وذهب أنكسا غورس وأصحابه إلى الخلط والكمون والبروز ، وأنكروا التغيير في الكيفية والصورة ، وزعموا أن الاركان الاربعة لا يوجد شئ منها صرفا ، بل هي تختلط من تلك الطبائع النوعية كاللحم والعظم والعصب والتمرو العسل والعنب وغير ذلك ، وإنما سمي بالغالب الظاهر منها ، ويعرض لها عند ملاقاة الغير أن يبرز منها ما كان كامنا فيها فيغلب ويظهر للحس بعد ما كان مغلوبا غائبا عنه ، لا على أنه حدث بل على أنه برز ، ويكمن فيها ما كان بارزا فيصير مغلوبا وغائبا بعدما كان غالبا وظاهرا .
وبإزائهم قوم زعموا أن الظاهر ليس على سبيل البروز : بل على سبيل النفوذ من غيره فيه ، كالماء مثلا فإنه إنما يتسخن بنفوذ أجزاء نارية فيه من النار والمجاورة له وهذان القولان سخيفان ، والمشهور عندهم أن العناصر تفعل بعضها في بعض ، فيستحيل في كيفيتها وتحصل للجميع كيفية متوسطة متشابهة هي المزاج ، فتستعد بذلك لافاضة صورة مناسبة لها من المبدأ .
ثم المشهور بينهم أن النار التي تسطع عند ملاقاة الحجر والحديد أو عند احتكاك الخشبتين الرطبتين أو اليابستين إنما هي بانقلاب الهواء الذي بينهما نارا بسبب حرارة حدثت فيه من الاصطكاك والاحتكاك ، لا بأن يخرج من الحجر أو الحديد أو الشجر نار ، وظواهر الآيات والاخبار المتقدمة لا ينافي ذلك .
وأما قوله عليه السلام في حديث هشام " إن النار في الاجسام كامنة " فالمراد بها إما النار التي تركب الجسم منها ومن سائر العناصر أو المعنى أن ما هو سبب لاحداث النار حاصل في الاجسام وإن انطفت النيران المتولدة منها وانقلبت هواء ، والاول أظهر .
والحاص أن قياسك الروح على نار الفتيلة وغيرها حيث لم يمكن إعادتها إلى الاجسام قياس مع الفارق ، فإن الروح إما جسم أو جوهر مجرد ثابت محفوظ يمكن إعادته ، والنار الذي ( 1 ) ذكرت انقلبت هواء وذهبت ، فعلى تقدير استحالة

__________________________________________________________________
( 1 ) التى ( ظ ) .

[333]

إعادتها لا توجب إعادة الروح ، بل ما يشبه الروح هو النار الكامن في الجسم الموجود فيه لا هذا الضوء الذاهب ، وأما نار الشجرة فذات احتمالات أو مأنا إليها سابقا .

باب 27 : الهواء وطبقاته وما يحدث فيه من الصبح والشفق وغيرهما


الايات : الانعام : فالق الاصباح ( 1 ) .
( 2 ) المدثر : والصبح إذا أسفر ( 2 ) .
التكوير : والصبح إذا تنفس ( 3 ) .
الانشقاق : فلا اقسم بالشفق * والليل وما وسق * والقمر إذا اتسق ( 4 ) .
الفجر : والفجر ( 5 ) .
تفسير : " إذا تنفس " قال الرازي : إشارة إلى تكامل طلوع الصبح ، وفي كيفية المجاز قولان : أحدهما أنه إذا أقبل الصبح أقبل بإقباله روح ونسيم فجعل ذلك نفسا له على المجاز ، والثانى أنه شبه الليل المظلم بالمكروب المحزون الذي خنق بحيث لا يتحرك واجتمع الحزن في قلبه ، وإذا تنفس وجد راحة فههنا لما طلع الصبح فكأنه تخلص من ذلك الحزن ، فعبر عنه بالتنفس ، وهو استعارة لطيفة ( 6 ) .
" فلا اقسم بالشفق " أي بالحمرة التي عند المغرب في الافق ، وقيل : البياض

__________________________________________________________________
( 1 ) الانعام : 96 .
( 2 ) المدثر : 34 .
( 3 ) التكوير : 18 .
( 4 ) الانشقاق : 16 18 .
( 5 ) الفجر : 1 .
( 6 ) مفاتيح الغيب : ج 8 ، ص 484 .

[334]

" والليل وما وسق " أي وما جمع وما ضم مما كان منتشرا بالنهار ، وقيل : وما ساق ، لان ظلمة الليل تسوق كل شئ إلى مسكنه ، وقيل : وما طرد من الكواكب فإنها تظهر بالليل وتخفى بالنهار " والقمر إذا اتسق " أي إذا استوى واجتمع و تكامل وتم " والفجر " أقسم بفجر النهار وهو انفجار الصبح كل يوم ، وقيل : أراد بالفجر النهار كله .
واعلم أن المذكور في كتب الحكماء والرياضيين هو أن الصبح والشفق الاحمر والابيض إنما يظهر من وقوع ضوء الشمس على كرة البخار ، قالوا : المستضيئ بالشمس من كرة الارض أكثر من نصفها دائما ، لما بين في محله أن الكرة الصغرى إذا قبلت الضوء من الكبرى كان المستضيئ منها أعظم من نصفها ، و ظل الارض على هيئة مخروط يلازم رأسه مدار الشمس وينتهي في فلك الزهرة كما علم بالحساب ، والنهار مدة كون المخروط تحت الافق ، والليل مدة كونه فوقه فإذا ازداد قرب الشمس من شرقي الافق ازداد ميل المخروط إلى غربيه ، ولا يزال كذلك حتى يرى الشعاع المحيط به ، وأول ما يرى منه هو الاقرب إلى موضع الناظر ، لانه صدق رؤيته ، وهو موقع خط يخرج من بصره عمودا على الخط المماس للشمس والارض ، فيرى الضوء مرتفعا عن الافق مستطيلا ، وما بينه وبين الافق مظلما لقربه من قاعدة المخروط الموجب لبعد الضوء هناك عن الناظر ، وهو الصبح الكاذب .
ثم إذا قربت الشمس جدا يرى الضوء معترضا وهو الصبح الصادق ثم يرى محمرا والشفق بعكس الصبح يبدو محمرا ، ثم مبيضا معترضا ، ثم مرتفعا مستطيلا ، فالصبح والشفق متشابهان شكلا ، ومتقابلان وضعا ، لان هيئة آخر غروب الشمس مثل أول طلوع الفجر ، ويختلفان لونا بسبب اختلاف كيفية الهواء المخلوط ، فإن لون البخار في جانب المشرق مائل إلى الصفا والبياض ، لا كتسابه الرطوبة من برودة الليل ، وفي جانب المغرب مائل إلى الصفرة لغلبة الجزء الدخاني المكتسب بحرارة النهار ، والجسم الكثيف كلما كثر صفاؤه وبياضه ازداد قبوله للضوء ، وكان الشعاع المنعكس منه أقوى من المنعكس من غيره ، وقد عرف بالآلات

[335]

الرصدية أن انحطاط الشمس من الافق عند طلوع الصبح الاول وآخر غروب الشفق يكون ثمانية عشر درجة من دائرة الارتفاع المارة بمركز الشمس في جميع الآفاق ، ولكن لاختلاف مطالع قوس الانحطاط تختلف الساعات التي بين طلوع الصبح والشمس ، وكذا بين غروب الشمس والشفق .
قال العلامة رحمه الله في كتاب المنتهى : اعلم أن ضوء النهار من ضياء الشمس وإنما يستضيئ بها ما كان كذا في نفسه كثيفا في جوهره كالارض والقمر وأجزاء الارض المتصلة والمنفصلة ، وكلما يستضيئ من جهة الشمس فإنه يقع له ظل من ورائه ، وقد قدر الله تعالى بلطف حكمته دوران الشمس حول الارض ( 1 ) فإذا كانت تحتها وقع ظلها فوق الارض على شكل مخروط ، ويكون الهواء المستضيئ بضياء الشمس محيطا بجوانب ذلك المخروط ، فتستضيئ نهايات الظل بذلك الهواء المضيئ ، لكن ضوء الهواء ضعيف إذ هو مستعار ، فلا ينفذ كثيرا في أجزاء المخروط بل كلما ازداد بعدا ازداد ضعفا ، فإذن متى تكون في وسط المخروط تكون في أشد الظلام ، فإذا قربت الشمس من الافق الشرقي مال مخروط الظل عن سمت الرأس وقربت الاجزاء المستضيئة في حواشي الظل بضياء الهواء من البصر ، وفيه أدنى قوة فيدركه البصر عند قرب الصباح ، وعلى هذا كلما ازدادت الشمس قربا من الافق ازداد ضوء نهايات الظل قربا من البصر إلى أن تطلع الشمس ، وأول ما يظهر الضوء عند قرب الصباح يظهر مستدقا مستطيلا كالعمود ، ويسمى الصبح الكاذب ويشبه بذنب السرحان لدقته واستطالته ، ويسمى الاول لسبقه على الثاني ، و
-بحار الانوار جلد: 52 من صفحه 335 سطر 19 إلى صفحه 343 سطر 18 الكاذب لكون الافق مظلما ، أي لو كان يصدق أنه نور الشمس لكان المنير مما يلي الشمس دون ما يبعد منه ، ويكون ضعيفا دقيقا ويبقى وجه الارض على ظلامه بظل الارض ، ثم يزداد هذا الضوء إلى أن يأخذ طولا وعرضا فينبسط في أرض الافق كنصف دائرة وهو الفجر الثاني الصادق لانه صدقك عن الصبح وبينه لك .
1 الكافى : عن علي بن محمد ومحمد بن الحسن ، عن سهل بن زياد ، عن ابن

__________________________________________________________________
( 1 ) على ما كان يراه مشهور قدماء الفلكيين .

[336]

محبوب ، عن أبي ولاد ، قال : قال أبوعبدالله عليه السلام : إن الله خلق حجابا من ظلمة مما يلي المشرق ، ووكل به ملكا ، فإذا غابت الشمس اغترف ذلك الملك غرفة بيديه ( 1 ) ثم استقبل بها المغرب يتبع الشفق ، ويخرج من بين يديه قليلا قليلا ويمضي فيوافي المغرب عند سقوط الشفق ، فيسرح في الظلمة ثم يعود إلى المشرق ، فإذا طلع الفجر نشر جناحيه فاستاق الظلمة من المشرق إلى المغرب حتى يوافي بها المغرب عند طلوع الشمس ( 2 ) .
بيان : هذا الخبر من معضلات الاخبار ، ولعله من غوامض الاسرار ، و " من " في قوله عليه السلام " من ظلمة " يحتمل البيان والتبعيض ، والاستياق : السوق ولعل الكلام مبني على استعارة تمثيلية لبيان أن شيوع الظلمة واشتدادها تابعان لقلة الشفق وغيبوبته وكذا العكس ، وأن جميع ذلك بتدبير المدبر الحكيم ، و بتقدير العزيز العليم .
وربما يؤول الخبر بأن المراد بالحجاب الظلماني ظل الارض المخروطي من الشمس ، وبالملك الموكل به روحانية الشمس المحركة لها الدائرة بها ، وبإحدى يديه القوة المحركة لها بالذات التي هي سبب لنقل ضوئها من محل إلى آخر ، وبالاخرى القوة المحركة لظل الارض بالعرض بتبعية تحريك الشمس التي هي سبب لنقل الظلمة من محل إلى آخر ، وعوده إلى المشرق إنما هو بعكس البدء بالاضافة إلى الضوء والظل وبالنسبة إلى فوق الارض وتحتها ونشر جناحيه كأنه كناية عن نشر الضوء من جانب والظلمة من آخر .
وأقول : لعل السكوت عن أمثال ذلك ورد علمها إلى الامام عليه السلام أحوط وأولى .
2 الكافى : عن محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن أحمد بن أشيم عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : سمعته يقول : وقت المغرب إذا ذهبت الحمرة من المشرق ، وتدري كيف ذلك ؟ قلت : لا ، قال : لان المشرق مطل

__________________________________________________________________
( 1 ) في المصدر : بيده .
( 2 ) الكافي : ج 3 ، ص 279 .

[337]

على المغرب هكذا ورفع يمينه فوق يساره فإذا غابت ههنا ذهبت الحمرة من ههنا ( 1 ) .
بيان : أطل عليه أي أشرف ، وفي بعض النسخ بالظاء المعجمة ، والمعنيان متقاربان ، والمراد بالمشرق إما النصف الشرقي من السماء ، أو ما قرب من الافق الشرقي منها ، والحاصل أن المغرب والمعتبر ( 2 ) في دخول وقت الصلوة والافطار هو غيبوبة القرص وذهاب آثاره من جانب المشرق مطلقا ، سواء كانت على الجدران والجبال أو على كرة البخار ، وسيأتي تمام القول في ذلك في كتاب الصلاة إن شاء الله تعالى .
3 الكافى : عن محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن الحجال ، عن ثعلبة ابن ميمون ، عن عمران الحلبي ، قال : سألت أبا عبدالله عليه السلام : متى تجب العتمة ؟ فقال : إذا غاب الشفق ، والشفق الحمرة .
فقال عبيدالله : أصلحك الله إنه يبقى بعد ذهاب الحمرة ضوء شديد معترض ، فقال أبوعبدالله عليه السلام : إن الشفق إنما هو الحمرة ، وليس الضوء من الشفق ( 3 ) .
4 ومنه : عن علي بن إبراهيم ، عن علي بن محمد القاساني ، عن سليمان ابن حفص المروزي ، عن أبي الحسن العسكري عليه السلام قال : إذا انتصف الليل ظهر بياض في وسط السماء شبه عمود من حديد تضئ له الدنيا ، فيكون ساعة ثم يذهب ويظلم ، فإذا بقي ثلث الليل ظهر بياض من قبل المشرق فأضاءت له الدنيا فيكون ساعة ثم يذهب ، فيكون ( 4 ) وقت صلاة الليل ، ثم يظلم قبل الفجر [ ثم يطلع الفجر ] الصادق من قبل المشرق .
وقال : ومن أراد أن يصلي صلاة الليل في نصف الليل فذاك له ( 5 ) .

__________________________________________________________________
( 1 ) الكافى : ج 3 ، ص 278 .
( 2 ) الغروب المعتبر ( خ ) .
( 3 ) الكافى : ج 3 ، ص 280 .
( 4 ) في المصدر : وهو .
( 5 ) الكافى : ج 3 ، ص 283 .

[338]

بيان : قوله " ويظلم " أي البياض مجازا ، وفي بعض النسخ بالتاء ، أي الدنيا ويمكن أن يكون المراد بالاضاءة ظهور الانوار المعنوية للمقربين بسبب فتح أبواب سماء الرحمة ، ونزول الملائكة لارشاد العباد وتنبيههم وندائهم إياهم من ملكوت السماوات ، كما ورد في سائر الرويات ، ويمكن أن تكون أنوارا ضعيفة تخفى على أكثر الناس في أكثر الاوقات وتظهر على أبصار العارفين الذين ينظرون بنور الله ، كما أن الملائكة يراهم الانبياء والاوصياء عليهم السلام ولا يراهم غيرهم .
وقد يقال ظهور البياض كناية عن نزول الملك الذي ينزل نصف الليل إلى سماء الدنيا لينادي العباد فتضئ له الدنيا ، أي يقوم الناس للعبادة فيظهر له نور من الارض بسبب عبادتهم ، كما ورد في الخبر أنهم يضيئون لاهل السماء .
" ثم يذهب " لانهم ينامون قليلا كما ورد من سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله ثم يقومون إذا بقي ثلث الليل .
وظهور البياض من قبل المشرق ، لان الملك ينتقل إليه " ثم يظلم قبل الفجر " أي ينامون قليلا .
وبالجملة الخبر من المتشابهات وعلمه عند من صدر عنه إن لم يكن من الموضوعات .
5 الخرائج : روي عن صفوان الجمال ، قال كنت بالحيرة مع أبي عبدالله عليه السلام إذ أقبل الربيع وقال : أجب أمير المؤمنين .
فلم يلبث أن عاد ، قلت : أسرعت الانصراف ، قال : إنه سألني عن شئ فاسأل الربيع عنه ، فقال صفوان : و كان بيني وبين الربيع لطف ، فخرجت إلى الربيع وسألته ، فقال : أخبرك بالعجب إن الاعراب خرجوا يجتنون الكمأة فأصابوا في البر خلقا ملقى ، فأتوني به فأدخلته على الخليفة ، فلما رآه قال : نحه وادع جعفرا ، فدعوته فقال : يا أبا عبدالله أخبرني عن الهواء ما فيه ؟ قال : في الهواء موج مكفوف ، قال : ففيه سكان ؟ قال : نعم ، قال : وما سكانه ؟ قال : خلق أبدانهم أبدان الحيتان ، ورؤوسهم رؤوس الطير ، ولهم أعرفة كأعرفة الديكة ، ونغانغ كنغانغ الديكة ، وأجنحة كأجنحة الطير من ألوان أشد بياضا من الفضة المجلوة .
فقال الخليفة : هلم الطشت .
فجئت بها وفيها ذلك الخلق ، وإذا هو والله كما وصفه جعفر ، فلما خرج جعفر

[339]

قال : يا ربيع هذا الشجا المعترض في حلقي من أعلم الناس .
بيان : قال الفيروز آبادي : الكمء نبات معروف ، والجمع أكمؤ وكمأة أو هي اسم للجمع ، أو هي للواحد والكمء للجمع .
قال : النغنغ الفرج ذوالربلات وموضع بين اللهاة وشوارب الحنجور ، واللحمة في الحلق عند اللحام ( 1 ) ، والذي يكون عند ( 2 ) عنق البعير إذا اجتر تحرك .
وقال : الديك بالكسر : معروف والجمع ديوك وأدياك وديكة كقردة .
وقال : الشجا ما اعترض في الحلق من عظم ونحوه ( انتهى ) ولما كان عليه السلام مستحقا للخلافة متصفا بشرائطها دونه ولم يمكنه دفعه شبهه بالشجا المعترض في الحلق الذي لا يمكن إساغته ولا دفعه .
ولعل المراد بالموج المكفوف البحر المواج المكفوف عن السيلان ، ويحتمل أن يكون إشارة إلى البحر المحيط ، ويكون هذا الحيوان مما ارتفع منه مع السحاب ، لكن ظاهر هذا الخبر والخبر الآتي أنه بحر بين السماء والارض غير المحيط .
6 كشف الغمة : قال محمد بن طلحة : إن أبا جعفر محمد بن علي عليهم السلام لما توفي والده علي الرضا عليه السلام وقدم الخليفه إلى بغداد بعد وفاته بسنة اتفق أنه خرج إلى الصيد ، فاجتاز بطرف البلد في طريقه والصبيان يلعبون ومحمد واقف معهم وكان عمره يومئذ إحدى عشر سنة فما حولها ، فلما أقبل المأمون انصرف الصبيان هاربين ووقف [ أبوجعفر ] محمد عليه السلام فلم يبرح مكانه ، فقرب منه الخليفة ، فنظر إليه وكان الله عزوعلا قد ألقى عليه مسحة من قبول ، فوقف الخليفة وقال له : يا غلام ما منعك من الانصراف مع الصبيان ؟ فقال له محمد مسرعا : يا أميرالمؤمنين لم يكن بالطريق ضيق لا وسعه عليك بذهابي ، ولم يكن لي جريمة فأخشاها ، وظني بك حسن أنك لا تضر من لا ذنب له .
فوقف فأعجبه كلامه ووجهه ، فقال له : ما اسمك ؟ قال : محمد ، قال : ابن من أنت ؟ قال : يا أمير المؤمنين أنا ابن علي الرضا ، فترحم على أبيه وساق جواده إلى وجهته ، وكان معه بزاة ، فلما بعد عن العمارة أخذ بازيا

__________________________________________________________________
( 1 ) في القاموس : عند اللهازم .
( 2 ) فيه : فوق عنق .

[340]

فأرسله على دراجة ، فغاب عن عينه غيبة طويلة ، ثم عاد من الجو وفي منقاره سمكة صغيرة وبها بقايا الحياة ، فعجب الخليفة من ذلك غاية العجب ، ثم أخذها في يده إلى داره في الطريق الذى أقبل منه ، فلما وصل إلى ذلك المكان وجد الصبيان على حالهم ، فانصرفوا كما فعلوا أول مرة ، وأبوجعفر لم ينصرف ووقف كما وقف أولا ، فلما دنا منه الخليفة قال : يا محمد ! قال : لبيك يا أميرالمؤمنين ، قال : ما في يدي ؟ فألهمه الله عزوجل أن قال : يا أميرالمؤمنين إن الله تعالى خلق بمشيته في بحر قدرته سمكا صغارا تصيدها بزاة الملوك والخلفاء ، فيختبرون بها سلالة أهل النبوة ! فلما سمع المأمون كلامه عجب منه وجعل يطيل نظره إليه ، وقال : أنت ابن الرضا حقا ! وضاعف إحسانه إليه .
قال علي بن عيسى : إني رأيت في كتاب لم يحضرني الآن اسمه أن البزاة عادت وفي أرجلها حيات خضر ، وأنه سئل بعض الائمة فقال قبل أن يفصح عن السؤال : إن بين السماء والارض حيات خضر تصديها بزاة شهب يمتحن بها أولاد الانبياء وما هذا معناه والله أعلم ( 1 ) .
7 الدلائل للطبري : عن علي بن هبة الله ، عن الصدوق ، عن محمد بن موسى بن المتوكل عن علي بن الحسين السعد آبادي ، عن أحمد البرقي ، عن أبيه عن محمد بن سنان ، عن داوود بن كثير الرقي ، عن أبي عبدالله عليه السلام أنه لما خرج من عند المنصور نزل الحيرة ، فبينا هوبها إذ أتاه الربيع فقال : أجب أميرالمؤمنين فركب إليه وقد كان وجد في الصحراء صورة عجيبة لا تعرف خلقتها ذكر من وجدها أنه رآها وقد سقطت مع المطر ، فلما دخل عليه قال له : يا أبا عبدالله أخبرني عن الهواء أي شئ فيه ؟ قال : بحر مكفوف ، قال له : فله سكان ؟ قال : نعم قال : وما سكانه ؟ قال : أبدانهم أبدان الحيتان ، ورؤوسهم رؤوس الطير ، ولهم

__________________________________________________________________
( 1 ) وفي مفتاح الفلاح كما سيأتى نقله في الباب الاتى " ان الغيم حين اخذ من ماه البحر تداخله سمك صغار فتسقط منه فيصطادها الملوك فيمتحنون بها سلالة النبوة " .
والرواية كما تقدم مرسلة على ان نظائرها لا تخلو غالبا عن ضعف او ارسال والله اعلم بحقيقة الحال .

[341]

أعرفة كأعرفة الديكة ، ونغانغ الديكة وأجنحة كأجنحة الطير ، من ألوان أشد بياض من الفضة ، فدعا المنصور بالطست فإذا الخلق لا يزيد ولا ينقص ، فأذن له فانصرف ، ثم قال للربيع : ويلك يا ربيع ! هذا الشجا المعترض في حلقي من أعلم الناس .
8 شرح النهج : لمحمد بن الحسين الكيدرى ولابن ميثم رحمة الله عليهما قالا : روي أن زرارة وهشاما اختلفا في الهواء [ أ ] هو مخلوق أم لا ؟ فرفع إلى الصادق عليه السلام بعض مواليه وقال : إني متحير ، فإني أرى أصحابنا يختلفون فقال : ليس هذا بخلاف يؤدي إلى الكفر والضلال .
بيان : يدل على أن الخطاء في أمثال تلك الامور التي لا تعلق لها باصول الدين ولا فروعه لا يوجب ضلالا ووبالا ، يل يومئ إلى أن العلم بها ليس مما يورث للانسان فضلا وكمالا .
ثم إنه يحتمل أن يكون اختلافهما في وجود الهواء بمعنى الخلا والبعد الذي هو مكان عند المتكلمين كما ذكره ابن ميثم ، وقد تقدم كلامه في ذلك في الباب الاول ، ويحتمل أن يراد به الهواء الذي هو أحد العناصر .
فائدة : اعلم أن في عدد طبقات الهواء مع طبقات سائر العناصر بين الحكماء خلافا ، فقال نصير الملة والدين في التذكرة : طبقات العناصر ثمان : طبقة للنار الصرفة ، ثم طبقة لما يمتزج من النار والهواء الحار التي تتلاشى فيه الادخنة المرتفعة من السفل ، وتتكون فيها الكواكب ذوات الاذناب والنيازك وما يشبههما من الاعمدة وذوات القرون ونحوها ، وربما يوجد هذه الامور المتكونة في هذه الطبقة متحركة بحركة الفلك الاعظم ، ثم طبقة الهواء الغالب التي تحدث فيها الشهب ثم طبقة الزمهريرية الباردة التي هي منشا السحب والرعد والبرق والصواعق ثم طبقة الهواء الحار الكثيف المجاور للارض والماء ، ثم طبقة الماء ، وبعض هذه الطبقة منكشفة عن الارض عنايه من الحضرة الالهية لتكون مسكنا للحيوانات المتنفسة ثم طبقة الارض المخالطة لغيرها التي تتولد فيها الجبال والمعادن وكثير من النباتات والحيوانات ، ثم طبقة الارض الصرفة المحيطة بالمركز .

[342]

وقيل : إنها تسع ثامنها الطبقة الطينية التي يخلط فيها الارض بالماء ، و تاسعها طبقة الارض الصرفة ، وباقي الطبقات على النحو المذكور .
وقيل : إنها سبع : الاولى طبقة النار الصرفة ، ثم الطبقات الخمس التي تحت النار الصرفة على النحو المذكور ، وسابع الطبقات هي طبقة الارض .