[ 81 ]
أن تستصحب أبابكر ، فإنه إن آنسك وساعدك ووازرك وثبت على ما يعاهدك و
يعاقدك كان في الجنة من رفقائك ، وفي غرفاتها من خلصائك ، ( 1 ) فقال رسول الله
صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام : أرضيت إن اطلب ( 2 ) فلا اوجد وتوجد ، فلعله أن
يبادر إليك الجهال فيقتلوك ؟ قال : بلى يا رسول الله رضيت أن يكون روحي لروحك
وقاء ، ونفسي لنفسك فداء ، بل رضيت أن يكون روحي ونفسي فداء لاخ لك أو
قريب أو لبعض الحيوانات تمتهنها ( 3 ) ، وهل احب الحياة إلا لخدمتك .
والتصرف
بين أمرك ونهيك ، ولمحبة أوليائك ، ونصرة أصفيائك ، ومجاهدة أعدائك ؟ لولا
ذلك لما أحببت أن أعيش في هذه الدنيا ساعة واحدة ، فأقبل رسول الله صلى لله عليه وآله على
علي عليه السلام فقال له : يا أبا حسن قد قرأ علي كلامك هذا الموكلون باللوح المحفوظ
وقرؤوا علي ما أعد الله لك من ثوابه في دار القرار ما لم يسمع بمثله السامعون ، ولا
رأى مثله الراؤون ، ولا خطر مثله ببال المتفكرين ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله لابي بكر :
أرضيت أن تكون معي يا أبابكر تطلب كما اطلب ، وتعرف بأنك أنت الذي تحملني
على ما أدعيه فتحمل عني أنواع العذاب ؟ قال أبوبكر : يا رسول الله أما أنا لو عشت
عمر الدنيا اعذب في جميعها أشد عذاب لا ينزل علي موت مريح ولا منهج متيح ( 4 )
وكان ذلك في محبتك لكان ذلك أحب إلي من أن أتنعم فيها وأنا مالك لجميع
ممالك ملوكها في مخالفتك ، وهل أنا ومالي وولدي إلا فداؤك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله :
لا جرم إن اطلع الله على قلبك ووجد ما فيه موافقا لما جرى على لسانك جعلك
مني بمنزلة السمع والبصر والرأس من الجسد ، ومنزلة الروح من البدن ، كعلي
الذي هو مني كذلك ، وعلي فوق ذلك لزيادة فضائله وشرف خصاله ، يا أبا بكر
إن من عاهد ( 5 ) ثم لم ينكث ولم يغير ولم يبدل ولم يحسد من قد أبانه الله ( 6 )
______________________________________________________
( 1 ) الحديث متفرد بهذا التفصيل فتأمل .
( 2 ) في نسخة : إذ اطلب .
( 3 ) امتهن الشئ : احتقره وابتذله .
( 4 ) في المصدر وفى نسخة : ولا فرج متبح ، وفى نسخة اخرى : ولا فرج منج .
( 5 ) في نسخة : من عامل الله .
وفى المصدر : من عاهد الله ثم لم ينكثه .
( 6 ) في نسخة من المصدر : من قد أثابه الله .
[ 82 ]
بالتفضيل فهو معنا في الرفيق الاعلى ، وإذا أنت مضيت على طريقة يحبها منك ربك
ولم تتبعها بما يسخط ( 1 ) ووافيته بها إذا بعثك بين يديه كنت لولاية الله مستحقا
ولمرافقتنا في تلك الجنان مستوجبا ، انظر أبابكر ، فنظر في آفاق السماء فرأى
أملاكا من نار على أفراس من نار ، بأيديهم رماح من نار ، وكل ينادي : يا محمد مرنا
بأمرك في مخالفيك نطحطحهم ، ثم قال : تسمع على الارض ، فتسمع ( 2 ) فإذا هي
تنادي : يا محمد مرني بأمرك في أعدائك أمتثل أمرك ، ثم قال : تسمع على الجبال
فسمعها تنادي : يا محمد مرنا بأمرك في أعدائك نهلكهم ، ثم قال : تسمع على البحار
فاحضرت البحار بحضرته وصاحت أمواجها : يا محمد مرنا بأمرك في أعدائك نمتثله
ثم سمع السماء والارض والجبال والبحار كل يقول : يا محمد ما أمرك ربك بدخول
الغار لعجزك عن الكفار .
ولكن امتحانا وابتلاء ليخلص ( 3 ) الخبيث من الطيب
من عباده وإمائه بأناتك ( 4 ) وصبرك وحلمك عنهم ، يا محمد من وفى بعهدك فهو من
رفقائك في الجنان ، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه ، وهو من قرناء إبليس اللعين
في طبقات النيران .
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام يا علي أنت مني بمنزلة السمع والبصر
والرأس من الجسد ، والروح من البدن ، حببت إلي كالماء البارد إلي ذي الغلة الصادي
ثم قال له : يابا حسن تغش ببردتي ، فإذا أتاك الكافرون يخاطبونك فإن الله يقرن
بك توفيقه وبه تجيبهم ، فلما جاء أبوجهل والقوم شاهرون سيوفهم قال لهم أبوجهل :
لا تقعوا به وهو نائم لا يشعر ، ولكن ارموه بالاحجار ليتنبه بها ثم اقتلوه ، فرموه
بأحجار ثقال صائبة ، فكشف عن رأسه ، وقال : ماذا شأنكم ، فعرفوه فإذا هو علي
عليه السلام فقال أبوجهل : أما ترون محمدا كيف أبات هذا ونجا بنفسه لتشتغلوا به
______________________________________________________
( 1 ) في المصدر : ولا تتبعها بما يسخطه .
( 2 ) تسمع الرجل وإليه : أصغى إليه .
( 3 ) في المصدر : ليتخلص .
( 4 ) الاناة : الوقار والحلم : الانتظار والتمهل .
[ 83 ]
وينجو محمد ، لا تشتغلوا بعلي المخدوع لينجو بهلاكه محمد ، وإلا فما منعه أن يبيت في
موضعه إن كان ربه يمنع عنه كما يزعم ؟ فقال علي عليه السلام : ألي تقول ( 1 ) هذا يا
با جهل ؟ بل الله قد أعطاني من العقل ما لو قسم على جميع حمقاء الدنيا ومجانينها لصاروا
به عقلاء ومن القوة ما لو قسم على جميع ضعفاء الدنيا لصاروا به أقوياء ، ومن
الشجاعة ما لو قسم على جميع جبناء الدنيا لصاروا به شجعانا ، ومن الحلم ما لو قسم
على جميع سفهاء الدنيا لصاروا به حلماء ، ولولا أن رسول الله صلى الله عليه وآله أمرني أن لا
احدث حدثا حتى ألقاه لكان لي ولكم شأن ، ولاقتلنكم قتلا ، ويلك يا أبا جهل
إن محمدا قد استأذنه في طريقه السماء والارض والجبال والبحار في إهلاككم فأبى
إلا أن يرفق بكم ، ويداريكم ، ليؤمن من في علم الله أنه ليؤمن منكم ، ويخرج
مؤمنون من أصلاب وأرحام كافرين وكافرات ، أحب الله أن لا يقطعهم عن كرامته
باصطلامهم ، ( 2 ) ولولا ذلك لاهلككم ربكم ، إن الله هو الغني وأنتم الفقراء
لا يدعوكم إلى طاعته وأنتم مضطرون ، بل مكنكم بما كلفكم وقطع معاذيركم
فغضب أبوالبختري بن هشام أخو أبي جهل ( 3 ) فقصده بسيفه ، فرأى الجبال قد أقبلت
لتقع عليه ، والارض قد انشقت لتخسف به ، وأمواج البحار نحوه مقبلة لتغرقه في
البحر ، ورأى السماء انحطت لتقع عليه ، فسقط سيفه وخر مغشيا عليه واحتمل
ويقول أبوجهل : دير به ( 4 ) لصفراء هاجت به ، يريد أن يلبس على من معه أمره ، فلما
التقى رسول الله صلى الله عليه وآله مع علي عليه السلام قال : يا علي إن الله رفع صوتك في مخاطبتك
______________________________________________________
( 1 ) هكذا في النسخ ، وفى المصدر : أنى تقول يا أبا جهل .
( 2 ) في المصدر : أحب الله أن لا يقتطعهم عن كرامته باصطلامكم .
أقول : الاصطلام : الاستئصال .
( 3 ) خلا المصدر المطبوع والمخطوط الذى عندى عن قوله : " أخو أبى جهل " وهو
الصحيح لان أبا البخترى وأبا جهل ليسا بأخوين ، فان أبا البخترى هو العاص بن هشام بن
الحارث بن أسد بن عبدالعزى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى .
على قول ابن إسحاق وابن
الكلبى ، والعاص بن هاشم على قول ابن هشام ومصعب الزبيرى ، وأبوجهل هو عمرو بن
هشام بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي .
( 4 ) في المصدر : دثر به .
[ 84 ]
أبا جهل إلى العلو ، وبلغه إلى الجنان ، فقال من فيها من الخزان والحور الحسان :
من هذا المتعصب لمحمد إذ قد كذبوه وهجروه ؟ وقيل لهم : هذا النائب عنه ، و
البائت على فراشه يجعل نفسه لنفسه وقاء ، وروح لروحه فداء ، فقال الخزان
والحور الحسان : يا ربنا فاجعلنا خزانه ، وقالت الحور الحسان : فاجعلناه نساءه
فقال الله تعالى : فأنتم له ولمن اختاره ، وهو من أوليائه ( 1 ) ومحبيه يقسمكم عليهم
بأمر الله على من هو أعلم به من الصلاح ، أرضيتم ؟ قالوا : بلى ربنا وسيدنا .
( 2 )
بيان : متيح بضم الميم : أي مهيئ للنجاة ، وفي النسخ المصححة : منج ، و
هو أظهر معنى ، وطحطحت الشئ : كسرته وفرقته ، والغلة بالضم : حرارة
العطش والصدى العطش .
35 - عم : قال ابن عباس : لما انطلق النبي صلى الله عليه وآله إلى الغار أنا عليا في
مكانه وألبسه برده ، فجاءت قريش تريد أن يقتل رسول الله صلى الله عليه وآله ، فجعلوا يرمون
عليا عليه السلام وهم يرون أنه النبي صلى الله عليه وآله ، فجعل يتضور ، فلما نظروا إذا هو
علي عليه السلام .
وروى علي بن هاشم ، ( 3 ) عن محمد بن عبدالله بن أبي رافع ، عن أبيه ، عن
جده أبي رافع قال : كان علي عليه السلام يجهز النبي صلى الله عليه وآله حين كان في الغار يأتيه
بالطعام والشراب ، واستأجر له ثلاث رواحل للنبي صلى الله عليه وآله ولابي بكر ، ولدليهم
رقيد ، ( 4 ) وخلفه النبي صلى الله عليه وآله ليخرج ( 5 ) إليه أهله ، فأخرجهم ، وأمره أن يؤدي
______________________________________________________
( 1 ) في المصدر : انتم له ولمن يختاره من اوليائه .
( 2 ) التفسير المنسوب إلى الامام العسكرى عليه السلام : 189 - 191 .
( 3 ) في نسخة : على بن إبراهيم بن هاشم : أقول : الاول مختصر .
( 4 ) هكذا في نسخة امين الضرب ، وفى النسخة المخطوطة : وقيد : وفى المصدر : وقيل :
وخلفه إه .
ولعله الصحيح لانا لم نظفر على من كان اسمه رقيدا أو وقيدا .
( 5 ) في نسخة : يتخرج إليه .
[ 85 ]
عنه أماناته ووصاياه وما كان بمؤتمن عليه من مال ، فأدى علي عليه السلام أماناته ( 1 )
كلها .
وقال له النبي صلى الله عليه وآله : إن قريش لن يفتقدوني ما رأوك ، فاضطجع على فراش
رسول الله صلى الله عليه وآله ، فكانت قريش يرى ( 2 ) رجلا على فراش النبي صلى الله عليه وآله ، فيقولون
هو محمد ، فحبسهم الله عن طلبه ، وخرج علي عليه السلام إلى المدينة ماشيا على رجليه
فتورمت قدماه ، فلما قدما المدينة رآه النبي صلى الله عليه وآله ، فاعتنقه وبكى رحمة ( 3 ) مما رأى
بقدميه من الورم وإنما يقطران دما ، فدعا له بالعافية ، ومسح رجليه فلم يشكهما
بعد ذلك .
( 4 )
36 - فض ، يل : لما آخى سبحانه وتعالى بين الملائكة آخى بين جبرئيل
وميكائيل فقال سبحانه وتعالى : إني آخيت بينكما ، وجعلت عمر أحد كما أطول
من عمر الآخر ، فأيكما يؤثر أخاه بالحياة على نفسه فاختار كلاهما الحياة فقال
الله عزوجل : أفلا تكونا مثل علي بن أبي طالب آخيت ( 5 ) بينه وبين حبيبي محمد فآثره
بالحياة على نفسه في هذه الليلة ، وقد بات على فراشه يفديه بنفسه : اهبطا فاحفظاه
من عدوه ، فهبطا إلى الارض فجلس جبرئيل عند رأسه ، وميكائيل عند رجليه ،
وهما يقولان : بخ بخ لك يا بن أبي طالب ، من مثلك وقد باهى الله بك ملائكة
______________________________________________________
( 1 ) قال ابن شهر آشوب في المناقب 1 : 334 ، واستخلفه الرسول صلى الله عليه وآله
لرد الودائع ، لانه كان امينا ، فلما أداها قام على الكعبة فنادى بصوت رفيع : يا ايها الناس
هل من صاحب امانة ؟ هل من صاحب وصية ؟ هل من عدة له قبل رسول الله ؟ فلما لم يأت احد
لحق بالنبى صلى الله عليه وآله .
وقال في ص 396 : وقد ولاء في رد الودائع ، لما هاجر إلى
المدينة استخلف عليا عليه السلام في اهله وماله ، وامره ان يؤدى عنه كل دين وكل وديعة
وأوصى إليه بقضاء ديونه .
( 2 ) في المصدر : ترى .
( 3 ) في المصدر : ورآه النبى صلى الله عليه وآله فاعتنقه وبكى رحمة له .
( 4 ) اعلام الورى : 113 ط 1 و 191 و 192 ط 2 وفيها : فلم يشتكهما بعد ذلك .
( 5 ) في المصدر : حيث آخيت :
[ 86 ]
السماوات وفاخر بك ؟ .
( 1 )
37 - كنز : روى أحمد بن حنبل ، عن عمير بن ميمون ( 2 ) قال : قوله عزوجل
" ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء ( 3 ) " وذلك حين نام علي عليه السلام على فراش
رسول الله صلى الله عليه وآله ألبسه ثوبه ، وجعله مكانه ، وكان المشركون يتوهمون أنه
رسول الله صلى الله عليه وآله .
وروى الثعلبي في تفسيره قال : لما أراد النبي صلى الله عليه وآله الهجرة خلف عليا عليه السلام
لقضاء ديونه ، ورد الودائع التي كانت عنده ، وأمره ليلة خرج إلى الغار وقد
أحاط المشركون بالدار ( 4 ) ، وقال له يا علي : اتشح ببردي الحضرمي : ثم نم
على فراشي فإنه لا يخلص ( 5 ) إليك منهم مكروه إن شاء الله ، ففعل ما أمره ، فأوحى
عزوجل إلى جبرئيل وميكائيل : أني قد آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما
أطول من الآخر ، فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة ؟ فاختار كل منهما الحياة ،
فأوحى الله عزوجل إليها : ألا كنتما مثل علي بن أبي طالب ؟ آخيت بينه وبين
محمد صلى الله عليه وآله فبات على فراشه يفديه بنفسه ، ويؤثره بالحياة ، اهبطا إلى الارض
______________________________________________________
( 1 ) الروضة : ص 119 ، الفضائل : 124 و 125 .
أقول : روى ذلك الحديث جماعة من
مشايخ العامة والخاصة منهم - على ما ذكره ابن شهر اشوب - الثعلبى في تفسيره ، وابن عقب
في ملحتمه ، وأبوالسعادات في فضائل العشرة .
والغزالى في الاحياء وفى كيمياء السعادة
برواياتهم عن أبى اليقطان ، ومن الخاصة : ابن بابويه وابن شاذان والكلينى والطوسى وابن
عقدة والبرقى وابن فياض ، والعبدلى وألصفوانى والثقفى بأسانيدهم عن ابن عباس وأبى
رافع وهند ابن أبى هالة .
ويأتى ان شاء الله في فضائل على عليه السلام الايعاز إلى غيرهم .
( 2 ) هكذا في النسخ ، وفى المصدر : عمر بن ميمون ، وفى كليهما تصحيف ، والصحيح
عمرو بن ميمون .
راجع ما قدمنا ذيل الحديث : 29 .
( 3 ) في المصدر : ذلك على بن أبى طالب عليه السلام ، شرى نفسه ، وذلك حين نام على
فراش رسول الله صلى الله عليه وآله .
( 4 ) في المصدر : وأمره ليلة خروجه إلى الغار وقد أحاط المشركون بالدار أن ينام على
فراشه .
وقال له .
( 5 ) في المصدر : لا يلحق .
[ 87 ]
فاحفظاه من عدوه ، فنزلا فكان جبرئيل عند رأسه ، وميكائيل عند رجليه ، وجبرئيل
يقول : بخ بخ من مثلك يا بن أبي طالب ، يباهي الله بك ملائكته فأنزل الله عز
وجل على رسوله الله صلى الله عليه وآله وهو متوجه إلى المدينة في شان علي بن أبي طالب عليه السلام :
" ومن الناس من يشري نفسه " الآية .
وروى أخطب خوارزم حديثا يرفعه بإسناده إلى النبي صلى الله عليه وآله قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وآله : نزل علي جبرئيل صبيحة يوم الغار ، فقلت : حبيبي جبرئيل !
أراك فرحا ، فقال : يا محمد وكيف لا أكون كذلك وقد قرت عيني بما أكرم الله
به أخاك ووصيك وإمام امتك علي بن أبي طالب عليه السلام ، فقلت : بماذا أكرمه
الله ؟ قال : باهى بعبادته البارحة ملائكته ، وقال : ملائكتي ! انظروا إلى حجتي
في أرضي بعد نبيي وقد بذل نفسه ، وعفر حده في التراب تواضعا لعظمتي ، أشهدكم
أنه إمام خلقي ومولى بريتي ( 1 ) .
38 - مصبا : في أول ليلة من شهر ربيع الاول هاجر النبي صلى اله عليه وآله من مكة
إلى المدينة سنة ثلاث عشرة من مبعثه ، وفيها كان مبيت أمير المؤمنين عليه السلام
على فراشه ، وكانت ليلة الخميس ، وفي ليلة الرابع منه كان خروجه من الغار متوجها
إلى المدينة .
39 - فر : الحسين بن الحكم ، عن يحيى بن عبدالحميد ، عن أبي عوانة ،
عن أبي بلج ، عن عمرو بن ميمون ، عن ابن عباس رضي الله عنه قال في علي بن
أبي طالب صلى الله عليه وآله ( 2 ) لما انطلق النبي صلى الله عليه وآله إلى الغار فأنامه النبي صلى الله عليه وآله في
مكانه وألبسه برده ، فجاء ( 3 ) قريش يريدون أن يقتلوا النبي صلى الله عليه وآله فجعلوا يرمون
عليا عليه السلام وهم يرون أنه النبي صلى الله عليه وآله وقد ألبسه النبي صلى الله عليه وآله برده ، فجعل
يتضور ، فنظروا فإذا هو علي عليه السلام فقالوا : إنك لنائم ؟ ! لو كان صاحبك ما
______________________________________________________
( 1 ) كنز جامع الفوائد : 40 .
( 2 ) خلا المصدر عن قوله : في على بن أبى طالب .
( 3 ) في المصدر : فجاءت قريش .
[ 88 ]
تضور لقد استنكرنا ذلك منك ( 1 ) .
40 - كا : حميد بن زياد ، عن محمد بن أيوب ، عن علي بن أسباط ، عن
الحكم بن مسكين ، عن يوسف بن صهيب ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : سمعت أبا
جعفر عليه السلام يقول إن رسول الله صلى الله عليه وآله أقبل يقول لابي بكر في الغار : اسكن
فإن الله معنا ، وقد أخذته الرعدة وهو لا يسكن ، فلما رأى رسول الله صلى اله عليه وآله
حاله قال له : تريد أن اريك أصحابي من الانصار في مجالسهم يتحدثون ، واريك
جعفرا وأصحابه في البحر يغوصون ( 2 ) ؟ قال : نعم ، فمسح رسول الله صلى الله عليه وآله بيده
على وجهه ، فنظر إلى الانصار يتحدثون ونظر إلى جعفر رضي الله عنه وأصحابه
في البحر يغوصون ، فأضمر تلك الساعة ، أنه ساحر ( 3 )
41 - كا : علي ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن معاوية بن عمار ، عن أبي عبدالله
عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما خرج من الغار متوجها إلى المدينة وقد كانت
قريش جعلت لمن أخذه مائة من الابل ، فخرج سراقة بن مالك بن جعشم فيمن
يطلب فلحق برسول الله صلى الله عليه وآله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : " اللهم اكفني شر سراقة
بما شئت " فساخت قوائم فرسه فثنى رجله ثم اشتد ، فقال : يا محمد إني علمت أن
الذي أصاب قوائم فرسي إنما هو من قبلك ، فادع الله أن يطلق لي فرسي ، فلعمري
إن لم يصبكم خير مني ( 4 ) لم يصبكم مني شر ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله فأطلق الله
عزوجل فرسه ، فعاد في طلب رسول الله صلى الله عليه وآله حتى فعل ذلك ثلاث مرات ، كل
ذلك يدعو رسول الله فيأخذ ( 5 ) الارض قوائم فرسه ، فلما اطلقه في الثالثة قال :
-بحار الانوار مجلد: 19 من ص 88 سطر 19 الى ص 96 سطر 18
يا محمد هذه إبلي بين يديك فيها غلامي ، وإن احتجت ( 6 ) إلى ظهر أو لبن فحذ منه ، و
______________________________________________________
( 1 ) تفسير فرات : 9 و 10 راجع ما قدمنا ذيل الحديث : 29 .
( 2 ) تقدم في أخبار ، يعومون بالعين المهملة ، أى يسجون .
( 3 ) روضة الكافى : 262 .
( 4 ) في نسخة : ان لم يصبكم منى خير .
( 5 ) في المصدر : فتأخذ الارض .
( 6 ) في المصدر : فان احتجت .
قوله : إلى ظهر أى مركوب .
[ 89 ]
هذا سهم من كنانتي علامة ، وأنا أرجع فأرد عنك الطلب ، فقال : لا حاجة لي فيما
عندك .
( 1 )
42 - نهج : من كلام له عليه السلام اقتص فيه ذكر ما كان منه بعد هجرة النبي
صلى الله عليه وآله ثم لحاقه به : فجعلت أتبع مأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله فأطأ ذكره
حتى انتهيت إلى العرج .
في كلام طويل فقوله عليه السلام : فأطأ ذكره ، من الكلام الذي رمي إلى غايتي
الايجاز والفصاحة ، وأراد أنني كنت اعطي خبره صلى الله عليه وآله من بدء خروجي إلى أن
انتهيت إلى هذا الموضع ، فكنى ذلك بهذه الكناية العجيبة .
( 2 )
43 - فس : في رواية أبي الجارود ، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله : " إن من
أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم ( 3 ) " وذلك أن الرجل كان إذا أراد الهجرة
إلى رسول الله صلى الله عليه وآله تعلق به ابنه وامرأته ، فقالوا : ننشدك الله أن تذهب عنا وتدعنا
فنضيع بعدك ، فمنهم من يطيع أهله فيقيم ، فحذرهم الله أبناءهم ونساءهم ونهاهم
عن طاعتهم ومنهم من يمضي ويذرهم ويقول : أما والله لئن لم تهاجروا معي ثم جمع
الله بيني وبينكم في دار الهجرة لا أنفعكم بشئ أبدا ، فلما جمع الله بينه وبينهم أمره
الله أن يبوء بحسن وبصلة ( 4 ) فقال : " وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فان الله غفور
رحيم .
( 5 )
44 - ن : الحسين بن أحمد البيهقي ، عن محمد بن يحيى الصولي ، عن أحمد بن
محمد بن إسحاق الطالقاني ، عن أبيه قال : حلف رجل بخراسان بالطلاق أن معاوية
______________________________________________________
( 1 ) روضة الكافى 263 وفيه : لا حاجة لنا .
( 2 ) نهج البلاغة : القسم الاول : 492 فيه وكنى عن ذلك .
( 3 ) التغابن : 14 .
( 4 ) في نسخة : أمره الله أن يتقى ويحسن .
وفى المصدر : أمره أن يتوق بحسن وصلة
قوله : يبوء أى يرجع .
( 5 ) تفسير القمى : 683 .
[ 90 ]
ليس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله أيام كان الرضا عليه السلام بها ، فأفتى الفقهاء بطلاقها
فسئل الرضا عليه السلام فأفتى أنها لا تطلق ، فكتب الفقهاء رقعة فأنفذوها إليه وقالوا له :
من أين قلت يا بن رسول الله أنها لم تطلق ؟ فوقع عليه السلام في رقعتهم ( 1 ) : قلت : هذا
من روايتكم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لمسلمة الفتح وقد كثروا
عليه : " أنتم خير ، وأصحابي خير ، ولا هجرة بعد الفتح ( 2 ) " فأبطل الهجرة ولم يجعل
هؤلاء أصحابا له ، فرجعوا إلى قوله .
( 3 )
45 - شى : عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم ، عن أبي جعفر وأبي عبدالله عليهما السلام
قالوا : سألناهما عن قوله : " والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شئ
حتى يهاجروا ( 4 ) " قالا : بأن أهل مكة لا يرثون أهل المدينة .
( 5 )
46 - كا : علي بن إبراهيم ، عن هارون ، عن ابن صدقة ، عن أبي عبدالله عليه السلام
قال : إن عمار بن ياسر أكرهه أهل مكة وقلبه مطمئن بالايمان فأنزل الله عز
وجل فيه : " إلا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان ( 6 ) " فقال له النبي صلى الله عليه وآله عندها :
______________________________________________________
( 1 ) وقع العهد أو الفرمان : رسم عليه طغراء السلطان .
وقع الكتاب أو الصك : وضع اسمه
في ذيله قوله : فوقع في رقعتهم أى كتب هذا الجواب في ذيل رقعتهم ووضع اسمه ذيله .
( 2 ) رواه الطيالسى في مسنده : 293 باسناده عن شعبة ، عن عمرو بن مرة سمع ابا البخترى
يحدث عن أبى سعيد قال : لما نزلت هذه الاية : " إذا جاء نصر الله والفتح " قرأها رسول الله
صلى الله عليه وآله حتى ختمها ، ثم قال : أنا واصحابى خير ، والناس خير ، لا هجرة بعد الفتح .
قال أبوسعيد : حدثت بهذا الحديث مروان بن الحكم وكان اميرا على المدينة : فقال : كذبت
وعنده زيد بن ثابت ورافع بن خديج وهما معه على السرير ، فقال أبوسعيد ، اما أن هذين لو شاءا
لحدثاك ، ولكن هذا يخشى أن تنزعه من عرافة قومه ، وهذا يخشى أن تنزعه عن الصدقة ،
يعنى زيد بن ثابت ، قال : فرفع عليه الدرة ، قال : فلما رأيا ذلك قال : صدق .
( 3 ) عيون أخبار الرضا : 240 .
فيه : قال : فرجعوا إلى قوله .
( 4 ) الانفال : 72 .
( 5 ) تفسير العياشى ج 2 : 70 ، وأخرجه البحرانى أيضا في تفسير البرهان 2 : 98 .
( 6 ) النحل : 106 .