا كراما والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما ويقولون للناس حسنا .
يا ابن مسعود والذي بعثني بالحق إن هؤلاء هم الفائزون .
يا ابن مسعود " فمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه " فان النور إذا وقع في القلب انشرح وانفسح ، فقيل يا رسول الله فهل لذلك من علامة ؟ " قال : نعم التجافي عن دار الغرور ، والانانة إلى دار الخلود ، والاستعداد للموت قبل نزول الفوت .
فمن زهد في الدنيا قصر أمله فيها وتركها لاهلها .
يا ابن مسعود قول الله تعالى " ليبلوكم أيكم أحسن عملا " ( 4 ) يعني أيكم أزهد في الدنيا ، إنها دار الغرور ودار من لا دار له .
ولها يجمع من لا عقل له .
إن

____________________________________________________
( 1 ) البقرة : 155 .
( 2 ) التحرج : التجنب .
( 3 ) بغى يبغى بغاء - بضم الباء وبغيا - بفتحها - وبغى وبغية - بالضم - وبغية - بالكسر - عليه تعدى وجنى واستطال عليه وظلمه .
( 4 ) هود : 7 .
الملك : 2 .

[ 94 ]


أحمق الناس من طلب الدنيا .
قال الله تعالى : " اعلموا أنما الحيوة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الاموال والاولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتريه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد " ( 1 ) قال الله تعالى " وآتيناه الحكم صبيا " ( 2 ) يعني الزهد في الدنيا وقال الله تعالى لموسى يا موسى إنه لن يتزين المتزينون بزينة أزين في عيني مثل الزهد ، يا موسى إذا رأيت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصالحين ، وإذا رأيت الغنى مقبلا فقل ذنب عجلت عقوبته .
يا ابن مسعود قول الله تعالى " ولولا أن يكون الناس امة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون * ولبيوتهم أبوابا و سررا عليها يتكؤن * وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحيوة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين " ( 3 ) وقوله : " من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصليها مذموما مدحورا * ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها و هو مؤمن فاولئك كان سعيهم مشكورا " ( 4 ) .
يا ابن مسعود من اشتاق إلى الجنة سارع في الخيرات ، ومن خاف النار ترك الشهوات ، ومن ترقب الموت أعرض عن اللذات ، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات .
يا ابن مسعود قوله تعالى " زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة - الآية " ( 5 ) .
يا ابن مسعود إن الله اصطفى موسى بالكلام والمناجاة حين ترى خضرة البقل من بطنه من هزاله ( 6 ) وما سأل موسى حين تولى إلى الظل إلا طعاما

____________________________________________________
( 1 ) الحديد : 19 .
( 2 ) مريم : 13 .
( 3 ) الزخرف : 32 - 34 .
( 4 ) الاسراء : 19 و 20 .
( 5 ) آل عمران : 12 .
( 6 ) الهزال : قلة اللحم والشحم ، نقيض السمن .

[ 95 ]


يأكله من جوع .
يا ابن مسعود إن شئت نبأتك بأمر نوح نبي الله عليه السلام إنه عاش ألف سنة إلا خمسين عاما يدعو إلى الله ، فكان إذا أصبح قال : لا امسي وإذا أمسى قال : لا اصبح فكان لباسه شعر وطعامه الشعير وإن شئت نبأتك بأمر داود عليه السلام خليفة الله في الارض وكان لباسه الشعر وطعامه الشعير .