ورابعها أن حركة الرياح تارة تكون مفرقة لاجزاء السحاب مبطلة لها وخامسها أن هذه الرياح تارة تكون مقوية للزرع والاشجار مكملة لما فيها من النشوء والنماء ، وهي الرياح اللواقح ، وتارة تكون مبطلة لها كما تكون في الخريف وسادسها أن هذه الرياح تارة تكون طيبة لذيذة موافقة للابدان ، وتارة تكون مهلكة إما بسبب ما فيها من الحرارة الشديدة كما في السموم أو بسبب ما فيها من البرد الشديد كما في الرياح المهلكة جدا وسابعها أن تلك الرياح تارة تكون شرقية ، وتارة تكون غربية وشمالية وجنوبية ، وهذا ضبط ذكره بعض الناس ، وإلا فالرياح تهب من كل جانب من جوانب العالم ، ولا ضبط لها ، ولا اختصاص لجانب من جوانب العالم بها وثامنها أن هذه الرياح تارة تصعد من قعر الارض ، فان من ركب البحر يشاهد أن البحر يحصل له غليان شديد فيه بسبب تولد الرياح في قعر البحر إلى ما فوق البحر ، وحينئذ يعظم هبوب الرياح في وجه البحر ، وتارة ينزل الريح من جهة الفوق ، فاختلاف الرياح بسبب هذه
[354]
المعاني أيضا عجيب وعن السدي أنه تعالى يرسل الرياح فيأتي بالسحاب ، ثم إنه تعالى يبسطه في السماء كيف يشاء ، ثم يفتح أبواب السماء فيسيل الماء على السحاب ، ثم يمطر السحاب بعد ذلك ، ورحمته هو المطر .
إذا عرفت هذا فنقول : اختلاف الرياح في الصفات المذكورة مع أن طبيعة الهواء واحدة وتأثيرات الطبائع والانجم والافلاك واحدة تدل على أن هذه الاحوال لم تحصل إلا بتدبيرالفاعل المختار سبحانه وتعالى .
ثم قال تعالى " سفناه لبلد ميت " والمعنى أنا نسوق ذلك السحاب إلى بلد ميت لم ينزل فيه غيث ولا تنبت فيه خضرة ، والسحاب لفظه مذكر ، وهو جمع " سحابة " فيجوز فيه التذكير والتأنيث ، فلذا أتى بهما في الآية ، واللام في قوله " لبلد " إما بمعنى إلى ، أو المعنى سقناه لاجل بلد ميت ليس فيه حب نسقيه ، والضمير في قوله " به " إما راجع إلى البلد ، أو إلى السحاب ، وفي قوله " أخرجنا به " عائد إلى الماء ، وقيل : إلى البلد وعلى القول الاول فالله تعالى إنما يخلق الثمرات بواسطة الماء .
وقال أكثر المتكلمين : إن الثمار غير متولدة من الماء ، بل الله تعالى أجرى عادته بخلق النبات ابتداء عقيب اختلاط الماء بالتراب .
وقال جمهور الحكماء : لا يمتنع أن يقال : إنه تعالى أودع في الماء قوة وطبيعة ، ثم إن تلك القوة والطبيعة توجبان حدوث الاحوال المخصوصة .
والمتكلمون احتجوا على فساد هذا القول بأن طبيعة الماء والتراب واحدة ، ثم إنا نرى أنه يتولد في النبات الواحد الاحوال المختلفة مثل العنب ، فإن قشره بارد يابس ، ولحمه وماؤه حار رطب ، وعجمه بارد يابس ، فتولد الاجسام الموصوفة بالصفات المختلفة من الماء والتراب يدل على أنها إنما حدثت بإحداث الفاعل المختار لا بالطبع والخاصية ( 1 ) ( انتهى ) .
" خوفا وطمعا " قال الزمخشري : في انتصابهما وجوه : الاول أنه لا يصح أن يكونا مفعولا لهما ، لانهما ليسا بفاعل الفعل المعلل به إلا على تقدير حذف المضاف ، أي إرادة خوف وطمع ، أو على معنى : إخافة وإطماعا الثانى يجوز أن
__________________________________________________________________
( 1 ) مفاتيح الغيب : ج 4 ، ص 355 .
[355]
يكونا منتصبين على الحال من البرق ، كأنه في نفسه خوف وطمع ، والتقدير : ذاخوف وذاطمع الثالث أن يكون حالا من المخاطبين أي خائفين وطامعين .
وقال الرازي : في كونهما خوفا وطمعا وجود : الاول : [ ان ] عند لمعان البرق يخاف وقوع الصواعق ويطمع في نزول الغيث الثانى أنه يخاف من المطر من له فيه ضرر كالمسافر وكمن في جرابه التمر والزبيب ويطمع فيه من له نفع الثالث : أن كل شئ يحصل في الدنيا فهو خير بالنسبة إلى قوم وشر بالنسبة إلى آخرين ، فكذلك المطر خير في حق من يحتاج إليه في أوانه شر في حق من يضره ذلك ، إما بحسب المكان أو بحسب الزمان .
ثم اعلم أن حدوث البرق دليل عجيب على قدرة الله سبحانه ، وبيانه أن السحاب لا شك أنه جسم مركب من أجزاء مائية وأجزاء هوائية ، ولا شك أن الغالب عليه الاجزاء المائية ، والماء جسم بارد رطب ، والنار جسم حار يابس ، فظهور الضد من الضد التام على خلاف العقل ، فلابد من صانع مختار يظهر الضد من الضد .
فان قيل : لم لا يجوز أن يقال : إن الريح احتقن في داخل جرم السحاب واستولى البرد على ظاهره فانجمد السطح الظاهر منه ، ثم إن ذلك الريح يمزقه تمزيقا عنيفا فيتولد من ذلك التمزيق الشديد حركة عنيفة ، والحركة العنيفة موجبة للسخونة وهي البرق ؟ فالجواب : أن كل ما ذكر تموه على خلاف المعقول [ وبيانه ] من وجوه : الاول : أنه لو كان الامر كذلك لوجب أن يقال أينما يحصل البرق فلابد وأن يحصل الرعد وهو الصوت الحادث من تمزق السحاب ، ومعلوم أن ليس الامر كذلك ، فإنه كثيرا ما بحدث البرق القوي من غير حدوث الرعد .
الثانى أن السخونة الحاصلة بسبب قوة الحركة مقابلة بالطبيعة المائية الموجبة للبرد وعند حصول هذا المعارض القوي كيف تحدث النارية ؟ بل نقول : النيران العظيمة تنطفئ بصب الماء عليها ، والسحاب كله ماء ، فكيف يمكن أن يحدث فيه شعلة ضعيفة نارية ؟
[356]
الثالث من مذهبكم أن النار الصرفة لا لون لها البتة ، فهب أنه حصلت النارية بسبب قوة المحاكة الحاصلة في أجزاء السحاب ، لكن من أين حدث ذلك اللون الاحمر ؟ فثبت أن السبب الذي ذكروه ضعيف ، وأن حدوث النار الخالصة في جرم السحاب مع كونه ماء خالصا لا يمكن إلا بقدرة القادر الحكيم .
" وينشئ السحاب الثقال " السحاب اسم الجنس ، والواحدة سحابة والثقال : جمع ثقيلة ، أي الثقال بالماء واعلم أن هذا أيضا من دلائل القدرة والحكمة ، وذلك لان هذه الاجزاء المائية إما يقال إنها حدثت في جو الهواء ، أو يقال إنها تصاعدت من وجه الارض ، فإن كان الاول وجب أن يكون حدوثها بإحداث محدث حكيم قادر وهو المطلوب ، وإن كان الثاني وهو أن يقال إن تلك الاجزاء تصاعدت من الارض فلما وصلت إلى الطبقة الباردة من الهواء بردت فثقلت ورجعت إلى الارض فنقول : هذا باطل ، وذلك لان الامطار مختلفة ، فتارة تكون القطرات كبيرة وتارة تكون صغيرة ، وتارة تكون متقاربة واخرى تكون متباعدة تارة تدوم مدة نزول المطر زمانا طويلا وتارة قليلا ، فاختلاف الامطار في هذه الصفات مع أن طبيعة الارض واحدة وطبيعة الاشعة المسخنة للبخارات واحدة لابد وأن يكون بتخصيص الفاعل المختار .
وأيضا فالتجربة دلت على أن للدعاء والتضرع في نزول الغيث أثرا عظيما ، ولذلك شرعت صلاة الاستسقاء ، فعلمنا أن المؤثر فيه هو قدرة الفاعل لا الطبيعة الخاصة ( 1 ) ( انتهى ) .
" ويسبح الرعد بحمده " قال الطبرسي ره : تسبيح الرعد دلالته على تنزيه الله تعالى ووجوب حمده ، فكأنه هو المسبح ، وقيل : إن الرعد هو الملك الذي يسوق السحاب ويزجره بصوته ، فهو يسبح الله ويحمده .
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : إن ربكم سبحانه يقول : لو أن عبادي أطاعوني لاسقيتهم المطر بالليل وأطلعت عليهم الشمس بالنهار ، ولم اسمعهم صوت الرعد .
وكان صلى الله عليه وآله إذا سمع صوت الرعد قال : سبحان من يسبح الرعد بحمده .
وكان ابن عباس يقول : سبحان
__________________________________________________________________
مفاتيح الغيب : ج 5 ، ص 279 .
[357]
الذي سبحت له .
وروى سالم بن عبدالله ، عن أبيه ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا سمع الرعد والصواعق قال : اللهم لا تقتلنا بغضبك ، ولا تهلكنا بعذابك ، وعافنا قبل ذلك ، قال ابن عباس : من سمع الرعد فقال " سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته وهو على كل شئ قدير " فإن أصابته صاعقة فعلي ذنبه ( 1 ) .
" والملائكة من خيفته " أي وتسبح الملائكة من خيفة الله تعالى وخشيته .
قال ابن عباس : إنهم خائفون من الله ليس كخوف ابن آدم ، لا يعرف أحدهم من على يمينه ومن على يساره ، لا يشغله عن عبادة الله طعام ولا شراب ولا شئ .
" ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء " ويصرفها عمن يشاء ، إلا أنه حذف ، ورووا عن أبي جعفر الباقر عليه السلام أن الصواعق تصيب المسلم وغير المسلم ، ولا تصيب ذاكرا ( انتهى ) ( 2 ) .
وقال الرازي : في قوله تعالى " ويسبح الرعد بحمده " أقوال : الاول أن الرعد اسم ملك من الملائكة ، والصوت المسموع هو صوت ذلك الملك بالتسبيح والتهليل .
عن ابن عباس أن اليهود سألت النبي صلى الله عليه وآله عن الرعد ما هو ؟ فقال : ملك من الملائكة موكل بالسحاب ، معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث يشاء الله تعالى .
قالوا : فالصوت الذي يسمع ؟ قال : زجرة السحاب .
وعن الحسن أنه خلق من الله ليس بملك ، فعلى هذا القول الرعد اسم للملك الموكل بالسحاب وصوته تسبيح لله تعالى ، وذلك الصوت أيضا مسمى بالرعد ، ويؤكد هذا ما روي عن ابن عباس : كان إذا سمع الرعد قال : سبحان الذي سبحت له .
وعن النبي صلى الله عليه وآله أن الله ينشئ السحاب فينطق أحسن المنطق ، ويضحك أحسن الضحك ، فنطقه الرعد ، وضحكه البرق .
واعلم أن هذا القول غير مستبعد ، وذلك لان عند أهل السنة البنية ليست شرطا لحصول الحياة ، فلا يبعد من الله تعالى أن يخلق الحياة والعلم والقدرة والنطق في أجزاء السحاب فيكون هذا الصوت المسموع فعلا له فكيف
__________________________________________________________________
( 1 ) في المصدر : ديته .
( 2 ) مجمع البيان : ج 5 ، ص 283 .
[358]
يستبعد ذلك ونحن نرى أن السمندر يتولد في النار ، والضفادع تتولد في السحاب ( 1 ) والدودة العظيمة ربما تولدت في الثلوج القديمة ؟ وأيضا إذا لم يبعد تسبيح الجبال في زمن داود عليه السلام ولا تسبيح الحصى في زمن محمد صلى الله عليه وآله فكيف يبعد تسبيح السحاب ؟ وعلى هذا القول فهذا الشئ المسمى بالرعد ملك أو ليس بملك فيه قولان : أحدهما أنه ليس بملك لانه عطف عليه الملائكة ، والثاني أنه لا يبعد أن يكون من جنس الملائكة وافرد بالذكر على سبيل التشريف .
القول الثانى : أن الرعد اسم لهذا الصوت المخصوص ، ومع ذلك فإن الرعد يسبح لله تعالى ، لان التسبيح والتقديس وما يجري مجراهما ليس إلا وجود لفظ يدل على حصول النزاهة والتقديس لله تعالى ، فلما كان حدوث هذا الصوت دليلا على وجود [ موجود ] متعال عن النقص والامكان كان ذلك في الحقيقة تسبيحا وهو معنى قوله " وإن من شئ إلا يسبح بحمده " .
الثالث : أن المراد من كون الرعد مسبحا أن من سمع الرعد فإنه يسبح الله تعالى ، فلهذا المعنى اضيف هذا التسبيح إليه .
الرابع : من كلمات الصوفية : الرعد صعقات الملائكة ، والبرق زفرات أفئدتهم ، والمطر بكاؤهم .
ثم قال : واعلم أن المحققين من الحكماء يذكرون أن هذه الآثار العلوية إنما تتم بقوى روحانية فلكية ، فللسحاب روح معين من الارواح الفلكية يدبره وكذ القول في الرياح وسائر [ الآثار ] العلوية .
وهذا غير ما نقلنا أن الرعد اسم الملك .
ثم قال : أمر الصاعقة عجيب جدا ، وذلك لانها نار تتولد في السحاب .
فإذا نزلت من السحاب فربما غاضت البحر وأحرقت الحيتان تحت البحر ! والحكماء بالغوا في وصف قوتها .
ووجه الاستدلال أن النار حارة يابسة ، وطبيعتها ضد طبيعة السحاب ، فوجب أن يكون طبيعتها في الحرارة واليبوسة أضعف من طبيعة النيران
__________________________________________________________________
( 1 ) في المصدر : في الماء البارد .
[359]
الحادثة عندنا على العادة ، لكنه ليس الامر كذلك ، فإنها أقوى [ من ] نيران هذا العالم ، فثبت أن اختصاصها بمزيد تلك القوة لابد وأن يكون بسبب تخصيص الفاعل المختار .
" وهم يجادلون في الله " أي هؤلاء الكفار مع ظهور هذه الدلائل يجادلون في الله ، وهو يحتمل وجوها : أحدها أن يكون المراد الرد على الكافر الذي قال : أخبرنا عن ربنا أمن نحاس أم حديد ؟ ! .
.
وثانيها أن يكون المراد الرد على جدالهم في إنكار البعث وإبطال الحشر ، وثالثها الرد عليهم في طلب سائر المعجزات ورابعها الرد عليهم في استنزال عذاب الاستئصال .
" وهو شديد المحال " المشهور أن الميم أصلية وقيل زائدة ، والمعنى : شديد القوة ، وقيل : شديد المكر ، وقيل : شديد العقوبة ، وقيل : شديد المغالبة وقيل : شديد الجدال ( 1 ) .
" رزقا لكم " قال البيضاوي : أي تعيشون به ، وهو يشمل المطعوم والملبوس مفعول " أخرج " و " من الثمرات " بيان له أو حال عنه ، ويحتمل عكس ذلك ، و يجوز أن يراد به المصدر فينتصب بالعلة أو المصدر ، لان " أخرج " في معنى " رزق " ( 2 ) .
" إلا من استرق السمع " قال البيضاوي : بدل من كل شيطان ، واستراق السمع اختلاسه سرا ، شبه به خطفتهم اليسيرة من قطان السماوات لما بينهم من المناسبة في الجوهر ، أو بالاستدلال من أوضاع الكواكب وحركاتها .
وعن ابن
-بحار الانوار جلد: 52 من صفحه 359 سطر 19 إلى صفحه 367 سطر 18 عباس أنهم كانوا لا يحتجبون عن السماوات فلما ولد عيسى عليه السلام منعوا من ثلاث سماوات .
فلما ولد محمد صلى الله عليه وآله منعوا من كلها بالشهب ، ولا يقدح فيه تكونها قبل المولد ، لجواز أن يكون لها أسباب اخر .
وقيل : الاستثناء منقطع ، أي ولكن من استرق السمع " فأتبعه شهاب " أي فتبعه ولحقه شهاب " مبين " ظاهر للمبصرين ، و
__________________________________________________________________
( 1 ) مفاتيح الغيب " ج 5 ، ص 282 .
( 2 ) انوار التنزيل : ج 1 ، ص 637 .
[360]
الشهاب شعلة نار ساطعة ، وقد يطلق للكوكب والسنان لما فيهما من البريق ( 1 ) ( انتهى ) .
وقال الرازي : لقائل أن يقول : إذا جوزتم في الجملة أن يصعد الشيطان إلى السماوات ويختلط بالملائكة ويسمع أخبارا من الغيوب عنهم ثم إنها تنزل و تلقي تلك الغيوب فعلى هذا التقدير يجب أن يخرج الاخبار عن المغيبات عن كونه معجزا دليلا على الصدق .
ولا يقال : إن الله تعالى أخبر عن أنهم عجزوا عن ذلك بعد مولد النبي صلى الله عليه وآله .
لانا نقول : هذا المعجز لا يمكن إثباته إلا بعد القطع بكون محمد صلى الله عليه وآله رسولا ، والقطع بهذا لا يمكن إلا بواسطة المعجز ، وكون الاخبار عن الغيب معجزا لا يثبت إلا بعد إبطال هذا الاحتمال ، وحينئذ يلزم الدور ، وهو باطل محال .
ويمكن أن يجاب عنه بأنا نثبت كون محمد صلى الله عليه وآله رسولا بسائر المعجزات ثم بعد العلم بنبوته نقطع بأن الله عجز الشياطين عن تلقف الغيب بهذا الطريق وعند ذلك يصير الاخبار عن الغيب معجزا وحينئذ يندفع الدور ( 2 ) ( انتهى ) .
وأقول : يمكن أن يقال : يجب في لطف الله وحكمته أن لا يمكن الكاذب في دعوى النبوة والامامة من هذا ، وإلا لزم الاغراء بالقبيح ولو بالنسبة إلى العوام ولذا قيل : لا تجري الشعبذة أيضا على يد المدعي الكاذب فتأمل .
" وإن من شئ إلا عندنا خزائنه " قيل : أي وما من شئ إلا ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه أضعاف ما وجد منه ، فضرب الخزائن مثلا لا قتداره ، أو شبه مقدوراته بالاشياء المخزونة التي لا يحوج إخراجها إلى كلفة واجتهاد " وما ننزله " من تلك الخزائن " لا بقدر معلوم " اقتضته الحكمة وتعلقت به المشية فإن تخصيص بعضها بالايجاد في بعض الاوقات على بعض الصفات والحالات لابد له من مخصص حكيم .
وقال علي بن إبراهيم : الخزانة الماء الذي ينزل من السماء
__________________________________________________________________
( 1 ) أنوار التنزيل : ج 1 ، ص 645 .
( 2 ) مفاتيح الغيب : ج 5 ، ص 386 .
[361]
فينبت لكل ضرب من الحيوان ما قدر الله له من الغذاء ( 1 ) .
وقال بعض المحققين : أقول : الاول كلام من خلا من التحصيل ، والثاني تمثيل للتقريب من أفهام الجمهور وتفسير في الظاهر ، وأما في الباطن والتأويل فالخزائن عبارة عما كتبه القلم الاعلى أولا على الوجه الكلي في لوح القضاء المحفوظ عن التبديل ، الذي منه يجري ثانيا على الوجه الجزئي في لوح القدر الذي فيه المحو والاثبات تدرجا على التنزل ، فإلى الاول اشير بقوله " وإن من شئ إلا عندنا خزائنه " وبقوله " وعنده ام الكتاب " وإلى الثاني بقوله " وما ننزله إلا بقدر معلوم " ومنه ينزل ويظهر في عالم الشهادة ، وعن السجاد عليه السلام : إن في العرش تمثال جميع ما خلق الله من البر والبحر ، قال : وهذا تأويل قوله " وإن من شئ الآية " أراد عليه السلام به ما ذكرناه ( انتهى ) .
" وأرسلنا الرياح لواقح " قيل : أي حوامل ، شبه الريح التي جاءت بخير من إنشاء سحاب ماطر بالحامل ، كما شبه مالا يكون كذلك بالعقيم ، أو ملقحات للشجر والسحاب ، ونظيره الطوائح بمعنى المطيحات في قوله " ومختبط مما تطيح الطوائح " .
" فأسقينا كموه " أي فجعلناه لكم سقيا ، يقال : سقيته حتى روي ، وأسقيته نهرا ، أي جعلته شرابا له .
" وما أنتم له بخازنين " أي قادرين متمكنين من إخراجه نفى عنهم ما أثبته لنفسه ، أو حافظين في الغدران والعيون والآبار ، وذلك أيضا يدل على المدبر الحكيم ، كما يدل عليه حركة الهواء في بعض الاوقات من بعض الجهات على وجه ينتفع به الناس ، فإن طبيعة الماء تقتضي الغور ، فوقونه دون حد لابد له من سبب مخصص .
" لكم منه شراب " قيل : أي ما تشربونه ، و " لكم " صلة " أنزل " أو خبر " شراب " و " من " تبعيضية متعلفة به ، وتقديمها يوهم حصر المشروب فيه ، ولا بأس به ، لان مياه العيون والآبار منه ، لقوله " فسلكه ينابيع " وقوله " فأسكناه في الارض " .
__________________________________________________________________
( 1 ) تفسير القمى : 350 .
[362]
" ومنه شجر " أي ومنه يكون شجر ، يعني الشجر الذي يرعاه المواشي ، و قيل : كل ما ينبت على الارض شجر " فيه تسيمون " أي ترعون مواشيكم ، من سامت الماشية وأسامها صاحبها ، وأصلها السومة وهي العلامة ، لانها تؤثر بالرعي علامات .
" فأحيى به الارض بعد موتها " أنبت فيها أنواع النبات بعد يبسها " لقوم يسمعون " أي سماع تدبر وإنصاف .
" وترى الارض هامدة " أي ميتة يابسة ، من همدت النار إذا صارت رمادا " اهتزت " أي تحركت بالنبات " وربت " أي انتفخت " وأنبتت " على المجاز لان المنبت هو الله تعالى " من كل زوج " أي من كل نوع من أنواع النبات " بهيج " البهجة : حسن الشئ ونضارته ، والبهيج بمعنى المبهج ، قال المبرد : هو الشئ المشرق الجميل .
" ألم تر " أي ألم تعلم ، وقيل : المراد الرؤية بالبصر " فتصبح الارض " إنما لم يقل أصبحت ليدل على بقاء [ أثر ] المطر زمانا بعد زمان ، وإنما لم ينصب جوابا للاستفهام ، لانه لو نصب لاعطى عكس ما هو الغرض ، لان معناه إثبات الاخضرار فينقلب بالنصب إلى نفي الاخضرار " إن الله لطيف " يصل علمه أو لطفه إلى كل ما جل ودق " خبير " بالتدابير الظاهرة والباطنة .
" وأنزلنا من السماء ماء " قال الرازي : من قال إن المراد بالسماء السحاب قال إن الله تعالى أصعد الاجزاء المائية من قعر الارض ومن البحار إلى السماء حتى صارت عذبة صافية بسبب ذلك التصعيد ، ثم إن تلك الذرات تأتلف وتتكيف ( 1 ) ثم ينزله الله على قدر الحاجة إليه ، ولولا ذلك لم ينتفع بتلك المياه لتفرقها في قعر الارض ، ولا بماء البحر لملوحته ، ولانه لا حيلة في إجراء مياه البحار على وجه الارض ، لان البحار هي الغاية في العمق .
وهذه الوجوه إنما يتمحلها من ينكر الفاعل المختار ، وأما من أقر به فلا حاجة له إلى شئ منها .
" بقدر " أي بتقدير يسلمون معه من المضرة ويصلون به إلى المنفعة في الزرع والغرس والشرب
__________________________________________________________________
( 1 ) في المصدر : تتكون .
[363]
وبمقدار ما علمنا من حاجاتهم ومصالحهم .
" فأسكناه في الارض " قيل : جعلناه ثابتا في الارض ، قال ابن عباس : أنزل الله تعالى من الجنة خمسة أنهار : سيحون وجيحون ، ودجلة ، والفرات ، والنيل ، ثم يرفعها عند خروج يأجون ومأجوج ويرفع أيضا القرآن .