قال يوسف بن محمد بن زياد وعلي بن محمد بن سيار عن أبويهما أنهما قالا .
فقلنا للحسن أبي القائم عليه السلام : فإن قوما عندنا يزعمون أن هاروت وماروت ملكان اختارتهما الملائكة لما كثر عصيان بني آدم ، وأنزلهما الله مع ثالث لهما إلى ( 2 ) الدنيا ، وأنهما افتتنا بالزهرة ، وأرادا الزنابها ، وشربا الخمر ، و قتلا النفس المحترمة ، وأن الله تبارك وتعالى يعذبهما ببابل ، وأن السحرة منهما يتعلمون السحر ، وأن الله مسخ تلك المرأة هذا الكوكب الذي هو الزهرة ، فقال الامام عليه السلام : معاذ الله من ذلك ، إن ملائكة الله معصومون محفوظون من الكفرو القبائح بألطاف الله ، قال الله عزوجل فيهم " لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون " وقال عزوجل " وله ما في السماوات والارض ومن عنده " يعني من الملائكة " لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون " وقال عزوجل في الملائكة أيضا " بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته
__________________________________________________________________
( 1 ) في المصدر : ورهنوها .
( 2 ) في المصدر : إلى دار الدنيا .
[322]
مشفقون " ثم قال عليه السلام : لو كان كما يقولون كان الله قد جعل هؤلاء الملائكة خلفاء على ( 1 ) الارض ، وكانوا كالانبياء في الدنيا ، أو كالائمة فيكون من الانبياء والائمة عليهم السلام قتل النفس والزنا .
ثم قال عليه السلام : أو لست تعلم أن الله عزوجل لم يخل الدنيا قط من نبي أو إمام من البشر ؟ أو ليس الله عزوجل يقول " وما أرسلنا قبلك يعني إلى الخلق إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى " فأخبر أنه لم يبعث الملائكة إلى الارض ليكونوا أئمة وحكاما ، وإنما ارسلوا إلى أنبياء الله .
قالا قلنا له : فعلى هذا لم يكن إبليس أيضا ملكا ؟ فقال : لا ، بل كان من الجن أما تسمعان الله عزوجل يقول " وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسبحدوا إلا إبليس كان من الجن " فأخبر عزوجل أنه كان من الجن ، وهو الذي قال الله عزوجل " والجان خلقناه من قبل من نار السموم " .
قال الامام الحسن بن علي عليهم السلام : حدثني أبي عن جدي عن الرضا عن آبائه عن علي عليهم السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن الله عزوجل اختارنا معاشر آل محمد ، واختار النبيين ، واختار الملائكة المقربين ، وما اختارهم إلا على علم منه بهم أنهم لا يواقعون ما يخرجون به عن ولايته ، وينقلعون به عن عصمته ، وينتمون به إلى المستحقين لعذابه ونقمته .
قالا : فقلنا له : فقد روي لنا أن عليا عليه السلام لما نص عليه رسول الله صلى الله عليه وآله بالامامة عرض الله عزوجل ولايته في السماوات على فئام ( 2 ) من الناس وفئام من الملائكة ، فأبوها فمسخهم الله ضفادع ، فقال عليه السلام : معاذ الله ! هؤلاء المكذبون لنا المفترون علينا ، الملائكة هم رسل الله ، فهم كسائر أنبياء الله ورسله إلى الخلق ، فيكون منهم الكفر بالله ؟ قلنا : لا ، قال : فكذلك الملائكة ، إن شأن الملائكة لعظيم ، وإن خطبهم لجليل ( 3 ) .
الاحتجاج : بالاسناد إلى أبي محمد العسكري عليه السلام من قوله " فقلنا للحسن
__________________________________________________________________
( 1 ) في المصدر : في الارض .
( 2 ) الفئام : الجماعة من الناس ولا واحد له من لفظه .
( 3 ) العيون : ج 1 ، ص 266 271
[323]
أبي القائم " إلى آخر الخبر ( 1 ) .
توضيح : قال في النهاية : الفئام مهموزا الجماعة الكثيرة ( انتهى ) .
واقول : قد فسر في خبر فضل يوم الغدير بمائة الف .
4 العيون : عن تميم بن عبدالله القرشي ، عن أبيه ، عن أحمد بن علي الانصاري ، عن على بن محمد بن الجهم ، قال : سمعت المأمون يسأل الرضا علي بن موسى عليه السلام عما يرويه الناس من أمر الزهرة ، وأنها كانت امرأة فتن بها هاروت و ماروت وما يروونه من أمر سهيل ، وأنه كان عشارا باليمن ، فقال : كذبوا في قولهم ، إنهما كوكبان ، وإنما كانتا دابتين من دواب البحر ، فغلط الناس وظنوا أنهما كوكبان ، وما كان الله ليمسخ أعداءه أنوارا مضيئة ثم يبقيها ما بقيت السماء والارض ، وإن المسوخ لم يبق أكثر من ثلاثة أيام حتى ماتت ، وما تناسل منها شئ ، وما على وجه الارض اليوم مسخ وإن التي وقع عليها اسم المسوخية مثل القردة والخنزير والدب وأشباهها إنما هي مثل ما مسخ الله على صورها قوما غضب عليهم ولعنهم بإنكارهم توحيد الله وتكذيبهم رسله ، وأما هاروت وماروت فكانا ملكين علما الناس السحر ليتحرزوا به من سحر السحرة ، ويبطلوا به كيدهم ، وما علما أحدا من ذلك إلا قالاله : إنما نحن فتنة فلا تكفر ، فكفر قوم باستعمالهم لما امروا بالاحتراز منه ، وجعلوا يفرقون بما يعرفونه ( 2 ) بين المرء وزوجه ، قال الله عزوجل " وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله " يعني بعلمه ( 3 ) .
5 العلل : عن أبيه ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن إسماعيل بن مهران ، عن محمد بن الحسن زعلان عن أبي الحسن عليه السلام أنه عد المسوخ ، وساق الحديد إلى أن قال : مسخت الزهرة لانها كانت امرأة فتن بها هاروت وماروت ( 4 ) .
__________________________________________________________________
( 1 ) الاحتجاج : 255 .
( 2 ) في المصدر : بما تعلموه .
( 3 ) العيون : ج 1 ، ص 271 .
( 4 ) العلل : ج 2 ، ص 171 .
[324]
6 ومنه : بإسناد آخر عن الصادق عليه السلام وأما الزهرة فإنها كانت امراة تسمى " ناهيد " وهي التي تقول الناس إنه افتتن بها هاروت وماروت ( 1 ) .
7 ومنه : بإسناد آخر عن الرضا عليه السلام : وأما الزهرة فكانت امرأة فتنت بها هاروت وماروت ، فمسخها الله عزوجل الزهرة ( 2 ) .
8 ومنه : بإسناد آخر عن الصادق عليه السلام عن آبائه عليه السلام قال : قال النبي صلى الله عليه وآله : وأما الزهرة فكانت امرأة نصرانية ، وكانت لبعض ملوك بني إسرائيل وهي التي فتن بها هاروت وماروت ، وكان اسمها " ناهيل " والناس يقولون " ناهيد " ( 3 ) .
أقول : سنذكر الاخبار بأسانيدها في باب المسوخات إن شاء الله .
9 العياشى : عن زرارة ، عن أبي الطفيل ، قال : كنت في مسجد الكوفة فسمعت عليا وهو على المنبر وناداه ابن الكوا وهو في مؤخر المسجد فقال : يا أميرالمؤمنين ما الهدى ؟ قال لعنك الله ولم يسمعه ما الهدى تريد ولكن العمى تريد ، ثم قال له : ادن ، فدنامنه ، فسأله عن أشياء فأخبره ، فقال : أخبرني عن هذه الكوكبة الحمراء يعني الزهرة قال : إن الله اطلع ملائكته على خلقه ، وهم على معصية من معاصيه ، فقال الملكان هاروت وماروت هؤلاء الذين خلقت أباهم بيدك ، وأسجدت له ملائكتك يعصونك .
قال : فلعلكم إذا ابتليتم بمثل الذي ابتلواهم به عصيتموني [ كما عصوني ] قالا : لا وعزتك .
قال : فابتلاهما بمثل الذي ابتلى به بني آدم من الشهوة ، ثم أمرهما أن لا يشركا به شيئا ، ولا يقتلا النفس التي حرم الله ، ولا يزنيا ، ولا يشربا الخمر ، ثم أهبطهما إلى الارض ، فكانا يقضيان بين الناس ، هذا في ناحية وهذا في ناحيه ، فكانا بذلك حتى أتت أحدهما هذه الكوكبة تخاصم إليه وكانت من أجمل الناس ، فأعجبته ، فقال لها : الحق لك ولا أقضي لك حتى تمكنينى من نفسك ، فواعدت يوما ، ثم أتت الآخر فلما خاصمت إليه وقعت في نفسه و
__________________________________________________________________
( 1 ) العلل : ج 2 ، ص 173 .
( 2 ) العلل : ج 2 ، ص 173 ، والرواية عن الصادق لا عن الرضا عليهما السلام .
( 3 ) العلل : ج 2 ، ص 174 .
[325]
أعجبته كما أعجبت الآخر ، فقال لها مثل مقالة صاحبه ، فواعدته الساعة التي واعدت صاحبه ، فاتفقا جميعا عندها في تلك الساعة ، فاستحيى كل واحد من صاحبه حيث رآه وطأطآ رؤوسهما ونكسا ، ثم نزع الحياء منهما ، فقال أحدهما لصاحبه : يا هذا ! جاء بي الذي جاء بك ، قال : ثم راوداها عن نفسها ، فأبت عليهما حتى يسجدا لوثنها ويشربا من شرابها ، وأبيا عليها وسألاها فأبت إلا أن يشربا من شرابها فلما شربا صليا لوثنها ، ودخل مسكين فرآهما ، فقالت لهما : يخرج هذا فيخبر عنكما ، فقاما إليه فقتلاه ، ثم راوداها عن نفسها فأبت حتى يخبراها بما يصعدان به إلى السماء ، فأبيا وأبت أن تفعل ، فأخبراها ، فقالت ذلك لتجرب مقالتهما وصعدت ، فرفعا أبصارهما إليها فرأيا أهل السماء مشرفين عليهما ينظرون إليهما ، وتناهت إلى السماء فمسخت ، فهي الكواكبة التي ترى .
10 ومنه : عن الحسن بن محبوب ، عن أبي ولاد ، قال : قلت لابي عبدالله عليه السلام : جعلت فداك ، إن رجلا من أصحابنا ورعا مسلما كثير الصلوة قد ابتلى بحب اللهو وهو يسمع الغناء ، فقال : أيمنعه ذلك من الصلوة لوقتها أو من صوم أو من عيادة مريض أو حضور جنازة أو زيارة أخ ؟ قال : قلت : لا ليس يمنعه ذلك من شئ من الخير والبر ، قال : فقال : هذا من خطوات الشيطان مغفور له ذلك إن شاء الله .
ثم قال : إن طائفة من الملائكة عابوا ولد آدم في اللذات والشهوات أعني ذلكم الحلال ليس الحرام ، قال : فأنف الله للمؤمنين من ولد آدم من تعيير الملائكة لهم ، قال : فألقى الله في همة اولئك الملائكة اللذات والشهوات كيلا يعيبون المؤمنين ، قال : فلما أحسوا ذلك من هممهم عجوا إلى الله من ذلك ، فقالوا : ربنا عفوك عفوك ، ردنا إلى ما خلقتنا له ، واخترتنا عليه ، فإنا نخاف أن نصير في أمر مريج .
قال : فنزع الله ذلك من هممهم ، قال : فإذا كان يوم القيامة وصار أهل الجنة في الجنة استأذن اولئك الملائكة على أهل الجنة فيؤذون لهم ، فيدخلون عليهم فيسلمون عليهم ويقولون لهم : سلام عليكم بما صبرتم في الدنيا عن اللذات والشهوات الحلال .
[326]
بيان : أنف من الشئ كعلم : استنكف ، ومرج الدين والامر : خلط واضطرب .
11 الاقبال : عن زين العابدين عليه السلام في دعاء عرفة : اللهم إن ملائكتك مشفقون من خشيتك ، سامعون مطيعون لك ، وهم بأمرك يعملون ، لا يفترون الليل والنهار يسبحون ( 1 ) .
12 الاحتجاج : سأل الزنديق أبا عبدالله عليه السلام قال : فما تقول في الملكين هاروت وماروت وما يقول الناس بأنهما يعلمان السحر ؟ قال : إنهما موضع ابتلاء وموقف ( 2 ) فتنة تسبيحهما اليوم لو فعل الانسان كذا وكذا لكان كذا ، ولو يعالج بكذا وكذا لصار كذا أصناف السحر ، فيتعلمون منهما ما يخرج منهما ، فيقولان لهم : إنما نحن فتنة فلا تأخذوا عنا ما يضركم ولا ينفعكم ( 3 ) .
__________________________________________________________________
( 1 ) الاقبال : 366 .
( 2 ) في المصدر : موقع .
( 3 ) الاحتجاج : 185 .
[327]
أبواب العناصر وكائنات الجو ( 1 ) والمعادن والجبال والانهار والبلدان والاقاليم
باب 26 : النار وأقسامها
الايات : يس : الذي جعل لكم من الشجر الاخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون ( 2 ) .
الواقعة : أفرأيتم النار التي تورون * ءأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون * نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين ( 3 ) .
تفسير : قال الطبرسي رحمه الله في قوله " جعل لكم من الشجر الاخضر نارا " أي جعل لكم من الشجر الرطب المطفئ للنار نارا محرقة .
يعني بذلك المرخ والعفار ، وهما شجران تتخذ الاعراب زنودها منهما ، فبين سبحانه أن من قدر على أن يجعل في الشجر [ الاخضر ] الذي هو في غاية الرطوبة نارا حامية مع مضادة النار للرطوبة حتى احتاج الانسان حك بعضه ببعض فخرج منه النار وينقدح قدر على الاعادة ، وتقول العرب في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار .
و قال الكلبي : كل شجر تنقدح منه النار إلا العناب ( 4 ) .
__________________________________________________________________
( 1 ) في بعض النسخ : البحر .
( 2 ) يس : 80 .
( 3 ) الواقعة : 71 73 .
( 4 ) مجمع البيان : ج 8 ، ص 435 .
[328]
" أفرأيتم النار التي تورون " أي تستخرجونها ( 1 ) بزنادكم من الشجر " ءأنتم أنشأتم شجرتها " التي تنقدح النار منها " أم نحن المنشئون " لها ، فلا يمكن أحدا أن يقول أنه أنشأ تلك الشجرة غير الله تعالى .
والعرب تقدح بالزند والزندة وهو خشب يحك بعضه ببعض فتخرج منه النار " نحن جعلناها تذكرة " أي نحن جعلنا هذه النار تذكرة للنار الكبرى ، فإذا رآها الرائي ذكر جهنم واستعاذ بالله منها ، وقيل تذكرة لقدرة الله تعالى على المعاد " ومتاعا للمقوين " أي بلغة و منفعة للسمافرين ، يعني الذين نزلوا الارض القي وهو القفر ، وقيل : للمستمتعين بها من الناس أجمعين المسافرين والحاضرين ، والمعنى أن جميعهم يستضيؤون بها في الظلمة ، ويصطلون في البرد ، وينتفعون بها في الطبخ والخبز ، وعلى هذا فيكون المقوي من الاضداد ، أي الذي صار ذاقوة من المال والنعمة ، والذاهب ماله النازل بالقواء من الارض ، أي متاعا للاغنياء والفقراء ( 2 ) ( انتهى ) .
وقال الرازي في شجرة النار وجوه : أحدها أنها الشجرة التي توري النار منها بالزند والزندة .
وثانيها الشجرة التي تصلح لايقاد النار كالحطب ، فإنها لو لم تكن لم يسهل إيقاد النار ، لان النار لا تتعلق بكل شئ كما تتعلق بالحطب .
وثالثها اصول شعلها وفروعها شجرتها ، ولولا أنها ذات ( 3 ) شعب لما صلحت لانضاج الاشياء ( 4 ) .
وقال البيضاوي " نحن جعلناها تذكرة " أي تبصرة في أمر البعث ، أو في الظلام [ أو تذكيرا ] أو انموذجا لنار جهنم " ومتاعا " أي منفعة " للمقوين " للذين ينزلون القوى وهي القفراء ، وللذين خلت بطونهم أو مزاودهم من الطعام من أقوت الدار إذا خلت من ساكنيها ( 5 ) ( انتهى ) .
__________________________________________________________________
( 1 ) في المصدر : وتقدحونها .
( 2 ) مجمع البيان : ج 9 ، ص 224 .
( 3 ) في المصدر : ووقود شجرتها ولولا كونها ذات شغل .
.
( 4 ) مفاتيح الغيب : ج 8 ، ص 93 .
( 5 ) انوار التنزيل : ج 2 ، ص 493 .
[329]
وقال الجوهري : وفي المثل في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار أي استكثرا منها كأنهما أخذا من النار ما هو جسمهما ويقال لانهما يسرعان الوري فشبها بمن يكثر من العطاء طلبا للمجد .
وقال المرخ شجر سريع الوري والعفار الزند وهو الاعلى والمرخ الزندة وهي الاسفل .
1 الخصال : عن محمد بن علي ما جيلويه ، عن محمد بن يحيى العطار ، عن أحمد ( 1 ) بن محمد بن يحيى الاشعري ، عن صالح يرفعه بإسناده قال : أربعة القليل منها كثير ، النار القليل منها كثير ، والنوم القليل منه كثير ، والمرض القليل منه كثير ، والعداوة القليل منها كثير ( 2 ) .
بيان : " النار " أي نار القيامة القليل منها كثير في الضرر ، أو الاعم من نار الدنيا ونار الآخرة فالقليل منها كثير في النفع والضرر معا ، فإن قليلا من النار يضيئ كثيرا من الامكنة وينتفع بها في جميع الامور ، ويحرق قليل منها عالما ، والنوم القليل منه كثير في المنفعة ، والمرض والعداوة في الضرر فقط ، وإن احتمل التعميم في الاول بل في الثاني أيضا على تكلف شديد .
2 الخصال : عن محمد بن الحسن بن الوليد ، عن محمد بن الحسن الصفار عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب ، عن محمد بن سنان ، عن المفضل ، قال : سألت أبا عبدالله عليه السلام عن النيران ، فقال : نار تأكل وتشرب ، ونار تأكل ولا تشرب ، و نار تشرب ولا تأكل ، ونار لا تأكل ولا تشرب .
فالنار التي تأكل وتشرب فنار ابن آدم وجميع الحيوان ، والتي تأكل ولا تشرب فنار الوقود ، والتي تشرب ولا تأكل فنار الشجرة ، والتي لا تأكل ولا تشرب فنار القداحة والحباحب ( 3 ) الخبر .
بيان : " فنار ابن آدم " أي الحرارة الغريزية في بدن الحيوانات ، فإنها تحلل الرطوبات وتخرج الحيوان إلى الماء والغذاء معا ، ونار الوقود النار التي
__________________________________________________________________
( 1 ) في المصدر : عن محمد بن احمد بن يحيى بن عمران .
( 2 ) الخصال : 111 .
( 3 ) الخصال : 106 .
[330]
تتقد في الحطب وتشتعل ، فانها تأكل الحطب مجازا أي تكسره وتفنيه وتقلبه ولا تشرب ماءبل هو مضادلها ، ونار الشجرة هي الكامنة مادتها أو أصلها في الشجر الاخضر كما مر ، فإنها تشرب الماء ظاهرا وتصير سببا لنمو شجرتها ولا تأكل ظاهرا ، وإن كان للتراب أيضا مدخل في نموها ، أو المعنى أن عند احتكاك الغصنين الرطبين يظهر الماء ، فكان النار الظاهر منها يشربها .
والقداحة والقداح الحجر الذي يوري النار ذكره الجوهري .
وقال : الحباحب بالضم اسم رجل بخيل كان لا يوقد إلا نارا ضعيفة مخافة الضيفان ، فضربوا بها المثال حتى قالوا نار الحباحب لما تقدحه الخيل بحوافرها ، وربما قالوا نار أبي حباحب وهو ذباب يطير بالليل كأنه نار وربما جعلوا الحباحب اسما لتلك النار .
وقال الفيروز آبادي : الحباحب ( 1 ) بالضم ذباب يطير بالليل له شعاع كالسراج ومنه نار الحباحب ، أوهي ما اقتدح من شرر النار في الهواء من تصادم الحجارة ، أو كان أبوحباحب من محارب وكان لا يوقد ناره إلا بالحطب الشخت لئلا ترى ، أو هي من الحبحبة الضعف أو هي الشرر يسقط من الزناد ( انتهى ) والمراد بهذه النار ما كمن منها ، أو من مادتها في الحجر والحديد فإنها لا تصل إليها ماء ولا غذاء ، أو عند قدحها قبل اتقادها في قطن أو حطب لا تصادف ماء ولا شيئا آخر .
3 الاحتجاج : عن هشام بن الحكم عن أبي عبدالله عليه السلام قال : قال الزنديق له : أخبرني عن السراج إذا انطفى أين يذهب نوره ؟ قال : يذهب ولا يعود ، قال : فما أنكرت أن يكون الانسان مثل ذلك إذا مات وفارق الروح البدن لم يرجع إليه أبدا ( 2 ) ؟ قال : لم تصب القياس ، إن النار في الاجسام كامنة والاجسام قائمة بأعيانها كالحجر والحديد ، فاذا ضرب أحدهما الآخر ( 3 ) سطعت من بينهما نار تقتبس منها سراج له الضوء ، فالنار ثابتة في أجسامها والضوء ذاهب ( 4 ) الخبر .
__________________________________________________________________
( 1 ) في القاموس : الحبحاب .
( 2 ) في المصدر : كما لا يرجع ضوء السراج اليه ابدا اذا انطفى .
( 3 ) في المصدر : بالاخر .
( 4 ) الاحتجاج : 191 .
[331]
4 تفسير على بن ابراهيم : " الذى جعل لكم من الشجر الاخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون " وهو المرخ والعفار يكون في ناحية بلاد العرب ، ( 1 ) فاذا أرادوا أن يستوقدوا أخذوا من ذلك الشجر ثم أخذوا عودا فحركوه فيه ، فيستوقدوا منه النار ( 2 ) .
فائدة : اعلم أن المشهور بين الحكماء والمتكلمين أن العناصر أربعة : النار والهواء ، والماء ، والارض ، كما تشهد به الشواهد الحسية والتجربية ، والتأمل في أحوال التركيبات والتحليلات ، ولقد ماء الفلاسفة فيها اختلافات ، فمنهم من جعل أصل العناصر واحدا والبواقي تحصل بالاستحالة ، فقيل هو النار ، وقيل الهواء ، وقيل الماء ، وقيل الارض ، وقيل البخار ، ومنهم من جعله اثنين ، فقيل النار والارض ، وقيل الماء والارض ، وقيل الهواء والارض ، ومنهم من جعله ثلاثة ، فقيل النار والهواء والارض ، وإنما الماء هواء متكاثف ، وقيل الهواء والماء و الارض وإنما النار هواء شديد الحرارة ، وهذه الاقوال عندهم ضعيفة ، وقدمر في الاخبار ما يدل على كون أصل العناصر بل الافلاك الماء ، أو هو مع النار ، أو هما مع الهواء ، وبالجملة لا ريب في وجود تلك العناصر الاربعة تحت فلك القمر وإنما الاشكال في وجود كرة النار ، وعلى تقدير وجودها هل كانت هواء انقلبت نارا بحركة الفلك ، أو كانت في الاصل نارا ، والمشهور أن هذه الاربعة عناصر المركبات النامة واسطقساتها ، ومنها تتركب وإليها تنحل .
وقيل : النار غير موجودة في المركبات ، لانها لا تنزل عن الاثير إلا بالقسر ، ولا قاسر هناك .
ثم المشهور أن صور البسائط باقية في المركبات ، وقال الشيخ في الشفاء : لكن قوما اخترعوا في قريب من زماننا هذا مذهبا غرييا ، قالوا : إن البسائط إذا امتزجت وانفعل بعضها من بعض تأدى ذلك بها إلى أن يخلع صورها فلا تكون لواحد منها صورته الخاصة ، وليست حينئذ صورة خاصة واحدة فيصير لها هيولى
__________________________________________________________________
( 1 ) في المصدر : بلاد المغرب فاذا ارادوا ان يستوقدوا نارا .
( 2 ) تفسير على بن ابراهيم : 554 .
[332]
واحدة وصورة واحدة ، فمنهم من جعل تلك الصورة أمرا متوسطا بين صورها ، ومنهم من جعلها صورة اخرى من النوعيات ، واحتج على فساد هذا المذهب بوجوه تركناها .