واحتج أهل المذهب الثالث على كل من جزءي مدعاهم أما على أن الاسلام أعم في الحكم فبآية الاعراب المتقدمة ، والتقريب ما تقدم ، لكن لا يرد عليهم شئ مما أوردناه على استدلال أهل المذهب الثاني بها لانهم يدعون دلالتها على مغايرة الاسلام للايمان حقيقة ، وهم يدعون المغايرة في الحكم ظاهرا دون الحقيقة ، بل ما ذكرناه من الايرادات محقق لاستدلالهم بها ، إذ لا يتم لهم بدونه كما لا يخفى على من أحاط بما ذكرناه في بيان معنى هذاه الاية مما من به الواهب الكريم .
إن قلت : إن الشارع حكم بايمان من أقر بالمعارف الاصولية ظاهرا وإن كان في نفس الامر غير معتقد لذلك ، إذا لم يطلع عليه ، على حد ما ذكرتم في الاسلام فكما أن الايمان والاسلام الاعتقاديين متحدان فكذا الظاهريان ، فما وجه عموم

__________________________________________________
( 1 ) الحجرات : 13 .

[305]


الاسلام في الحكم وما معناه ؟ .
قلت : الاسلام يكفي في الحكم به ظاهرا الاقرار بالشهادتين ، مع عدم علم الاستهزاء والشك من لمعتبر ، بخلاف الايمان ، فانه لا بد في الحكم به ظاهرا مع ذلك من الاعتراف بأنه يعتقد الاصول الخمسة ، مع إقراره بها ، أو يقتصر على الاقرار بها مع عدم علمنا منه بما ينافي ذلك من استهزاء أو شك ، فهو أخص حكما من الاسلام ، وهذا الذي ذكرناه يشهد به كثير من الاحاديث ، وحكم علماء الامامية أيضا باسلام أهل الخلاف وعدم إيمانهم ، يؤيد ما قلناه .
وأما على أن الاسلام في الحقيقة هو الايمان فبقوله تعالى " فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين " ( 1 ) الاية والتقريب ما تقدم في بيان استدلال أهل المذهب الاول بها ، والاعتراض الاعترض ، لكن ما ذكر هناك من المعارضة بآية الاعراب لا يرد هنا لانا بينا أنها إنما تدل على المغايرة في الحكم ، وهو لاينافي الاتحاد في الحقيقة وأما هناك فلما كان المدعى الاتحاد مطلقا حكما وحقيقة ، أمكن المعارضة بها في الجملة .
وقد تقدم في كلام المحقق الطوسي قدس سره : أنهم استدلوا على كون حقيقتهما واحدة بقوله تعالى " إن الدين عند الله الاسلام " ويمكن تقريره بوجهين أحدهما : أن الايمان هو الدين والدين هو الاسلام ، فالايمان هو الاسلام أما الكبرى فللاية وأما الصغرى فلقوله تعالى " ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه " ( 2 ) ولا ريب أن الايمان مقبول من يبتغيه دينا للاجماع ، فيكون الايمان دينا فيكون هو الاسلام ، وفيه أنه لا يلزم من صحة حمل الاسلام عليه كونهما واحدا في الحقيقة لجواز كون المحمول أعم ، ويمكن الجواب بما ذكرناه سابقا من إفادة مثل ذلك حصر الاسلام في الدين ، لكن يرد على دليل الصغرى أن اللازم منه كون الايمان دينا أما كونه نفس الدين ليكون هو الاسلام ، فلا ، لجواز أن يكون جزءا منه أو جزئيا له ، أو شرعا كذلك ، ولا ريب أن جزء الشئ أو جزئيه أو شرطه

__________________________________________________
( 1 ) الذاريات : 35 .
( 2 ) آل عمران : 85 .

[306]


يقبل معه ، وإن كان مغايرا له ، فعلم أن المراد من الغير في الاية الكريمة غير ذلك .
وأيضا يرد عليه : أن هذا الدليل إنما يستقيم على مذهب من يقول : إن الطاعات جزء من الايمان ، وذلك لان الظاهر أن الدين المحمول عليه الاسلام هو دين القيمة في قوله تعالى " وذلك دين القيمة " ( 1 ) والمشار إليه بذلك ما تقدم من الاخلاص في الدين ، مع إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة .
وثانيهما أن العبادات المعتبرة شرعا هي الدين ، والدين هو الاسلام ، والاسلام هو الايمان ، أما الاولى فلقوله تعالى " وما امروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين " ( 2 ) وأما الثانية فلقوله تعالى " إن الدين عند الله الاسلام " وأما الثالثة فلقوله تعالى " ومن يبتغ غير الاسلام دينا " الاية ، وقد تقدم بيان ذلك ، ويرد عليه جميع ما يرد على الوجه الاول ، ويزيد عليه أن النتيجة كون العبادات هي الايمان والمدعى كون الاسلام هو الايمان أو عكسه ، ولا ينطبق على المدعى .
ولو سلم استلزامه للمدعى لاقتضاء المقدمة الثالث ذلك ، قلنا فبقية المقدمات مستدركة إذ يكفي أن يقال : الاسلام ، هو الايمان لقوله تعالى " ومن يبتغ " الاية .
أقول : قد عرفت أن هذا الاستدلال بوجهيه إنما يستقيم على مذهب من يجعل الطاعات الايمان أو جزءا منه ، فان كان المستدل به هؤلاء ، فذلك قد علم مع ما يرد عليه ، وإن كان غيرهم فهو ساقط الدلالة أصلا ورأسا ، ثم نقول على تقدير تسليم دلالة هذه الايات على اتحادهما : إن الحكم بعموم الاسلام في الحكم على مذهب من يجعل الطاعات الايمان ظاهرا أن الايات دلت على اتحادهما في الحقيقة عند الله تعالى ، وعلى هذا من لم يأت بالطاعات أو بعضها فلا دين له ، فلا إسلام ، فلا إيمان له عند الله تعالى ولا في الظاهر ، إذا لم يعرف منه ذلك .
وأما من اكتفى بالتدصيق في تحقق حقيقة الايمان ، وجعل الاتيان بالطاعات من المكملات ، فيلزم عليه بمقتضى هذه الايات أن يسلمه بأن يكون بين الاسلام

__________________________________________________
( 1 و 2 ) البينة : 5 .

[307]


والايمان عموم من وجه ، لتحققهما فيمن صدق بالمسائل الاصولية ، وأتى بالطاعات مخلصا ، وانفراد الاسلام فيمن أقر بالشهادتين ظاهرا مع كونه غير مصدق بقلبه وانفراد الايمان فيمن صدق بقلبه بالمعارف ، وترك الطاعات غير مستحل ، فانه لا دين له حيث لم يقم الصلاة ولا آتى الزكاة كما هو المفروض ، فلا إسلام له ، لان الدين عند الله الاسلام ، وهو في غاية البعد والاستهجان ولم يذهب أحد إلى أنه قد يكون المكلف مؤمنا ولا يكون مسلما .
هذا إن اعتبرنا النسبة بين مطلق الاسلام والايمان حقيقيا أو ظاهريا وإن اعتبرنا النسبة بين الحقيقيين فقط أي ما هو إسلام وإيمان عند الله تعالى ، كانا متحدين عند من جعلهما الطاعات ، وعند من اكتفى بالتصديق يكون الايمان أعم مطلقا وهو أيضا غريب ، إذ لم يذهب إليه أحد ، ولا مخلص له عن هذا الالزام إلا بالتزامه إذ يدعي أن تارك الطاعات غير مستحل مسلم أيضا ويتأول الدين في قوله تعالى " وذلك دين القيمة " بالدين الكامل ، ويكون المراد بالدين في قوله تعالى : " إن الدين عند الله الاسلام " الدين الاصلي الذي لا يتحقق أصل الايمان إلا به ، وحينئذ فيكون الاسلام والايمان الحقيقيان متحدين أيضا عنده ، ويؤيد ذلك ما ذكره بعضهم من أن الاستدلال بآية الاخلاص إنما يتم باضمار لفظ المذكر ، ونحوه ، فان الاشارة في قوله تعالى : " وذلك دين القيمة " يرجع إلى متعدد ، وهو العبادة مع الاخلاص في الدين ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، بل مع جميع الطاعات ، بناء على أنه اكتفى عن ذكرها بذكر الاعظم منها ، وأنها قد ذكرت إجمالا في قوله تعالى : " ليعبدوا " وذكر إقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة لشدة الاعتناء بهما فكان حق الاشارة أن يكون " اولئك " ونحوه تطابقا بين الاشارة والمشار إليه ، ولما كانت الاشارة مفردة ارتكب المذكور ، وحيث لا بد من الاضمار فللخصم أن يضمر الاخلاص أو التدين المدلول عليهما بقوله " مخلصين له الدين " والترجيح لهذه ، لقربه من المعنى اللغوى للايمان ، وبعد ذلك فلم يكن في الاية دلالة على أن الطاعات هي الايمان ، فلم يتكرر الاوسط في قولنا عبادة الله تعالى مع الاخلاص وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة كالدين

[308]


والدين هو الاسلام ، والاسلام هو الايمان ، لقوله تعالى " ومن يبتغ " الاية فالطاعات هي الاسلام والايمان ، لانه يقال : لا نسلم أن المراد من الدين في المقدمة الاولى ما يراد في المقدمة الثانية .
وقد ظهر من هذا تزييف الاستدلال بهذه الايات على كون الطاعات معتبرة في حقيقة الايمان ، لانه لم يناف ما نحن فيه من اتحاد الاسلام والايمان ، لكن لا يخفى أنه مناف لما قد بيناه من أن البحث كله على تقدير تسليم دلالة هذه الايات وما ذكر من التأويل مناف للتسليم المذكور ، ويمكن الجواب عنه فتأمل .
وههنا بحيث يصلح لتزييف الاستدلال بهذه الايات على المطلبين : مطلب كون الطاعات معتبرة في حقيقة الايمان ، ومطلب اتحادهما في الحقيقة فنقول : لو سلمنا أن المراد من الدين في الايات الثلاث واحد وأن الطاعات معتبرة في أصل حقيقة الاسلام ، فلا يلزم أن تكون معتبرة في أصل حقيقة الايمان ، ولا أن يكون الاسلام والايمان متحدين حقيقة ، وذلك لان الاية الكريمة إنما دلت على أن من ابتغى أي طلب غير دين الاسلام دينا له فلن يقبل منه ذلك المطلوب ، ولم تدل على أن من صدق بما أوجبه الشارع عليه ، لكنه ترك بعض الطاعات غير مستحل أنه طالب لغير دين الاسلام ، إذ ترك الفعل يجتمع مع طلبه ، لعدم المنافاة بينهما ، فان الشخص قد يكون طالبا للطاعة مريدا لها ، لكنه تركها إهمالا وتقصيرا ولا يخرج بذلك عن ابتغائها ، وقد تقدم هذا الاعتراض في المقالة الاولى على دليل القائلين بالاتحاد .
إن قلت : على تقدير تسليم اتحاد معنى الدين في الايات فما يصنع من اكتفى في الايمان بالتصديق ، فيما إذا صدق شخص بجميع ما أمره الله تعالى به ولو إجمالا لكنه لم يفعل بعد شيئا من الطاعات لعدم وجوبها عليه ، كما لو توقفت على سبب أو شرط ولم يحصل أووجد مانع من ذلك فانه يسمى مؤمنا ولا يسمى مسلما لعدم الاتيان بالطاعات التي هي معتبرة في حقيقة الاسلام ، وكذا الحكم على من وجبت عليه وتركها تقصيرا غير مستحل مع كونه مصدقا بجميع ما امر به ومريدا للطاعات

[309]


فانه يسمي حينئذ مؤمنا لا مسلما ، ويلزم الاستهجان المذكور سابقا .
قلت : الامر على ما ذكرت ، ولا مخلص من هذا إلا بالتزام ارتكاب عدم تسليم اتحاد معنى الدين في الايات ، أو التزامه ، ونمنع من استهجانه ، فانه لما كان حصول التصديق مع ترك الطاعات فردا نادر الوقوع ، لم تلتفت النفس إليه فلذا لم يتوجهوا إلى بيان النسبة بين الاسلام والايمان على تقديره ، وبالجمله فظواهر الايات تعطي قوة القول بأن الاسلام والايمان الحقيقيان تعتبر فيهما الطاعات ، وتحقق حصول الايمان في صورة حصول التصديق قبل وجوب الطاعات يفيد قوة القول بأن الايمان هو التصديق فقط والطاعات مكملات .
انتهى كلامه ضوعف في الجنة إكرامه ، ولم نتعرض لتبيين ما حققه وما يخطر بالبال في كل منها لخروجه عن موضع كتابنا وفي بالي - إن فرغني الله تعالى عن بعض ما يصدني عن الوصول إلى آمالي - أن أكتب في ذلك كتابا مفردا إنشاء الله تعالى ، وهو الموفق للخير والصواب ، وإليه المرجع والمآب .

باب 25 : نسبة الاسلام

1 - مع ، لى : عن ما جيلويه ، عن عمه ، عن البرقي ، عن أبيه ، عن محمد بن يحيى الخزاز ، عن غياث بن إبراهيم ، عن الصادق جعفر بن محمد ، عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال : قال أمير المؤمنين عليه السلام : لانسبن الاسلام نسبة لم ينسبه أحد قبلي
-بحار الانوار مجلد: 61 من ص 309 سطر 19 الى ص 317 سطر 18 ولا ينسبه أحد بعدي : الاسلام هو التسليم ، والتسليم هو التصديق ، والتصديق هو اليقين ، واليقين هو الاداء ، والاداء هو العمل ، إن المؤمن أخذ دينه عن ربه ، ولم يأخذه عن رأيه أيها الناس دينكم دينكم ، تمسكوا به لا يزيلكم أحد عنه ، لان السيئة فيه خير من الحسنة في غيره لان ( 1 ) السيئة فيه تغفر ، والحسنة في غيره

__________________________________________________
( 1 ) تعليل لقوله عليه السلام : " لان السيئة فيه خير من الحسنة في غيره " وذلك لان

[310]


لا تقبل ( 1 ) .
بيان : " دينكم " نصب على الاغراء ، أي خذوا دينكم وتمسكوا به ، قوله عليه السلام : " لان السيئة فيه تغفر " أقول : يحتمل وجهين الاول أن يكون مبنيا على أن العمل غير المقبول ربما يعاقب عليه ، فانه كالصلاة بغير وضوء ، فهو بدعة يستحق عليها العقاب وأيضا ترك العمل الذي وجب عليه ، لانه لم يأت به مع شرائطه فيستحق عقابين أحدهما بفعل العمل المبتدع ، وثانيهما بترك العمل المقبول ، و هو لعدم الايمان لا يستحق العفو ، والسيئة من المؤمن مما يمكن أن يغفر له إن لم يوجب له المغفرة ، فهذه السيئة خير من تلك الحسنة ، وأقرب إلى المغفرة ، و الثاني أن يكون المراد خيرية المؤمن المسيئ بالنسبة إلى المخالف المحسن في مذهبه لان الاول يمكن المغفرة في حقه ، ومع عدمها لا يدوم عقابه ، بخلاف المخالف المتعبد ، فانه لا تنفعه عبادته ، ويخلد في النار بسوء اعتقاده ، وكلاهما مما خطر بالبال وكأن الاول أظهر .
2 - ما : باسناد المجاشعي ، عن الصادق ، عن آبائه ، عن على عليه السلام قال : الاسلام هو التسليم ، والتسليم هو اليقين ، واليقين هو التصديق ، والتصديق هو الاقرار والاقرار هو الاداء ، والاداء هو العمل ( 2 ) .

__________________________________________________
السيئة في دين الاسلام مغفور عنها لقوله تعالى : " ان الحسنات يذهبن السيئات " بل صاحبها موعود بالجنة لقوله تعالى : " ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما " أما الحسنة في غيره فليست بمقبولة حتى يثاب عليها ، بل هو خاسر في عمله لقوله تعالى : " ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه ، وهو في الاخرة من الخاسرين " .
ولا يذهب عليك ان كلامه عليه السلام هذا مبتن على كون السيئة بمعنى الصغائر كما هو الظاهر من المقابلة في قوله تعالى : " ان تجتنبوا " الخ فان السيئات جعلت في مقابلة الكبائر فكل ما كانت كبيرة فهى من الموبقات التى وعد عليها النار ، وكل ما كانت صغيرة وبعبارة أخرى سيئة فهى مكفرة لهذه الامة .
( 1 ) معانى الاخبار ص 185 ، أمالى الصدوق ص 211 .
( 2 ) أمالى الطوسى ج 2 ص 137 وفيه : الاداء هو العلم .

[311]


3 - فس : عن محمد بن علي البغدادي رفع الحديث إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه أنه قال : لانسبن الاسلام نسبة لم ينسبها أحد قبلي ولا ينسبها أحد بعدي : الاسلام هو التسليم ، والتسليم هو اليقين ، واليقين هو التصديق ، والتصديق هو الاقرار ، والاقرار هو الاداء ، والاداء هو العمل ، المؤمن أخذ دينه عن ربه إن المؤمن يعرف إيمانه في عمله ، وإن الكافر يعرف كفره بانكاره ، أيها الناس دينكم فان الحسنة فيه خير من الحسنة في غيره ، وإن السيئة فيه تغفر ، وإن الحسنة في غيره لا تقبل ( 1 ) .
4 - سن : عن بعض أصحابنا رفعه قال : قال أميرالمؤمنين عليه السلام : لانسبن اليوم الاسلام نسبة لم ينسبه أحد قبلي ولا ينسبه أحد بعدي إلا بمثل ذلك : الاسلام هو التسليم ، والتسليم هو اليقين ، واليقين هو التصديق ، والتصديق هو الاقرار ، و الاقرار هو العمل ، والعمل هو الاداء إن المؤمن لم يأخذ دينه عن رأيه ، ولكن أتاه عن ربه وأخذ به ، إن المؤمن يرى يقينه في عمله ، والكافر يرى إنكاره في عمله فو الذي نفسي بيده ما عرفوا أمر ربهم ، فاعتبروا إنكار الكافرين والمنافقين بأعمالهم الخبيثة ( 2 ) .
كا : عن العدة ، عن البرقي ، عن بعض أصحابنا مثله إلا أن فيه لانسبن الاسلام إلى قوله : أتاه من ربه فأخذه ، إلى قوله : ما عرفوا أمرهم ( 3 ) .
بيان : " لانسبن " يقال نسبت الرجل كنصرت أي ذكرت نسبه ، والمراد بيان الاسلام ، والكشف التام عن معناه ، وقيل : لما كان نسبة شئ إلى شئ يوضح أمره وحاله ، وما يؤول هو إليه ، اطلق هنا على الايضاح من باب ذكر الملزوم وإرادة اللازم .

__________________________________________________
( 1 ) تفسير القمى : 91 .
( 2 ) المحاسن ص 222 .
( 3 ) الكافى ج 2 ص 45 .

[312]


وأقول : كأن المراد بالاسلام هنا المعنى الاخص منه المرادف للايمان كما يومئ إليه قوله " إن المؤمن لم يأخذ دينه عن رأيه " وقوله " إن المؤمن يرى يقينه في عمله " وحاصل الخبر أن الاسلام هو التسليم والانقياد .
والانقياد التام لا يكون إلا باليقين ، واليقين هو التصديق الجازم ، والاذعان الكامل بالاصول الخمسة أو تصديق الله ورسوله والائمة الهداة ، والتصديق لا يظهر أولا يفيد إلا بالاقرار الظاهري ، والاقرار التام لا يكون أولا يظهر إلا بالعمل بالجوارح ، فان الاعمال شهود الايمان ، والعمل الذي هو شاهد الايمان هو أداء ما كلف الله تعالى به لا اختراع الاعمال وإبداعها كما تفعله المبتدعة ، والاداء اسم المصدر الذي هو التأدية ، ويحتمل أن يكون المراد بالاداء تأديته وإيصاله إلى غيره ، فيدل على أن التعليم ينبغي أن يكون بعد العمل ، وأنه من لوازم الايمان ، فظهر أن الحمل في بعضها حقيقي وفي بعضها مجازي .
وقيل : أشار عليه السلام إلى أن الاسلام وهو دين الله الذي أشار إليه جل شأنه بقوله " إن الدين عند الله الاسلام " ( 1 ) يتوقف حصوله على ستة امور ، والعبارة لا تخلو من لطف ، وهو أنه جعل التصديق الذي هو الايمان الخالص الحقيقي بين ثلاثة وثلاثة واشتراك الثلاثة التي قبله في أنها من مقتضياته وأسباب حصوله ، و اشتراك الثلاثة التي بعده في أنها من لوازمه وآثاره وثمراته ، وبالجملة جعل التصديق الذي هو الايمان وسطا وجعل أول مراتبه الاسلام ، ثم التسليم ثم اليقين وجعل أول مراتبه من جهة المسببات الاقرار بما يجب الاقرار به ، ثم العمل بالجوارح ، ثم أداء ما افتراض الله به انتهى .
" إن المؤمن لم يأخذ دينه عن رأيه كأنه بيان لما بين سابقا وقرره من أن الاسلام لا يكون إلا بالتسليم لائمة الهدى ، والانقياد لهم فيما أمروا به و هوا عنه ، وأنه لا يكون ذلك إلا بتصديق النبي والائمة صلوات الله عليهم ، و الاقرار بما صدر عنهم ، وأداء الاعمال على نهج ما بينوه لان الايمان ليس أمرا

__________________________________________________
( 1 ) آل عمران : 19 .

[313]


يمكن اختراعه بالرأي والنظر ، بل لابد من الاخذ عمن يؤدي عن الله " فالمؤمن يرى " على بناء المجهول أو المعلوم من باب الافعال " يقينه " بالرفع أو النصب " في عمله " بأن يكون موافقا لما صدر عنهم ، ولم يكن مأخوذا من الاراء والمقاييس الباطلة والكافر بعكس ذك " ما عرفوا " أي المخالفون أو المنافقون " أمرهم " أي امور دينهم فروعا واصولا فضلوا وأضلوا لعدم اتباعهم أئمة الهدى ، وأخذهم العلم منهم " فاعتبروا إنكار الكافرين والمنافقين بأعمالهم الخبيثة " المخالفة لمحكمات الكتاب والسنة ، المبنية على آرائهم الفاسدة ، والمخالفون داخلون في الاول أو في الثاني ، بل فيهما حقيقة .
فأقول روى السيد الرضي رضي الله عنه في نهج البلاغة جزءا من هذا الخبر هكذا وقال عليه السلام : لانسبن الاسلام نسبة لم ينسبها أحد قبلي : الاسلام هو التسليم والتسليم هو اليقين ، واليقين هو التصديق ، والتصديق هو الاقرار ، والاقرار هو الاداء ، والاداء هو العمل ( 1 ) .
وقال ابن أبي الحديد : خلاصة هذا الفصل يقتضي صحة مذهب أصحابنا المعتزلة في أن الاسلام والايمان عبارتان عن معنى واحد ، وأن العمل داخل في مفهوم هذه اللفظة ، ألا تراه جعل كل واحدة من اللفظات قائمة مقام الاخرى في إفادة المفهوم كما يقال الليث هو الاسد والاسد هو السبع والسبع هو أبوالحارث فلا شبهة أن الليث يكون أبا الحارث أي أن الاسماء مترادفة ، فاذا كان أول اللفظات الاسلام ، وآخرها العمل ، دل على أن العمل هو الاسلام ، وهكذا يقول أصحابنا : إن تارك العمل أي تارك الواجب لا يسمى مسلما .
فان قلت : كيف يدل على أن الاسلام هو الايمان ؟ قلت : لان كل من قال إن العمل داخل في مسمى الاسلام ، قال إن الاسلام هو الايمان .
فان قلت : لم يقل عليه السلام كما تقوله المعتزلة ، لانهم يقولون الاسلام اسم واقع على العمل وغيره من الاعتقاد والنطق باللسان ، وهو جعل الاسلام هو العمل .

__________________________________________________
( 1 ) نهج البلاغة عبده ط مصر ج 2 ص 171 ، تحت الرقم 125 من الحكم .

[314]


قلت : لا يجوز أن يريد غيره ، لان لفظ العمل يشمل الاعتقاد والنطق باللسان وحركات الاركان بالعبادات ، إذ كل ذلك عمل وفعل ، وإن كان بعضه من أفعال القلوب ، وبعضه من أفعال الجوارح ، والقول بأن الاسلام هو العمل بالاركان خاصة لم يقل به أحد ، انتهى ( 1 ) .
وقال ابن ميثم : هذا قياس مفصول مركب من قياسات ( 2 ) طويت نتائجها وينتج القياس الاول أن الاسلام هو اليقين ، والثاني أنه التصديق ، والثالث أنه الاقرار ، والرابع أنه الاداء ، والخامس أنه العمل أما المقدمة الاولى فلان الاسلام هو الدخول في الطاعة ، ويلزمه التسليم لله ، وصدق اللازم على ملزومه ظاهر ، وأما الثانية فلان التسليم الحق إنما يكون ممن تيقن استحقاق المطاع للتسليم له ، فاليقين من لوازم التسليم لله ، وأما الثالثة فلان اليقين بذلك مستلزم للتصديق بما جاء به على لسان رسوله ، من وجوب طاعته ، فصدق على اليقين به أنه تصديق له ، وأما الرابعة فلان التصديق لله في وجوب طاعته إقرار بصدق الله ، وأما الخامسة فلان الاقرار والاعتراف بوجوب أمر يستلزم أداء المقر المعترف لما أقر به ، وكان إقراره أداء لازما ، السادسة أن أداء ما اعترف به لله من الطاعة الواجبة لا يكون إلا عملا ، ويؤول حاصل هذا الترتيب إلى إنتاج أن الاسلام هو العمل لله ، بمقتضى أوامره ، وهو تفسير بالخاصة كما سبق بيانه انتهى ( 3 ) وكأن ما ذكرنا أنسب وأوفق .