[361]
مر عليها هي بيت المقدس لما خربه بخت نصر ، عن وهب وقتادة والربيع وعكرمة ، وقيل
هي الارض المقدسة ، عن الضحاك ، وقيل : هي القرية التي خرج منها الالوف حذر الموت
عن أبي زيد " وهي خاوية على عروشها " أي خالية ، وقيل : خراب ، وقيل : ساقطة على
أبنيتها وسقوفها ، كأن السقوف سقطت ووقع البنيان عليها " قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها "
أي كيف يعمر الله هذه القرية بعد خرابها ؟ وقيل : كيف يحيي الله أهلها بعدما ماتوا ؟
ولم يقل ذلك إنكارا ولا تعجبا ولا ارتيابا ، ولكنه أحب أن يريه الله إحياءها مشاهدة
ليحصل له العلم به ضرورة " فأماته الله مائة عام ثم بعثه " أحياه " قال كم لبثت " في التفسير
أنه سمع نداء من السماء : كم لبثت ؟ يعني في منامك ، وقيل : إن القائل له نبي ، وقيل :
ملك ، وقيل : بعض المعمرين ممن شاهده عند موته وإحيائه " قال لبثت يوما أو بعض يوم "
لان الله تعالى أماته في أول النهار وأحياه بعد مائة سنة في آخر النهار ، فقال : " يوما " ثم
التفت فرأى بقية من الشمس فقال : " أو بعض يوم " ثم قال : " بل لبثت مائة عام " معناه
بل لبثت في مكانك مائة سنة " فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه " أي لم تغيره السنون
وإنما قال : " لم يتسنه " على الواحد لانه أراد جنس الطعام والشراب ، وقيل : أراد به
الشراب ، لانه أقرب المذكورين إليه ، وقيل : أراد عصيرا وتينا وعنبا ، وهذه الثلاثة
أسرع الاشياء تغيرا وفسادا ، فوجد العصير حلوا ، والتين والعنب كما جنيا لم يتغيرا
" وانظر إلى حمارك " كيف تفرقت أجزاؤه ، وتبددت عظامه ، ثم انظر كيف يحييه الله ،
وإنما قال ذلك ليستدل بذلك على طول مماته " ولنجعلك آية للناس " فعلنا ذلك ، وقيل
معناه : فعلنا ذلك إجابة لك إلى ماأردت " ولنجعلك آية للناس " أي حجة للناس في البعث
-بحار الانوار جلد: 14 من صفحه 361 سطر 19 إلى صفحه 369 سطر 18
" وانظر إلى العظام كيف ننشرها ( 1 ) " كيف نحييها ، وبالزاي كيف نرفعها من الارض فنردها
إلى أماكنها من الجسد ، ونركب بعضها على بعض " ثم نكسوها " أي نلبسها " لحما " و
اختلف فيه فقيل : أراد عظام حماره ، وقيل : أراد عظامه ، قالوا : أول ماأحيا الله منه عينه ، وهو
في مثل غرقئ البيض ، فجعل ينظر إلى العظام البالية المتفرقة تجتمع إليه ، وإلى اللحم
_____________________________________________________
( هامش صفحة 361 ) ( 1 ) بالراء قراءة أهل الحجاز والبصرة ، وبالزاي قراءة أهل الكوفة والشام .
[362]
الذي قد أكلته السباع تأتلف إلى العظام من ههنا ومن ههنا ، وتلتزق بها ( 1 ) حتى قام وقام
حماره " فلما تبين له " يعني ظهر وعلم ، وقيل : إنه رجع وقد أحرق بخت نصر التوراة
فأملاها من ظهر قلبه ، فقال رجل منهم : حدثني أبي عن جدي أنه دفن التوراة في كرم
فإن أريتموني كرم جدي أخرجتها لكم ، فأروه فأخرجها فعارضوا ذلك بما أملى فما
اختلفا في حرف ، فقالوا : فما جعل الله التوراة في قلبه إلا وهو ابنه ، فقالوا : " عزير ابن
الله " فقال : ( 2 ) " أعلم أن الله على كل شئ قدير " أي لم أقل ماقلت عن شك وارتياب ،
أو أنه ازداد لما عاين وشاهد يقينا وعلما ، إذ كان قبل ذلك علم استدلال فصار علم ضرورة
ومعاينة .
( 3 )
2 ل : ابن البرقي ، عن أبيه ، عن جده رفعه إلى أبي عبدالله عليه السلام قال : ملك
الارض كلها أربعة : مؤمنان وكافران ، فأما المؤمنان : فسليمان بن داود وذو القرنين عليهما السلام
والكافران : نمرود وبخت نصر .
( 4 )
3 ج : هشام بن الحكم في خبر الزنديق قال الصادق عليه السلام : أمات الله أرميا
النبي الذي نظر إلى خراب بيت المقدس وما حوله حين غزاهم بخت نصر وقال : أنى
يحيي هذه الله بعد موتها ؟ فأماته الله مائة عام ثم أحياه ، ونظر إلى أعضائه كيف تلتئم ،
وكيف تلبس اللحم ، وإلى مفاصله وعروقه كيف توصل ، فلما استوى قاعدا قال : " أعلم
أن الله على كل شئ قدير " .
( 5 )
4 ما : الفحام ، عن محمد بن عيسى بن هارون ، عن إبراهيم بن عبدالصمد ، عن
أبيه ، عن جده قال : قال سيدنا الصادق عليه السلام : من اهتم لرزقه كتب عليه خطيئة ، إن
دانيال كان في زمن ملك جبار عات أخذه فطرحه في حب ، وطرح معه السباع فلم تدنو
_____________________________________________________
( هامش صفحة 362 ) ( 1 ) في المصدر : يلتزم ويلتزق بها .
( 2 ) " " : قال .
( 3 ) مجمع البيان 2 : 370 و 371 .
( 4 ) الخصال 1 : 121 و 122 .
وفي ذيله : واسم ذي القرنين عبدالله بن ضحاك بن معد .
( 5 ) احتجاج الطبرسي : 188 .
[363]
منه ولم يخرجه ، ( 1 ) فأوحى الله إلى نبي من أنبيائه أن ائت دانيال بطعام ، قال : يارب
وأين دانيال ؟ قال : تخرج من القرية فيستقبلك ضبع فاتبعه فإنه يدلك إليه ، فأتت به
الضبع إلى ذلك الجب ، فإذا فيه دانيال ، فأدلى إليه الطعام ، فقال دانيال : الحمد لله
الذي لاينسى من ذكره ، والحمد لله الذي لايخيب من دعاه ، الحمد لله الذي من توكل
عليه كفاه ، الحمد لله الذي من وثق به لم يكله إلى غيره ، الحمد لله الذي يجزي
بالاحسان إحسانا ، وبالصبر نجاة .
ثم قال الصادق عليه السلام : إن الله أبى إلا أن يجعل أرزاق المتقين من حيث لايحتسبون
وأن لايقبل لاوليائه شهادة في دولة الظالمين .
( 2 )
ص : الصدوق ، عن ابن الوليد ، عن الصفار ، عن القاساني ، عن الاصبهاني عن
المنقري ، عن حفص ، عن أبي عبدالله عليه السلام مثله .
( 3 )
5 ك : القطان ، عن السكري ، عن الجوهري ، عن ابن عمارة ، عن أبيه ، عن
الصادق عليه السلام قال : إن سليمان عليه السلام لما حضرته الوفاة أوصى إلى آصف بن برخيا بإذن
الله تعالى ذكره ، ( 4 ) فلم يزل بينهم تختلف إلى الشيعة ويأخذون عنه معالم دينهم ، ثم
غيب الله عزوجل آصف غيبة طال أمدها ، ثم ظهر لهم فبقي بين قومه ماشاء الله ، ثم
إنه ودعهم فقالوا له : أين الملتقى ؟ قال : على الصراط ، وغاب عنهم ماشاء الله ، واشتدت
البلوى على بني إسرائيل بغيبته ، وتسلط عليهم بخت نصر فجعل يقتل من يظفر به منهم ،
ويطلب من يهرب ويسبي زراريهم ، فاصطفى من السبي من أهل بيت يهودا أربعة نفر فيهم
دانيال ، واصطفى من ولد هارون عزيرا ، وهم حينئذ ( 5 ) صبية صغار ، فمكثوا في يده و
بنو إسرائيل في العذاب المهين ، والحجة دانيال أسير في يد بخت نصر تسعين سنة ، فلما
عرف فضله وسمع أن بني إسرائيل ينتظرون خروجه ويرجون الفرج في ظهوره وعلى
_____________________________________________________
( هامش صفحة 363 ) ( 1 ) هكذا في النسخ ، والصواب كما في المصدر : فلم تدن منه ولم تجرحه .
( 2 ) أمالي ابن الطوسي : 188 و 189 .
( 3 ) قصص الانبياء مخطوط .
( 4 ) في المصدر : بأمر الله .
( 5 ) " " : وهم يومئذ .
[364]
يده أمر أن يجعل في جب عظيم واسع ، ويجعل معه الاسد ليأكله ، فلم يقربه ، وأمر أن
لا يطعم ، فكان الله تعالى يأتيه بطعامه وشرابه على يد نبي من أنبياء بني إسرائيل ، فكان
يصوم دانيال النهار ، ويفطر الليل على مايدلى إليه من الطعام ، واشتدت البلوى على
شيعته وقومه المنتظرين لظهوره ، وشك أكثرهم في الدين لطول الامد ، فلما تناهى
البلاء بدانيال وبقومه رأى بخت نصر في المنام كأن ملائكة من السماء قد هبطت إلى الارض
أفواجا إلى الجب الذي فيه دانيال مسلمين عليه يبشرونه بالفرج ، فلما أصبح ندم على
ما أتى إلى دانيال ، فأمر أن يخرج من الجب ، فلما أخرج اعتذر إليه مما ارتكب منه
من التعذيب ، ثم فوض إليه النظر في أمور ممالكه والقضاء بين الناس .
فظهر من كان
مستترا من بني إسرائيل ورفعوا رؤوسهم ، واجتمعوا إلى دانيال عليه السلام موقنين بالفرج ،
فلم يلبث إلا القليل عن تلك الحال حتى مضى لسبيله ، ( 1 ) وأفضى الامر بعده إلى عزير
وكانوا يجتمعون إليه ويأنسون به ويأخذون عنه معالم دينهم ، فغيب الله عنهم شخصه
مائة عام ثم بعثه ، وغابت الحجج بعده ، واشتدت البلوى على بني إسرائيل حتى ظهر
يحيى عليه السلام .
( 2 )
أقول : تمام الخبر في باب قصة طالوت .
6 ص : بالاسناد إلى الصدوق بإسناده إلى وهب بن منبه قال : كان بخت نصر
منذ ملك يتوقع فساد بني إسرائيل ويعلم أنه لايطيقهم إلا بمعصيتهم ، فلم يزل يأتيه العيون
باخبارهم حتى تغيرت حالهم ، وفشت فيهم المعاصي ، وقتلوا أنبياءهم ، وذلك قوله تعالى
جل ذكره : " وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الارض مرتين " إلى قوله :
" فإذا جاء وعد أولاهما " يعني بخت نصر وجنوده أقبلوا فنزلوا بساحتهم ، فلما رأوا ذلك
فزعوا إلى ربهم وتابوا وثابروا على الخير ، وأخذوا على أيدي سفهائهم ، وأنكروا المنكر
وأظهروا المعروف ، فرد الله لهم الكرة على بخت نصر ، وانصرفوا بعد مافتحوا المدينة ،
وكان سبب انصرافهم أن سهما وقع في جبين فرس بخت نصر فجمح ( 3 ) به حتى أخرجه
_____________________________________________________
( هامش صفحة 364 ) ( 1 ) في المصدر : فلم يلبث الا القليل على تلك الحال حتى مات .
( 2 ) كمال الدين : 91 و 94 و 95 .
وفيه : حتى ولد يحيى عليه السلام .
( 3 ) جمح الفرس : تغلب على راكبه وذهب به لاينثنى .
استعصى .
[365]
من باب المدينة ، ثم إن بني إسرائيل تغيروا فما برحوا حتى كر عليهم ، وذلك قوله
تعالى : " فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم " فأخبرهم أرميا عليه السلام أن بخت نصر
يتهيأ للمسير إليكم ، وقد غضب الله عليكم ، وأن الله تعالى جلت عظمته يستتيبكم لصلاح
آبائكم ويقول : هل وجدتم أحدا عصاني فسعد بمعصيتي ؟ أم هل علمتم أحدا أطاعني
فشقي بطاعتي ؟ وأما أحباركم ورهبانكم فاتخذوا عبادي خولا يحكمون فيهم بغير كتابي
حتى أنسوهم ذكري ، وأما ملوككم وأمراؤكم فبطروا نعمتي ، وغرتهم الحياة الدنيا
وأما قراؤكم وفقهاؤكم فهم منقادون للملوك يبايعونهم على البدع ويطيعونهم في معصيتي
وأما الاولاد فيخوضون مع الخائضين ، وفي كل ذلك ألبسهم العافية ( 1 ) فلابدلنهم
بالعز ذلا ، وبالامن خوفا ، إن دعوني لم أجبهم ، وإن بكوا لم أرحمهم .
فلما بلغهم ذلك نبيهم كذبوه وقالوا : لقد أعظمت الفرية على الله ، تزعم أن الله
معطل مساجده من عبادته ! فقيدوه وسجنوه ، فأقبل بخت نصر وحاصرهم سبعة أشهر حتى
أكلوا خلاهم ، وشربوا أبوالهم ، ثم بطش بهم بطش الجبارين بالقتل والصلب والاحراق
وجذع الانوف ونزع الالسن والانياب ووقف النساء ، فقيل له : إن لهم صاحبا كان
يحذرهم بما أصابهم فاتهموه وسجنوه ، فأمر بخت نصر فأخرج من السجن ، فقال له :
أكنت تحذر هؤلاء ؟ قال : نعم ، قال : وأنى علمت ذلك ؟ قال : أرسلني الله به إليهم ، قال
فكذبوك وضربوك ؟ قال : نعم ، قال : لبئس القوم قوم ضربوا نبيهم وكذبوا رسالة ربهم ،
فهل لك أن تلحق بي فأكرمك ، وإن أحببت أن تقيم في بلادك آمنتك ؟ قال أرميا عليه السلام :
إني لم أزل في أمان الله منذ كنت لم أخرج منه ، ولو أن بني إسرائيل لم يخرجوا من أمانه لم
يخافوك ، فأقام أرميا عليه السلام مكانه بأرض إيليا ( 2 ) وهي حينئذ خراب قد هدم بعضها ، فلما
سمع به من بقي من بني إسرائيل اجتمعوا إليه فقالوا : عرفنا أنك نبينا فانصح لنا ،
فأمرهم أن يقيموا معه ، فقالوا : ننطلق إلى ملك مصر نستجير ، فقال أرميا عليه السلام : إن
ذمة الله أوفى الذمم ، فانطلقوا إلى مصر وتركوا أرميا ، فقال لهم الملك : أنتم في ذمتي ،
_____________________________________________________
( هامش صفحة 365 ) ( 1 ) لعله مصحف " البستهم العافية " .
( 2 ) ايلياء بالمد والقصر وقيل فيه لغة ثالثة حذف الياء الاولى : اسم مدينة بيت المقدس .
[366]
فسمع ذلك بخت نصر فأرسل إلى ملك مصر : ابعث بهم إلي مصفدين وإلا آذنتك
بالحرب .
فلما سمع أرميا عليه السلام بذلك أدركته الرحمة لهم ، فبادر إليهم لينقذهم ، فورد عليهم
وقال : إن الله تعالى جل ذكره أوحى إلي أني مظهر بخت نصر على هذا الملك ، وآية
ذلك أنه تعالى أراني موضع سرير بخت نصر الذي يجلس عليه بعد ما يظفر بمصر ، ثم
عمد فدفن أربعة أحجار في ناحية من الارض ، فصار إليهم بخت نصر فظفر بهم وأسرهم ، فلما
أراد أن يقسم الفئ ويقتل الاسارى ويعتق منهم كان منهم أرميا ، فقال له بخت نصر :
أراك مع أعدائي بعد ماعرضتك له من الكرامة ؟ فقال له أرميا عليه السلام : إني جئتهم مخوفا
أخبرهم خبرك ، وقد وضعت لهم علامة تحت سريرك هذا وأنت بأرض بابل ، ارفع سريرك
فإن تحت كل قائمة من قوائمه حجرا دفنته بيدي وهم ينظرون ، فلما رفع بخت نصر
سريره وجد مصداق ماقال ، فقال لارميا عليه السلام : إني لاقتلنهم إذ كذبوك ولم يصدقوك
فقتلهم ولحق بأرض بابل ، فأقام أرميا بمصر مدة ، فأوحى الله تعالى إليه : الحق بإيليا ،
فانطلق حتى إذا رفع له شخص بيت المقدس ورأى خرابا عظيما ، قال : " أنى يحيي هذه
الله " فنزل في ناحية واتخذ مضجعا ثم نزع الله روحه وأخفى مكانه على جميع ( الخلائق ) ؟
مائة عام ، وكان قد وعده الله أنه سيعيد فيها الملك والعمران ، فلما مضى سبعون عاما أذن
الله في عمارة إيليا فأرسل الله ملكا إلى ملك من ملوك فارس يقال له كوشك ، ( 1 ) فقال :
إن الله يأمرك أن تنفر بقوتك ورجالك حتى تنزل إيليا فتعمرها ، فندب الفارسي
لذلك ثلاثين ألف قهرمان ، ( 2 ) ودفع إلى كل قهرمان ألف عامل بما يصلح لذلك من
الآلة والنفقة ، فسار بهم فلما تمت عمارتها بعد ثلاثين سنة أمر عظام أرميا أن يحيى ،
فقام حيا كما ذكره الله في كتابه .
( 3 )
بيان : ثابر : واظب .
_____________________________________________________
( هامش صفحة 366 ) ( 1 ) هكذا في النسخ .
والذي في الكامل : أن بشتاسب بن لهراسب امر أن يعمر بيت المقدس
ويرجع بني اسرائيل إلى الشام .
( 2 ) القهرمان : الوكيل أو أمين الدخل والخرج .
( 3 ) قصص الانبياء مخطوط .
[367]
7 ص : بالاسناد المذكور عن وهب بن منبه أنه لما انطلق بخت نصر بالسبي
والاسارى من بني إسرائيل وفيهم دانيال وعزير عليهما السلام وورد أرض بابل اتخذ بني إسرائيل
خولا ، ولبث سبع سنين ، ثم إنه رأى رؤيا عظيما امتلا منها رعبا ونسيها ، فجمع قومه
وقال : تخبرون بتأويل رؤياي المنسية إلى ثلاثة أيام وإلا صلبتكم ، وبلغ دانيال ذلك من
شأن الرؤيا وكان في السجن ، فقال لصاحب السجن : إنك أحسنت صحبتي ، فهل لك أن
تخبر الملك أن عندي علم رؤياه وتأويله ؟ فخرج صاحب السجن وذكر لبخت نصر فدعا
به ، وكان لا يقف بين يديه أحد إلا سجد له ، فلما طال قيام دانيال وهو لايسجد له قال
للحرس : اخرجوا واتركوه ، فخرجوا فقال : يا دانيال مامنعك أن تسجد لي ؟ فقال : إن
لي ربا آتاني هذا العلم على أني لا أسجد لغيره ، فلو سجدت لك انسلخ عني العلم ، فلم
تنتفع بي ، فتركت السجود نظرا إلى ذلك ، قال بخت نصر : وفيت لالهك فصرت آمنا
مني ، فهل لك علم بهذه الرؤيا ؟ قال : نعم ، رأيت صنما عظيما رجلاه في الارض ، ورأسه
في السماء ، أعلاه من ذهب ، ووسطه من فضة ، وأسفله من نحاس ، وساقاه من حديد ، و
رجلاه من فخار ، فبينا أنت تنظر إليه وقد أعجبك حسنه وعظمه وإحكام صنعته والاصناف
التي ركبت فيه إذ قذفه ملك بحجر من السماء ، فوقع على رأسه فدقه حتى طحنه ،
فاختلط ذهبه وفضته ونحاسه وحديده وفخاره حتى خيل لك أنه لو اجتمع الجن و
الانس على أن يميزوا بعضه من بعض لم يقدروا ، وحتى خيل لك أنه لو هبت أدنى
ريح لذرته لشدة ما انطحن ، ثم نظرت إلى الحجر الذي قذف به يعظم فينتثر حتى ملا
الارض كلها ، فصرت لاترى إلا السماء والحجر ، قال بخت نصر : صدقت ، هذه الرؤيا
التي رأيتها فما تأويلها ؟ قال دانيال عليه السلام : أما الصنم الذي رأيت فإنها أمم تكون في
أول الزمان وأوسطه وآخره ، وأما الذهب فهو هذا الزمان وهذه الامة التي أنت فيها
وأنت ملكها ، وأما الفضة فإنه يكون ابنك يليها من بعدك ، وأما النحاس فأمة الروم ،
وأما الحديد فأمة فارس ، وأما الفخار فأمتان تملكهما امرأتان : إحداهما في شرقي
اليمن ، وأخرى في غربي الشام ، أما الحجر الذي قذف به الصنم فدين يفقده الله به هذه
[368]
في الامة آخر الزمان ( 1 ) ليظهره عليها ، يبعث الله نبيا أميا من العرب فيذل الله له
الامم والاديان كما رأيت الحجر ظهر على الارض فانتثر فيها .
( 2 )
فقال بخت نصر : مالاحد عندي يد أعظم من يدك ، وأنا أريد أن أجزيك ، إن
أحببت أن أردك إلى بلادك وأعمرها لك ، وإن أحببت أن تقيم معي فأكرمك ؟ فقال
دانيال عليه السلام : أما بلادي أرض كتب الله عليها الخراب إلى وقت ، والاقامة معك أوثق
لي ، فجمع بخت نصر ولده وأهل بيته وخدمه وقال لهم : هذا رجل حكيم قد فرج الله به
عني كربة قد عجزتم عنها ، وقد وليته أمركم وأمري ، يابني خذوا من علمه ، وإن
جاءكم رسولان أحدهما لي والآخر له فأجيبوا دانيال قبلي ، فكان لايقطع أمرا دونه ، و
لما رأوا قوم بخت نصر ذلك حسدوا دانيال ، ثم اجتمعوا إليه وقالوا : كانت لك الارض
ويزعم عدونا أنك أنكرت عقلك ، قال : إني أستعين برأي هذا الاسرائيلي لاصلاح
أمركم فإن ربه يطلعه عليه ، قالوا : نتخذ إلها يكفيك ما أهمك وتستغني عن دانيال
فقال : أنتم وذاك ، فعملوا صنما عظيما وصنعوا عيدا وذبحوا له ، وأوقدوا نارا عظيمة
كنار نمرود ودعوا الناس بالسجود لذلك الصنم فمن لم يسجد له ألقي فيها .
وكان مع دانيال عليه السلام أربعة فتية من بني إسرائيل : يوشال ويوحين وعيصوا
ومريوس ، وكانوا مخلصين موحدين ، فأتي بهم ليسجدوا للصنم ، فقالت الفتية : هذا ليس
بإله ، وكن خشبة صماء عملها الرجال ، فإن شئتم أن نسجد للذي خلقها فعلنا ،
فكتفوهم ثم رموا بهم في النار ، فلما أصبحوا طلع عليهم بخت نصر فوق قصر فإذا معهم
خامس وإذا بالنار قد عادت جليدا ( 1 ) فامتلا رعبا ، فدعا دانيال عليه السلام فسأله عنهم فقال : أما
الفتية فعلى ديني يعبدون إلهي ولذلك أجارهم والخامس بحر البرد ، ( 4 ) أرسله الله تعالى
جلت عظمته إلى هؤلاء نصرة لهم ، فأمر بخت نصر فأخرجوا فقال لهم : كيف بتم ؟ قالوا :
_____________________________________________________
( هامش صفحة 368 ) ( 1 ) هكذا في نسخ .
وفي نسخة : هذه الامة ، ولعل الصحيح : فدين يفقد الله به هذه الامة في
آخر الزمان .
( 2 ) ذكر الثعلبي في العرائس النوم وتعبيره على كيفية اخرى فراجعه .
( 3 ) الجليد : مايجمد على الارض من الماء .
( 4 ) هكذا في النسخ ، وفي هامش المطبوع حكى عن نسخة : ملك البرد .
[369]
بتنا بأفضل ليلة منذ خلقنا ، فألحقهم بدانيال وأكرمهم بكرامته حتى مرت بهم ثلاثون
سنة .
( 1 )
8 ص : بالاسناد المتقدم عن وهب قال : ثم إن بخت نصر رأى رؤيا أهول من
الرؤيا الاولى ونسيها أيضا ، فدعا علماء قومه قال : رأيت رؤيا أخشى أن يكون فيها هلاككم
وهلاكي فما تأويلها ؟ فعجزوا وجعلوا علة عجزهم دانيال ، فأخرجهم ودعا دانيال عليه السلام
فسأله فقال : رأيت شجرة عظيمة شديدة الخضرة ، فرعها في السماء ، عليها طير السماء ، وفي
ظلها وحوش الارض وسباعها ، فبينما أنت تنظر إليها قد أعجبتك بهجتها إذ أقبل ملك
يحمل حديدة كالفأس على عنقه وصرخ بملك آخر في باب من أبواب السماء يقول له : كيف
أمرك الله أن تفعل بالشجرة ؟ أمرك أن تجتثها من أصلها أم أمرك أن تأخذ بعضها ؟
فناداه الملك الاعلى : إن الله تعالى يقول : خذ منها وأبق ، فنظرت إلى الملك حتى ضرب
رأسها بفأسه فانقطع وتفرق ما كان عليها من الطير ، وما كان تحتها من السباع والوحوش ،
وبقي الجذع لا هيئة له ولا حسن ، فقال بخت نصر : فهذه الرؤيا رأيتها فما تأويلها ؟
قال : أنت الشجرة وما رأيت في رأسها من الطيور فولدك وأهلك ، وأما مارأيت في
ظلها من السباع والوحوش فخولك ورعيتك ، وكنت قد أغضبت الله فيما تابعت قومك من
عمل الصنم ، فقال بخت نصر : كيف يفعل ربك بي ؟ قال : يبتليك ببدنك فيمسخك سبع
سنين فإذا مضت رجعت إنسانا كما كنت أول مرة ، فقعد بخت نصر يبكي سبعة أيام ،
فلما فرغ من البكاء ظهر فوق بيته فمسخه الله عقابا فطار ، وكان دانيال عليه السلام يأمر ولده وأهل
مملكته أن لا يغيروا من أمره شيئا حتى يرجع إليهم ، ثم مسخه الله في آخر عمره بعوضة
-بحار الانوار جلد: 14 من صفحه 369 سطر 19 إلى صفحه 377 سطر 18
فأقبل يطير حتى دخل بيته فحوله الله إنسانا فاغتسل بالماء ولبس المسوح ثم أمر بالناس
فجمعوا فقال : إني وإياكم كنا نعبد من دون الله ما لاينفعنا ولايضرنا ، وإنه قد تبين
لي من قدرة الله تعالى جل وعلا في نفسي أنه لا إله إلا الله إله بني إسرائيل ، فمن تبعني
فإنه مني وأنا وهو في الحق سواء ، ومن خالفني ضربته بسيفي حتى يحكم الله بيني و
بينكم ، وإني قد أجلتكم إلى الليلة فإذا أصبحتم فأجيبوني ، ثم انصرف ودخل بيته و
_____________________________________________________
( هامش صفحة 369 ) ( 1 ) قصص الانبياء مخطوط .
[370]
قعد على فراشه فقبض الله تعالى روحه وقص وهب قصته هذه عن ابن عباس ، ثم قال
ماأشبه إيمانه بإيمان السحرة !
9 ص : لما توفي بخت نصر تابع الناس ابنه ، وكانت الاواني التي عملت
الشياطين لسليمان بن داود عليه السلام من اللؤلؤ والياقوت غاص عليها الشياطين حتى استخرجوها
من قعور الابحر الصم ( 1 ) التي لاتعبر فيها السفن ، وكان بخت نصر غنم كل ذلك من
بيت المقدس وأوردها أرض بابل ، واستعمر فيه دانيال عليه السلام فقال : إن هذه الآنية طاهرة
مقدسة صنعها النبي ابن النبي ليسجد ربه عز وعلا فلا تدنسها بلحم الخنازير وغيرها
فإن لها ربا سيعيدها حيث كانت ، فلم يطعه ( 2 ) واعتزل دانيال وأقصاه وجفاه ، وكانت
له امرأة حكيمة نشأت في تأديب دانيال تعظه وتقول : إن أباك كان يستغيث بدانيال ، فأبى
ذلك ، فعمل في كل عمل سوء حتى عجت الارض منه إلى الله تعالى جلت عظمته ، فبينا
هو في عيد إذا بكف ملك يكتب على الجدار ثلاثة أحرف ، ثم غابت الكف والقلم وبهتوا
فسألوا دانيال بحق تأويل ذلك المكتوب وكان كتب : " وزن فخف ، ووعد فأنجز ، و
جمع فتفرق " فقال : أما الاول فإنه عقلك وزن فخف فكان خفيفا في الميزان ، والثاني
وعد أن يملك فأنجزه اليوم ، والثالث فإن الله كان قد جمع لك ولوالدك من قبلك ملكا
عظيما ثم تفرق اليوم ، فلا يجتمع إلى يوم القيامة ، فقال له : ثم ماذا ؟ قال : يعذبك
الله ، فأقبلت بعوضة تطير حتى دخلت في إحدى منخريه فوصلت إلى دماغه وتؤذيه ، فأحب
الناس عنده من حمل مرزبة ( 3 ) يضرب بها رأسه ، ويزداد كل يوم ألما إلى أربعين ليلة حتى
مات وصار إلى النار .
( 4 )
بيان : هذه القصص المنقولة عن وهب ليست مما يعتمد عيله ، ( 5 ) وإيمان بخت نصر
_____________________________________________________
( هامش صفحة 370 ) ( 1 ) في نسخة : الصيم .
وهو بالكسر وتشديد الياء : الصلب الشديد .
( 2 ) في نسخة : فأطاعه وهو مصحف .
( 3 ) المرزبة : عصية من حديد .
( 4 ) قصص الانبياء مخطوط .
( 5 ) لانها لم يرد من طرق أئمتنا أهل العصمة عليهم السلام مايوافقها ويثبتها .