وقيل : إنها سبع الاولى طبقة للنار ، وطبقة للماء ، والطبقات الثلاث الاخيرة التي تعلقت بالارض بحالها على النحو المذكور ، والهواء ينقسم إى طبقتين باعتبار مخالطة الابخرة وعدمها : كرتي الارض والماء بسبب أشعة الشمس وغيرها من الكواكب ، لان تلك الهيآت تنتهي في ارتفاعها إلى حد لا يتجاوزه ، وهو من سطح الارض وجميع نواحيها أحد وخمسون ميلا وكسر قريب من تسعة عشر فرسخا ، فمن هذه النهاية إلى كرة الاثير هو الهواء الصافي ، وهو شفاف لا يقبل النور والظلمة والالوان كالافلاك .
وثانيتهما هي الهواء المتكاثف بما فيهما من الاجزاء الارضية والمائية ، وشكل هذا الهواء شكل كرة محيطة بالارض والماء على مركزها وسطح مواز لسطحها لتساوي غاية ارتفاع الهيئات المذكورة عن مركز الارض في جميع النواحي المستلزم لكرية هذه الطبقة ، لكنها مختلفة القوام ، لان الاقرب إلى الارض أكثف من الابعد لان الالطف يتصاعد أكثر من الاكثف ، لكن لا يبلق في التكاثف بحيث يحجب ماوراءه عن الابصار ، وهذه الكرة تسمى كرة البخار ، وعالم النسيم يعني مهب الرياح ، لان ما فوقها من الهواء الصافي ساكن لا يضطرب ، وتسمى كرة الليل والنهار ، إذ هي القابلة للنور والظلمة بما فيها من الاجزاء الارضية والمائية القابلة لهما دون ما عداهما من الهواء الصافي .
وقال بعض المحققين منهم : الاولى أن يقال : طبقات العنصريات سبع : اوليها طبقة النار الصرفه ، وثانيتها طبقة الهواء الصافي الذي يصل إليه الدخان ، و ثالثتها طبقة الهواء الذي يصل الدخان إليه ولم يصل إليه البخار ، ويتكون في الطرف الاعلى منه النيازك وشبهها ، وفي الطرف الادنى منه الشهب ، ورابعتها طبقة الهواء

[343]

الذي يصل إليه البخار ويبقى على برودته الحاصلة ، وهي الطبقة الزمهريرية التي تتكون فيها السحب والرعد والبرق والصواعق ، وخامستها طبقة الهواء الكثيف المجاور للارض والماء ، وسادستها طبقة الماء ، وسابعتها طبقة الارض .
وهو الترتيب المختار عند بعض في تفسير قوله تعالى " الله الذي خلق سبع سماوات ومن الارض مثلهن " بأن يكون المراد بالارض غير السماوات وما فيها .
وقالوا : إن الزرقة التي يظن الناس أنها لون السماء فإنها تظهر في كرة البخار ، لانه لما كان الالطف منه أشد صعودا عن الاكثف كانت الاجزاء القريبة من سطح كرة البخار أقل قبولا للضوء ، لكثرة البعدو اللطافة من الاجزاء القريبة من الارض ، ولهذا تكون كالظلمة بالنسبة إلى هذه الاجزاء ، فيرى الناظر في كرة البخار لونا متوسطا بين الظلام والضياء ، لان الناظر إذا رأى شيئا مظلما من خلف شئ مضئ رأى لونا مخلوطا من الظلمة والضياء ، أو لان كرة البخار مستضيئة دائما بأشعة الكواكب وماوراءها لعدم قبول الضوء كالمظلم بالنسبة إليها ، فإذا نفذ نور البصر من الاجزاء المستنيرة بأشعة الكواكب ووصل إلى المظلم رأى الناظر مافوقه من الجو المظلم بما يمازجه من الضياء الارضي والضياء الكوكبي لونا متوسطا بين الظلام والضياء وهو اللون اللاجوردي ، كما إذا نظرنا من وراء جسم مشف أحمر مثلا إلى جسم أخضر فإنه يظهر لنا لون مركب من الحمراء والخضرة ، وهذا اللون اللاجوردي أشد الالوان مناسبة وتقوية بالنسبة إلى الابصار ، فظهوره للابصار إنما هو من العناية الالهية ليكون للناظرين المتأملين في السماوات لذة ، وقوة للابصار في
-بحار الانوار جلد: 52 من صفحه 343 سطر 19 إلى صفحه 351 سطر 18 النظر ، كما يكون لعقولهم لذة عقليه في التأمل فيها .
اقول : هذا ما قالوا في ذلك رجما بالغيب وأخذا بالظن ، والله يعلم حقائق مخلوقاته وحججه الكرام عليهم السلام .

[344]


باب 28 : السحاب والمطر والشهاب والبروق والصواعق والقوس وسائر ما يحدث في الجو


الايات : البقرة : الذي جعل لكم الارض فراشا والسماء بناء وأنزل من المساء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوالله أندادا وأنتم تعلمون ( 1 ) وقال تعالى : إن في خلق السماوات والارض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيى به الارض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والارض لآيات لقوم يعقلون ( 2 ) .
الانعام : وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شئ ( 3 ) .
الاعراف : وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون ( 4 ) .
الرعد : هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال ( 5 ) .

__________________________________________________________________
( 1 ) البقرة : 22 .
( 2 ) البقرة : 64 .
( 3 ) الانعام : 99 .
( 4 ) الاعراف : 57 .
( 5 ) الرعد : 12 13 .

[345]

ابراهيم : وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم ( 1 ) .
الحجر : إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين ( 2 ) .
وقال تعالى : وإن من شئ إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقينا كموه وما أنتم له بخازنين ( 3 ) .
النحل : وهو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون ( 4 ) .
وقال تعالى : والله أنزل من السماء ماء فأحيى به الارض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون ( 5 ) .
الحج : وترى الارض ها مدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ( 6 ) .
وقال تعالى : ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الارض مخضرة إن الله لطيف خبير ( 7 ) .
المومنون : وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الارض ، وإنا على ذهاب به لقادرون فأشألكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون ( 8 ) .
النور : ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالابصار يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك

__________________________________________________________________
( 1 ) ابراهيم : 32 ( 2 ) الحجر : 18 .
( 3 ) الحجر : 21 22 .
( 4 ) النحل : 10 .
( 5 ) النحل : 65 .
( 6 ) الحج : 5 .
( 7 ) الحج : 63 .
( 8 ) المؤمنون : 18 19 .

[346]

لعبرة لاولي الابصار ( 1 ) .
الفرقان : وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا ( 2 ) .
النمل : وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرهاءإله مع الله - إلى قوله تعالى - ومن يرزقكم من السماء والارض ( 3 ) .
العنكبوت : ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيى به الارض من بعد موتها ليقولن الله ( 4 ) .
الروم : ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الارض بعد موتها أن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ( 5 ) .
وقال تعالى : الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباه إذاهم يستبشرون وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الارض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شئ قدير ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون ( 6 ) .
لقمان : وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم ( 7 ) .

__________________________________________________________________
( 1 ) النور : 43 44 .
( 2 ) الفرقان : 48 50 .
( 3 ) النمل : 60 64 .
( 4 ) العنكبوت : 63 .
( 5 ) الروم : 24 .
( 6 ) الروم : 48 51 .
( 7 ) لقمان : 10 .

[347]

فاطر : والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الارض بعد موتها كذلك النشور ( 1 ) .
الصافات : إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب ( 2 ) .
الزمر : ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الارض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى لاولي الالباب ( 3 ) .
المؤمن : هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا ( 4 ) .
حمعسق : هو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد ( 5 ) .
الزخرف : والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون ( 6 ) .
الجاثية : واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيى به الارض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون ( 7 ) .
ق : ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج ( 8 ) .
الذاريات : والذاريات ذروا فالحاملات وقرا فالجاريات يسرا فالمقسمات أمرا ( 9 ) .

__________________________________________________________________
( 1 ) فاطر 9 .
( 2 ) الصافات : 10 .
( 3 ) الزمر : 21 .
( 4 ) المؤمن : 13 .
( 5 ) الشورى : 28 .
( 6 ) الزخرف : 11 .
( 7 ) الجاثية : 5 .
( 8 ) ق : 9 11 .
( 9 ) الذاريات : 1 4 .

[348]

القمر : ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر ( 1 ) .
الواقعة : أفرأيتم الماء الذي تشربونءأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون لو نشاء جعلناه اجاجا فلولا تشكرون ( 2 ) .
الجن : وإنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا وإنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجدله شهابا رصدا إلى قوله تعالى و أن لو استقاموا على الطريقة لاسقيناهم ماء غدقا ( 3 ) .
تفسير : " وأنزلنا من السماء ماء " قال البيضاوي : خروج الثمار بقدرة الله ومشيته ولكن جعل الماء الممزوج بالتراب سببا في إخراجها ومادة لها كالنطفة للحيوان بأن أجرى عادته بإفاضة صورها وكيفياتها على المادة الممزوجة منهما أو أبدع في الماء قوة فاعلة وفي الارض قوة قابلة تتولد من اجتماعهما أنواع الثمار وهو قادر على أن يوجد الاشياء كلها بلا أسباب ومواد ، كما أبدع نفوس الاسباب والمواد ، ولكن له في إنشائها مدرجا من حال إلى حال صنعا وحكما يجدد فيها لاولي الابصار عبرا وسكونا إلى عظم قدرته ليس في إيجادها دفعة ، و " من " الاولى للابتداء سواء اريد بالسماء السحاب فإن ما علاك سماء ، أو الفلك ، فإن المطر يبتدئ من السماء إلى السحاب ومنه إلى الارض على ما دلت عليه الظواهر أو من أسباب سماوية تثير الاجزاء الرطبة من أعماق الارض إلى جو الهواء فتنعقد سحابا ماطرا ( 4 ) .
" إن في خلق السماوات والارض " قيل : إنما جمع السماوات وأفرد الارض لان السماوات طبقات متفاصلة بالذات مختلفة بالحقيقة بخلاف الارضين " بما ينفع الناس " أي ينفعهم أو بالذي ينفعهم " وما أنزل الله من السماء من ماء " " من " الاولى

__________________________________________________________________
( 1 ) القمر : 11 .
( 2 ) الواقعة " 68 70 .
( 3 ) الجن : 8 16 .
( 4 ) انوار التنزيل : ج 1 ، ص 46

[349]

للابتداء ، والثانية للبيان .
وقال البيضاوي : السماء يحتمل الفلك والسحاب وجهة العلو ( 1 ) .
وقال الرازي : فإن قيل : أفتقولون إن الماء ينزل من السماء على الحقيقة أو من السحاب أو تجوزون ما قاله بعضهم من أن الشمس تؤثر في الارض فتخرج منها أبخرة متصاعدة ، فإذا وصلت الجو بردت فثقلت فنزلت من فضاء المحيط إلى ضيق المركز اتصلت ، فتتولد من اتصال بعض تلك الذرات بالبعض قطرات هي قطرات المطر .
قلنا : بل نقول : إنه ينزل من السماء كما ذكر الله تعالى وهو الصادق في خبره ، وإذا كان قادرا على إمساك الماء في السحاب فأي بعد في أن يمسكه في السماء ؟ وأما قول من يقول إنه من بخار الارض فهذا ممكن في نفسه لكن القطع بأنه كذلك لا يمكن إلا بعد القول بنفي الفاعل المختار وقدم العالم وذلك كفر ، لانا متى جوزنا أن الفاعل المختار قادر على خلق الجسم فكيف يمكننا مع إمكان هذا القسم أن نقطع بما قالوه ؟ ( 2 ) ( انتهى ) .
" فأحيى به الارض " أي بالنبات مجازا " وبث فيها من كل دابة " قال البيضاوي : عطف على " أنزل " كأنه استدل بنزول المطر وتكون النبات به و بث الحيوانات في الارض ، أو على " أحيى " فإن الداوب ينمون بالخصب و يعيشون بالحيا ، والبث النشر والتفريق ( 3 ) وقال الرازي في تصريف الرياح وجه الاستدلال أنها مخلوقه على وجه يقبل التصريف وهو الرقة اللطافة ، ثم إنه سبحانه يصرفها على وجوه ( 4 ) يقع بها النفع العظيم في الانسان والحيوانات ثم ذلك من وجوه : أحدها أنها مادة النفس التي لو انقطع ساعة عن الحيوان لمات لا جرم كان وجدانه أسهل من وجدان كل شئ ، وبعد الهواء الماء ، لان الماء لابد

__________________________________________________________________
( 1 ) انوار التنزيل : ج 1 ، ص 126 .
( 2 ) مفاتيح الغيب : ج 2 ، ص 100 ، لكن مع وجود الدلائل القاطعة الحاصلة من التجارب العلمية يمكن حصول العلم العادى به كحصول العلم بوجود سائر المعاليل الطبيعية عند وجود عللها ( 3 ) انوار التنزيل : ج 1 ، ص 126 .
( 4 ) في المصدر : على وجه يقع به .

[350]

فيه من تكلف الاغتراف بخلاف الهواء ، فإن الآلات المهيأه لجذبه حاضرة أبدا ثم بعد الماء الحاجة إلى الطعام شديدة لكن دون الحاجة إلى الماء ، فلا جرم كان تحصيل الطعام أصعب من تحصيل الماء ، وبعد الطعام الحاجة إلى تحصيل المعاجين والادوية النادرة قليلة ، فلا جرم عزت هذه الاشياء ، وبعد المعاجين الحاجة إلى أنواع الجواهر من اليواقيت والزبرجد نادرة جدا ، ولا جرم كانت في نهاية العزة فثبت أن كلما كان الاحتجاج إليه أشد كان وجدانه أسهل ، وكلما كان الاحتياج إليه أقل كان وجدانه أصعب ، وما ذلك إلا رحمة منه على العباد ، ولما كانت الحاجة إلى رحمة الله أعظم الحاجات نرجو أن يكون وجدانها أسهل من وجدان كل شئ .
وثانيها لولا تحرك الهواء لما جرت الفلك ، وهذا مما لا يقدر عليه [ احد ] إلا الله تعالى ، فلو أراد كل [ من في ] العالم أن يقلب الريح من الشمال إلى الجنوب إذا كان الهواء ساكنا أن يحركه لتعذر .
" والسحاب المسخر بين السماء والارض " سمي السحاب سحابا لا نسحابه في الهواء ، ومعنى التسخير التذليل ، وإنما سماه مسخرا لوجوه : أحدها أن طبع الماء يقتضي النزول ، فكان بقاؤه في جو الهواء على خلاف الطبع ، فلابد من قاهر يقسره على ذلك ، ولذلك سماه بالمسخر .
الثانى أن هذا السحاب لو دام لعظم ضرره من حيث إنه يسترضوء الشمس ويكثر الامطار ، ولو انقطع لعظم ضرره لانه يفضي إلى القحط وعدم العشب .
الثالث أن السحاب لا يقف في موضع معين بل يسوقه الله تعالى بواسطة تحريك الرياح إلى حيث أراد وشاء ، وذلك هو التسخير ( 1 ) ( انتهى ) .
" لآيات لقوم يعقلون " قال البيضاوي : يتفكرون فيها وينظرون إليها بعيون عقولهم ، والكلام المجمل في دلالة هذه الآيات على وجود الاله ووحدته أنها امور ممكنة وجد كل منها بوجه مخصوص من وجوه محتملة وأنحاء مختلفة .
إذ كان من الجائز مثلا أن لا تتحرك السماوات أو بعضها كالارض ، وأن تتحرك بعكس حركتها

__________________________________________________________________
( 1 ) مفاتيح الغيب : ج 2 ، ص 102 .

[351]

وبحيث تصير المنطقة دائرة مارة بالقطبين ، وأن لا يكون لها أوج وحضيض أصلا أو على هذا الوجه لبساطتها وتساوي أجزائها ، فلابد لها من موجد قادر حكيم يوجدها على ما تستدعيه حكمته ، وتقتضيه مشيته ، متعاليا عن معارضة غيره ، إذ لو كان معه إله يقدر على ما يقدر عليه [ الآخر ] فإن توافقت إرادتهما فالفعل إن كان لهما لزم اجتماع مؤثرين على أثر واحد ، وإن كان لاحدهما لزم ترجيح الفاعل بلا مرجح وعجز الآخر النافي لالهيته ، وإن اختلفت لزم التمانع والتطارد ، كما أشار إليه بقوله تعالى " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ( 1 ) " ( انتهى ) .
وأقول : قد مر في كتاب التوحيد بسط القول في الاستدلال بحدوث تلك الاشياء وإمكانها على افتقارها إلى صانع قديم واجب بذاته ، واشتمالها على الحكم المتناهية على قدرته سبحانه وعلمه وحكمته ولطفه ، وبانتظامها وتلازمها على وحدة صانعها ، فلا نعيد الكلام فيها .
" وهو الذي أنزل من السماء ماء " قال الرازي : اختلف الناس فيه ، فقال الجبائي : إنه تعالى ينزل الماء من السماء ألى السحاب ومن السحاب إلى الارض قال : لان ظاهر النص يقتضي نزول المطر من السماء ، والعدول عن الظاهر إلى التأويل إنما يحتاج إليه عند قيام الدليل على أن إجراء اللفظ على ظاهره غير ممكن وفي هذا الموضع لم يقم دليل على امتناع نزول المطر من السماء ، فوجب إجراء اللفظ على ظاهره .
وأما قول من يقول : إن البخارات الكثيرة تجتمع في باطن الارض ثم تصعد وترتفع إلى الهواء فينعقد الغيم منها ويتقاطر وذلك هو المطر
-بحار الانوار جلد: 52 من صفحه 351 سطر 19 إلى صفحه 359 سطر 18 فقد احتج الجبائي على فساده بوجوه : الاول أن البرد قد يوجد في وقت الحر [ بل ] في صميم الصيف ، ونجد المطر في أبرد وقت ينزل غير جامد ، وذلك يبطل قولهم .
الثانى أن البخارات إذا ارتفعت وتصاعدت وتفرقت لم يتولد منها قطرات الماء .
الثالث لو كان تولد المطر من صعود البخارات فالبخارات دائمة الارتفاع من البحار .
فوجب أن يدوم هناك نزول المطر ، وحيث لم يكن الامر كذلك علمنا

__________________________________________________________________
( 1 ) انوار التنزيل : ج 1 ، ص 126 .

[352]

فساد قولهم .
قال : فثبت بهذه الوجوه أنه ليس تولد المطر من بخار الارض .
ثم قال : والقوم إنما احتاجوا إلى هذا القول لانهم اعتقدوا أن الاجسام قديمة ، وإذا كان الامر كذلك امتنع دخول الزيادة والنقصان فيها ، وحينئذ لا معنى لحدوث الحوادث إلا اتصاف تلك الذوات ( 1 ) بصفة بعد أن كانت موصوفة بصفات اخرى فلهذا السبب احتالوا في تكوين كل شئ عن مادة معينة .
وأما المسلمون فلما اعتقدوا أن الاجسام محدثة وأن خالق العالم فاعل مختار قادر على خلق الاجسام كيف شاء وأراد فعند هذا لا حاجة إلى استخراج هذه التكلفات فثبت أن ظاهر القرآن يدل على أن الماء إنما ينزل من السماء ، ولا دليل على امتناع هذا الظاهر ، فوجب القول بحمله على ظاهره فثبت أن الحق سبحانه ينزل المطر من السماء بمعنى أنه يخلق هذه الاجسام في السماء ، ثم ينزلها إلى السحاب ثم من السحاب إلى الارض .
والقول الثانى : المراد : أنزل من جانب المساء ماء .
القول الثالث : أنزل من السحاب ماء ، وسمى الله السحاب سماء لان العرب تسمي كل ما فوقك سماء ، كسماء البيت .
ثم قال : نقل الواحدي في البسيط عن ابن عباس : يريد بالماء ههنا المطر ( 2 ) .
أقول : ورجح في موضع آخر نزول المطر من السحاب ، قال لان الانسان ربما كان واقفا على قلة جبل عال ويرى الغيم أسفل ، فإذا نزل من ذلك الجبل يرى ذلك الغيم ماطرا عليهم ، وإذا كان هذا الامر مشاهدا بالبصر كان النزاع فيه باطلا ، ولا ينزل نقطة من المطر إلا ومعها ملك .
والفلاسفة يحملون ذلك الملك على الطبيعة الحالة في تلك الجسمية الموجبة لذلك النزول ( 3 ) ( انتهى ) .
" وهو الذي يرسل الرياح بشرا " منهم من قرأ " نشرا " بضم النون والشين .

__________________________________________________________________
( 1 ) في المصدر : الذرات .
( 2 ) مفاتيح الغيب : ج 4 ، ص 153 .
( 3 ) ص 154 .

[353]

جمع نشور مثل رسل ورسول ، أي رياحا منشرة مفرقة من كل جانب ، وقرأ ابن عامر بضم النون وإسكان الشين بتخفيف العين ، وقرأ حمزة بفتح النون وإسكان الشين مصدر نشرت الثوب ضد طويته ، وهنا بمعنى المفعول ، أو بمعنى الحياة فهو بمعنى الفاعل ، وقرأ عاصم بالباء جمع بشير أي مبشرات بالمطر أو الرحمة " حتى إذا أقلت سحابا ثقالا " قال الرازي : يقال أقل فلان الشئ إذا حمله ، أي حتى إذا حملت هذه الرياح سحابا ثقالا بما فيها من الماء ، والمعنى أن السحاب المسيطر بالمياه العظيمة إنما يبقى معلقا في الهواء لانه تعالى دبر بحكمته أن يحرك الرياح تحريكا شديدا ، فيحصل منها فوائد : أحدها أن أجزاء السحاب ينضم بعضها إلى بعض و يتراكم وينعقد السحاب الكثيف الماطر وثانيها أن بسبب تلك الحركات الشديدة التي في تلك الرياح يمنة ويسرة يمتنع على تلك الاجزاء المائية النزول ، فلا جرم يبقى معلقا في الهواء وثالثها أن بسبب حركات تلك الرياح ينساق السحاب من موضع إلى موضع آخر ، وهو الموضع الذي علم الله تعالى احتياجهم إلى نزول الامطار وانتفاعهم بها .