5 - كا : عن محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن النعمان عن داود بن فرقد عن أبي عبدالله عليه السلام : قال : أخذ الله ميثاق المؤمن على أن لا تصدق مقالته ، ولا ينتصف من عدوه ، وما من مؤمن يشفي نفسه إلا بفضيحتها لان كل مؤمن ملجم ( 4 ) .
بيان : " على أن لا تصدق " أي على الصبر على أن لا تصدق مقالته في دولة الباطل ، أو أهل الباطل مطلقا ، والانتصاف الانتقام ، وفي القاموس : انتصف منه استوفى حقه منه كاملا حتى صار كل على النصف سواء ، كاستنصف منه " يشفي نفسه " يقال : شفاه يشفيه من باب ضرب فاشتفى هو ، وهو من الشفاء بمعنى البرء من الامراض ويستعمل في شفاء القلب من الامراض النفسانية والمكاره القلبية كما يستعمل في

__________________________________________________
( 1 ) ذكر هذا التوجيه بناء على نسخته " فظن أنما يعنى الخ " وأما على النسخة الكافى المطبوعة وهكذا المحاسن " فظن أنه انما يعنى " فانما بكسر الهمزة : والوجه ظاهر .
( 2 ) الانفال : 41 .
( 3 ) الكهف : 110 .
( 4 ) الكافى ج 2 ص 249 .

[216]


شفاء الجسم من الامراض البدنية وكون شفاء نفسه من غيظ العدو موجبا لفضيحتها ظاهر ، لان الانتقام من العدو مع عدم القدرة عليه يوجب الفضيحة والمذلة ، و مزيد الاهانة ، والضمير في " بفضيحتها " راجع إلى النفس " لان كل مؤمن ملجم " قيل يعني إذا أراد المؤمن أن يشفي غيظه بالانتقام من عدوه افتضح وذلك لانه ليس بمطلق العنان خليع العذار ( 1 ) يقول ما يشاء ويفعل ما يريد ، إذ هو مأمور بالتقية والكتمان ، والخوف من العصيان ، والخشية من الرحمان ، ولان زمام أمره بيد الله سبحانه لانه فوض أمره إليه ، فيفعل به ما يشاء مما فيه مصلحته وقيل أي ممنوع من الكلام الذي يصير سببا لحصول مطالبه الدنيوية في دولة الباطل .
وأقول : يحتمل أن يكون المعنى أنه ألجمه الله في الدنيا ، فلا يقدر على الانتقام في دول اللئام أو ينبغي أن يلجم نفسه ويمنعها عن الكلام ، أي الفعل الذي يخالف التقية كما مر ، وقال في النهاية : فيه من سئل عما يعلمه فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة : الممسك عن الكلام ممثل بمن ألجم نفسه بلجام ، ومنه الحديث يبلغ العرق منهم ما يلجمهم ، أي يصل إلى أفواههم ، فيصير لهم بمنزلة اللجام يمنعهم عن الكلام .
6 - كا : عن العدة ، عن سهل بن زياد ; ومحمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد جميعا عن ابن محبوب ، عن أبي حمزة الثمالي ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن الله أخذ ميثاق المؤمن على بلايا أربع أشدها عليه مؤمن يقول بقوله يحسده ، أو منافق يقفو أثره ، أو شيطان يغويه ، أو كافر يرى جهاده فما بقاء المؤمن بعد هذا ( 2 ) .

__________________________________________________
( 1 ) العذار - بالكسر - ماسال من اللجام على خد الفرس ، أو ما يضم حبل الخطام إلى رأس البعير ، ويكنى عنه بالحياء ، يقال للمنهمك في الغى المتبع هواه : خلع عذاره أى الحياء ، يعنى أنه يقول ويفعل وما يبالى بشي ء كالدابة بلارسن ، تجمح وتطمح .
( 2 ) الكافى ج 2 ص 249 .

[217]


بيان : " على بلايا أربع " قيل أي إحدى بلايا للعطف بأو ، وللحديث الرابع ( 1 ) وأربع مجرور صفة للبلايا " وأشدها " خبر متبدأ محذوف أي هي أشدها ، والضمير المحذوف راجع إلى " إحدى " والضمير المجرور راجع إلى البلايا ، و " مؤمن " مرفوع وهو بدل أشدها ، وإبدال النكرة من المعرفة جائز إذا كانت النكرة موصوفة نحو قوله تعالى : " بالناصية كاذبة " ( 2 ) و " أو منافق " عطف على أشدها ، وفي بعض النسخ " أيسرها " وقال بعضهم : أيسرها صفة لبلايا أربع ، وفيه إشعار بأن للمؤمن بلايا اخر أشد منها ، قال : وفي بعض النسخ أشدها بدل أيسرها فيفيد أن هذه الاربع أشد بلاياه ، وقوله : " مؤمن " خبر مبتدأ محذوف أي هو مؤمن ، وقيل إن أيسرها مبتدأ ومؤمن خبره وإن أشدها أولى من أيسرها ، لئلا ينا في قوله عليه السلام ، فيما بعد : " ومؤمن يحسده وهو أشد هن عليه " ( 3 ) و " مؤمنا يحسده وهو أشد هم عليه " ( 4 ) وفيه أن أيسرها أو أشدها صفة لما تقدم فلا يتم ما ذكر وكون هذه الاربع أيسر من غيرها لا ينافي أن يكون بعضها أشد من بعض ، ولو جعل مبتدأ كما زعم لزم أن لا يكون المؤمن الحاسد أشد من المنافق ، وما بعده وهو مناف لما سيأتي .
وأقول : يمكن أن يكون أو للجمع المطلق بمعنى الواو ، فال نحتاج إلى تقدير إحدى ، ويكون أشدها مبتدءا ومؤمن خبره ، وعبر عن الاول بهذه العبارة لبيان الاشدية ، ثم عطف عليه ما بعده كأنه عطف على المعنى ولكل من الوجوه السابقة وجه ، وكون مؤمن بدل أشدها أوجه .
" يقول بقوله " أي يعتقد مذهبه ، ويدعي التشيع ، لكنه ليس بمؤمن كامل

__________________________________________________
( 1 ) يعنى الحديث الرابع في باب ما أخذه الله على المؤمن لكتاب الايمان والكفر من الكافى ، وهو الذى يأتى تحت الرقم 8 .
( 2 ) العلق : 15 و 16 .
( 3 ) يعنى في الحديث الاتى تحت الرقم 8 .
( 4 ) يعنى في الحديث الاتى تحت الرقم 12 .

[218]


بل يغلبه الحسد " أو منافق يقفو أثره " أي يتبعه ظاهرا وإن كان منافقا أو يتتبع عيوبه فيذكرها للناس ، وهو أظهر " أو شيطان " أي شيطان الجن أو الاعم منه ومن شيطان الانس " يغويه " أي يريد إغواءه وإضلاله عن سبيل الحق بالوساوس الباطلة كما قال تعالى حاكيا عن الشيطان : " لاقعدن لهم صراطك المستقيم " ( 1 ) الاية وقال سبحانه : " وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الانس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا " ( 2 ) وقال : " وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون " ، ( 3 ) وربما يقرأ يغويه على بناء التفعيل ، أي ينسبه إلى الغواية وهو بعيد " أو كافر يرى جهاده " أي لازما فيضره بكل وجه يمكنه " فما بقاء المؤمن بعد هذا " استفهام إنكار أي كيف يبقى المؤمن على إيمانه بعد الذي ذكرنا ، ولذا قل عدد المؤمنين ، أو لايبقى في الدنيا بعد هذه البلايا والهموم والغموم ، أو لا يبقى جنس المؤمن في الدنيا إلا قليل منهم .
7 - كا : عن العدة ، عن البرقي ، عن ابن عيسى ، عن ابن مسكان ، عن أبي عبدالله عليه السلام : قال : ما أفلت المؤمن من واحدة من ثلاث ولربما اجتمعت الثلاثة عليه : إما بعض من يكون معه في الدار يغلق عليه بابه يؤذيه ، أو جاره يؤذيه ، أو من في طريقه إلى حوائجه يؤذيه ، ولو أن مؤمنا على قلة جبل لبعث الله عزوجل إليه شيطانا يؤذيه ، ويجعل الله له من إيمانه انسا لا يستوحش معه إلى أحد .
بيان : " ما أفلت المؤمن " أي ما تخلص ، في المصباح أفلت الطائر وغيره إفلاتا تخلص وأفلته إذا أطلقته وخلصته ، يستعمل لازما ومتعديا ، والظاهر أن " بعض " مبتدأ و " يؤذيه " خبره ، ويحتمل أن يكون بعض خبر مبتدأ محذوف ويؤذيه صفة أو حالا و " يغلق " على بناء المجهول أو المعلوم والاول أظهر فبابه نائب الفاعل ، و ضمير عليه راجع إلى ما يرجع إلى المستتر في يكون وجملة يغلق حال ، عن ضمير

__________________________________________________
( 1 ) الاعراف : 16 .
( 2 ) الانعام : 112 .
( 3 ) الانعام : 121 .

[219]


يكون أي داخل في داره يكون معه ، فيها ، والمراد بالشيطان إما شيطان الجن لان معارضته للمؤمن أكثر أو شيطان الانس ، وذكروا لتسليط الشياطين والكفرة على المؤمنين وجوها من الحكمة : الاول أنه لكفارة ذنوبه ، الثاني أنه لاختباره صبره وإدراجه في الصابرين ، الثالث أنه لتزهيده في الدنيا لئلا يفتتن بها ويطمئن إليها فيشق عليه الخروج منها ، الرابع توسله إلى جناب الحق سبحانه في الضراء ، و سلوكه مسلك الدعاء ، لدفع ما يصيبه من البلاء ، فترتفع بذلك درجته ، الخامس وحشته عن المخلوقين وانسه برب العالمين ، السادس إكرامه برفع الدرجة التي لا يبلغها الانسان بكسبه ، لانه ممنوع من إيلام نفسه شرعا وطبعا ، فاذا سلط عليه في ذلك غيره أدرك ما لا يصل إليه بفعله كدرجة الشهادة مثلا ، السابع تشديد عقوبة العدو في الاخرة ، فانه يوجب سرور المؤمنين به .
والغرض من هذا الحديث وأمثاله حث المؤمن على الاستعداد لتحمل النوائب والمصائب وأنواع البلاء بالصبر والشكر ، والرضا بالقضاء .
8 - كا : عن العدة ، عن سهل بن زياد ، عن ابن أبي نصر ، عن داود بن سرحان قال : سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول : أربع لا يخلو منهن المؤمن أو واحدة منهن مؤمن يحسده ، وهو أشد هن عليه ، ومنافق يقفو أثره ، أو عدو يجاهده ، أو شيطان يغويه ( 1 ) .
بيان : " أربع " أي أربع خصال " أوواحدة " أي أو من واحدة " مؤمن يحسده " أي حسد مؤمن " وهو أشد هن عليه " لان صدور الشر من القريب المجانس أشد وأعظم من صدوره من البعيد المخالف ، لتوقع الخير من الاول دون الثاني " أو عدو " أي مجاهر بالعداوة يجاهده بلسانه ويده .
9 - كا : عن العدة ، عن البرقي ، عن عثمان بن عيسى ، عن محمد بن عجلان قال : كنت عند أبي عبدالله عليه السلام : فشكا إليه رجل الحاجة ، فقال : اصبر فان الله سيجعل لك فرجا ، قال : ثم سكت ساعة ، ثم أقبل على الرجل فقال : أخبرني

__________________________________________________
( 1 ) الكافى ج 2 ص 250 .

[220]


عن سجن الكوفة كيف هو ؟ فقال : أصلحك الله ضيق منتن وأهله بأسوء حال ، قال : فانما أنت في السجن فتريد أن تكون فيه في سعة ؟ أما علمت أن الدنيا سجن المؤمن ( 1 ) .
محص : عن ابن عجلان مثله إلا أن فيه فقال : أصلحك الله فيه أصحابه بأسوء حال .
بيان : " فان الله سيجعل لك فرجا " أي بتهيئة أساب الرزق كما قال سبحانه : " سيجعل الله بعد عسر يسرا " ، وقال : " ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب " ( 2 ) أو بالموت فان للمؤمن بعده السرور والراحة والحبور كما يومئ إليه ما بعده " الدنيا سجن المؤمن " هذا الحديث مع تتمة " وجنة الكافر " منقول من طرق الخاصة والعامة قال الراوندي ره في ضوء الشهاب بعد نقل هذه الرواية : شبه رسول الله صلى الله عليه وآله المؤمن بالمسجون ، من حيث هو ملجم بالاوامر والنواهي مضيق عليه في الدنيا ، مقبوض على يده فيها ، مخوف بسياط العقاب ، مبتلى بالشهوات ، ممتحن بالمصائب ، بخلاف الكافر الذي هو مخلوع العذار ، متمكن من شهوات البطن والفرج ، بطيبة من قلبه ، وانشراح من صدره ، مخلى بينه وبين ما يريد ، على ما يسول له الشيطان ، لا ضيق عليه ، ولا منع ، فهو يغدو فيها و يروح ، على حسب مراده وشهوة فؤاده ، فالدنيا كأنها جنة له يتمتع بملاذها ، و يتمتع بنعيمها كما أنها كالسجن للمؤمن ، صارفا له عن لذاته ، مانعا من شهواته وفي الحديث أنه قال صلى الله عليه وآله لفاطمة عليها السلام : يا فاطمة تجرعي مرارة الدنيا لحلاوة الاخرة ، وروي أن يهوديا تعرض للحسن بن علي عليهما السلام وهو في شظف ( 3 ) من حاله وكسوف من باله ، والحسن عليه السلام راكب بغلة فارهة عليه ثياب حسنة

__________________________________________________
( 1 ) الكافى ج 2 ص 250 .
( 2 ) الطلاق الاية 7 و 2 .
( 3 ) الشظف - محركة - ضيق العيش وشدته ، يقال : هو في شظف من العيش : أي ضيقه .

[221]


فقال : جدك يقول : إن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ، فأنا في السجن وأنت في الجنة فقال عليه السلام : لو علمت مالك وما يرقب لك من العذاب ، لعلمت أنك مع هذا الضر ههنا في الجنة ، ولو نظرت إلى ما أعد لي في الاخرة لعلمت أني معذب في السجن ههنا انتهى .
وأقول : فالكلام يحتمل وجهين أحدهما أن تكون المعنى أن المؤمن غالبا في الدنيا بسوء حال وتعب وخوف ، والكافر غالبا في سعة وأمن ورفاهية ، فلا ينافي كون المؤمن نادرا بحال حسن ، والكافر نادرا بمشقة ، وثانيهما أن يكون المعنى أن المؤن في الدنيا كأنه في سجن لانه بالنظر إلى حاله في الاخرة وما أعد الله له من النعيم كأنه في سجن ، وإن كان بأحسن الاحوال بالنظر إلى أهل الدنيا ، و الكافر بعكس ذلك لان نعيمه منحصر في الدنيا ، وليس له في الاخرة إلا أشد العذاب ، فالدنيا جنته ، وإن كان بأسوء الاحوال ، وظهر وجه آخر مما ذكرنا سابقا .
10 - كا : عن محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن ابن سنان ، عن عمار بن مروان ، عن سماعة بن مهران ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : إن الله جعل وليه في الدينا غرضا لعدوه ( 1 ) .
بيان : " الغرض " بالتحريك هدف يرمى فيه أي جعل محبه في الدنيا هدفا لسهام عداوة عدوه ، وحيله وشروره .
- 11 كا : عن العدة عن البرقي ، عن محمد بن علي ، عن إبراهيم الحذاء
-بحار الانوار مجلد: 61 من ص 221 سطر 19 الى ص 229 سطر 18 عن محمد بن صغير ، عن جده شعيب قال : سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول : الدنيا سجن المؤمن فأي سجن جاء منه خير ( 2 ) .
ييان : فأي سجن استفهام للانكار ، والمعنى أنه ينبغي للمؤمن أن لا يتوقع الرفاهية في الدنيا .
12 - كا : عن علي ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن عبدالله بن سنان ، عن

__________________________________________________
( 1 و 2 ) الكافى ج 2 ص 250 .

[222]


أبي عبدالله عليه السلام قال : ما من مؤمن إلا وقد وكل الله به أربعة : شيطانا يغويه يريد أن يضله ، وكافرا يقاتله ، ومؤمنا يحسده ، هو أشد هم عليه ، ومنافقا يتبع عثراته ( 1 ) .
بيان : " يريد أن يضله " بيان ليغويه لئلا يتوهم أنه يقبل إغواءه ويؤثر فيه ، بل إنما ابتلاؤه به بسبب أنه يوسوسه وهو يشتغل بمعارضته ، وقد مر أن الشيطان يحتمل الجن والانس والاعم ، " وكافرا يقاتله " وفي بعض النسخ " يغتاله " وفي المصباح غاله غولا من باب قال : أهلكه ، واغتاله قتله على غرة ، والاسم الغيلة بالكسر " يتبع " كيعلم أو على بناء الافتعال ، أي يتفحص ويتطلب عثراته أي معاصيه التي تصدر عنه أحيانا على الغفلة وعيوبه .
13 - كا : عن العدة ، عن سهل بن زياد ، عن ابن محبوب ، عن عمرو بن شمر عن جابر ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : سمعته يقول : إذا مات المؤمن خلي على جيرانه من الشياطين عدد ربيعة ومضر ، كانوا مشتغلين به ( 2 ) .
بيان : " خلي على جيرانه " على بناء المعلوم والاسناد مجازي لان موته صار سببا لاشتغال شياطينه بجيرانه ، أو هو على بناء المجول ، والتعدية بعلى ، لتضمين معنى الاستيلاء أي ترك على جيرانه أو خلي بين الشياطين المشتغلين به أيام حياته و بين جيرانه ، والحاصل أن الشياطين كانوا مشغولين بإضلاله ووسوسته ، لان إضلاله كان أهم عندهم ، أو بايذائه وحث الناس عليه ، فاذا مات تفرقوا على جيرانه لا ضلالهم أو إيذائهم ، وقيل : الباء للسببية وضمير كانوا إما راجع إلى الشياطين أو الجيران ، أي كان الشياطين ممنوعين عن إضلال الجيران بسببه ، لانه كان يعظهم ويهديهم ، أو كان الجيران ممنوعين عن المعاصي بسببه ، وكأنه دعاه إلى ذلك قال الجوهري : يقال : شغلت بكذا على مالم يسم فاعله ، واشتغلت .
ولا يخفى ما فيه و " ربيعة " كقبيلة و " مضر " كصرد قبيلتان عظيمتان من العرب يضرب بهما المثل في الكثرة ، وهما في النسب ابنا نزار بن معد بن عدنان ، ومضر الجد السابع

__________________________________________________
( 1 و 2 ) المصدر ج 2 ص 251 .

[223]


عشر للنبي صلى الله عليه وآله .
14 - كا : عن العدة ، عن سهل ، عن يحيى بن المبارك ، عن عبدالله بن جبلة عن إسحاق بن عمار ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : ما كان ولا يكون وليس بكائن مؤمن إلا وله جار يؤذيه ، ولو أن مؤمنا في جزيرة من جزائر البحر لانبعث له من يؤذيه ( 1 ) .
محص : عن إسحاق مثله .
بيان : كأن المراد بالجار هنا أعم من جار الدار والرفيق والمعامل والمصاحب وفي الحديث الجار إلى أربعين دارا " لانبعث له " أي من الشيطان ، وفي بعض النسخ " لابتعث الله له " كما في التمحيص فالاسناد على المجاز ، يقال بعثه كمنعه أرسله كابتعثه فانبعث .
15 - كا : عن محمد بن يحيى ، عن ابن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن أبي أيوب ، عن إسحاق بن عمار ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : ما كان فيما مضى ولا فيما بقي ولا فيما أنتم فيه ، مؤمن إلا وله جار يؤذيه ( 2 ) .
بيان : " ولا فيما بقي " أي فيما يأتي " ولا فيما أنتم فيه " أي وليس فيما أنتم فيه .
16 - كا : عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن معاوية ابن عمار ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : سمعته يقول : ما كان ولا يكون إلى أن يقوم الساعة مؤمن إلا وله جار يؤذيه ( 3 ) .
17 - شى : عن أبي خالد الكابلي قال : قال علي بن الحسين عليه السلام : لوددت أنه اذن لي فكلمت الناس ثلاثا ثم صنع الله بي ما أحب ، قال بيده على صدره ثم قال : ولكنها عزمة من الله أن نصبر ; ثم تلا هذه الاية " ولتسمعن من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وأن تبصروا وتتقوا فان ذلك

__________________________________________________
( 1 و 2 ) المصدر ج 2 ص 251 .
( 3 ) المصدر ج 2 ص 252 .

[224]


من عزم الامور " وأقبل يرفع يده ويضعها على صدره ( 1 ) بيان : الغرض أن الله تعالى لم يؤذن لنا في دولة الباطل أن نظهر الحق علانية ، ونخرج ما في صدورنا من علوم لا يحتملها الناس ، ولو كنا مأذونين لاظهر ناها ولم نبال بما أصابنا منهم ، ولكن الله عزم علينا بالصبر والتقية في دول الظالمين ، و لذا أشار عليه السلام بيده إلى صدره ، فان العلم مكتوم فيه ، كما قال أميرالمؤمنين عليه السلام : إن ههنا لعلما جما لو وجدت له حملة ( 2 ) .
18 - ل : عن ابن الوليد ، عن الصفار ، عن ابن يزيد ، عن محمد بن سنان يرفعه إلى أبي عبدالله عليه السلام قال : أخذ الله ميثاق المؤمن على أن لا يقبل قوله ، و لا يصدق حديثه ، ولا ينتصف من عدوه ، ولا يشفي غيظه إلا بفضيحة نفسه ، لان كل مومن ملجم ( 3 ) .
19 - ل : عن أبيه ، عن سعد ، عن ابن أبي الخطاب ، عن ابن أسباط ، عن مالك عن مسمع بن مالك ، عن سماعة ، عن أبي عبدالله عليه السلام أنه قال : يا سماعة لا ينفك المؤمن من خصال أربع : من جار يؤذيه ، وشيطان يغويه ، ومنافق يقفو أثره ، ومؤمن يحسده ثم قال : يا سماعة أما إنه أشدهم عليه ، قلت : كيف ذاك ؟ قال : إنه يقول فيه القول فيصدق عليه ( 4 ) .

__________________________________________________
( 1 ) تفسير العياشى ج 1 ص 210 ، والاية في آل عمران 186 .
( 2 ) نهج البلاغة - عبده - ج 2 ص 178 .
( 3 و 4 ) الخصال ج 1 ص 109 .

[225]



باب 24 : الفرق بين الايمان والاسلام وبيان معانيهما ، وبعض شرائطهما

الايات البقرة : ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا امة مسلمة لك - إلى قوله تعالى - إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين * ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون * أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون ( 1 ) .
وقال عزوجل : يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين ( 2 ) .
آل عمران : إن الدين عند الله الاسلام - إلى قوله تعالى - : فان حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين اوتو الكتاب والاميين ءأسلمتم فان أسلموا فقد اهتدوا ( 3 ) .
وقال سبحانه : قال الحواريون نحن انصارالله آمنا الله واشهد بأنا مسلمون - إلى قوله تعالى - وقل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فان تولوا فقولوا اشهدو بأنا مسلمون ( 4 ) .
وقال سبحانه : ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين ( 5 ) .

__________________________________________________
( 1 ) البقرة : 128 - 133 .
( 2 ) البقرة : 208 .