[ 31 ]
" ثم ان ربك للذين هاجروا من بعدما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من
بعدها لغفور رحيم " مهاجرا من أرض الشرك فارا بدينه إلى الله ورسوله " ثم يدركه
الموت " قبل بلوغه دار الهجرة " فقد وقع أجره على الله " أي ثواب عمله وجزاء
هجرته على الله ، وروى الحسن ، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : من فر بدينه من أرض
إلى أرض وإن كان شبرا من الارض استوجب الجنة ، وكان رفيق إبراهيم ومحمد
صلى الله عليهما وآلهما .
( 1 )
وقال رحمه الله في قوله تعالى : " وإذ يمكر بك " قال المفسرون : إنها نزلت
في قصة دار الندوة ، وذلك أن نفر من قريش اجتمعوا فيها وهي دار قصي بن كلاب
وتآمروا في أمر النبي صلى الله عليه وآله ، فقال عروة بن هشام : نتربص به ريب المنون ،
وقال أبوالبختري : أخرجوه عنكم تستريحوا من أذاه ، وقال أبوجهل : ما هذا
برأي ، ولكن اقتلوه بأن يجتمع عليه من كل بطن رجل فيضربوه بأسيافهم ضربة
رجل واحد ، فنرضى حينئذ بنو هاشم بالدية ، فصوب إبليس هذا الرأي وكان قد
جاءهم في صورة شيخ كبير من أهل نجد ، وخطأ الاولين فاتفقوا على هذا الرأي
وأعدوا الرجال والسلاح ، وجاء جبرئيل فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله فخرج إلى الغار
وأمر عليا عليه السلام فبات على فراشه ، فلما أصبحوا وفتشوا عن الفراش وجدوا عليا
وقد رد الله مكرهم ، فقالوا : أين محمد ; قال : لا أدري ، فاقتصوا أثره وأرسلوا في طلبه
فلما بلغوا الجبل ومروا بالغار رأوا على بابه نسج العنكبوت ، فقالوا : لو كان
ههنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه ، فمكث فيه ثلاثة أيام ثم قدم المدينة
" الذين كفروا " وهم مشركو العرب ، ومنهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة ، والنضر بن
حارث ، وأبوجهل بن هشام ، وأبوالبختري بن هشام ، وزمعة بن الاسود ، وحكيم
بن حزام ، وامية بن خلف وغيرهم " ليثبتوك " أي ليقيدوك فيثبتوك في الوثاق أو في
الحبس ويسجنوك في بيت ، وقيل : ليثخنوك بالجراحة والضرب عن أبان بن
______________________________________________________
( 1 ) مجمع البيان 3 : 98 - 100 .
[ 32 ]
تغلب وغيره " أو يخرجوك " أي من مكة إلى طرف من أطراف الارض ، وقيل : أو
يخرجوك على بعير ويطردونه حتى يذهب في وجهه ( 1 ) .
قال : ولما هموا بقتل رسول الله صلى الله عليه وآله وأخرجوه من مكة أنزل الله
سبحانه : " وما لهم ألا يعذبهم الله " الآية ، فعذبهم الله بالسيف يوم بدر " وما كانوا أولياءه "
أي ما كان المشركون أولياء المسجد الحرام وإن سعوا في عمارته ، وما أولياء المسجد
الحرام إلا المتقون عن الحسن ، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام ، وقيل ما كانوا
أولياء الله إن أولياء الله إلا المتقون ( 2 ) .
وقال رحمه الله في قوله تعالى : " إن الذين
آمنوا وهاجروا " قيل : نزلت في الميراث ، وكانوا يتوارثون بالهجرة ، وجعل الله
الميراث للمهاجرين والانصار دون ذوي الارحام ، وكان الذي آمن ولم يهاجر لم
يرث من أجل أنه لم يهاجر ولم ينصر وكانوا يعملون بذلك حتى نزل : " واولو
الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله " فنسخت هذا ، وصار الميراث لذوي
الارحام المؤمنين ( 3 ) ، عن ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد والسدي
" والذين آووا " أي النبي صلى الله عليه وآله والمهاجرين بالمدينة وهم الانصار
" اولئك بعضهم أولياء بعض " في النصرة أو التوارث ، وقيل : في نفوذ أمان بعضهم
على بعض ( 4 ) ، وعن أبي جعفر عليه السلام أنهم كانوا يتوارثون بالمؤاخاة الاولى
" وإن استنصروكم في الدين " أي إن طلب المؤمنون الذين لم يهاجروا منكم
النصرة لهم على الكفار وإعانتهم في الدين " فعليكم النصر ( 5 ) " ة والمعونة لهم في
______________________________________________________
( 1 ) مجمع البيان 4 : 537 .
-بحار الانوار مجلد: 19 من ص 32 سطر 19 الى ص 40 سطر 18
( 2 ) مجمع البيان 4 : 539 و 540 .
( 3 ) زاد في المصدر : ولا يتوارث أهل الملتين .
( 4 ) زاد في المصدر : فان واحدا من المسلمين لو أمن إنسانا نفذ أمانه على سائر المسلمين
" والذين آمنوا ولم يهاجروا " إلى المدينة " ما لكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا " أى
ما لكم من ميراثهم من شئ حتى يهاجروا ، فحينئذ يحصل بينكم التوارث ، فان الميراث كان
منقطعا في ذلك الوقت بين المهاجرين وغير المهاجرين ، وروى عن أبي جعفر عليه السلام اه .
( 5 ) في المصدر : فعليكم النصر ، والمعونة ، وليس عليكم نصرتهم في غير الدين .
[ 33 ]
الدين " إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق " أي إلا أن يطلبوا منكم النصرة على قوم
من المشركين بينكم وبينهم أمان وعهد يجب الوفاء به فلا تنصروهم عليهم لما فيه
من نقض العهد " والذين كفروا بعضهم أولياء بعض " أي أنصار بعض أو أولى ببعض
في الميراث " إلا تفعلوه " أي ما امرتم به في الآية الاولى والثانية " تكن فتنة في
الارض وفساد كبير " على المؤمنين الذين لم يهاجروا ، والفتنة : المحنة بالميل إلى
الضلال ، والفساد الكبير : ضعف الايمان ( 1 ) .
وقال في قوله تعالى : " إلا تنصروه فقد نصره الله " : أي إن لم تنصروا النبي
صلى الله عليه وآله على قتال العدو فقد فعل الله به النصر " إذ أخرجه الذين كفروا "
من مكة فخرج يريد المدينة " ثاني اثنين إذ هما في الغار " يعني أنه كان هو وأبوبكر
في الغار ليس معهما ثالث ( 2 ) ، وأراد به هنا غار ثور ، وهو جبل بمكة " إذ يقول
لصاحبه " أي إذ يقول الرسول صلى الله عليه وآله لابي بكر : " لا تحزن " أي لا تخف " إن الله
معنا " يريد أنه مطلع علينا ، عالم بحالنا ، فهو يحفظنا وينصرنا ، قال الزهري :
لما دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وأبوبكر الغار أرسل الله زوجا من الحمام حتى باضا في
أسفل الثقب ( 3 ) ، والعنكبوت حتى نسج بيتا ، فلما جاء سراقة بن مالك في طلبهما
فرأى بيض الحمام وبيت العنكبوت قال : لو دخله أحد لانكسر البيض وتفسخ ( 4 )
بيت العنكبوت فانصرف ، وقال النبي صلى الله عليه وآله : " اللهم أعم أبصارهم " فعميت أبصارهم
عن دخوله ، وجعلوا يضربون يمينا وشمالا حول الغار .
وقال أبوبكر : لو نظروا ( 5 )
إلى أقدامهم لرأونا ، ونزل رجل من قريش فبال على باب الغار ، فقال أبوبكر :
قد أبصرونا يا رسول الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : لو أبصرونا ما استقبلونا بعوراتهم
______________________________________________________
( 1 ) مجمع البيان 4 : 561 و 562 .
( 2 ) زاد في المصدر : أى وهو احد اثنين ، ومعناه فقد نصره الله منفردا من كل شئ إلا
من ابى بكر .
( 3 ) في نسخة : في اسفل النقب .
( 4 ) في نسخة : وتفتح بيت العنكبوت .
( 5 ) في نسخة ، لو نزلوا .
[ 34 ]
" فأنزل الله سكينته عليه " يعني على محمد صلى الله عليه وآله ، أي ألقى في قلبه ما سكن به " وأيده
بجنود لم تروها " أي بملائكة يضربون وجوه الكفار وأبصارهم عن أن يروه ، وقيل :
قواه بالملائكة ( 1 ) يدعون الله تعالى له ، وقيل : أعانه بالملائكة يوم بدر ، وقال بعضهم :
يجوز أن يكون الهاء في " عليه " راجعة إلى أبي بكر ، وهذا بعيد ، لان الضمائر
قبل هذا وبعده تعود إلى النبي صلى الله عليه وآله بلا خلاف ( 2 ) ، فكيف يتخللها ضمير عائد إلى
غيره هذا وقد قال سبحانه في هذه السورة " ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى
المؤمنين ( 3 ) " وقال في سورة الفتح كذلك ( 4 ) ، فتخصيص النبي في هذه الآية بالسكينة
يدل على عدم إيمان من معه ( 5 ) " وجعل كلمة الذين كفروا السفلى " المراد بكلمتهم
وعيدهم النبي صلى الله عليه وآله وتخويفهم له ، أو كلمة الشرك ، وكلمة الله وعده بالنصر ، أو
كلمة التوحيد ( 6 ) .
وقال في قوله تعالى : " والذين هاجروا في الله " : نزلت في المعذبين بمكة
مثل صهيب وبلال وعمار وخباب ( 7 ) وغيرهم ، مكنهم الله في المدينة ، وذكر أن
______________________________________________________
( 1 ) في المصدر : بملائكة .
( 2 ) في المصدر : وذلك في قوله : " إلا تنصروه فقد نصره الله " وفى قوله : " إذ اخرجه "
وقوله : " لصاحبه " وقوله فيما بعده : " وأيده " .
( 3 ) الاية : 28 .
( 4 ) في المصدر : وقال في سورة الفتح : " فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين "
أقول : هذا هو الصحيح راجع سورة الفتح 48 : 26 .
( 5 ) لم نجد قوله : " فتخصيص النبى صلى الله عليه وآله " إلى هما في المصدر ، بل الموجود
مكانه هكذا : وقد ذكرت الشيعة في تخصيص النبى صلى الله عليه وآله في هذه الاية بالسكينة
كلا ما رأينا الاضراب عن ذكره أحرى لئلا ينسبنا ناسب إلى شئ انتهى .
( 6 ) مجمع البيان 5 : 31 و 32 .
( 7 ) خباب بتشديد الباء الاول كشداد هو خباب بن الارت التميمى أبوعبدالله من السابقين
إلى الاسلام ، وكان يعذب في الله ، شهد بدرا ثم نزل الكوفة ومات بها سنة 37 " وقيل : 39 "
وترحم عليه أميرالمؤمنين عليه السلام وقال : رحم الله خبابا ، أسلم راغبا ، وهاجر طائعا ، وعاش
مجاهدا ، وابتلى في جسمه احوالا ، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا .
( * )
[ 35 ]
صهيبا قال لاهل مكة : أنا رجل كبير إن كنت معكم لم أنفعكم ، وإن كنت عليكم
لم أضرركم ، فخذوا مالي ودعوني ، فأعطاهم ماله ، وهاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ،
فقال له أبوبكر : ربح البيع يا صهيب ( 1 ) " لنبوئنهم في الدنيا حسنة " أي بلدة حسنة
وهي المدينة ، أو حالة حسنة وهي النصر على الاعداء ( 2 ) .
وقال في قوله تعالى : " إلا من اكره " : نزل في جماعة اكرهوا ، وهم عمار
وياسر أبوه وامه سمية ، وصهيب وبلال وخباب عذبوا ، وقتل أبوعمار وأمه
فأعطاهم عمار بلسانه مما أرادوا منه ، ثم اخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله ، فقال قوم :
كفر عمار ، فقال صلى الله عليه وآله : كلا إن عمارا ملئ إيمانا من قرنه إلى قدمه ، واختلط
الايمان بلحمه ودمه ، وجاء عمار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يبكي فقال صلى الله عليه وآله : ما
وراك ، قال : شر يا رسول الله ، ما تركت حتى نلت منك ، وذكرت آلهتهم بخير
فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يمسح عينيه ويقول : إن عادوا لك فعد لهم بما قلت ، فنزلت
الآية ، عن ابن عباس وقتادة ، وقيل : نزلت في ناس من أهل مكة آمنوا وخرجوا
يريدون المدينة فأدركهم قريش وفتنوهم فتكلموا بكلمة الكفر كارهين عن مجاهد
وقيل : إن ياسر وسمية أبوا ( 3 ) عمار أول شهيدين في الاسلام ، وقوله : " من كفر
بالله * ومن شرح بالكفر صدرا " هو عبدالله بن سعيد ( 4 ) بن أبي سرح من بني عامر بن
لوي ، وأما قوله : " ثم إن ربك للذين هاجروا " الآية ، قيل : إنها نزلت في
عباس ( 5 ) بن أبي ربيعة أخي أبي جهل من الرضاعة ، وأبي جندل بن سهيل بن عمرو
______________________________________________________
( 1 ) في سيرة ابن هشام 2 : 89 : فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ربح صهيب ،
ربح صهيب .
( 2 ) مجمع البيان 6 : 361 .
( 3 ) في المصدر : أبوى عمار .
( 4 ) في المصدر : عبدالله بن سعد .
( 5 ) في المصدر : عياش ، وهو الصحيح ، والرجل هو عياش بن أبى ربيعة بن المغيرة بن
عبدالله بن عمر بن مخزوم القرشى المخزومى ، واسم ابيه عمرو ويلقب ذا الرمحين ، أسلم قديما
وهاجر الهجرتين .
استشهد باليمامة وقيل : باليرموك ، وقيل : مات سنة 15 .
[ 36 ]
والوليد بن المغيرة ، وغيرهم من أهل مكة ، فتنهم المشركون فأعطوهم بعض ما أرادوا
ثم إنهم هاجروا بعد ذلك وجاهدوا فنزلت الآية فيهم " وقلبه مطمئن " أي ساكن
" بالايمان " ثابت عليه ، فلا حرج عليه في ذلك " ولكن من شرح بالكفر صدرا "
أي من اتسع قلبه للكفر وطابت نفسه به " من بعد ما فتنوا " أي عذبوا في الله و
ارتدوا على الكفر فأعطوهم بعض ما أرادوا ليسلموا من شرهم " ثم جاهدوا "
مع النبي صلى الله عليه وآله " وصبروا " على الدين والجهاد " إن ربك من بعدها " أي من بعد
تلك الفتنة أو الفعلة التي فعلوها من التفوه بكلمة الكفر ( 1 ) .
وقال في قوله تعالى : " يا عبادي الذين آمنوا " : قيل : إنها نزلت في المستضعفين
من المؤمنين بمكة ، أمروا بالهجرة عنها ، ونزل قوله : " وكأين من دابة " في جماعة
كانوا بمكة يؤذيهم المشركون ، فأمروا بالهجرة إلى المدينة ، فقالوا : كيف نخرج
إليها وليس لنا بها دار ولا عقار ؟ من يطعمنا ومن يسقينا ؟ " إن أرضي واسعة " فاهربوا
من أرض يمنعكم أهلها من الايمان والاخلاص في عبادتي .
وقال أبوعبدالله عليه السلام : معناه إذا عصي الله في أرض أنت فيها فاخرج منها إلى
غيرها " وكأين من دابة " أي وكم من دابة لا يكون رزقها مدخرا معدا ، وقيل :
معناه لا يطيق حمل رزقها لضعفها ، وتأكل بأفواهها ( 2 ) .
وفي قوله تعالى : " من قريتك " : يعني مكة " التي أخرجتك " أي أخرجك
أهلها ، والمعنى كم من رجال هم أشد من أهل مكة " أهلكناهم فلا ناصر لهم " يدفع
عنهم إهلاكنا إياهم ، فما الذي يؤمن هؤلاء أن أفعل بهم مثل ذلك ( 3 ) .
قوله تعالى : واهجرهم هجرا جميلا " ذهب المفسرون إلى أن المراد
مجانبتهم ومداراتهم وعدم مكافاتهم ، ولا يبعد أن يكون المراد الهجرة من مكة إلى
المدينة .
______________________________________________________
( 1 ) مجمع البيان 6 : 387 و 388 .
( 2 ) مجمع البيان 8 : 290 و 291 .
( 3 ) مجمع البيان 9 : 100 .
[ 37 ]
1 - فس : " وما كانوا ألياءه " يعني قريشا ما كانوا أولياء مكة " إن أولياؤه
إلا المتقون " أنت وأصحابك يامحمد ، فعذبهم الله بالسيف يوم بدر فقتلوا ( 1 ) .
2 - فس : " إن الذين آمنوا وهاجروا " إلى قوله : " أولياء بعض " فإن
الحكم كان في أول النبوة أن المواريث كانت على الاخوة لا على الولادة ، فلما
هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة آخى بين المهاجرين والمهاجرين ، وبين الانصار
والانصار وآخى بين المهاجرين والانصار ، فكان إذا مات الرجل ( 2 ) يرثه أخوه
في الدين ويأخذ المال ، وكان ما ترك له دون ورثته ، فلما كان بعد بدر أنزل الله :
" النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه امهاتهم واولوا الارحام بعضهم أولى
ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا ( 3 ) "
فنسخت آية الاخوة " بعضهم أولى ببعض " .
قوله : " والذين آمنوا ولم يهاجروا " الآية
فإنها نزلت في الاعراب ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله صالحهم على أن يدعهم في ديارهم
ولا يهاجروا إلى المدينة ، وعلى أنه إن أرادهم رسول الله صلى الله عليه وآله غزا بهم ولم يكن
لهم في الغنيمة شئ ، وأوجبوا على النبي صلى الله عليه وآله أنه إن أرادهم الاعراب من غيرهم
أو دهاهم دهم من عدوهم أن ينصرهم إلا على قوم بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وآله عهد و
ميثاق إلى مدة " والذين كفروا بعضهم أولياء بعض " يعني يوالي بعضهم بعضا ، ثم
قال : " إلا تفعلوه " يعني إن لم تفعلوه ، فوضع حرف مكان حرف " تكن فتنة " أي
كفر في الارض " وفساد كبير " ثم قال : " والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا
معكم فاولئك منكم واولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله " قال : نسخت
قوله : " والذين عاهدت ( 4 ) أيمانكم فآتوهم نصيبهم ( 5 ) .
______________________________________________________
( 1 ) تفسير القمى : ص 253 و 254 .
( 2 ) في المصدر : فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة آخى بين المهاجرين
وبين الانصار ، فكان إذا مات الرجل إه .
( 3 ) الاحزاب : 6 .
( 4 ) هكذا في النسخ ، وفى المصدر : " والذين عقدت " وهو الصحيح راجع سورة
النساء : 33 .
( 5 ) تفسير القمى : ص 256 و 257 .
[ 38 ]
3 - فس : " والذين هاجروا في الله " أي هاجروا وتركوا الكفار في الله
" لنبوئنهم " أي لنثبتنهم .
( 1 )
4 - فس : في رواية أبي الجارود ، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله : " يا عبادي
الذين آمنوا إن أرضي واسعة " يقول : لا تطيعوا أهل الفسق من الملوك ، فإن
خفتموهم أن يفتنوكم عن دينكم فإن أرضي واسعة ( 2 ) .
5 - فس : " وكأين من قرية " الآية قال : إن الذين أهلكناهم من الامم
السالفة كانوا أشد قوة من قريتك ، يعني أهل مكة الذين أخرجوك منها ، فلم يكن
لهم ناصر ( 3 ) .
6 - أقول : قال في المنتقى كانت الهجرة سنة أربع عشرة من المبعث ، وهي
سنة أربع وثلاثين من ملك كسرى برويز ، سنة تسع لهرقل ( 4 ) ، وأول هذه السنة
المحرم ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله مقيما بمكة لم يخرج منها ، وقد كان جماعة خرجوا
في ذي الحجة ، وقال محمد بن كعب القرظي : ( 5 ) اجتمع قريش على بابه وقالوا :
إن محمدا يزعم أنكم إن بايعتموه كنتم ملوك العرب والعجم ، ثم بعثتم بعد موتكم
فجعل لكم جنان كجنان الارض وإن لم تفعلوا كان لكم من الذبح ثم بعثتم بعد موتكم
فجعلت لكم نار تحرقون بها ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله فأخذ حفنة ( 6 ) من تراب ثم
قال : نعم أنا أقول ذلك ، فنثر التراب على رؤوسهم وهو يقرأ " يس " ( 7 ) إلى قوله :
______________________________________________________
( 1 ) تفسير القمى : 360 .
( 2 ) تفسير القمى : 497 .
( 3 ) تفسير القمى : 626 .
( 4 ) هرقل بكسر الها وفتح الراء وسكون القاف أو كزبرج : ملك الروم ، اول من ضرب
الدنانير ، واول من أحدث البيعة .
( 5 ) بضم القاف وفتح الراء منسوب إلى قريظة ، والرجل هو محمد بن كعب بن سليم
بن أسد أبوحمزة القرظى المدنى ، كان من فضلاء المدينة ، نزل الكوفة مدة ، ولد سنة اربعين
وتوفى بالمدينة سنة 120 وقيل : قبل ذلك ، يروى عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما .
( 6 ) الحفنة : ملء الكفين .
( 7 ) السورة : 36 .
[ 39 ]
" وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون ( 1 ) " فلم
يبق منهم رجل وضع على رأسه التراب إلا قتل يوم بدر ، ثم انصرف إلى حيث أراد
فأتاهم آت لم يكن معهم فقال : ما تنتظرون ههنا ؟ قالوا : محمدا ، قال : قد والله خرج
محمد عليكم ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه التراب وانطلق لحاجته
فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه التراب ، ثم جعلوا يطلعون فيرون
عليا على الفراش متشحا ( 2 ) ببرد رسول الله صلى الله عليه وآله ، فيقولون : إن هذا لمحمد نائم
عليه برده .
فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا ، فقام علي من الفراش فقالوا : والله
لقد صدقنا الذي كان حدثنا به .
وروى الواقدي عن أشياخه أن الذين كانوا ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وآله تلك
الليلة من المشركين أبوجهل ، والحكم بن أبي العاص ، وعقبة بن أبي معيط ، والنضر
ابن الحارث ، وامية بن خلف ، وابن الغيطلة ، وزمعة بن الاسود ، وطعمة بن عدي
وأبولهب ، وأبي بن خلف ، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج ، فلما أصبحوا قام علي عليه السلام
من الفراش فسألوه عن رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : لا علم لي به .
وروي أنهم ضربوا عليا وحبسوه ساعة ثم تركوه .
وأورد الغزالي في كتاب إحياء العلوم أن ليلة بات علي بن أبي طالب عليه السلام
على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله أوحى الله تعالى إلى جبرئيل وميكائيل أني آخيت بينكما
وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر ، فأيكما يؤثر صاحبه بحياته ؟ فاختار
كل منهما الحياة وأحباها ، فأوحى الله تعالى إليهما : أفلا كنتما مثل علي بن
أبي طالب عليه السلام ، آخيت بينه وبين محمد ، فبات على فراشه يفديه بنفسه ، ويؤثره
بالحياة ، اهبطا إلى الارض فاحفظاه من عدوه ، فكان جبرئيل عند رأسه ، وميكائيل
عند رجليه ، وجبرئيل عليه السلام ينادي : بخ بخ ، من مثلك يابن أبي طالب ؟ يباهي الله
بك الملائكة ، فأنزل الله عزوجل : " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله
______________________________________________________
( 1 ) الاية : 9 .
( 2 ) توشح بثوبه : لبسه أو أدخله تحت ابطه فالقاه على منكبه .
( * )
[ 40 ]
والله رؤوف بالعباد ( 1 ) " .
أقول : وساق حديث الغار إلى أن قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله حين أتى الغار دعا
بشجرة فأتته فأمرها أن تكون على باب الغار ، وبعث الله حمامتين فكانتا على فم الغار ، و
نسج العنكبوت على فم الغار ، ثم أقبل فتيان قريش ، وكان أبوجهل قد أمر مناديا ينادي
بأعلى مكة وأسفلها : من جاء بمحمد أو دل عليه فله مائة بعير ، أو جاء بابن أبي قحافة
أو دل عليه فله مائة بعير ، فلما رأوا الحمامتين ونسج العنكبوت على فم الغار انصرفوا
فدعا النبي صلى الله عليه وآله للحمام ، وفرض جزاءهن ، وانحدرن في الحرم ، ونهى عن قتل
العنكبوت ، وقال : هي جند من جنود الله .
وروي عن عبدالله بن بريدة ، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وآله كان لا يتطير ، وكان
يتفأل ، وكانت قريش جعلت مائة من الابل فيمن يأخذ نبي الله صلى الله عليه وآله فيرده عليهم
حين توجه إلى المدينة ، فركب بريدة ( 2 ) في سبعين راكبا من أهل بيته من بني
سهم ، فتلقى نبي الله صلى الله عليه وآله ، فقال نبي الله صلى الله عليه وآله : من أنت ؟ قال : أنا بريدة ، فالتفت
إلى أبي بكر فقال : يا أبا بكر برد أمرنا وصلح ، ثم قال : وممن أنت ؟ قال : من أسلم
قال صلى الله عليه وآله : سلمنا ، قال : ممن ؟ قال : من بني سهم ، قال : خرج سهمك ، فقال بريدة
للنبي صلى الله عليه وآله : من أنت ؟ فقال : أنا محمد بن عبدالله رسول الله ، فقال بريدة : أشهد أن
لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، فأسلم بريدة وأسلم من كان معه جميعا
فلما أصبح قال بريدة للنبي صلى الله عليه وآله : لا تدخل المدينة إلا ومعك لواء ، فحل عمامته
ثم شدها في رمح ، ثم مشى بين يديه فقال : يا نبي الله تنزل علي ؟ فقال له النبي
-بحار الانوار مجلد: 19 من ص 40 سطر 19 الى ص 48 سطر 18
صلى الله عليه وآله : إن ناقتي هذه مأمورة ، قال بريدة : الحمد لله أسلمت بنو سهم
طائعين غير مكرهين ( 3 ) .
______________________________________________________
( 1 ) البقرة : 207 .
( 2 ) من المدينة متوجها إلى مكة .
والرجل هو بريدة بن الحصيب ابوسهل الاسلمى .
( 3 ) المنتقى في مولد المصطفى : الفصل الثانى في خروجه صلى الله عليه وآله وخروج
ابى بكر إلى الغار .