[351]


باب 25 : قصص أرميا ودانيال وعزير وبخت نصر ( 1 )

 الايات ، البقرة " 2 " أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شئ قدير 259 .
الاسراء " 17 " وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الارض مرتين و


_____________________________________________________
( هامش صفحة 351 ) ( 1 ) في العرائس : ان أرمياهوابن خلفياء ، وكان من سبط هارون بن عمران وسمى خضرا لانه جلس على فروة بيضاء فقام عنها وهي تزهر خضراء وفي قاموس الانجيل أنه ابن حلقيا ، وكان في سنة 600 قبل المسيح عليه السلام تقريبا .
وفي الكامل انه ابن حزقيا .
وأما دانيال فكان من ذرية داود عليه السلام ، واسر في سنة 606 قبل ميلاد المسيح وجئ به إلى بابل على مافي قاموس الانجيل ، وكان بخت نصر رأى رؤيا هائلة فقصها على دانيال فعبرها فصار بذلك معززا مكرما عند بخت نصر ، وكان مقيما عنده إلى أن فتح الفرس بابل ، فصار عند كورش ملك الفرس فولاه القضاء وجعل اليه جميع أمره ، ومات بالسوس من اعمال خوزستان .
ذكر البغدادي في كتابه المحبر نسب دانيال فقال : هو دانيال بن يخننا بن حزقيا ، وهو يوناخين بن صدقيا الملك ابن اهياقيم بن أوشيا بن أمين بن حزقيا بن ( أحاذين ) ؟ بن ياثم بن عزريا بن أمصيا بن مهياس بن أخزيا ابن ربهيا بن رام بن ياهوشا بن أسا بن أبيا بن راحبعم بن سليمان بن داود عليهما السلام ، وذكرهم الطبري واليعقوبي مع اختلافات .
وأما عزير فكان معاصرا لدانيال ، وسيأتي قصصه .
واما بخت نصر قال الفيروزآبادي : بخت أصله بوخت ومعناه ابن : ونصر كبقم : صنم انتهى ، وهو الذي يقال له : بنوكد نصر ، وفي قاموس الانجيل : انه مات في 561 قبل المسيح عليه السلام ، ونسبه على مافي الطبري : بخت نصر بن نبوزرادان بن سنحاريب صاحب الموصل وناحيتها ابن داريوش بن عييرى بن تيرى بن رويا بن رابيا بن سلامون بن داود بن طامى بن هامل بن هرمان بن فودى بن همول بن درمى بن قمائل بن صامان بن رغما بن نمروز بن كوش بن حام بن نوح عليه السلام .

[352]


لتعلن علوا كبيرا * فإذا جاء وعد أولهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا * ثم رددنا لكم الكرة عليهم ( وأمددناكم ) ؟ بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا * إن أحسنتم أحسنتم لانفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا 4 7 .
تفسير : قال البيضاوي : " وقضينا " أي أوحينا إليهم قضاء مقضيا ( 1 ) في التوراة " مرتين " إفسادتين : أولاهما مخالفة أحكام التوراة وقتل شعياء وقتل ارميا ، وثانيتهما قتل زكريا ويحيى وقصد قتل عيسى عليه السلام " وعد أولهما " أي وعد ( 2 ) عقاب أولاهما " عبادا لنا " بخت نصر ( 3 ) عامل لهراسف إلى بابل ( 4 ) وجنوده ، وقيل : جالوت ، وقيل : سخاريب ( 5 ) من أهل نينوى " فجاسوا " ترددوا لطلبكم " خلال الديار " وسطها للقتل والغارة " الكرة " أي الدولة والغلبة " عليهم " على الذين بعثوا عليكم وذلك بأن ألقى الله في قلب بهمن بن إسفنديار لما ورث الملك من جده كشتاسف بن لهراسف شفقة عليهم فرد أسراءهم إلى الشام ، وملك دانيال عليهم ، فاستولوا على من كان فيها من أتباع بخت نصر ، أو بأن سلط داود على جالوت فقتله .
والنفير من ينفر مع الرجل من قومه " فإذا جاء وعد الآخرة " وعد عقوبة المرة الآخرة " ليسوءوا وجوهكم " أي بعثناهم ليسوءوا وجوهكم ليجعلوها بادية آثار المساءة فيها " وليتبروا " ليهلكوا " ماعلوا " ماغلبوه واستولوا عليه أو مدة علوهم ، وذلك بأن سلط الله عليهم الفرس مرة أخرى ، فغزاهم ملك بابل من ملوك الطوائف اسمه


_____________________________________________________
( هامش صفحة 352 ) ( 1 ) في المصدر : وحيا مقضيا مبتوتا .
( 2 ) في المصدر : وعيد .
( 3 ) قال الطبرسي في مجمع البيان : سلط الله عليهم سابورذا الاكتاف ملكا من ملوك فارس في قتل زكريا ، وسلط عليهم في قتل يحيى بخت نصر .
قلت : يقال : ان الذي سلطه الله عليهم هو كورش .
( 4 ) في المصدر : على بابل .
( 5 ) " " وفي العرائس : سنجاريب ، وفي مجمع البيان والكامل والطبري : سنحاريب .
وفي قاموس الانجيل : سنخاريب .

[353]


جوذر ، ( 1 ) وقيل : خردوس ، قيل : دخل صاحب الجيش مذبح قرابينهم فوجد فيه دما يغلي فسألهم عنه فقالوا : دم قربان لم يقبل منا ، فقال : ماصدقوني ، فقتل عليه ألوفا منهم فلم يهدأ الدم ، ثم قال : إن لم تصدقوني ماتركت منكم أحدا ، فقالوا : إنه دم يحيى ، فقال : لمثل هذا ينتقم منكم ربكم ، ثم قال : يايحيى قد علم ربي وربك ما أصاب قومك من أجلك فاهدأ بإذن الله قبل أن لا أبقي منكم أحدا ، فسكن .
( 2 ) وقال الطبرسي رحمه الله : اختلف المفسرون في الكرتين ، قالوا : لما عتا بنو إسرائيل في المرة الاولى سلط الله عليهم ملك فارس ، وقيل : بخت نصر ، وقيل : ملكا من ملوك بابل ، فخرج إليهم وحاصرهم وفتح بيت المقدس ، وقيل : إن بخت نصر ملك بابل بعد سخاريب ( 3 ) وكان من جيش نمرود ، وكان لزنية لا أب له ، فظهر على بيت المقدس وخرب المسجد ، وأحرقت التوراة ، وألقى الجيف في المسجد ، وقتل على دم يحيى عليه السلام سبعين ألفا وسبى ذراريهم ، وأغار عليهم ، وأخرج أموالهم ، وسبى سبعين ألفا وذهب بهم إلى بابل ، وبقوا في مدة مائة سنة تستعبدهم المجوس وأولادهم ، ثم تفضل الله عليهم بالرحمة وأمر ملكا من ملوك فارس عارفا بالله سبحانه فردهم إلى بيت المقدس ، فأقامهم به ( 4 ) مائة سنة على الطريقة المستقيمة والطاعة ، ثم عادوا إلى الفساد والمعاصي ، فجاءهم ملك من ملوك الروم اسمه انطياخيوس ( 5 ) فخرب بيت المقدس وسبى أهله ، وقيل : غزاهم ملك الرومية وسباهم ، عن حذيفة ، وقال محمد بن إسحاق : كانت بنو إسرائيل يعصون الله تعالى وفيهم الاحداث ، والله يتجاوز عنهم ، وكان أول مانزل بهم بسبب ذنوبهم أن الله بعث إليهم شعيا قبل مبعث زكريا ، ( 6 ) وكان لبني إسرائيل ملك كان شعيا يرشده ويسدده ، فمرض الملك وجاء
-بحار الانوار جلد: 14 من صفحه 353 سطر 19 إلى صفحه 361 سطر 18


_____________________________________________________
( هامش صفحة 353 ) ( 1 ) في المصدر : جؤذرذ .
( 2 ) انوار التنزيل 1 : 689 و 690 .
وفيه " فهدأ " مكان " فسكن " .
( 3 ) في المصدر : سنحاريب وكذا فيما بعده .
( 4 ) في المصدر : فأقاموا به .
( 5 ) في المصدر : انطياخوس .
( 6 ) في المصدر هنا زيادة ، هي : وشعيا هو الذي بشر بعيسى عليه السلام وبمحمد صلى الله عليه وآله وسلم .

[354]


سخاريب إلى باب بيت المقدس بستمائة ألف راية ، فدعا الله شعيا فبرئ الملك ومات جمع سخاريب ولم ينج منهم إلا خمسة نفر ، منهم سخاريب ، فهرب وأرسلوا خلفه من أخذه ثم أمر الله بإطلاقه ليخبر قومه بما نزل بهم فأطلقوه وملك سخاريب بعد ذلك سبع سنين ، ( 1 ) واستخلف بخت نصر ابن ابنه فلبث سبع عشرة سنة ، وهلك ملك بني إسرائيل ومرج أمرهم وتنافسوا في الملك ، وقتل بعضهم بعضا ، فقام شعيا فيهم خطيبا فوعظهم فهموا بقتله فهرب ودخل شجرة فقطعوا الشجرة بالمنشار ، فبعث الله إليهم أرميا من سبط هارون ثم خرج من بينهم لما رأى من أمرهم ، ودخل بخت نصر وجنوده بيت المقدس وفعل مافعل ثم رجع إلى بابل بسبا يابني إسرائيل ، فكانت هذه الدفعة الاولى ، وقيل أيضا : إن سبب ذلك كان قتل يحيى بن زكريا عليه السلام وإنه دم يحيى لم يزل يغلي حتى قتل بخت نصر منهم سبعين ألفا أو اثنين وسبعين ألفا ، ثم سكن الدم ، وذكر الجميع أن يحيى بن زكريا عليه السلام هو المقتول في الفساد الثاني ، قال مقاتل : وكان بين الفساد الثاني والاول مائتا سنة وعشر سنين ، وقيل : إنما غزا بني إسرائيل في المرة الاولى بخت نصر ، والمرة الثانية ملوك فارس والروم ، وذلك حين قتلوا يحيى عليه السلام فقتلوا منهم مائة ألف وثمانين ألفا ، وخرب بيت المقدس ، فلم يزل بعد ذلك خرابا حتى بناه عمر بن الخطاب ، فلم يدخله بعد ذلك رومي إلا خائفا ، وقيل : إنما غزاهم في المرة الاولى جالوت ، وفي الثانية بخت نصر .
انتهى .
( 2 ) وقال صاحب الكامل : ما روي من أن بخت نصر هو الذي خرب بيت المقدس و قتل بني إسرائيل عند قتلهم يحيى بن زكريا عليه السلام باطل عند أهل السير والتواريخ وأهل العلم بأمور الماضين ، وذلك بأنهم مجمعون على أن بخت نصر غزا بني إسرائيل عند قتل نبيهم شعيا في عهد أرميا ، وبين عهد أرميا وقتل يحيى ( 3 ) أربعمائة سنة وإحدى و


_____________________________________________________
( هامش صفحة 354 ) ( 1 ) في المصدر : وهلك سنحاريب بعد ذلك بسبع سنين .
( 2 ) مجمع البيان 6 : 339 و 400 .
( 3 ) وهو عليه السلام قتل بعد ميلاد المسيح عليه السلام بثلاثين سنة تقريبا .

[355]


ستون سنة عند اليهود والنصارى ، ويذكرون أن ذلك في كتبهم وأسفارهم ، ويوافقهم المجوس في مدة غز وبخت نصر بني إسرائيل إلى موت الاسكندر ، ويخالفهم في مدة مابين موت الاسكندر ومولد يحيى فيزعمون أن مدة ذلك إحدى وخمسون سنة .
انتهى .
( 1 ) أقول : ستعرف أن أخبارنا أيضا مختلفة في ذلك ، لانه يظهر من خبر ابن عمارة وخبر ملاقاة داود دانيال وغيرهما كون بخت نصر متصلا بزمان سليمان عليه السلام ، ويظهر من خبر هارون بن خارجة وأبي بصير وغيرهما كون خروج بخت نصر بعد قتل يحيى عليه السلام ولايبعد كون بخت نصر معمرا ( 2 ) وكذا دانيال فيكونا قد أدركا الوقتين معا ، ويمكن أن يكون إحداهما محمولة على التقية ، والاخبار الدالة على كون خروجه بعد قتل يحيى عليه السلام أقوى سندا وقد سبق بعضها في قصة يحيى والله يعلم .


_____________________________________________________
( هامش صفحة 355 ) ( 1 ) الكامل 1 : 104 .
قلت : ذكر ذلك أيضا الثعلبي في العرائس ثم قال : وإنما الصحيح في ذلك ما ذكره محمد بن إسحاق بن يسار قال : عمرت بنو اسرائيل بيت المقدس بعد ما عمرت الشام : وعاد اليها ملكها بعد خراب بخت نصر اياها وسبيهم منها ، فجعلوا يحدثون الاحداث بعد مهلك عزير عليه السلام ، فبعث الله فيهم الانبياء ، ففريقا يكذبون وفريقا يقتلون ، حتى كان آخر من بعث إليهم من انبيائهم زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام وكانوا من آل داود عليه السلام ، فمات زكريا وقتل يحيى فلما رفع عيسى من بين ظهورهم وقتلوا يحيى عليه السلام بعث الله عليهم ملكا من ملوك بابل يقال له كردوس ، فسار إليهم بأهل بابل حتى دخل عليهم الشام ، فلما دخل عليهم أمر رئيسا من رؤوس جنوده يقال له بنوا رازادان صاحب القتل ، فقال له : إني حلفت بالههم لئن ظهرت وظفرت على أهل بيت المقدس لاقتلنهم حتى تسيل دماؤهم في وسط عسكري ، فامره أن يقتلهم ، ثم ان بنوارازادان دخل بيت المقدس فاقام في البقعة التي كانوا يقربون فيها قربانهم فوجد فيها دما يغلي ، فسألهم عنه فقالوا : هذا دم قربان قربناه فلم يقبل منا ، فقال : ماصدقتموني .
الخبر اه ثم ذكر نحو ما تقدم في قصة بخت نصر .
ويظهر من المسعودي في اثبات الوصية أن الذي قتل الناس لقتلهم يحيى عليه السلام هو بخت نصر بن ملت نصر بن بخت نصر الاكبر ، وبذلك يرتفع الاشكال بحذافيره .
( 2 ) وربما يؤيد ذلك ما ذكره الثعلبي في العرائس من أن عمر بخت نصر كان أيام مسخه نيفا وخمسمائة عام وخمسين يوما ، فتامل .

[356]


1 فس : أبي ، عن النضر ، عن يحيى الحلبي ، عن هارون بن خارجة ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : لما عملت بنو إسرائيل بالمعاصي ( 1 ) وعتوا عن أمر ربهم أراد الله أن يسلط عليهم من يذلهم ويقتلهم ، فأوحى الله إلى أرميا ياأرميا مابلد انتخبته من بين البلدان وغرست فيه من كرائم الشجر فأخلف فأنبت خرنوبا ؟ فأخبر أرميا أحبار بني إسرائيل فقالوا له : راجع ربك ليخبرنا مامعنى هذا المثل ، فصام أرميا سبعا فأوحى الله إليه : ياأرميا أما البلد فبيت المقدس ، وأما ما أنبت فيه فبنو إسرائيل الذين أسكنتهم فيها ، فعملوا بالمعاصي ، وغيروا ديني ، وبدلوا نعمتي كفرا ، فبي حلفت لامتحننهم بفتنة يظل الحكيم فيها حيران ، ( 2 ) ولاسلطن عليهم شر عبادي ولادة وشرهم طعاما ، فليتسلطن عليهم بالجبرية فيقتل مقاتليهم ، ويسبي حريمهم ، ويخرب بيتهم الذي يعتزون به ، ويلقي حجرهم الذي يفتخرون به على الناس في المزابل مائة سنة ، فأخبر أرميا أحبار بني إسرائيل فقالوا له : راجع ربك فقل له : ماذنب الفقراء والمساكين والضعفاء ؟ فصام أرميا سبعا ثم أكل أكلة فلم يوح إليه شئ ، ثم صام سبعا وأكل أكلة ولم يوح إليه شئ ، ثم صام سبعا فأوحى الله إليه : يا أرميا لتكفن عن هذا أو لاردن وجهك إلى قفاك ، قال : ثم أوحى الله إليه : قل لهم : لانكم رأيتم المنكر فلم تنكروه ، فقال أرميا : رب أعلمني من هو حتى آتيه وآخذ لنفسي وأهل بيتي منه أمانا ، قال : ايت موضع كذا وكذا ، فانظر إلى غلام أشدهم زمانة ، وأخبثهم ولادة ، وأضعفهم جسما ، وأشرهم غذاء فهو ذاك ، فأتى أرميا ذلك البلد فإذا هو بغلام في خان زمن ملقى على مزبلة وسط الخان ، وإذا له أم تزبي ( 3 ) بالكسر ، وتفت الكسر في القصعة ، وتحلب عليه خنزيرة لها ، ثم تدنيه من ذلك الغلام فيأكله ، فقال أرميا : إن كان في الدنيا الذي وصفه الله فهو هذا ، فدنا منه فقال له : مااسمك ؟ فقال : بخت نصر ، فعرف أنه هو ، فعالجه حتى برئ ، ثم قال له : أتعرفني


_____________________________________________________
( هامش صفحة 356 ) ( 1 ) في المصدر : المعاصي .
( 2 ) " " : يظل فيها الحكيم حيرانا .
( 3 ) في المصدر وفي نسخة " تربي " وهو مصحف وصحيحه بالزاي المعجمة يقال : زبى اللحم اي نثره في الزبية ، والزبية : حفيرة يشتوى فيها ويخبز .

[357]


قال : لا ، أنت رجل صالح ، قال : أنا أرميا نبي بني إسرائيل ، أخبرني الله أنه سيسلطك على بني إسرائيل فتقتل رجالهم ، وتفعل بهم كذا وكذا ( 1 ) قال : فتاه في نفسه ( 2 ) في ذلك الوقت .
ثم قال أرميا : اكتب لي كتابا بأمان منك ، فكتب له كتابا ، وكان يخرج في الجبل ويحتطب ويدخله المدينة ويبيعه ، فدعا إلى حرب بني إسرائيل ( 3 ) وكان مسكنهم في بيت المقدس ، وأقبل بخت نصر فيمن أجابه نحو بيت المقدس ، وقد اجتمع إليه بشر كثير ، فلما بلغ أرميا إقباله نحو بيت المقدس استقبله على حمار له ومعه الامان الذي كتبه له بخت نصر ، فلم يصل إليه أرميا من كثرة جنوده وأصحابه ، فصير الامان على قصبة أو خشبة ورفعها ، فقال : من أنت ؟ فقال : أنا أرميا النبي الذي بشرتك بأنك سيسلطك الله على بني إسرائيل ( 4 ) وهذا أمانك لي ، قال : أما أنت فقد آمنتك ، وأما أهل بيتك فإني أرمي من ههنا إلى بيت المقدس فإن وصلت رميتي إلى بيت المقدس فلا أمان لهم عندي ، وإن لم تصل فهم آمنون ، وانتزع قوسه ورمى نحو بيت المقدس فحملت الريح النشابة حتى علقتها في بيت المقدس ، فقال : لاأمان لهم عندي ، فلما وافى نظر إلى جبل من تراب وسط المدينة وإذا دم يغلي وسطه ، كلما ألقي عليه التراب خرج وهو يغلي ، فقال : ماهذا ؟ فقالوا : هذا نبي كان لله فقتله ملوك بني إسرائيل ودمه يغلي ، وكلما ألقينا عليه التراب خرج يغلي ، فقال بخت نصر : لاقتلن بني إسرائيل أبدا حتى يسكن هذا الدم ، وكان ذلك الدم دم يحيى بن زكريا عليه السلام ، وكان في زمانه ملك جبار يزني بنساء بني إسرائيل ، وكان يمر بيحيى بن زكريا عليه السلام فقال له يحيى : اتق الله أيها الملك لا يحل لك هذا ، فقالت له مرأة ( 5 ) من اللواتي كان يزني بهن حين سكر : أيها الملك اقتل يحيى ، فأمر أن يؤتى برأسه فأتوا برأس يحيى عليه السلام في الطست ، وكان الرأس يكلمه


_____________________________________________________
( هامش صفحة 357 ) ( 1 ) في نسخة : وتفعل بهم وتفعل كذا وكذا .
وفي المصدر : وتفعل بهم ما تفعل قال اه .
( 2 ) " " : وتاه الغلام في نفسه .
( 3 ) في المصدر : فدعا إلى حرب بني إسرائيل فأجابوه .
( 4 ) في نسخة : بشرتك بانك متسلط على بني اسرائيل .
( 5 ) في نسخة : فقالت له المرأة اه .

[358]


ويقول له : ياهذا اتق الله لايحل لك هذا ، ثم غلى الدم في الطست حتى فاض إلى الارض فخرج يغلي ولا يسكن ، وكان بين قتل يحيى وخروج بخت نصر مائة سنة ، ولم يزل بخت نصر يقتلهم ، وكان يدخل قرية قرية فيقتل الرجال والنساء والصبيان وكل حيوان والدم يغلي حتى أفنى من ثم ، ( 1 ) فقال : بقي أحد في هذه البلاد ؟ قالوا : عجوز في موضع كذا وكذا ، فبعث إليها فضرب عنقها على الدم فسكن ، وكانت آخر من بقي .
ثم أتى بابل فبنى بها مدينة وأقام وحفر بئرا فألقى فيها دانيال وألقى معه اللبوة ، فجعلت اللبوة تأكل طين البئر ويشرب دانيال لبنها ، فلبث بذلك زمانا ، فأوحى الله إلى النبي الذي كان ببيت المقدس أن اذهب بهذا الطعام والشراب إلى دانيال واقرأه مني السلام ، قال : وأين دانيال يارب ؟ ( 2 ) فقال : في بئر بابل ( 3 ) في موضع كذا وكذا .
قال : فأتاه فأطلع في البئر فقال : يادانيال ، قال : لبيك صوت غريب ، قال : إن ربك يقرؤك السلام وقد بعث إليك بالطعام والشراب ، فدلاه إليه ، ( 4 ) قال : فقال دانيال : الحمد لله الذي لاينسى من ذكره ، الحمد لله الذي لايخيب من دعاه ، الحمد لله الذي من توكل عليه كفاه ، الحمد لله الذي من وثق به لم يكله إلى غيره ، الحمد لله الذي يجزي بالاحسان إحسانا ، الحمد لله الذي يجزي بالصبر نجاة ، الحمد لله الذي يكشف ضرنا عند كربتنا والحمد لله الذي هو ثقتنا حين ينقطع الحيل منا ، ( 5 ) والحمد لله الذي هو رجاؤنا حين ساء ظننا بأعمالنا .
قال : فأري بخت نصر في نومه كأن رأسه من حديد ، ورجليه من نحاس ، وصدره من ذهب ، قال : فدعا المنجمين فقال لهم : مارأيت ؟ فقالوا : ماندري ولكن قص علينا ما


_____________________________________________________
( هامش صفحة 358 ) ( 1 ) في نسخة وفي المصدر : حتى أفناهم من ثم .
( 2 ) " " : وأين هو يارب .
( 3 ) في المصدر : في بئر ببابل .
( 4 ) دلا الدلو : أرسلها في البئر .
دلاه بالحبل من السطح : أرسله فتدلى .
( 5 ) في المصدر : حين تنقطع الحيل منا .

[359]


رأيت في المنام ، فقال : وأنا أجري عليكم الارزاق منذ كذا وكذا ولا تدرون مارأيت في المنام ؟ فأمر بهم فقتلوا ، قال : فقال له بعض من كان عنده : إن كان عند أحد شئ فعند صاحب الجب ، فإن اللبوة لم تتعرض له ، وهي تأكل الطين وترضعه ، فبعث إلى دانيال فقال : مارأيت في المنام ؟ فقال : رأيت كأن رأسك من حديد ، ورجليك من نحاس ، و صدرك من ذهب ( 1 ) قال : هكذا رأيت فماذاك ؟ قال : قد ذهب ملكك وأنت مقتول إلى ثلاثة أيام يقتلك رجل من ولد فارس ، قال : فقال له : إن علي لسبع مدائن ، على باب كل مدينة حرس ، وما رضيت بذلك حتى وضعت بطة من نحاس على باب كل مدينة لايدخل غريب إلا صاحت عليه حتى يؤخذ ، قال : فقال له : إن الامر كما قلت لك ، قال : فبث الخيل وقال : لاتلقون أحدا من الخلق إلا قتلتموه كائنا من كان ، وكان دانيال جالسا عنده ، وقال : لاتفارقني هذه الثلاثة الايام ، فإن مضت قتلتك ، ( 2 ) فلما كان في اليوم الثالث ممسيا أخذه الغم فخرج فتلقاه غلام كان اتخذه ابنا له من أهل فارس ( 3 ) وهو لايعلم أنه من أهل فارس فدفع إليه سيفه وقال له : ياغلام لا تلقى أحدا من الخلق إلا وقتلته وإن لقيتني أنا فاقتلني ، فأخذ الغلام سيفه فضرب به بخت نصر ضربة فقتله .
فخرج أرميا على حماره ومعه تين ( 4 ) قد تزوده وشئ من عصير ، فنظر إلى سباع البر و سباع البحر وسباع الجو تأكل تلك الجيف ( 5 ) ففكر في نفسه ساعة ثم قال : " أنى يحيي هذه الله بعد موتها وقد أكلتهم السباع ؟ ( 6 ) فأماته الله مكانه وهو قول الله تبارك وتعالى : " أو


_____________________________________________________
( هامش صفحة 359 ) ( 1 ) في نسخة : رأيت كان رأسك من كذا ، ورجليك من كذا ، وصدرك من كذا .
( 2 ) في المصدر : فان مضت هذه الثلاثة الايام وأنا سالم قتلتك .
( 3 ) في نسخة : كان اتخذه ابنا يخدمه من أهل فارس ، وفي اخرى كان اتخذه ولدا وكان من أهل فارس .
وفي المصدر : كان يخدم ابنا له من أهل فارس .
( 4 ) في المصدر : ومعه قين .
القين : العبد .
والمعنى : كان معه عبد حمله ليستعين به .
والظاهر أنه مصحف والصحيح مافي المتن .
( 5 ) في المصدر : تأكل الجيف .
( 6 ) في نسخة : أنى يحيي الله هؤلاء وقد أكلتهم السباع .

[360]


كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه " أي أحياه ، فما رحم الله بني إسرائيل وأهلك بخت نصر رد بني إسرائيل إلى الدنيا وكان عزير لما سلط الله بخت نصر على بني إسرائيل هرب ودخل في عين وغاب فيها وبقي أرميا ميتا مائة سنة ، ثم أحياه الله فأول ما أحيا منه عينيه ( 1 ) في مثل غرقئ البيض ، فنظر فأوحى الله تعالى إليه : " كم لبثت قال لبثت يوما " ثم نظر إلى الشمس وقد ارتفعت فقال : " أو بعض يوم " فقال الله تبارك وتعالى : " بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه " أي لم يتغير " وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما " فجعل ينظر إلى العظام البالية المنفطرة تجتمع إليه ، وإلى اللحم الذي قد أكلته السباع يتألف إلى العظام من ههنا وههنا ويلتزق بها حتى قام وقام حماره فقال : " أعلم أن الله على كل شئ قدير " ( 2 ) بيان : قوله : ( فأخلف ) أي فسد ، من قولهم : أخلف الطعام : إذا تغير طعمه و رائحته ، وأخلف فلان أي فسد ، أو لم يأت بما هو عادته ، من قولهم : أخلف الوعد ، أو من قولهم : أخلفت النجوم : أمحلت فلم يكن فيها مطر ، ويحتمل أن يكون المراد تغير أهل القرية وفسادهم .
والكسر : كعنب جمع الكسرة أي الخبز المتكسر اليابس .
قوله : ( فتاه ) أي تكبر أو تحير .
والنشاب : النبل .
واللبوة : الانثى من الاسد .
قوله : ( وكان عزير ) هذا إنكار لما ذكره الاكثر من أن القائل كان عزيرا .
و الغرقئ كزبرج : القشرة الملتزقة ببياض البيض ، أو البياض الذي يؤكل .
وقال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى : " أو كالذي مر على قرية " : وهو عزير ، عن قتادة وعكرمة والسدي وهو المروي عن أبي عبدالله عليه السلام ، وقيل : هو أرميا ، عن وهب ، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام ، ( 3 ) وقيل : هو الخضر ( 4 ) عن ابن إسحاق ، والقرية التي


_____________________________________________________
( هامش صفحة 360 ) ( 1 ) في المصدر : عيناه ، وهو الصحيح .
( 2 ) تفسير القمي : 77 80 .
( 3 ) وعن أبي عبدالله عليه السلام كما سيأتي في الاخبار .
( 4 ) ذكر الثعلبي أن أرميا هو الخضر .