[261]
لله كأنك تراه ، فإن لم يكن تراه فإنه يراك ( 1 ) .
36 وعن أنس وغيره بأسانيد قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وآله جالسا مع أصحابه إذ جاءه رجل عليه ثياب السفر يتخلل الناس حتى جلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله فوضع يده على ركبة رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : يا محمد ما الاسلام وساقوا الحديث مثل مامر إلى قولهم ( 2 ) يا رسول الله متى الساعة ؟ قال : ما المسؤول عنها بأعلم من السائل ، وأدبر الرجل فذهب .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : علي بالرجل ، فاتبعوه يطبونه فلم يروا شيئا ، فقال رسول الله : ذلك جبرئيل ، جاءكم ليعلمكم دينكم .
37 وعن وهب بن منبه ، قال : خلق الله الصور من لؤلؤة [ بيضاء ] في صفاء الزجاجة ، ثم قال للعرش : خذ الصور ، فتعلق به ، ثم قال : كن ، فكان إسرافيل فأمره أن يأخذ الصور ، فأخذه وبه ثقب بعدد كل روح مخلوقة ونفس منفوسة لا تخرج روحان من ثقب واحد ، وفي وسط الصور كوة ( 3 ) كاستدارة السماء والارض وإسرافيل واضع فمه على ذلك الكوة ( 4 ) ثم قال له الرب تعالى : قد وكلتك بالصور ، فأنت للنفخة وللصيحة .
فدخل إسرافيل في مقدم العرش ، فأدخل رجله اليمنى تحت العرش ، وقدم اليسرى ، ولم يطرف منذ خلقه الله ينظر متى يؤمر به ( 5 ) .
38 وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله في قوله تعالى " نزل به الروح الامين " قال : الروح الامين جبرئيل ، رأيت له ستمائة جناح من لؤلؤ قد نشرهما فيهما ( 6 ) مثل ريش الطواويس ( 7 ) .
39 وعن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله كيف أنعم وقد
__________________________________________________________________
( 1 ) الدر المنثور : ج 1 ، ص 93 .
( 2 ) في المخطوطة : قوله .
( 3 ) كرة ( خ ) .
( 4 ) الكرة ( خ ) .
( 5 ) الدر المنثور : ج 5 ص 338 .
( 6 ) في المصدر : قد نشرها فهم مثل .
( 7 ) الدر المنثور : ج 5 ، ص 94 .
[262]
النقم صاحب القرن القرن وحنى جبهته وأصغى سمعه ينتظر أن يؤمر أن ينفخ فينفخ قال المسلمون : فكيف نقول يا رسول الله ؟ قال : قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل ، على لله توكلنا ( 1 ) .
توضيح : قال الجوهري فيه كيف أنعم وصاحب القرن قد التقمه أي كيف أتنعم من النعمة بالفتح وهي المسرة والفرح والترفه .
40 الدر المنثور : عن ابن مسعود ، قال : الصور كهيئة القرن ينفخ فيه ( 2 ) .
41 - وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ما طرف صاحب الصور مذ وكل به مستعدا ينظر نحو العرش مخافة أن يؤمر بالصيحة قبل أن يرتد إليه طرفه كأن عينه كوكبان دريان ( 3 ) .
42 وعن أبي سعيد قال : إن صاحبي الصور بأيديهما قرنان يلاحظان النظر متى يؤمران ( 4 ) .
43 وعنه عن النبي صلى الله عليه وآله قال : وما من صباح إلا وملكان موكلان بالصور ينتظران متى يؤمران أن ينفخا ( 5 ) في الصور فينفخا ( 6 ) .
44 وعن كعب قال : إسرافيل له أربعة أجنحة : جناحان في الهواء ، وجناح قد تسرول به ، وجناح على كاهله ، والقلم على اذنه ، فإذا نزل الوحي كتب القلم ودرست الملائكة ، وملك الصور أسفل منه جاث على إحدى ركبتيه ، وقد نصب الاخرى ، فالتقم الصور فحنى ظهره ، وطرفه إلى إسرافيل وقد امر إذا رأى إسرافيل
-بحار الانوار جلد: 52 من صفحه 262 سطر 19 إلى صفحه 270 سطر 18 قد ضم جناحه أن ينفخ في الصور ( 7 ) .
__________________________________________________________________
( 1 ) المصدر : ج 5 ، ص 337 .
( 2 ) المصدر : ج 5 ، ص 338 .
( 3 و 4 ) المصدر : ج 5 ، ص 338 .
( 5 ) في المصدر : متى يؤمران فينفخان .
( 6 و 7 ) الدر المنثور : ج 5 ، ص 338 .
[263]
وعن عائشه مثله .
45 وعن ابن عباس قال : لما نزلت " فإذا نقر في الناقور " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن وحنى جبهته يستمع متى يؤمر ؟ قالوا : كيف نقول يا رسول الله ؟ قال : قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل ، و على الله توكلنا ( 1 ) .
46 عن قتادة " فإذا نقر في الناقور " قال : فاذا نفخ في الصور ( 2 ) .
47 وعن ابن مسعود " لقد رآه بالافق المبين " قال جبرئيل في رفرف أخضر قدسد الافق ( 3 ) .
48 وعنه أيضا : قال رأى جبرئيل له ستمائة حناح قدسه الافق ( 4 ) .
49 وعن ابن عباس في الآية قال : إنما عنى جبرئيل ، إن محمدا رآه في صورته عند سدرة المنتهى ( 5 ) .
50 وعن معاوية بن قرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله لجبرئيل : ما أحسن ما أثنى عليك ربك " ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين " ما كانت قوتك ؟ وما كانت أمانتك ؟ قال : أما قوتي فإني بعث إلى مدائن قوم لوط وهي أربع مدائن وفي كل مدينة أربعمائة ألف مقاتل سوى الذراري ، حملتهم من الارض السفلى حتى سمع أهل السماء أصوات الدجاج ونباح الكلاب ، وهويت بهن فقتلتهن ( 6 ) وأما أمانتي فلم اومر بشئ فعدوته إلى غيره ( 7 ) .
51 وعن أبي صالح في قوله " إنه لقول رسول كريم " قال : جبرئيل " مطاع ثم أمين " قال : على سبعين حجابا يدخلها بغير إذن ( 8 ) .
__________________________________________________________________
( 1 و 2 ) المصدر : ج 6 ، ص 282 .
( 3 ) المصدر : ج 6 ، ص 321 .
( 4 و 5 ) الدر المنثور : ج 6 ، ص 321 .
( 6 ) في المصدر : ثم هويت بهم فقتلتهم .
( 7 و 8 ) المصدر : ج 6 ص 321 .
[264]
52 وعن الخزرج قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : ونظر إلى ملك الموت عند رأس رجل من الانصار ، فقال : يا ملك الموت ارفق بصاحبي فإنه مؤمن فقال ملك الموت : طب نفسا وقر عينا ، واعلم بأني بكل مؤمن رفيق ، واعلم أني يا محمد لاقبض روح ابن آدم ، فإذا صرخ صارخ قمت في الدار ومعي روحه فقلت : ما هذا الصارخ ؟ والله ما ظلمنا ولا سبقنا أجله ولا استعجلنا قدره ، وما لنا في قبضه من ذنب ، فإن ترضوا بما صنع الله توجروا ، وإن تسخطوا تأثموا وتوزروا وإن لنا عندكم عودة بعد عودة ، فالحذر ! الحذر ! وما من أهل بيت شعر ولا مدر بر ولا فاجر ، سهل ولا جبل ، إلا وأنا أتصفحهم في كل يوم وليلة ، حتى لانا أعرف بصغيرهم وكبيرهم منهم بأنفسهم ، والله لو أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدرت على ذلك حتى يكون الله هو يأذن بقبضها ( 1 ) .
53 وعن ابن عباس قال : وكل ملك الموت بقبض أرواح الآدميين فهو الذى يلي قبض أرواحهم ، وملك في الجن ، وملك في الشياطين ، وملك في الطير والوحش والسباع والحيتان والنمل ، فهم أربعة أملاك ، والملائكة يموتون في الصعقة الاولى ، وإن ملك الموت يلي قبض أرواحهم ، ثم يموت ، وأما الشهداء في البحر فإن الله يلي قبض أرواحهم ، لا يكل ذلك إلى ملك الموت لكرامتهم عليه ( 2 ) 54 وعن أبي جعفر محمد بن علي عليهم السلام ( 3 ) قال : دخل النبي صلى الله عليه وآله على رجل من الانصار يعوده ، فإذا ملك الموت عند رأسه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا ملك الموت ارفق بصاحبي فإنه مؤمن فقال : أبشر يا محمد ، فإني بكل مؤمن رفيق ، واعلم يا محمد أني لاقبض روح ابن آدم فيصرخ أهله ، فأقوم في جانب من الدار فأقول : والله مالي ذنب ، وإن لي لعودة وعودة ، الحذر ! الحذر ! وما خلق الله من أهل بيت مدر ولا شعر ولا وبر في بر ولا بحر إلا وأنا أتصفحهم فيه في كل
__________________________________________________________________
( 1 ) الدر المنثور : ج 5 ، ص 173 .
( 2 ) الدر المنثور : ج 5 ، ص 173 .
( 3 ) في المصدر : رضى الله عنهما .
[265]
يوم وليلة خمس مرات ، حتى أني لاعرف بصغيرهم وكبيرهم منهم بأنفسهم ، والله يا محمد إني لا أقدر أن أقبض روح بعوضة حتى يكون الله تبارك وتعالى الذي يأمر بقبضه ( 1 ) .
55 الكافى : عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن يونس ، عن الهيثم بن واقد ، عن رجل ، عن أبي عبدالله عليه السلام مثله بأدنى تغيير ( 2 ) .
56 وعن علي ، عن أبيه عن ابن محبوب ، عن المفضل بن صالح ، عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام مثله أيضا لكن فيهما : خمس مرات عند مواقيت الصلوات ( 3 ) .
بيان : لا يخفى عدم دلالة هذه الاخبار على كون قابض أرواح الحيوانات ملك الموت ، فإن الغرض منها المبالغة في عدم قدرته على فعل صغير أو كبير بدون إذنه سبحانه ، فلا ينافي خبر ابن عباس ، لكن ليس في أخبارنا تصريح بأحد الطرفين والتوقف في مثله أحوط ، وقد مضت الاخبار المناسبة لهذا الباب والذي قبله في كتاب المعاد وغيره .
باب 25 : عصمة الملائكة وقصة هاروت وماروت وفيه ذكر حقيقة السحر وأنواعه
الايات : البقرة : واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان و لكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما انزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وماهم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون
__________________________________________________________________
( 1 ) المصدر : ج 5 ، ص 174 .
( 2 و 3 ) الكافى : ج 3 ، ص 136 .
[266]
ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتريه ماله في الآخرة من خلاق ( 1 ) .
النساء : لن يستنكف المسبح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ( 2 ) .
الاعراف : إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحون وله يسجدون ( 3 ) .
النحل : ولله يسجد ما في المساوات وما في الارض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون * يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون ( 4 ) .
مريم : وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا ( 5 ) .
الانبياء : ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون * يسبحون الليل والنهار لا يفترون ( 6 ) .
وقال تعالى : وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون * يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون * ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين ( 7 ) .
التحريم : عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ( 8 ) .
تفسير : " واتبعوا ما تتلوا الشياطين " أقول : هذه الآية مما يوهم نفي عصمة الملائكة ، وللعلماء في تأويلها مسالك نشير إن بعضها وإن أفضى إلى الاطناب .
__________________________________________________________________
( 1 ) البقرة : 102 .
( 2 ) النساء : 172 .
( 3 ) الاعراف : 206 .
( 4 ) النحل : 49 50 .
( 5 ) مريم : 64 .
( 6 ) الانبياء : 19 20 .
( 7 ) : 26 29 .
( 8 ) التحريم : 6 .
[267]
قال السيد المرتضى رحمه الله في كتاب الغرر والدرر : إن سأل سائل عن قوله عزوعلا " واتبعوا ما تتلوا الشياطين إلى قوله تعالى ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون " فقال : كيف ينزل الله سبحانه السحر على الملائكة ؟ أم كيف تعلم الملائكة الناس السحر والتفريق بين المرء وزوجه ؟ وكيف نسب الضرر الواقع عند ذلك إلى أنه بإذنه وهو تعالى قد نهى عنه وحذر من فعله ؟ وكيف أثبت العلم لهم ونفاه عنهم بقوله " ولقد علموا لمن اشتريه ماله في الآخرة من خلاق " ثم بقوله " لو كانوا يعلمون " ؟ الجواب : قلنا : في الآية وجوه كل منها يزيل الشبهة الداخلة على من لم يمعن النظر فيها : أولها : أن يكون " ما " في قوله تعالى " وما انزل على الملكين " بمعنى الذي ، فكأنه تعالى خبر ( 1 ) عن طائفة من أهل الكتاب بأنهم اتبعوا ما تكذب فيه الشياطين على ملك سليمان وتضيفه إليه من السحر ، فبرأه الله عزوجل من قرفهم وأكذبهم في قولهم فقال تعالى " وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا " باستعمال السحر والتمويه على الناس ، ثم قال " يعلمون الناس السحر وما انزل على الملكين " وأراد أنهم يعلمونهم السحر وما الذي انزل على الملكين ، وإنما انزل على الملكين وصف السحر وماهيته وكيفية الاحتيال فيه ليعرفا ذلك و يعرفاه الناس فيجتنبوه ويحذروا منه ، كما أنه تعالى قد أعلمنا ضروب المعاصي ووصف لنا أحوال القبائح لنجتنبها لا لنواقعها ، إلا أن الشياطين كانوا إذا علموا ذلك وعرفوه استعملوه وأقدموا على فعله ، وإن كان غيرهم من المؤمنين لما عرفه اجتنبه وحارزه ( 2 ) وانتفع باطلاعه على كيفيته .
ثم قال " وما يعلمان من أحد " يعني الملكين ، ومعنى " يعلمان " يعلمان ، والعرب تستعمل لفظة " علمه " بمعنى أعلمه ، قال القطامي :
__________________________________________________________________
( 1 ) كذا ، والظاهر " اخبر " .
( 2 ) حاذره ( خ ) .
[268]
تعلم أن بعد الغي رشدا * وأن لتانك الغمر انقشاعا وقال كعب بن زهير : تعلم رسول الله أنك مدركي * وإن وعيدا منك كالاخذ باليد ومعنى " تعلم " في البيتين معنى " أعلم " والذي يدل على أنه ههنا الاعلام لا التعليم قوله " وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر " أي إنهما لا يعرفان صفات السحر وكيفيته إلا بعد أن يقولا إنما نحن محنة ، لان الفتنة بمعنى المحنة ، من حيث ألقيا إلى المكلفين أمرا لينزجروا عنه وليتمتعوا من مواقعته ، وهم إذا عرفوه أمكن أن يستعملوه ويرتكبوه ، فقالا لمن يطلعانه على ذلك : لا تكفر باستعماله ، ولا تعدل عن الغرض في إلقاء هذا إليك ، فإنه إنما القي إليك واطلعت عليه لتجتنبه لا لتفعله .
ثم قال " فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه " أي فيعرفون من جهتهما ما يستعملونه في هذا الباب وإن كان الملكان ما ألقياه إليهم لذلك ، ولهذا قال " ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم " لانهم لما قصدوا بتعلمه أن يفعلوه ويرتكبوه لا أن يحبتنبوه صار ذلك بسوء اختيارهم ضررا عليهم .
وثانيها : أن يكون " ما انزل " موضعه موضع جر ، ويكون معطوفا بالواو على " ملك سليمان " أي : واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وعلى ما انزل على الملكين .
ومعنى " ما انزل على الملكين " ( 1 ) أي معهما وعلى ألسنتهما كما قال تعالى " ربنا وآتناما وعدتنا على رسلك " أي على ألسنتهم ومعهم ، وليس بمنكر أن يكون " ما انزل " معطوفا على ملك سليمان وإن اعترض بينهما من الكلام ما اعترض ، لان رد الشئ إلى نظيره وعطفه على ما هو أولى هو الواجب وإن اعترض بينهما ما ليس منهما ، ولهذا نظائر في القرآن وكلام العرب كثيرة : قال الله تعالى " الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما " ( 2 )
__________________________________________________________________
( 1 ) آل عمران : 194 .
( 2 ) الكهف : 3 .
[269]
و " قيم " من صفات الكتاب حال منه ، لا من صفة " عوج " وإن تباعد ما بينهما ، و مثله " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام " ( 1 ) فالمسجد الحرام ههنا معطوف على الشهر الحرام أي يسألونك عن الشهر وعن المسجد الحرام .
وحكي عن بعض علماء أهل اللغة أنه قال : العرب تلف الخبرين المختلفين ثم ترمي بتفسير هما جملة ، ثقة بأن السامع يرد إلى كل خبره كقوله عزوجل " ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله " ( 2 ) وهذا واضح في مذهب العرب كثير النظائر .
ثم قال تعالى " وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة " والمعنى أنهما لا يعلمان أحدا بل ينهيان عنه ، ويبلغ من نهيهما عنه وصدهما عن فعله واستعماله أن يقولا إنما نحن فتنة " فلا تكفر " باستعمال السحر والاقدام على فعله ، وهذا كما يقول الرجل : ما أمرت فلانا بكذا ولقد بالغت في نهيه حتى قلت له إنك إن فعلته أصابك كذا وكذا .
وهذا هو نهاية البلاغة في الكلام ، والاختصار الدال مع اللفظ القليل على المعاني الكثيرة ، لانه أشعر بقوله تعالى " وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة " عن بسط الكلام الذي ذكرناه ولهذا نظائر في القرآن قال الله تعالى " ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق " ( 3 ) ومثل قوله تعالى " يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون " ( 4 ) أي فيقال للذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم وأمثاله أكثر من أن نورد ثم قال تعالى " فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه " وليس يجوز أن يرجع الضمير على هذا الجواب إلى الملكين ، وكيف يرجع إليهما وقد نفى تعالى عنهما التعليم ؟ بل يرجع إلى
__________________________________________________________________
( 1 ) البقرة : 217 .
( 2 ) العنكبوت : 73 .
( 3 ) المؤمنون : 91 .
( 4 ) آل عمران : 106 .
[270]
الكفروا سحر ، وقد تقدم ذكر السحر وتقدم أيضا ذكر ما يدل على الكفر ويقتضيه في قوله تعالى " ولكن الشياطين كفروا " فدل " كفروا " على الكفر والعطف عليه مع السحر جائز ، وإن كان التصريح وقع بذكر السحر دونه ، و مثل ذلك قوله تعالى " ؟ ؟ ؟ من يخشى ويتجنبها الاشقى * الذي يصلى النار الكبرى " ( 1 ) أي يتجنب الدكرى الاشقى ، ولم يتقدم تصريح بالذكرى لكن دل عليها قوله " سيذكر " ويجوز أيضا أن يكون معنى " فيتعلمون منهما " أي بدلا مما علمهم الملكان ، ويكون المعنى أنهم يعدلون عما علمهم ووقفهم عليه الملكان من النهي عن السحر إلى تعلمه واستعماله ، كما يقول القائل : ليت لنا من كذا وكذا [ كذا ] أي بدلا منه ، كما قال الشاعر : جمعت من الخيرات وطبا وعلبة * وصرا لاخلاف المزممة البزل ومن كل أخلاق الكرام تميمة * وسعيا على الجار المجاور بالبخل يريد : جمعت مكان الخيرات ومكان أخلاق الكرام هذه الخصال الذميمة .
و قوله تعالى " ما يفرقون به بين المرء وزوجه " فيه وجهان : أحدهما أن يكونوا يغوون أحد الزوجين ويحملونه على الشرك بالله تعالى ، فيكون بذلك قد فارق زوجه الآخر المؤمن المقيم على دينه ، ليفرق بينهما اختلاف النحلة والملة ، والوجه الآخر أن يسعوا بين الزوجين بالنميمة والوشاية والاغراء والتمويه بالباطل حتى يؤول أمرهما إلى الفرقة والمباينة .
وثالث الوجوه في الآية أن تحمل " ما " في قوله تعالى " وما انزل على
-بحار الانوار جلد: 52 من صفحه 270 سطر 19 إلى صفحه 278 سطر 18 الملكين " على الجحد والنفي ، فكأنه تعالى قال : واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر [ سليمان ] وما أنزل الله السحر على الملكين ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت .
ويكون قوله تعالى " ببابل هاروت وماروت " من المؤخر الذي معناه التقديم ، فيكون على هذا التأويل هاروت وماروت رجلين من جملة هذان اسماهما ، وإنما ذكرا بعد ذكر الناس تمييزا
__________________________________________________________________
( 1 ) الاعلى : 10 12 .
[271]
وتبيينا ، ويكون الملكان المذكوران اللذان نفى تعالى عنهما السحر جبرئيل و ميكائيل ، لان سحرة اليهود فيما ذكر كانت تدعي أن الله تعالى أنزل السحر على لسان جبرئيل ومكائيل إلى سليمان ، فأكذبهما الله تعالى بذلك ، ويجوز أن يكون هاروت وماروت يرجعان إلى الشياطين ، كأنه تعالى قال : ولكن الشياطين هاروت وماروت كفروا ، ويسوغ ذلك كما ساغ في قوله " وكنا لحكمهم شاهدين " يعني تعالى حكم داود وسليمان ، ويكون قوله تعالى على هذا التأويل " وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة " راجعا إلى هاروت وماروت اللذين هما من الشياطين أو من الانس المتعلمين للسحر من الشياطين والعاملين به ، ومعنى قولهما " إنما نحن فتنة فلا تكفر " يكون على طريق الاستهزاء أو التماجن والتخالع كما يقول الماجن من الناس إذا فعل قبيحا أو قال باطلا : هذا فعل من لا يفلح ، و قول من لا ينجو ، والله لا حصلت إلا على الخسران .
وليس ذلك منه على سبيل النصيحة للناس وتحذيرهم من مثل فعل فعله ، بل على جهة المجون والتهالك .
و يجوز أيضا على هذا التأويل الذي تضمن الجحد والنفي أن يكون هاروت وماروت اسمين للملكين ، ونفى عنهما إنزال السحر بقوله تعالى " وما انزل على الملكين " ويكون قوله تعالى " وما يعلمان من أحد " يرجع إلى قبيلتين من الجن أو إلى شياطين الجن والانس فتحسن التثنية لهذا .
وقد روي هذا التأويل في حمل " ما " على النفي عن ابن عباس وغيره من المفسرين ، وحكي عنه أيضا أنه كان يقرأ " على الملكين " بكسر اللام ، ويقول : متى كان العلجان ملكين إنما كانا ملكين وعلى هذا القراءة لا ينكر أن يرجع قوله تعالى " وما يعلمان من أحد " إليهما ، ويمكن على هذه القراءة في الآية وجه آخر وهو أن لا يحمل قوله تعالى : " وما انزل على الملكين " على الجحد والنفي ، وهو أن لا يكون هؤلاء الذين أخبر عنهم اتبعوا ما تتلوا الشياطين وتدعيه على ملك سليمان واتبعوا ما انزل على هذين الملكين من السحر ، ولا يكون الانزال مضافا إلى الله تعالى ، وإن اطلق لانه عزوجل لا ينزل السحر بل يكون منزله إليهما بعض الضلال والعصاة ، وأن يكون معنى " انزل " وإن كان من الارض حمل إليهما لامن
[272]
السماء أنه أتى به عن نجود الارض والبلاد وأعاليهما ، فإن من هبط من نجد من البلاد إلى غورها يقال نزل وهبط وما جرى هذا المجرى .