وقال الكيدري رحمه الله : " الاسلام هو التسليم " يعني : الدين هو الانقياد للحق والاذعان له " والتسليم هو اليقين " أي صادر عنه ولازم له ، فكأنه هو من فرط تعلقه به " والتصديق هو الاقرار " أي إقرار الذهن وحكمه " والاقرار هو الاداء " أي مستلزم للاداء وشديد الشبه بالعلة له ، لان من تيقن حقية الشئ ، وأن
__________________________________________________
( 1 ) شرح النهج لابن أبى الحديد ج 4 ص 302 .
( 2 ) يعنى بالمفصول : المفصول النتائج ، وهى من اقسام القياس المركب .
( 3 ) شرح النهج لابن ميثم البحرانى ص 256 .
[315]
مصالحه منوطة بفعله ، ومفاسده مترتبة على تركه ، كان ذلك مقويا لداعيه على فعله غاية التقوية يعني من حق المسلم الكامل في إسلامه أن يجمع بين علم اليقين ، و العمل الخالص ، ليحط رحله في المحل الارفع ، ويجاور الرفيق الاعلى .
وقال الشهيد الثاني رفع الله درجته في رسالة حقائق الايمان بعد إيراد هذا الكلام من أمير المؤمنين عليه السلام ما هذا لفظه : البحث عن هذا الكلام يتعلق بأمرين الاول ما المراد من هذا النسبة ؟ الثاني ما المراد من هذا المنسوب ؟ أما الاول فقد ذكر بعض الشارحين أن هذه النسبة بالتعريف أشبه منها بالقياس ، فعرف الاسلام بأنه التسليم لله ، والدخول في طاعته ، وهو تفسير لفظ بلفظه أعرف منه ، والتسليم بأنه اليقين ، وهو تعريف بلازم مساو ، إذ التسليم الحق إنما يكون ممن تيقن صدق من سلم له ، واستحقاقه التسليم ، واليقين بأنه التصديق أي التصديق الجازم المطابق البرهاني ، فذكر جنسه ونبه بذلك على حده أو رسمه والتصديق بأنه الاقرار بالله ورسله ، وما جاء من البينات وهو تعريف لفظ بلفظ أعرف ، والاقرار بأنه الاداء أي أداء ما أقر به من الطاعات ، وهو تعريف بخاصة له ، والاداء بأنه العمل ، وهو تعريف له ببعض خواصه انتهى .
أقول : هذا بناء على أن المراد من الاسلام المعرف في كلامه عليه السلام ما هو الاسلام حقيقة عند الله تعالى في نفس الامر أو الاسلام الكامل عند الله تعالى أيضا و إلا فلا يخفى أن الاسلام يكفي في تحققه في ظاهر الشرع الاقرار بالشهادتين ، سواء علم من المقر التصديق بالله تعالى والدخول في طاعته أم لا ؟ كما صرحوا به في تعريف الاسلام في كتب الفروع وغيرها ، فعلم أن الحكم بكون تعريف الاسلام بالتسليم لله الخ تعريفا لفظيا ، إنما يتم على المعنى الاول ، وهو الاسلام في نفس الامر أو الكامل .
ويمكن أن يقال إن التعريف حقيقي وذلك لان الاسلام لغة هو مطلق الانقياد والتسليم ، فاذا قيد التسليم بكونه لله تعالى والدخول في طاعته كان بيانا للماهية التي اعتبرها الشارع إسلاما فهو من قبيل ما ذكر جنسه ونبه على حده
[316]
أو رسمه .
وأقول أيضا : في جعله الاقرار بالله تعالى إلى آخره تعريف لفظ بلفظ أعرف للتصديق بحث لا يخفى لان المراد من التصديق المذكور هنا القلبي لا اللساني حيث فسره بأنه الجازم المطابق الخ والاقرار المراد منه الاعتراف باللسان ، إذ هو المتبادر منه ، ولذا جعله بعضهم قسيما للتصديق في تعريف الايمان ، حيث قال : هو التصديق مع الاقرار وحينئذ فيكون بين معنى اللفظين غاية المباينة ، فكيف يكون تعريف لفظ بلفظ ؟ اللهم إلا أن يراد من الاقرار بالله ورسله مطلق الانقياد والتسليم بالقلب واللسان ، على طريق عموم المجاز ، ولا يخفى ما فيه .
والذي يظهر لي أنه تعريف بلازم عرفي ، وذلك لان من أذعن بالله و رسله وبيناتهم لا يكاد ينفك عن إظهار ذلك بلسانه ، فان الطبيعة جبلت على إظهار مضمرات القلوب ، كما دل عليه قوله عليه السلام " ما أضمر أحدكم شيئا إلا وأظهره الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه " ( 1 ) ولما كان هذا الاقرار هنا مطلوبا للشارع مع كونه في حكم ما هو من مقتضيات الطبيعة ، نبه عليه السلام على أن التصديق هو الاقرار مع تأكيد طلبه ، حتى كأن التصديق غير مقبول إلا به ، أو غير معلوم للناس إلا به ، وكذا أقول في جعله الاداء خاصة للاقرار ، فان خاصة الشئ لا تنفك عنه ، والاداء قد ينفك عن الاقرار ، فان المراد من الاداء هنا عمل الطاعات ، والاقرار لا يسلتزمه ، ويمكن الجواب بأنه عليه السلام أراد من الاقرار الكامل فكأنه لا يصير كاملا حتى يردفه بالاداء الذي هو العمل .
وأما الثانى : فقد علم من هذه النسبة الشارحة [ أن ] المنسوب أي المشروح هو الاسلام الكامل أو ما هو إسلام عند الله تعالى بحيث لا يتحقق بدون الاسلام في الظاهر ، وعلم أيضا أن هذا الاسلام هو الايمان إما الكامل ، أو ما لا يتحقق حقيقته المطلوبة للشارع في نفس الامر إلا به ، لكن الثاني لا ينطبق إلا على مذهب من قال بأن حقيقة الايمان هو تصديق بالجنان ، وإقرار باللسان ، وعمل بالاركان ، وقد عرفت تزييف
__________________________________________________
( 1 ) نهج البلاغة تحت الرقم 25 من الحكم .
[317]
ذلك فيما تقدم ، وأن الحق عدم اعتبار جميع ذلك في أصل حقيقة الايمان ، نعم هو معتبر في كماله ، وعلى هذا فالمنسوب إن كان هو الاسلام الكامل كان الايمان والاسلام الكاملان واحدا ، وأما الاصليان فالظاهر اتحادهما أيضا مع احتمال التفاوت بينهما ، وإن كان هذا المنسوب ما اعتبره الشارع في نفس الامر إسلاما لا غيره ، لزم كون الايمان أعم من الاسلام ، ولزم ما تقدم من الاستهجان ، فيحصل من ذلك أن الاسلام إما مساو للايمان ، أو أخص ، وأما عمومه فلم يظهر له من ذلك احتمال إلا على وجه بعيد فليتأمل .
باب 26 : باب الشرايع
1 - سن : عن أبي إسحاق الثقفي ، عن محمد بن مروان ، عن أبان بن عثمان عمن ذكره ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : إن الله تبارك وتعالى أعطى محمدا صلى الله عليه وآله شرايع نوح وإبراهيم وموسى وعيسى : التوحيد ، والاخلاص ، وخلع الانداد ، والفطرة والحنيفية السمحة ، لارهبانية ولا سياحة ، أحل فيها الطيبات ، وحرم فيها الخبيثات ووضع عنهم إصرهم ، والاغلال التي كانت عليهم ، فعرف فضله بذلك ثم افترض عليها فيه الصلاة والزكاة والصيام والحج والامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، و الحلال والحرام ، والمواريث والحدود والفرائض والجهاد في سبيل الله وزاده الوضوء وفضله بفاتحة الكتاب وبخواتيم سورة البقرة والمفصل وأحل له المغنم والفئ ، ونصره بالرعب وجعل له الارض مسجدا وطهورا ، وأرسله كافة إلى
-بحار الانوار مجلد: 61 من ص 317 سطر 19 الى ص 325 سطر 18 الابيض والاسود والجن والانس ، وأعطاه الجزية وأسر المشركين وفداهم ثم كلف مالم يكلف أحدا من الانبياء أنزل عليه سيفا من السماء في غير غمد ، و قيل له : " قاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك " .
عباس بن عامر : وزاد فيه بعضهم : فأخذ الناس بأربع وتركوا هذه ، يعني الولاية ( 1 ) .
__________________________________________________
( 1 ) المحاسن ص 287 والاية في النساء : 84 .
[318]
كا : عن علي ، عن أبيه ، عن البزنطي ; والعدة ، عن البرقي ، عن إبراهيم بن محمد الثقفي ، عن محمد بن مروان جميعا ، عن أبان مثله إلا أن فيه والفطرة الحنيفية ، وحرم فيها الخبائث ، إلى قوله ثم افترض عليه فيها الصلاة ( 1 ) تبيين : قوله عليه السلام " شرايع نوح " يحتمل أن يكون المراد بالشرايع اصول الدين ، ويكون التوحيد والاخلاص وخلع الانداد بيانا لها " والفطرة الحنيفية " معطوفة على الشرايع وإنما خص عليه السلام ما به الاشتراك بهذه الثلاثة ، مع اشتراكه عليه السلام معهم في كثير من العبادات ، لاختلاف الكيفيات فيها ، دون هذه الثلاثة ولعله عليه السلام لم يرد حصر المشتركات فيما ذكر ، لعدم ذكر سائل اصول الدين كالعدل والمعاد ، مع أنه يمكن إدخالها في بعض ما ذكر ، لا سيما الاخلاص بتكلف ( 2 ) .
ويمكن أن يكون المراد منها الاصول ، واصول الفروع المشتركة ، وإن اختلفت في الخصوصيات والكيفيات ، وحينئذ يكون جميع تلك الفقرات إلى قوله عليه السلام " وزاده " بيانا للشرايع ، ويشكل حينئذ ذكر الرهبانية والسياحة ، إذ المشهور أن عدمهما من خصائص نبينا صلى الله عليه وآله إلا أن يقال المراد عدم الوجوب وهو مشترك أو يقال إنهما لم يكونا في شريعة عيسى عليه السلام أيضا وإن استشكل بالجهاد وأنه لم يجاهد عيسى عليه السلام فالجواب أنه يمكن أن يكون واجبا عليه لكن لم يتحقق شرائطه ، و لذا لم يجاهد ، ولعل قوله عليه السلام " زاده وفضله " بهذا الوجه أوفق ، وكأن المراد بالتوحيد نفي الشريك في الخلق ، وبالاخلاص نفي الشريك في العبادة ، و خلع الانداد تأكيد لهما ، أو المراد به ترك اتباع خلفاء الجور وأئمة الضلالة أو نفي الشرك الخفي ، أو المراد بالاخلاص نفي الشرك الخفي وبخلع الانداد نفي الشريك في استحقاق العبادة ، والانداد جمع ند ، وهو مثل الشئ الذي يضاده في اموره ، ويناده أي يخالفه .
والفطرة ملة الاسلام التي فطر الله الناس عليها ، كما مر ، والحنيفية : المائلة
__________________________________________________
( 1 ) الكافى ج 2 ص 17 .
( 2 ) والذى يظهر لى من الخبر أن اولى العزم من الرسل وهم خمسة كانوا صاحب
[319]
من الباطل إلى الحق ، أو الموافقة لملة إبراهيم عليه السلام قال في النهاية : الحنيف عند العرب من كان على دين إبراهيم وأصل الحنف الميل ، ومنه الحديث بعثت بالحنيفية السمحة السهلة ، وفي القاموس : السمحة الملة التي ما فيها ضيق .
وفي النهاية : فيه لا رهبانية في الاسلام ، وهي من رهبنة النصارى ، وأصله من الرهبة الخوف ، كانوا يترهبون بالتخلي من أشغال الدنيا ، وترك ملاذها و الزهد فيها ، والعزلة عن أهلها ، وتعمد مشاقها ، حتى أن منهم من كان يخصي نفسه ويضع السلسلة في عنقه وغير ذلك من أنواع التعذيب ، فنفاها النبي صلى الله عليه وآله عن الاسلام ونهى المسلمين عنها انتهى .
وقال الطبرسي قدس سره في قوله تعالى : " ورهبانية ابتدعوها " ( 1 ) : هي الخصلة من العبادة يظهر فيها معنى الرهبة إما في لبسة ، أو انفراد عن الجماعة أو غير ذلك من الامور التي يظهر فيها نسك صاحبه ، والمعنى ابتدعوا رهبانية لم نكتبها عليهم ، وقيل إن الرهبانية التي ابتدعوها في رفض النساء ، واتخاذ الصوامع عن قتادة ، قال : وتقديره ورهبانية ما كتبناها عليهم إلا أنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله ، فما رعوها حق رعايتها ، وقيل إن الرهبانية التي ابتدعوها لحاقهم بالبراري والجبال في خبر مرفوع عن النبي صلى الله عليه وآله فما رعوها الذين بعدهم حق رعايتها ، وذلك لتكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وآله عن ابن عباس ، وقيل : إن الرهبانية
__________________________________________________
شريعة ولكن اختص كل واحد منهم لاقتضاء الجو والمحيط بخصيصة ممتازة ظهر فيها كونه صاحب عزم وارادة كما خصص كل واحد منهم بمعجزة خاصة تظهره على أهل زمانه .
فقد قام نوح عليه السلام في جو الشرك وأهل الاشراك فخص بالتوحيد وكان جل سعيه وراء ذلك ، وقام ابراهيم عليه السلام بالاخلاص في العبادة وموسى بخلع الانداد مثل فرعون ذى الاوتاد ، وعيسى بالفطرة وتطهير الوجدان ، وخص محمد صلى الله عليه وآله بالحنيفية السمحة ، لا رهبانية ولا سياحة : وهى احلال الطيبات وتحريم الخبائث إلى آخر ما ذكر عليه السلام فتفطن .
( 1 ) الحديد : 27 .
[320]
هي الانقطاع عن الناس للانفراد بالعبادة " ما كتبناها " أي ما فرضناها " عليهم " وقال الزجاج إن تقديره " ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله " وابتغاء رضوان الله اتباع ما أمر الله ، لهذا وجه ، قال : وفيها وجه آخر جاء في التفسير أنهم كانوا يرون من ملوكهم مالا يصبرون عليه ، وفاتخذوا أسرابا وصوامع ، وابتدعوا ذلك ، فلما ألزموا أنفسهم ذلك التطوع ، ودخلوا عليه ، لزمهم إتمامه كما أن الانسان إذا جعل على نفسه صوما لم يفرض عليه لزمه أن يتمه .
قال : وقوله " فما رعوها حق رعايتها " على ضربين أحدهما أن يكونوا قصروا فيما ألزموه أنفسهم ، والاخر وهو الاجود أن يكونوا حين بعث النبي صلى الله عليه وآله فلم يؤمنوا به ، وكانوا تاركين لطاعة الله ، فما رعوها [ أي ] تلك الرهبانية حق رعايتها ودليل ذلك قوله " فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم " يعني الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وآله " وكثير منهم فاسقون " أي كافرون انتهى كلام الزجاج .
ويعضد هذا ما جاءت به الرواية عن ابن مسعود ، قال : كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وآله على حمار فقال : يا ابن ام عبد ، هل تدري من أين أحدثت بنو إسرائيل ! ! الرهبانية ؟ فقلت : الله ورسوله أعلم ، فقال : ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى عليه السلام يعملون بمعاصي الله ، فغضب أهل الايمان فقاتلوهم فهزم أهل الايمان ثلاث مرات ، فلم يبق منهم إلا القليل ، فقالوا : إن ظهرنا هؤلاء أفنونا ولم يبق للدين أحد يدعو إليه ، فتعالوا نتفرق في الارض إلى أن يبعث الله النبي الذي وعدنا به عيسى عليه السلام يعنون محمدا صلى الله عليه وآله فتفرقوا في غيران الجبال ، وأحدثوا رهبانية فمنهم من تمسك بدينه ، ومنهم من كفر ، ثم تلا هذه الاية " ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم " إلى آخرها ثم قال يا ابن ام عبد أتدري ما رهبانية امتي ؟ قلت : الله ورسله أعلم ، قال : الهجرة والجهاد والصلاة والصوم والحج والعمرة .
وفي حديث آخر عن ابن مسعود ، أنه صلى الله عليه وآله قال : من آمن بي وصدقني واتبعني فقد رعاها حق رعايتها ، ومن لم يؤمن بي فاولئك هم الهالكون انتهى ( 1 )
__________________________________________________
( 1 ) مجمع البيان ج 9 ص 243 .
[321]
وقال في النهاية : فيه لا سياحة في الاسلام ، يقال : ساح في الارض يسيح سياحة إذا ذهب فيها ، وأصله من السيح ، وهو الماء الجاري المنبسط على الارض ، أراد مفارقة الامصار ، وسكنى البراري ، وترك شهود الجمعة والجماعات ، وقيل : أراد الذين يسيحون في الارض بالشر والنميمة والافساد بين الناس ، ومن الاول الحديث سياحة هذه الامة الصيام ، قيل للصائم سائح لان الذي يسيح في الارض متعبدا ، يسيح ولا زاد معه ولا ماء ، فحين يجد يطعم والصائم يمضى نهاره لا يأكل ولا يشرب شيئا فشبه به انتهى .
قوله عليه السلام : " أحل فيها الطيبات " ( 1 ) إشارة إلى قوله تعالى في الاعراف " الذين يتبعون الرسول النبي الامي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم " الاية قال الطبرسي قدس سره : " ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث " معناه يبيح لهم المستلذات الحسنة ، ويحرم عليهم القبائح ، وما تعافه الانفس ، وقيل : يحل لهم ما اكتسبوه من وجه طيب ، و يحرم عليهم ما اكتسبوه من وجه خبيث ، وقيل يحل لهم ما حرمه عليهم رها بينهم وأحبارهم ، وما كان يحرمه أهل الجاهلية من البحائر والسوائب وغيرها ويحرم عليهم الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذكر معها " ويضع عنهم إصرهم " أي ثقلهم شبه ما كان على بني إسرائيل من التكليف الشديد بالثقل ، وذلك أن الله سبحانه جعل توبتهم أن يقتل بعضهم بعضا ، وجعل توبة هذه الامة الندم بالقلب حرمة للنبي صلى الله عليه وآله عن الحسن ، وقيل الاصر هو العهد الذي كان الله سبحانه أخذه على بني إسرائيل أن يعملوا بما في التوراة عن ابن عباس والضحاك والسدي ويجمع المعنيين قول الزجاج الاصر ما عقدته من عقد ثقيل " والاغلال التي كانت عليهم " معناه ويضع عنهم العهود التي كانت في ذمتهم ، وجعل تلك العهود بمنزلة الاغلال التي تكون في الاعناق للزومها كما يقال : هذا طوق في عنقك ، وقيل يريد بالاغلال ما امتحنوا به من قتل
__________________________________________________
( 1 ) الاعراف : 157 .
[322]
نفوسهم في التوبة ، وقرض ما يصيبه البول من أجسادهم ، وما أشبه ذلك من تحريم السبت وتحريم العروق والشحوم وقطع الاعضاء الخاطئة ، ووجوب القصاص دون الدية عن أكثر المفسرين ( 1 ) انتهى .
وأقول : استدل أكثر أصحابنا على تحريم كثير من الاشياء مما تستقذره طباع أكثر الخلق بهذه الاية ، وهو مشكل ، إذا الظاهر من سياق الاية مدح النبي صلى الله عليه وآله وشريعته ، بأن ما يحل لهم هو طيب واقعا وإن لم نفهم طيبه وما يحرم عليهم هو الخبيث واقعا وإن لم نعلم خبثه ، كالطعام المستلذ الذي يكون من مال اليتيم أو مال السرقة تستلذه الطبع وهو خبيث واقعا وأكثر الادوية التي يحتاج الناس إليها في غاية البشاعة وتستقذرها الطبع ، ولم أر قائلا بتحريمها ، فالحمل على المعنى الذي لا يحتاج إلى تخصيص ويكون موافقا لقواعد الامامية من الحسن والقبح العقليين ، أولى من الحمل على معنى لا بد فيه من تخصيصات كثيرة ، بل ما يخرج منهما أكثر مما يدخل فيهما كما لا يخفى على من تتبع مواردهما .
ويمكن أن يقال هذه الاية كالصريحة في الحسن والقبح العقليين ، ولم يستدل بها الاصحاب رضي الله عنهم ، وقيل الاصر الثقل الذي يأصر حامله ، أي يحبسه في مكانه لفرط ثقله ، وقال الزمخشري هو مثل لثقل تكليفهم وصعوبته ، نحو اشتراط قتل الانفس في حصة توبتهم ، وكذلك الاغلال مثل لما كان في شرايعهم من الاشياء الشاقة نحو بت القضاء بالقصاص عمدا كان أو خطاء من غير شرع الدية ، وقطع الاعضاء الخاطئة ، وقرض موضع النجاسة من الجلد والثواب ، وإحراق الغنائم ، وتحريم العروق في اللحم ، وتحريم السبت ، وعن عطا كانت بنو إسرائيل إذا قامت تصلي لبسوا المسوح وغلوا أيديهم إلى أعناقهم ، وربما ثقب الرجل ترقوته وجعل فيها طرف السلسلة وأوثقها إلى السارية يحبس نفسه على العبادة انتهى .
قوله عليه السلام : " ثم افترض عليه " أي على نبينا صلى الله عليه وآله " فيها " أي في الفطرة التي هي ملته ، وكأن " ثم " للتفاوت في الرتبة ، وقيل : المراد بالحلال ما عدا الحرام
__________________________________________________
( 1 ) مجمع البيان ج 4 ص 487 .
[323]
فيشمل الاحكام الاربعة ، والمراد بالفرائض المواريث ذكرت تأكيدا أو مطلق الواجبات ، وقيل : الفرائض ماله تقدير شرعي من المواريث ، وهي أعم منها ومن غيرها ، مما ليس له تقدير ، وقيل : المراد بالفرائض ما فرض من القصاص بقدر الجناية وقوله " وزاده الوضوء " يدل على عدم شرع الوضوء في الامم السابقة ، و ينافيه ما ورد في تفسير قوله تعالى " فطفق مسحا بالسوق والاعناق " ( 1 ) أنهم مسحوا ساقهم وعنقهم وكان ذلك وضوءهم إلا أن يقال : المراد زيادة الوضوء كما في بعض النسخ " وزيادة الوضوء " عطفا على الجهاد .
قوله عليه السلام " وفضله " إشارة إلى ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : اعطيت مكان التوراة السبع الطول ، ومكان الانجيل المثاني ومكان الزبور المئين وفضلت بالمفصل وفي رواية واثلة بن الاصقع وأعطيت مكان الانجيل المئين ومكان الزبور المثاني ، واعطيت فاتحة الكتاب وخواتيم البقرة من تحت العرش لم يعطها نبي قبلي وأعطاني ربى المفصل نافلة .
قال الطبرسي روح الله روحه : فالسبع الطول : البقرة ، وآل عمران ، والنساء والمائدة ، والانعام ، والاعراف والانفال مع التوبة لانهما تدعيان القرينتين ، ولذلك لم يفصل بينهما بالبسملة ، وقيل : إن السابعة سورة يونس ، والطول جمع الطولى تأنيث الاطول ، وإنما سميت هذه السور الطول ، لانها أطول سور القرآن ، و أما المثانى فهي السور التالية للسبع الطول أولها يونس وآخرها النحل ، وإنما سميت المثاني لانها ثنت الطول أي تلتها ، وكان الطول هي المبادي ، والمثاني لها ثواني ، وواحدها مثنى مثل المعنى والمعاني ، وقال الفراء : وحدها مثناة وقيل المثاني سور القرآن كلها طوالها وقصارها ، من قوله تعالى " كتابا متشابها مثاني " ( 2 ) وأما المئون فهي كل سورة تكون نحوا من مائة آية أو فويق ذلك أو دوينه ، وهي سبع سور أولها سورة بني إسرائيل وآخرها المؤمنون ، وقيل إن المئين ما ولي السبع الطول
__________________________________________________
( 1 ) سورة ص : 33 .