الخير منه مأمول ، والشر منه مأمون ، إن كان بين الغافلين كتب في الذاكرين ، وإن كان مع الذاكرين لم يكتب من الغافلين ، يعفو عمن ظلمه ، ويعطي من حرمه ، ويصل من قطعه ، قريب معروفه ، صادق قوله ، حسن فعله ، مقبل خيره مدبر شره ، غايب مكره ، في الزلا زل وقور ، وفي المكاره صبور ، وفي الرخاء شكور ، لا يحيف على من يبغض ، ولا يأثم فيمن يحب ، ولا يدعي ما ليس له ، ولا يجحد ما عليه ، يعترف بالحق قبل أن يشهد به عليه ، لا يضيع ما استحفظه ، ولا ينابز بالالقاب ، لا يببغي على أحد ، ولا يغلبه الحسد ، ولا يضار بالجار ، ولا يشمت بالمصاب مؤد للامانات ، عامل بالطاعات ، سريع إلى الخيرات ، بطئ عن المنكرات ، يأمر بالمعروف ويفعله ، وينهى عن المنكر ويجتنبه ، لا يدخل في الامور بجهل ولا يخرج من الحق بعجز ، إن صمت لم يعيه الصمت ، وإن نطق لم يعيه اللفظ ، وإن ضحك لم يعل به صوته ، فانع بالذي قدر له ، لا يجمح به الغيظ ، ولا يغلبه الهوى ، ولا يقهره الشح يخالط الناس بعلم ، ويفارقهم بسلم ، يتكلم ليغنم ، ويسأل ليفهم ، نفسه منه في عناء والناس منه في راحة ، أراح الناس من نفسه ، وأتعبها لاخرته ، إن بغي عليه صبر ليكون الله تعالى هو المنتصر له ، يقتدي بمن سلف من أهل الخير قبله ، فهو قذوة لمن خلف من طالب البر بعده اولئك عمال الله ، ومطايا أمره وطاعته ، وسرج أرضه وبريته ، اولئك شيعتنا وأحبتنا ، ومنا ومعنا ، ألا ها شوقا إليهم ، فصاح همام بن عبادة صيحة وقع مغشيا عليه فحركوه فإذا هو قد فارق الدنيا رحمة الله عليه .
فاستعبر الربيع باكيا وقال : لاسرع ما أودت موعظتك يا أمير المؤمنين بابن أخي ولوددت لو أني بمكانه ، فقال أمير المؤمنين عليه السلام : هكذا تصنع المواعظ البالغة بأهلها ، أما والله لقد كنت أخافها عليه ، فقال له قائل : فما بالك أنت يا أمير المؤمنين ؟ فقال : ويحك ، إن لكل واحد أجلا لن يعدوه ، وسببا لن يجاوزه .
فمهلا لا تعد لها ، فانما نفثها على لسانك الشيطان ، قال : فصلى عليه أمير المؤمنين
[196]
عليه السلام عشية ذلك اليوم ، وشهد جنازته ونحن معه .
قال الراوي عن نوف : فصرت إلى الربيع بن خثيم فذكرت له ما حدثني نوف ، فبكى الربيع حتى كادت نفسه أن تفيض ، وقال : صدق أخي ، لاجرم أن موعظة أمير المؤمنين وكلامه ذلك مني بمرءى ومسمع ، وما ذكرت ما كان من همام ابن عبادة يومئذ وأنا في بلهنية إلا كدرها ، ولا شدة إلا فرجها .
بيان : قد مر هذا الخبر بروايات عديدة في باب صفات المؤمن ( 1 ) وشرحناها هناك ، ونوضح هيهنا ما يختص بهذه الرواية " نوف " بفتح النون وسكون الواو وقال الجوهري : نوف البكالي كان حاجب علي رضوان الله عليه ، قال تغلب : هو منسوب إلى بكالة قبيلة انتهى ، وقيل : هو بالكسر منسوب إلى بكالة قرية باليمن ، و سيأتي الكلام فيه إنشاء الله تعالى " فاستتبعت " أي جعلتهما تابعين لي في المضي إليه وفي النسخ هنا الربيع بن خثيم بتقديم المثناة على المثلثة ، وفي كتب اللغة و الرجال بالعكس مصغرا وهو أحد الزهاد الثمانية ، ورأيت بعض الطعون فيه وهو المدفون بالمشهد المقدس الرضوي صلوات الله على مشرفه ، وقال الجوهري : البرنس قلنسوة طويلة ، وكان النساك يلبسونها في صدر الاسلام ، أي كان من الزهاد والعباد المشهورين بذلك ، وفي المصباح أفضيت إلى الشئ وصلت إليه .
" مبدنين " بضم الميم وتشديد الدال المفتوحة أي سمانا ملحمين كما هو هيئة المترفين بالنعم في القاموس البادن والبدين والمبدن كمعظم الجسيم ، وفي أساس اللغة بدنت لما بدنت أي سمنت لما أسننت ، يقال : بدن الرجل وبدن بدنا وبدانة فهو بدين وبادن ، وبادنني فلان وبدنته أي كنت أبدن ، ورجل مبدان مبطان سمين ضخم وفي القاموس أفاضوا في الحديث اندفعوا ، وحديث مفاض فيه وقال : الاحدوثة ما يتحدث به ، وقال : فكههم بملح الكلام تفكيها أطرفهم بها ، و هو فكه وفاكه طيب النفس ضحوك ، أو يحدث صحبه فيضحكهم ، وفاكهه مازحه وتفكه تندم ، وبه تمتع ، وقال : لها لهوا لعب كالتهى وألهاه ذلك ولهى عنه غفل
__________________________________________________
( 1 ) راجع ج 67 ص 315 و 341 و 365 ومثله في كتاب الروضة ج 78 ص 28 .
[197]
وترك ذكره كلها كدعا لهيا ولهيانا .
فسبح أي صلى السبحة وهي النافلة ، وكأنها صلوة التحية .
في النهاية قد يطلق التسبيح على صلاة التطوع والنافلة ، ويقال أيضا للذكر ولصلاة النافلة سبحة ، يقال : قضيت سبحتي ، وإنما خصت النافلة بالسبحة وإن شاركتها الفريضة في معنى التسبيح لان التسبيحات في الفرائض نوافل ، فقيل لصلاة النافلة لانها نافلة كالتسبيحات والاذكار في أنها غير واجبة " أو جزهما " أي كما و " أكملهما " أي كيفية من رعاية حضور القلب والخشوع وغير ذلك " جل ثناؤه " عن أن يأتي به كما هو أهله أحد " وتقدست أسماؤه " عن أن تدل على نقص أو عن أن يبلغ إلى كنهها أحد " دهماؤهم " أي أكثرهم أو جماعتهم مع كثرتهم ، في القاموس الدهماء العدد الكثير " فأماز " على بناء الافعال أي ميز وفرق ، في القاموس مازه يميزه ميزا عزله وفرزه كأمازه وميزه ، فامتاز وانماز وتميز ، والشئ فضل بعضه على بعض ، والايجاف الاسراع وإيجاف الخيل والبعير ركضهما ، والوجيف نوع من عدو الابل ، واستعير هنا للاسراع في الطاعات ، والاستظهار الاستعانة وكأن المراد هنا من يستعين على تحصيل نعمة الله ورزقه المقدر له بمعصية الله كالخيانة ، ويحتمل أن يكون على القلب أي يستعين بنعمة الله على معصيته " أم حسب الذين اجترحوا السيئات " قال البيضاوي : أم منقطعة ، ومعنى الهمزة إنكار الحسبان والاجتراح الاكتساب " أن نجعلهم " أن نصيرهم " كالذين آمنوا وعملوا الصالحات " مثلهم وهو ثاني مفعول يجعل ، وقوله " سواء محياهم ومماتهم " بدل منه ، إن كان الضمير لموصول الاول لان المماثلة
-بحار الانوار مجلد: 61 من ص 197 سطر 19 الى ص 205 سطر 18 فيه إذ المعنى إنكار أن يكون حياتهم ومماتهم سيان في البهجة والكرامة ، كماهو للمؤمنين ، ويدل عليه قراءة حمزة والكسائي وحفص " سواء " بالنصب على البدل أو الحال من الضمير في الكاف ، أو المفعولية ، والكاف حال ، وإن كان للثاني فحال منه أو استيناف يبين المقتضي للانكار وإن كان لهما فبدل أو حال من الثاني ، وضمير الاول ، والمعنى إنكار أن يستووا بعد الممات في الكرامة أو ترك المؤاخذة كما استووا في الرزق والصحة في الحياة أو استيناف مقرر لتساوي محيا كل صنف ومماته في
[198]
الهدى والضلال ، وقرئ مماتهم بالنصب على أن محياهم ومماتهم ظرفان كمقدم الحاج " ساء ما يحكمون " ساء حكمهم هذا ، وبئس شيئا حكموا به .
وفي القاموس الفضيلة الدرجة الرفيعة في الفضل ، والاسم الفاضلة ، والفواضل الايادي الجسيمة أو الجميلة ، وقال : بخع نفسه كمنع قتلها غما وبالحق بخوعا أقر به وخضع له ، كبخع بالكسر بخاعة وبخوعا " فمضوا " أي في الطاعة أو إلى الاخرة " خوف باريهم " أي خالقهم ، وكونه من البري بعيد " هذا " أي خذ هذا ، و هو فصل في الكلام شايع " في طمع " كأن في بمعنى " عن " وإن لم يكن مذكورا في الكتب المشهورة أو بمعنى " مع " فالمراد الطمع من الله " أي دنس " كأنه كلام الكراجكي ويحتمل غيره من الرواة وفي النهاية الطبع بالتحريك الدنس وأصله من الدنس والوسخ يغشيان السيف ثم استعمل فيما يشبه ذلك من الاوزار والاثام وغيرهما من المقابح ومنه الحديث أعوذ بالله من طمع يهدي إلى طبع أي يؤدي إلي شين وعيب ، ومنه حديث ابن عبدالعزيز لا يتزوج من العرب في الموالي إلا الطمع الطبع " لا يغره ما جهله " أي من عيوبه والاظهر " ثناء من جهله " كما مر والاعتصام الامتناع ، وفي القاموس شره كفرح غلب حرصه فهو شره " عازبا " أي غائبا " محرزا " بكسر الراء أو بفتحها " دينه " بالنصب أو الرفع " لم يعيه الصمت " أي لا يصير صمته سببا لقلة علمه و إعيائه عن بيان الحق بل صمته تدبر وتفكر أو ليس صمته بسبب الاعياء والعجز عن الكلام بل لمفاسد الكلام ، وهو بعيد لفظا ، " به " أي بالضحك أو الباء للتعدية " بعلم " أي مع علمه بمن صاحبه ، وأنه أهل لذلك ، أو لتحصيل العلم ليوافق ما مر وإن كان بعيدا .
" بسلم " أي مع مسالمة ومصالحة لا لعداوة ومنازعة و " المطايا " جمع المطية وهي الدابة تمطو أي تسرع في مسيرها أي يحملون أوامر الله وطاعاته إلى الخلق ويعلمونهم ويروون لهم أو يتحملونها ويعملون بها مسرعين في ذلك " ألاها " ألا حرف تنبيه ، وها إما اسم فعل بمعنى خذ ، أو حكاية عن تنفس طويل تحسرا على عدم لقائهم و " شوقا " على الاول مصدر فعل محذوف أي أشتاق شوقا وعلى الثاني يحتمل ذلك ، وأن يكون علة لما يدل عليه " ها " من التحسر والتحزن ، وفي كلامه عليه السلام
[199]
في مواضع اخرى " آه آه شوقا إلى رؤيتهم " وفي القاموس أودى : هلك ، وبه الموت ذهب ، وقال البلهنية بضم الباء الرخاء وسعة العيش .
باب 20 : النهي عن التعجيل على الشيعة وتمحيص ذنوبهم
1 - ب : عن ابن أبي الخطاب ، عن البزنطي ، عن الرضا عليه السلام قال : كان أبوجعفر عليه السلام يقول : لا تعجلوا على شيعتنا ، إن تزل لهم قدم تثبت لهم اخرى ( 1 ) .
- 2 ن : عن محمد بن علي بن عمرو البصري ، عن صالح بن شعيب ، عن زيد ابن محمد البغدادي ، عن علي بن أحمد العسكري ، عن عبدالله بن داود بن قبيصة ، عن علي بن موسى القرشي ، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال : رفع القلم عن شيعتنا فقلت : ياسيدي كيف ذاك ؟ قال : لانهم اخذ عليهم العهد بالتقية في دولة الباطل يأمن الناس ويخافون ، ويكفرون فينا ولا نكفر فيهم ، ويقتلون بنا ولا نقتل بهم مامن أحد من شيعتنا ارتكب ذنبا أو خطبا إلا ناله في ذلك غم محص عنه ذنوبه ولو أنه أتى بذنوب بعدد القطر والمطر ، وبعدد الحصى والرمل ، وبعدد الشوك والشجر ، فان لم ينله في نفسه ففي أهله وماله ، فان لم ينله في أمر دنياه ما يغتم به تخايل له في منامه ما يغتم به فيكون ذلك تمحيصا لذنوبه ( 2 ) .
3 - ما : عن المفيد ، عن الجعابي ، عن ابن عقدة ، عن أبي حاتم ، عن محمد ابن الفرات ، عن حنان بن سدير ، عن أبي جعفر عليه السلام قال ماثبت الله حب علي عليه السلام في قلب أحد فزلت له قدم إلا ثبتت له قدم اخرى ( 3 ) .
__________________________________________________
( 1 ) قرب الاسناد ص 171 .
( 2 ) عيون أخبار الرضا " ع " ج 2 ص 237 .
( 3 ) أمالى الطوسى ج 1 ص 132 .
[200]
4 - ل : الاربعمائة قال أمير المؤمنين : عليه السلام : اطلب لاخيك عذرا فان لم تجد له عذرا فالتمس له عذرا ( 1 ) .
5 - سن : عن ابن محبوب ، عن زيد الشحام قال : سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول : إن ولي علي عليه السلام إن تزل به قدم تثبت اخرى ( 2 ) .
6 - محص : عن عمر [ صاحب ] السابري قال : قلت لابي عبدالله عليه السلام : إني لارى من أصحابنا من يرتكب الذنوب الموبقة ، فقال : يا عمر لا تشنع على أولياء الله ، إن ولينا ليرتكب ذنوبا يستحق بها من الله العذاب ، فيبتليه الله في بدنه بالسقم حتى تمحص عنه الذنوب فان عافاه في بدنه ابتلاه في ماله فان عافاه في ماله ابتلاه في ولده ، فان عافاه من بوائق الدهر شدد عليه خروج نفسه ، حتى يلقى الله حين يلقاه وهو عنه راض ، قد أوجب له الجنة .
رياض الجنان : باسناده ، عن عمر السابري مثله إلى قوله ابتلاه في ولده فان عافاه في ولده ابتلاه الله في أهله ، فان عافاه في أهله ابتلاه بجار سوء يؤذيه ، فان عافاه من بوائق الدهر إلى آخر الخبر .
باب 21 : دخول الشيعة مجالس المخالفين وبلاد الشرك
1 - ما : عن المفيد ، عن الحسين بن أحمد بن المغيرة ، عن حيدر بن محمد ابن نعيم ، عن محمد بن عمر ، عن محمد بن مسعود ، عن محمد بن أحمد النهدي ، عن معاوية بن حكيم ، عن التفليسي ، عن حماد السمندري قال : قلت لابي عبدالله عليه السلام : إني أدخل بلاد الشرك وإن من عندنا يقولون : إن مت ثم حشرت معهم
__________________________________________________
( 1 ) الخصال ج 2 ص 161 .
( 2 ) المحاسن ص 158 .
[201]
قال : فقال لي : يا حماد إذا كنت ثم تذكر أمرنا وتدعو إليه ؟ قال : قلت : نعم ، قال : فإذا كنت في هذه المدن مدن الاسلام تذاكر أمرنا وتدعو إليه ؟ قال : فقلت : لا ، قال : فقال لي : إنك إن تمت ثم حشرت امة وحدك ، وسعى نورك بين يديك ( 1 ) .
2 - ما : عن المفيد ، عن أحمد بن الوليد ، عن أبيه ، عن الصفار ، عن ابن عيسى ، عن ابن أبي عمير ، عن الحسن بن أبي فاختة قال : كنت أنا وأبوسلمة السراج ويونس بن يعقوب والفضيل بن يسار عند أبي عبدالله جعفر بن محمد عليهما السلام فقلت له : جعلت فداك إني أحضر مجالس هؤلاء القوم فأذكركم في نفسي فأي شئ أقول ؟ فقال : يا حسين إذا حضرت مجالس هؤلاء فقل : " اللهم أرنا الرخاء والسرور .
فإنك تأتي على ما تريد " ( 2 ) .
بيان : " فانك تأتي على ما تريد " ( 3 ) أي يريك الله الرخاء والسرور في دينك أو يعطيك الله ثواب ما تريد الفوز به من ظهور دين الحق .
باب 22 : في أن الله تعالى انما يعطي الدين الحق والايمان والتشيع من أحبه ، وأن
التواخي لا يقع على الدين ، وفي ترك دعاء الناس إلى الدين
1 - كا : عن محمد بن يحيى ، عن ابن عيسى ، عن ابن فضال ، عن ابن بكير عن حمزة بن حمران ، عن عمر بن حنظلة قال : قال لي أبوعبدالله عليه السلام : يا أبا الصخر
__________________________________________________
( 1 ) أمالى الطوسى ج 1 ص 44 .
( 2 ) أمالى الطوسى ج 1 ص 53 في حديث .
( 3 ) الخطاب مع الله عزوجل وهو الفعال لما يريد .
[202]
إن الله يعطي الدنيا من يحب ويبغض ( 1 ) ولا يعطي هذا الامر إلا صفوته من خلقه أنتم والله على ديني ودين آبائي إبراهيم وإسماعيل ، لا أعني علي بن الحسين ولا محمد بن علي وإن كان هؤلاء على دين هؤلاء ( 2 ) .
تبيان : " من يحب ومن يبغض " أي من يحبه الله ومن يبغضه الله ، أو من يحب الله ومن يبغض الله ، والاول أظهر ، " ولا يعطي هذا الامر " أي الاعتقاد بالولاية واختيار دين الامامية " إلا صفوته من خلقه " أي من اصطفاه واختاره وفضله من جميع خلقه بسبب طيب روحه وطينته كما مر ، أو المعنى أن ذا المال والجاه و النعمة في الدنيا يمكن أن يكون محبوبا لله أو مبغوضا لله ، وليست سببا لحب الله ولا علامة له ، بخلاف دين الحق فان من اوتيه يكون لا محالة محبوبا لله مختارا عنده ، وعلى الوجهين الغرض بيان فضل الولاية والشكر عليها ، وعدم الشكاية بعد حصولها عن فقر الدنيا وذلها وشدائدها ، وحقارة الدنيا واهلها عند الله ، وأنها ليست مناط الشرف والفضل .
قوله عليه السلام : " ودين آبائي " والمعنى أن اصول الدين مشتركة في ملل جميع الانبياء ، وإنما الاختلاف في بعض الخصوصيات فان الاعتقاد بالتوحيد والعدل و المعاد مما اشترك فيه جميع الملل ، وكذا التصديق بنبوة الانبياء ، والاذعان بجميع ما جاؤا به ، وأهمها الايمان بأوصيائهم ; ومتابعتهم في جميع الامور ، وعدم العدول عنهم إلى غيرهم ، كان لازما في جميع الملل ، وإنما الاختلاف في خصوص النبي و خصوص الاوصياء وخصوص بعض العبادات فمن أقر بنبينا صلى الله عليه وآله وبجميع ما جاء
__________________________________________________
( 1 ) قال بعض المحشين : الحب انجذاب خاص من المحب نحو المحبوب ليجده ، ففيه شوب من معنى الانفعال وهو بهذا المعنى وان امتنع أن يتصف به الله سبحانه لكنه تعالى يتصف به من حيث الاثر كسائر الصفات من الرحمة والغضب وغيرهما ، فهو تعالى يحب خلقه من حيث انه يريد أن يجده وينعم عليه بالوجود والرزق ونحوهما ، وهو تعالى يحب عبده المؤمن من حيث أنه يريد أن يجده ولا يفوته فينعم عليه بنعمة السعادة والعاقبة الحسنى فالمراد بالمحبة في هذه الروايات المحبة الخاصة .
( 2 ) الكافى ج 2 ص 215 .
[203]
به وبجميع أوصيائه ولم يعدل عنهم إلى غيرهم فهو على دين جميع الانبياء .
ويحتمل أن يكون إشارة إلى ما ورد في كثير من الاخبار أن الاقرار بنبينا صلى الله عليه وآله وأوصيائه عليهم السلام كان مأخوذا على جميع الانبياء عليهم السلام وأممهم وقيل : المراد أنه مأخوذ في دين الاسلام نفي الشرك ونصب غير من نصبه الله للامامة والرجوع إليه نوع من الشرك ، فالتوحيد الذي هو دين جميع الانبياء مخصوص بالشيعة ، وما ذكرنا أوضح وأمتن .
2 - كا : عن الحسين بن محمد ، عن المعلى ، عن الوشاء ، عن عاصم بن حميد عن مالك بن أعين الجهني قال : سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول : يا مالك إن الله يعطي الدنيا من يحب ويبغض ، ولا يعطي دينه إلا من يحب ( 1 ) .
سن : عن الوشاء ومحمد بن عبدالحميد العطار ، عن عاصم مثله ( 2 ) .
3 - كا : بالاسناد المتقدم ، عن الوشاء ، عن عببد الكريم بن عمرو الخثعمي عن عمر بن حنظلة وعن حمزة بن حمران ، [ عن حمران ] ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : إن هذه الدنيا يعطيها الله البر والفاجر ، ولا يعطي الايمان إلا صفوته من خلقه ( 3 ) .
سن : عن الوشاء مثله ( 4 ) .
بيان : قال الجوهري : صفوة الشئ خالصه ومحمد صفوة الله من خلقه و مصطفاه ، أبوعبيدة : يقال له صفوة مالي وصفوة مالي وصفوة مالي فاذا نزعوا الهاء قالوا : له صفو مالي بالفتح لا غير ( 5 ) .
4 - كا : عن محمد ين يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن النعمان ، عن
__________________________________________________
( 1 ) الكافى ج 2 ص 215 .
( 2 ) المحاسن ص 261 .
( 3 ) الكافى ج 2 ص 215 .
( 4 ) المحاسن ص 217 ، وهو الذى ذكره تحت الرقم : 6 فلا تغفل .
( 5 ) الصحاح ص 2401 .
[204]
أبي سليمان ، عن ميسر قال : قال أبوعبدالله عليه السلام : إن الدنيا يعطيها الله عزو جل من أحب ومن أبغض ، وإن الايمان لا يعطيه إلا من أحب ( 1 ) .
5 - سن : عن أبيه ، عن علي بن النعمان ، عن أبي سليمان ، عن ميسر قال : قال أبوعبدالله عليه السلام : إن الدنيا يعطيها الله من أحب وأبغض ، وإن الايمان لا يعطيه إلا من احب ( 2 ) .
6 - سن : عن الوشاء ، عن عبدالكريم بن عمرو الخثعمي ، عن عمر بن حنظلة ، عن حمزة بن حماد ، عن حمران بن أعين ، عن أبي جعفر عليه السلام : قال : إن هذه الدنيا يعطاها البر والفاجر ، وإن هذا الدين لا يعطاه إلا أهله خاصة ( 3 ) .
7 - سن : عن ابن فضال ، عن ابن بكير ، عن حمزة بن حمران ، عن عمر ابن حنظلة قال : قال أبوعبدالله عليه السلام : إن الله يعطي الدنيا من يحب ويبغض ولا يعطي الايمان إلا أهل صفوته من خلقه ( 4 ) .
8 - سن : عن محمد بن خالد الاشعري ، عن حمزة بن حمران ، عن عمر بن حنظلة قال : بينا أنا أمشي مع أبي عبدالله عليه السلام : في بعض طرق المدينة إذا التفت إلي فقال : إن الله يعطي ، البر والفاجر الدنيا ، ولا يعطي الدين إلا أهل صفوته من خلقه ( 5 ) .
سن : عن محمد بن عبدالحميد ، عن عاصم بن حميد ، عن عمرو بن أبي المقدام عن رجل من أهل البصرة مثله ( 6 ) .
9 - سن : عن أبيه ، عن حماد بن عيسى ، عن حريز ، عن فضيل ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : إن الله يعطي المال البر والفاجر ، ولا يعطي الايمان إلا من أحب ( 7 ) .
10 - كا : عن محمد بن يحيى ، عن ابن عيسى ، عن محمد بن سنان ، عن حمزة بن
__________________________________________________
( 1 ) الكافى ج 2 ص 215 .
( 2 ) المحاسن ص 216 .
( 3 7 ) المحاسن ص 217 .
[205]
محمد الطيار ، عن أبيه عن أبي جعفر عليه السلام قال : لم تتواخوا على هذا الامر ولكن تعارفتم عليه ( 1 ) .
تبيان : " لم تتواخوا على هذا الامر " أقول : الخبر يحتمل وجوها : الاول : ما أفاده الوالد قدس الله روحه ، وهو أن التواخى بينكم لم يقع على التشيع ، ولا في هذه النشأة ، بل كانت اخوتكم في عالم الارواح قبل الانتقال إلى الاجساد ، وإنما حصل تعارفكم في هذا العالم بسبب الدين ، فكشف ذلك عن الاخوة في العليين ، وذلك مثل رجلين كانت بينهما مصاحبة قديمة فافترقا زمانا طويلا ثم تلا قيا فعرف كل منهما صاحبه .