ويؤيده الحديث المشهور عن النبي صلى الله عليه وآله الارواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف ، وهذا الخبر وإن كان عاميا لكن ورد مثله في أخبارنا بأسانيد جمة .
منها ما روى الصفار في البصائر بأسانيد عن أبي عبدالله عليه السلام قال : جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال : والله يا أمير المؤمنين إني لاحبك ، فقال : كذبت ، فقال الرجل : سبحان الله كأنك تعرف ما في قلبي ، فقال علي عليه السلام : إن الله خلق الارواح قبل الابدان بألفي عام ثم عرضهم علينا ، فأين كنت لم أرك ؟ ( 2 ) .
وعن عمارة قال : كنت جالسا عند أمير المؤمنين عليه السلام إذ أقبل رجل فسلم عليه ، ثم قال : يا أمير المؤمنين والله إني لاحبك ، فسأله ثم قال له : إن الارواح خلقت قبل الابدان بألفي عام ثم اسكنت الهواء ، فما تعارف منها ثم ائتلف ههنا ، و
-بحار الانوار مجلد: 61 من ص 205 سطر 19 الى ص 213 سطر 18 ما تناكر منها ثم اختلف ههنا ، وإن روحي أنكر روحك ( 3 ) .
وبسنده أيضا عن أبي عبدالله عليه السلام مثله إلا أنه قال : إن الله خلق الارواح قبل الابدان بألفي عام ، فأسكنها الهواء ، ثم عرضها علينا أهل البيت ، فوالله ما منها روح إلا وقد عرفنا بدنه ، فوالله ما رأيتك فيها فأين كنت ؟ ( 4 ) .
__________________________________________________
( 1 ) الكافى ج 2 ص 168 .
( 2 - 4 ) بصائر الدرجات ص 87 و 88 .
[206]
وروي الصدوق - ره - في العلل بسند موثق عن أبي عبدالله عليه السلام قال : إن الارواح جنود مجندة ، فما تعارف منها في الميثاق ائتلف ههنا ، وما تناكر منها في الميثاق اختلف ههنا ( 1 ) .
وروى بسند آخر عنه عليه السلام أنه قال لرجل من أصحابه : ما تقول في الارواح أنها جنود مجندة ، فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف ؟ قال : فقلت : إنا نقول ذلك ، قال : فانه كذلك إن الله عزوجل أخذ على العباد ميثاقهم وهم أظلة قبل الميلاد ، وهو قوله عزوجل " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم " ( 2 ) ، الاية قال : فمن أقر له يومئذ جاءت الفته ههنا ومن أنكره يومئذ جاء خلافه ههنا .
وقال ابن الاثير في النهاية : فيه الارواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ، مجندة أي مجموعة ، كما يقال الوف مؤلفة ، وفناطير مقنطرة ، ومعناه الاخبار عن مبدء كون الارواح وتقدمها على الاجساد ، أي أنها حلقت أول خلقها على قسمين من ائتلاف واختلاف ، كالجنود المجموعة إذا تقابلت وتواجهت ، ومعنى تقابل الارواح ما جعلها الله عليه من السعادة والشقاوة والاخلاق في مبدء الخلق ، يقول إن الاجساد التي فيها الارواح تلتقي في الدنيا ، فتأتلف وتختلف على حسب ما خلقت عليه ، ولهذا ترى الخير ، يحب الاخيار ويميل إليهم والشرير يحب الاشرار ويميل إليهم انتهى .
وقال الخطابي : خلقت قبلها تلتقي فلما التبست بالابدان تعارفت بالذكر الاول انتهى .
وأقول : استدل بهذا الحديث على أمرين : الاول خلق الارواح قبل الابدان والثاني أن الارواح الانسانية مختلفة في الحقيقة وقد أشبعنا القول في هذه المطالب في كتاب السماء والعالم .
__________________________________________________
( 1 ) علل الشرائع ج 1 ص 79 ، بتفاوت والذى يأتى بعده في ص 80 من المصدر .
( 2 ) الاعراف : 172 .
[207]
الثانى : ما قيل إن المعنى أنكم لم تتواخوا على التشيع إذ لو كان كذلك لجرت بينكم جميعا المواخاة وأداء الحقوق ، وليس كذلك ، بل إنما أنتم متعارفون على التشيع ، يعرف بعضكم بعضا عليه من دون مواخاة وعلى هذا يجوز أن يكون الحديث واردا مورد الانكار ، وأن يكون واقعا موقع الاخبار ، أو المعنى أن مجرد القول بالتشيع لا يوجب التواخي بينكم ، وإنما يوجب التعارف بينكم وأما التواخي فانما يوجبه امور اخر غير ذلك لا يجب بدونها .
الثالث : أن المعنى انه لم تكن مواخاتكم بعد حدوث هذا المذهب ، و أتصافكم به ، ولكن كانت في حال الولادة وقبلها وبعدها ، فان المواخاة بسبب اتحاد منشأ الطين والارواح كما مر ، وهذا يرجع إلى الوجه الاول أو قريب منه .
11 - كا : عن علي ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن كليب بن معاوية الصيداوي قال : قال لي أبوعبدالله عليه السلام : إياكم والناس ، إن الله عزوجل إذا أراد بعبد خيرا نكت في قلبه نكتة فتركه وهو يجول لذلك ويطلبه ، ثم قال : لو أنكم إذا كلمتم الناس قلتم : ذهبنا حيث ذهب الله ، واخترنا من اختار الله واختار الله محمدا واخترنا آل محمد صلى الله عليه وآله ( 1 ) .
بيان : " إياكم والناس " أي احذروا دعوتهم في زمن شدة التقية ، وعلل ذلك بأن من كان قابلا للهداية وأراد الله ذلك به " نكت في قلبه نكتة " من نور كناية عن أنه يلقي في قله ما يصير به طالبا للحق متهيئا لقبوله ، في القاموس : النكت أن تضرب في الارض بقضيب فيؤثر فيها ، والنكتة بالضم النقطة ، ثم بين عليه السلام طريقا لينا لمعارضتهم ، والاحتجاج عليهم وهدايتهم ، بحيث لا يصير سببا لمزيد تعصبهم وإضرارهم ، ولا يتضمن التصريح بكفرهم وضلالتهم ، بأن قال : " لو أنكم " و " لو " للتمني و " قلتم " جواب " إذا " " حيث ذهب الله " أي حيث أمر الله بالذهاب إليه " واخترنا من اختار الله " أي اخترنا الامامة من أهل بيت اختارهم الله فان النبي
__________________________________________________
( 1 ) الكافى ج 2 ص 212 .
[208]
مختار الله ، والعقل يحكم بأن أهل بيت المختار إذا كانوا قابلين للامامة أولى من غيرهم ، وهذا دليل إقناعي تقبله طباع أكثر الخلق ( 1 ) .
12 - كا : عن محمد بن يحيى ، عن ابن عيسى ، عن محمد بن إسماعيل ، عن أبي إسماعيل السراج ، عن ابن مسكان ، عن ثابت بن أبي سعيدة قال : قال لي أبوعبدالله عليه السلام : يا ثابت مالكم وللناس ؟ كفوا عن الناس ولا تدعوا أحدا إلى أمركم ، فوالله لو أن أهل السماء وأهل الارض اجتمعوا على أن يضلوا عبدا يريد الله هداه ما استطاعوا ، كفوا عن الناس ولا يقول أحدكم أخي وابن عمي وجاري ، فان الله عزوجل إذا أراد بعبد خيرا طيب روحه ، فلا يسمع بمعروف إلا عرفه ، ولا بمنكر إلا أنكره ، ثم يقذف الله في قلبه كلمة يجمع بها أمره ( 2 ) .
بيان : قد مر أمثاله في كتاب العدل ، وقد تكلمنا هناك في معنى الهداية والاضلال ، وفهم هذه الاخبار في غاية الاشكال ، ومنهم من أول إرادة الهداية بالعلم أو التوفيق والتأييد الذي استحق بحسن اختياره " ولا يقول أحد كم أخي " أي هذا أخي ترحما عليه ، لارادة هدايته " طيب روحه " أي جعلها قابلة لفهم الحق و قبوله ، إما في بدو الخلق أو بعده في عالم الاجساد ، والكلمة التي يقذفها في قلبه هي اعتقاد الامامة ، فإنها جامعة لاصلاح جميع اموره في الدارين ، ولا يشتبه عليه أمر من الامور .
13 - كا : عن أبي علي الاشعري ، عن محمد بن عبدالجبار ، عن صفوان ين يحيى عن محمد بن مروان ، عن الفضيل قال : قلت لابي عبدالله عليه السلام : ندعو الناس إلى هذا الامر ؟ فقال : يا فضيل إن الله إذا أراد بعبد خيرا أمر ملكا فأخذ بعنقه حتى أدخله
__________________________________________________
( 1 ) ولعل المراد : قولوا ذهبنا إلى بيت ذهب الله اليه وهو بيت عبدالمطلب ، واخترنا من ذالك البيت من اختاره الله ، وهو محمد صلى الله عليه وآله ، فلما ذهب محمد " ص " لم نرجع عن ذلك البيت ، بل اخترنا من ذلك البيت المختار من كان تاليا له صلى الله عليه وآله يصلح لان يقوم مقامه وهو على بن أبى طالب رأس العترة الطاهرة .
( 2 ) الكافى ج 2 ص 213 .
[209]
في هذا الامر طائعا أو كارها ( 1 ) .
14 - كا : عن محمد ين يحيى ، عن ابن عيسى ، عن ابن فضال ، عن علي بن عقبة ، عن أبيه قال : قال أبوعبدالله عليه السلام : اجعلوا أمركم هذا لله ، ولا تجعلوه للناس ، فانه ما كان لله فهو لله ، وما كان للناس فلا يصعد إلى السماء ، ولا تخاصموا بدينكم الناس ، فان المخاصمة ممرضة للقلب ، إن الله عزوجل قال لنبيه صلى الله عليه وآله : " إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء " وقال : " أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين " ( 2 ) ذرو الناس فان الناس أخذوا عن الناس ، وإنكم أخذتم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام ولا سواء وإنني سمعت أبي يقول : إذا كتب الله على عبد أن يدخله في هذا الامر كان أسرع إليه من الطير إلى وكره ( 3 ) .
تبيان : " اجعلوا أمركم هذا " أي دينكم ودعوتكم الناس إليه " لله " بأن تدعوا الناس إليه في مقام تعلمون رضى الله فيه ، ولا تدعوا في مقام التقية فانه نهى الله عنه " ولا تجعلوه للناس " باظهار الفضل ، وحب الغلبة على الخصم ، والعصبية فتدعوهم في مقام التقيه أيضا فيعود ضرره عليكم وعلينا ، فانه " ما كان لله " أي خالصا لوجهه تعالى " فهو لله " أي يقبله الله ، ويثيب عليه ، أو ما كان لله في الدنيا فهو لله في الاخرة ، ومآلهما واحد " فلا يصعد إلى السماء " أي لا يقبل ، إشارة إلى قوله تعالى " إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه " ( 4 ) " ولا تخاصموا بدينكم " أي لا تجادلوا مجادلة يكون غرضكم فيها المغالبة والمعاندة ، بالقاء الشبهات الفاسدة ، لا ظهور الحق ، فان المخاصمة على هذا الوجه تمرض القلب بالشك والشبهة ، والاغراض الباطلة ، وإن كان غرضكم إجبارهم على الهداية ، فانها ليست بيدكم كما قال تعالى لنبيه : " إنك لا تهدى من أحببت " وقال " أفأنت تكره الناس " .
وقوله عليه السلام " ذروا الناس " يحتمل أن يكون المراد به أن غرضكم من
__________________________________________________
( 1 و 3 ) الكافى ج 2 ص 213 .
( 2 ) القصص : 56 .
يونس : 99 .
( 4 ) فاطر : 10 .
[210]
المجادلة إن كان ظهور الحق لكم فلا حاجة لكم إلى ذلك ، فان حقيتكم أظهر من ذلك ، فانكم أخذتم دينكم عن الله بالايات المحكمات ، وعن رسول الله صلى الله عليه وآله بالاخبار المتواترة من الجانبين ، وعن علي عليه السلام المقبول من الطرفين ، وهم أخذوا من الاخبار الموضوعة المنمية إلى النواصب والمعاندين ، والشبهات الواهية التي يظهر بأدنى تأمل بطلانها ، ولا سواء مأخذكم ومأذخهم ، ووكر الطائر عشه .
15 - كا : عن علي ، عن أبيه ، عن عثمان بن عيسى ، عن ابن اذينه ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : إن الله عزوجل خلق قوما للحق فاذا مر بهم الباب من الحق قبلته قلوبهم وإن كانوا لا يعرفونه ، وإذا مر بهم الباطل أنكرته قلوبهم وإن كانوا لا يعرفونه ، وخلق قوما لغير ذلك ، فاذا مر بهم الباب من الحق أنكرته قلوبهم وإن كانوا لا يعرفونه ، وإذا مر بهم الباب من الباطل قبلته قلوبهم وإن كانوا لا يعرفونه ( 1 ) .
بيان : " خلق قوما للحق " كأن اللام للعاقبة ، أي عالما بأنهم يختارون الحق أو يختارون خلافه " وإن كانوا لا يعرفونه " قيل هذا مبني على أنه قد يحكم الانسان بأمر ويذعن به ، وهو مبني على مقدمة مر كوزة في نفسه لا يعلم بها أو بابتناء إذعانه عليها ، والغرض من ذكره في هذا الباب أن السعي لا مدخل له كثيرا في الهداية وإنما هو لتحصيل الثواب فلا ينبغي فعله في موضع التقية لعدم ترتب الثواب عليه .
16 - كا : عن علي ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن عبدالحميد بن أبي العلا عن أبي عبدالله عليه السلام قال : إن الله عزوجل إذا أراد بعبد خيرا نكت في قلبه نكتة من نور ، فأضاء لها سمعه وقلبه ، حتى يكون أحرص على ما في أيديكم منكم وإذا أراد بعبد سوءا نكت في قلبه نكتة سوداء فأظلم لها سمعه وقلبه ، ثم تلا هذه الاية " فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء " ( 2 ) .
__________________________________________________
( 1 ) الكافى ج 2 ص 214 .
( 2 ) المصدر نفسه ، والاية في الانعام : 125 .
[211]
بيان : كأن النكت في الاول كناية عن التوفيق لقبول الحق أو إفاضة علم يقيني ينتقش فيه " فأضاء له سمعه وقلبه " أي يسمع الحق ويقبله بسهولة ، ويصير طالبا لدين الحق ، وفي الثاني كناية عن منع اللطف منه ، لعدم استحقاقه لذلك فيخلي بينه وبين الشيطان ، فينكت في قلبه الشكوك والشبهات " فمن يرد الله أن يهديه " قيل أي يعرفه طريق الحق ويوفقه للايمان " يشرح صدره للاسلام " فيتسع له ويفسح ما فيه مجاله ، وهو كناية عن جعل النفس قابلة للحق مهيأة لحلوله فيها مصفاة عما يمنعه وينافيه " ومن يرد أن يضله " أي يمنع عنه لطفه " يجعل صدره ضيقا حرجا " بحيث ينبو عن قبول الحق فلا يدخله الايمان " كأنما يصعد في السماء " شبهه مبالغه في ضيق صدره بمن يزاول ما لا يقدر عليه ، فان صعود السماء مثل فيما يبعد عن الاستطاعة .
17 - كا : عن علي ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن محمد بن حمران ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : إن الله إذا أراد بعبد خيرا نكت في قلبه نكتة بيضاء ، وفتح مسامع قلبه ، ووكل به ملكا يسدده ، وإذا أراد بعبد سوءا نكت في قلبه نكتة سوداء وسد مسامع قلبه ، ووكل به شيطانا يضله ( 1 ) .
باب 23 : في أن السلامة والغنا في الدين ، وما أخذ على المؤمن من الصبر على ما يلحقه في الدين
1 - كا : عن محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن النعمان ، عن أيوب بن الحر ، عن أبي عبدالله عليه السلام في قول الله عزوجل " فوقاه الله سيئات ما مكروا " فقال : أما لقد بسطوا عليه وقتلوه ، ولكن أتدرون ما وقاه ؟ وقاه أن يفتنوه في دينه ( 2 ) .
__________________________________________________
( 1 ) الكافى ج 2 ص 214 .
( 2 ) الكافى ج 2 ص 215 ، والاية في غافر : 40 .
[212]
تبيان : " فوقاه الله " الضمير راجع إلى المؤمن آل فرعون ، حيث توكل على الله ، وفوض أمره إليه ، حين أراد فرعون قتله ، بعد أن أظهر إيمانه بموسى ووعظهم ودعاهم إلى الايمان فقال : " وافوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد * فوقاه الله سيئات ما مكروا " أي صرف الله عنه شدائد مكرهم ، قال بعض المفسرين : إنه جاء مع موسى حتى عبر البحر معه ، وقيل إنهم هموا بقتله فهرب إلى جبل فبعث فرعون رجلين في طلبه فوجداه قائما يصلي وحوله الوحوش صفوفا فخافا فرجعا هاربين ، والخبر يرد هذين القولين كما يرد قول من قال إن الضمير راجع إلى موسى عليه السلام ، ويدل على أنهم قتلوه " لقد بسطوا عليه " أي أيديهم في القاموس بسط يده مدها ، والملائكة باسطوا أيديهم أي مسلطون عليهم ، كما يقال بسطت يده عليه أي سلط عليه ، وفي بعض النسخ " سطوا عليه " في القاموس سطا عليه وبه سطوا وسطوة صال أو قهر بالبطش انتهى .
و " ما " في قوله " ما وقاه " موصولة أو استفهامية وفي القاموس الفتنة بالكسر الضلال والاثم والكفر والفضيحة ، والاضلال وفتنه يفتنه أوقعه في الفتنة كفتنه وأفتنه فهو مفتن ومفتون لازم متعد كافتتن فيهما .
2 - كا : عن علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى بن عبيد ، عن أبي جميلة قال : قال أبوعبدالله عليه السلام : كان في وصية أمير المؤمنين عليه السلام أصحابه : اعلموا أن القرآن هدى الليل والنهار ، ونور الليل المظلم ، على ما كان من جهد وفاقة ، فاذا حضرت بلية فاجعلوا أموالكم دون أنفسكم ، وإذا نزلت نازلة فاجعلوا أنفسكم دون دينكم فاعلموا أن الهالك من هلك دينه ، والحريب من حرب دينه ، ألا وإنه لا فقر بعد الجنة ، ألا وإنه لا غنى بعد النار ، لا يفك أسيرها ولا يبرأ ضريرها ( 1 ) .
تبيين : " هدى الليل والنهار " إضافة للمصدر إلى ظرف الزمان ، وقيل : يحتمل أن يكون الليل والنهار كناية عن الباطل والحق كما قال تعالى : " وهديناه النجدين " ( 2 ) " ونور الليل المظلم " الظاهر أن الليل المظلم كناية عن زمان الشدة
__________________________________________________
( 1 ) الكافى ج 2 ص 216 .
( 2 ) البلد : 10 .
[213]
والبلاء ، فقوله " على ما كان " متعلق بالمظلم ، أي كونه مظلما بناء " على ما كان من جهد " أي مشقة وفاقة فالمعنى أن القرآن في أحوال الشدة والفاقة منور للقلب ، و مذهب للهم لما فيه من المواعظ والنصائح ، ولانه يورث الزهد في الدنيا فلا يبالي بما وقع فيها ، ويحتمل أن يكون المعنى أنه نور في ظلم الجهالة والضلالة ، وعلى أي حال كان من أحوال الدنيا ، من مشقة وفقر وغير ذلك ، أي ينبغي أن يرضى بالشدة والفاقة مع نور الحق والهداية ، و " من " في قوله " من جهد " للبيان أو التبعيض والتفريع في قوله " فإذا حضرت " بهذا ألصق وقال ابن ميثم : أراد بالفاقة الحاجة إلى ما ينبغي من الهداية والكمال النفساني ( 1 ) ولا يخفى ما فيه .
والمراد بالبلية ما يمكن دفعه بالمال ، وبالنازلة ما لا يمكن دفعه إلا ببذل النفس أو ببذل الدين ، أو البلية في امور الدنيا ، والنازلة في امور الاخرة ، والمراد بها مالا تقية فيه ، وإلا فالتقية واجبة " من هلك دينه " إما بذهابه بالمرة أو بنقصه بترك الفرائض وارتكاب الكبائر ، أو الاعم وفي المصباح حرب حربا من باب تعب اخذ جميع ما له فهو حريب ، وحرب على البناء للمفعول فهو محروب ، وفي القاموس حربه حربا كطلبه طلبا أسلب ماله فهو محروب وحريب ، والجمع حربى وحرباء ، وحريبته ماله الذي سلب أو ماله الذي يعيش به " لا فقر بعد الجنة " أي بعد فعل ما يوجبها ، وكذا قوله " بعد النار " أي بعد فعل ما يوجبها .
ثم بين عليه السلام عدم الغناء مع استحقاق النار ببيان شدة عذابها ، من حيث إن أسيرها والمقيد فيها بالسلاسل والاغلال لا يفك أبدا " ولا يبرأ ضريرها " أي
-بحار الانوار مجلد: 61 من ص 213 سطر 19 الى ص 221 سطر 18 من عمي عينه فيها أو من ابتلي فيها بالضر ، أو المراد عدم فك أسيرها في الدنيا من قيد الشهوات وعدم برء من عمي قلبه في الدنيا بالكفر ، والاول أظهر ، وفي القاموس الضرير الذاهب البصر ، والمريض المهزول ، وكل ما خالطه ضر .
3 - كا : عن علي ، عن أبيه ، عن حماد ، عن ربعي ، عن الفضيل ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : سلامة الدين وصحة البدن خير من المال ، والمال زينة من
__________________________________________________
( 1 ) في قوله " ليس لاحد بعد القرآن من فاقة " راجع الخطبة 174 .
[214]
زينة الدنيا حسنة ( 1 ) .
كا : عن محمد بن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان ، عن حماد ، عن ربعي عن الفضيل ، عن أبي جعفر عليه السلام مثله ( 2 ) .
بيان : " سلامة الدين " أي مما فيه شائبة الشرك من العقائد الباطلة والاعمال القبيحة " وصحة البدن " من الامراض البدنية " خير " من زوائد المال أما خيرية الاولى فظاهرة ، وأما الثانية فلانه ينتفع بالصحة مع عدم المال ولا ينتفع بالمال مع فقد الصحة ، والمال أي المال الصالح والحلال زينة حسنة لكن بشرط أن لا يضر بالدين .
4 - كا : عن العدة ، عن البرقي ، عن ابن فضال ، عن يونس بن يعقوب ، عن بعض أصحابه قال : كان رجل يدخل على أبي عبدالله عليه السلام من أصحابه به فصبر زمانا لا يحج فدخل عليه بعض معارفه فقال له : فلان ما فعل ؟ قال : فجعل يضجع الكلام فظن [ أنه ] انما يعني الميسرة والدنيا ، فقال أبوعبدالله عليه السلام : كيف دينه ؟ فقال : كما تحب ، فقال : هو والله الغنى ( 3 ) .
سن : عن ابن فضال مثله إلا أن فيه فصبر حينا ، إلى قوله : بعض معارفه ممن كان يدخل عليه معه ، إلى قوله : يظن أنه إنما عنى ، إلى قوله : كيف حاله في دينه ( 4 ) .
بيان : فصبر زمانا في بعض النسخ " فغبر زمان " أي مضى ، وفي بعضها فغبر زمانا أي مكث ، في القاموس غبر غبورا مكث وذهب ضد " فلان ما فعل " أي كيف حاله ؟ ولم تأخر عن الحج ؟ " قال " أي بعض الاصحاب الراوي " فجعل " أي شرع بعض المعارف " يضجع الكلام " أي يخفضه أو يقصر ولا يصرح بالمقصود ، ويشير إلى سوء حاله لئلا يغتم الامام عليه السلام بذلك ، كما هو الشائع في مثل هذا المقام ، قال في القاموس : أضجعت الشئ أخفضته ، وضجع في الامر تضجيعا قصر " فظن " في
__________________________________________________
( 1 - 3 ) الكافى ج 2 ص 216 .
( 4 ) المحاسن ص 217 .
[215]
بعض النسخ يظن ، وهو أظهر " انما يعني " أنما بفتح الهمزة ( 1 ) وما موصولة وهي اسم أن كقوله تعالى : " واعلموا أنما غنمتم من شئ " ( 2 ) أو ما كافة مثل قوله : أنما إلهكم إله واحد " ( 3 ) وعند الزمخشري أنه يفيد الحصر كالمكسور ، فعلى الاول مفعول يعني وهو عائد ما ، محذوف ، وتقديره أن ما يعنيه ، والميسرة خبر أن وعلى الثاني الميسرة مفعول يعني ، وعلى التقديرين المستتر في يعني راجع إلى الامام عليه السلام " كما تحب " أي على أحسن الاحوال ، " فقال هو الله الغنى " أقول تعريف الخبر بالام المفيد للحصر وتأكيده بالقسم للتنبيه على أن الغنا الحقيقي ليس إلا الغنا الاخروي ، الحاصل بسلامة الدين ، كما روى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : الفقر الموت الاحمر ، فقيل له : الفقر من الدينار والدرهم ؟ فقال : لا ولكن من الدين .