[ 11 ]


الحق كما هو عندك حتى أقضي به ، فقال : إنك لا تطيق ذلك ، فألح على ربه حتى فعل ، فجاءه رجل يستعدي على رجل ، فقال : إن هذا أخذ مالي ، فأوحى الله عزوجل إلى داود : إن هذا المستعدي قتل أبا هذا وأخذ ماله ، فأمر داود بالمستعدي فقتل فأخذ ماله فدفعه إلى المستعدى عليه ، قال : فعجب الناس ( 1 ) وتحدثوا حتى بلغ داود عليه السلام ودخل عليه من ذلك ما كره ، فدعا ربه أن يرفع ذلك ففعل ، ثم أوحى الله عزوجل إليه أن احكم بينهم بالبينات ، وأضفهم إلى اسمي يحلفون به .
( 2 ) 20 يه : قال أبوجعفر عليه السلام : دخل علي عليه السلام المسجد فاستقبله شاب وهو يبكي وحوله قوم يسكتونه ، فقال علي عليه السلام : ما أبكاك ؟ فقال : يا أمير المؤمنين إن شريحا قضى علي بقضية ما أدري ماهي ، إن هؤلاء النفر خرجوا بأبي معهم في سفرهم فرجعوا ولم يرجع أبي ، فسألتهم عنه فقالوا : مات ، فسألتهم عن ماله فقالوا : ماترك مالا ، فقدمتهم إلى شريح فاستحلفهم ، وقد علمت يا أمير المؤمنين أن أبي خرج ومعه مال كثير ، فقال لهم أمير المؤمنين عليه السلام : ارجعوا ، فردهم جميعا والفتى معهم إلى شريح ، فقال له : ياشريح كيف قضيت بين هؤلاء ؟ قال : يا أمير المؤمنين ادعى هذا الفتى على هؤلاء النفر أنهم خرجوا في سفر وأبوه معهم فرجعوا ولم يرجع أبوه ، فسألتهم عنه فقالوا : مات ، وسألتهم عن ماله فقالوا : ماخلف شيئا ، فقلت للفتى : هل لك بينة على ماتدعي ؟ قال : لا ، فاستحلفتهم ، فقال عليه السلام لشريح : ياشريح هيهات ! هكذا تحكم في مثل هذا ؟ فقال : كيف هذا يا أمير المؤمنين ؟ ( 3 ) فقال علي عليه السلام : ياشريح والله لاحكمن فيه بحكم ماحكم به خلق قبلي إلا داود النبي عليه السلام يا قنبر ادع لي شرطة الخميس ، ( 4 ) فدعاهم ، فوكل بهم ( 5 )


_____________________________________________________
( 1 ) في نسخة .
فتعجب الناس .
( 2 ) فروع الكافي 2 : 359 .
( 3 ) في التهذيب : كيف كان هذا يا أمير المؤمنين ؟ ( 4 ) الشرطة بالضم : هم اول كتيبة تشهد الحرب وتتهيأ للموت وطائفة من أعوان الولاة ، سموا بذلك لانهم اعلموا أنفسهم بعلامات يعرفون بها ، والمراد منه هنا لعله الاول .
الخميس : الجيش سمى به لانه مقسوم بخمسة أقسام : المقدمة والساقة والميمنة والميسرة والقلب ، وسئل الاصبغ ابن نباتة : كيف سميتم شرطة الخميس ؟ فقال : انا ضمنا له الذبح وضمن لنا الفتح ، يعني امير المؤمنين عليه السلام .
( 5 ) التهذيب خال عن كلمة " بهم " .

[ 12 ]


بكل واحد منهم رجلا من الشرطة ، ثم نظر أمير المؤمنين عليه السلام إلى وجوههم فقال : ماذا تقولون ؟ أتقولون إني لا أعلم ماصنعتم بأب هذا الفتى ؟ إني إذا لجاهل ، ثم قال : فرقوهم وغطوا رؤوسهم ، ففرق بينهم وأقيم كل واحد منهم إلى أسطوانة من أساطين المسجد ورؤوسهم مغطاة بثيابهم ، ثم دعا بعبيد الله بن أبي رافع كاتبه ، فقال : هات صحيفة ودواتا ، وجلس علي عليه السلام في مجلس القضاء واجتمع الناس إليه ، فقال : إذا أنا كبرت فكبروا ، ثم قال للناس : افرجوا ، ثم دعا بواحد منهم فأجلسه بين يديه فكشف عن وجهه ، ثم قال لعبيد الله : اكتب إقراره وما يقول ، ثم أقبل عليه بالسؤال ، ثم قال له : في أي يوم خرجتم من منازلكم وأبوهذا الفتى معكم ؟ فقال الرجل : في يوم كذا وكذا ، فقال : وفي أي شهر ؟ قال : في شهر كذا وكذا ، ( 1 ) قال : وإلى أين بلغتم من سفركم حين مات أبوهذا الفتى ؟ قال : إلى موضع كذا وكذا ، قال : وفي أي منزل مات ؟ قال : في منزل فلان ابن فلان ، قال : وما كان من مرضه ؟ ( 2 ) قال : كذا وكذا ، قال : كم يوما مرض ؟ قال : كذا وكذا يوما ، قال : فمن كان يمرضه ؟ وفي أي يوم مات ؟ ومن غسله ؟ و أين غسله ؟ ومن كفنه ؟ وبما كفنتموه ؟ ومن صلى عليه ؟ ومن نزل قبره ؟ فلما سأله عن جميع ما يريد كبر علي عليه السلام وكبر الناس معه ، فارتاب أولئك الباقون ولم يشكوا أن صاحبهم قد أقر عليهم وعلى نفسه ، فأمر أن يغطى رأسه وأن ينطلقوا به إلى الحبس ، ثم دعا بآخر فأجلسه بين يديه وكشف عن وجهه ، ثم قال : كلا ، زعمت أني لا أعلم ما صنعتم ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ما أنا إلا واحد من القوم ، ولقد كنت كارها لقتله ، فأقر ، ثم دعا بواحد بعد واحد وكلهم يقر بالقتل وأخذ المال ، ثم رد الذي كان أمر به إلى السجن فأقر أيضا فألزمهم المال والدم .
وقال شريح : يا أمير المؤمنين وكيف كان حكم داود عليه السلام ؟ فقال : إن داود النبي عليه السلام مر بغلمة يلعبون وينادون بعضهم : مات الدين ، فدعا منهم غلاما فقال له : يا غلام ما اسمك ؟ فقال : اسمي مات الدين ، فقال له داود : من سماك بهذا الاسم ؟ قال : أمي ،


_____________________________________________________
( هامش صفحة 12 ) ( 1 ) في التهذيب زيادة وهي : فقال : في أي سنة ؟ قال : في سنة كذا وكذا .
( 2 ) في التهذيب : وما كان مرضه ؟

[ 13 ]


فانطلق إلى أمه ، فقال : يا امرأة ما اسم ابنك هذا ؟ قالت : مات الدين ، فقال لها : ومن سماه بهذا الاسم ؟ قالت : أبوه ، قال : وكيف كان ذلك ؟ قالت : إن أباه خرج في سفر له ومعه قوم وهذا الصبي حمل في بطني ، فانصرف القوم ولم ينصرف زوجي فسألتهم عنه ، فقالوا : مات ، قلت : أين ماترك ؟ ( 1 ) قالوا : لم يخلف مالا ، فقلت : أوصاكم بوصية ؟ فقالوا : نعم ، زعم أنك حبلى ، فما ولدت من ولد ذكر أو أنثى فسميه مات الدين ، فسميته ، فقال : أتعرفين القوم الذين كانوا خرجوا مع زوجك ؟ قالت : نعم ، قال : فأحياء هم أم أموات ؟ قالت : بل أحياء ، قال : فانطلقي بنا إليهم ، ثم مضى معها فاستخرجهم من منازلهم فحكم بينهم بهذا الحكم فثبت عليهم المال والدم ، ثم قال للمرأة : سمي ابنك عاش الدين .
( 2 ) يب : علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن علي بن أبي حمزة ، عن أبي بصير ، عن أبي جعفر عليه السلام مثله .
( 3 ) 21 يه : التفليسي ، عن السمندي ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام : إنك نعم العبد لولا أنك تأكل من بيت المال ولا تعمل بيدك شيئا ، قال : فبكى داود عليه السلام فأوحى الله تعالى إلى الحديد : أن لن لعبدي داود ، فألان الله تعالى له الحديد ، فكان يعمل كل يوم درعا فيبيعها بألف درهم ، فعمل عليه السلام ثلاث مائة وستين درعا ( 4 ) فباعها بثلاث مائة وستين ألفا ، واستغنى عن بيت المال .
( 5 ) 22 كا : علي بن إبراهيم ، عن أبيه وعلي بن محمد جميعا ، عن القاسم بن محمد ، عن سليمان ابن داود ، عن حفص بن غياث ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : من تعذرت عليه الحوائج فليلتمس طلبها يوم الثلثاء ، فإنه اليوم الذي ألان الله فيه الحديد لداود عليه السلام .
( 6 )


_____________________________________________________
( هامش صفحة 13 ) ( 1 ) في نسخة : اين ماله ؟ ( 2 ) من لا يحضره الفقيه : 322 .
( 3 ) التهذيب 2 : 96 97 .
( 4 ) في المصدر : فعمل عليه السلام بيده ثلاث مائة وستين درعا .
( 5 ) من لايحضره الفقيه : 355 .
( 6 ) روضة الكافي : 143 .

[ 14 ]


23 شا : روى عبدالله بن عجلان ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : إذا قام قائم آل محمد عليه وعليهم السلام حكم بين الناس بحكم داود ، لايحتاج إلى بينة ، يلهمه الله تعالى فيحكم بعلمه .
( 1 ) أقول : قال صاحب الكامل : كان داود بن إيشا ( 2 ) من أولاد يهودا ، وكان قصيرا أزرق ، قليل الشعر ، فلما قتل طالوت أتى بنو إسرائيل داود وأعطوه خزائن طالوت وملكوه عليهم ، ( 3 ) وقيل : إن داود ملك قبل أن يقتل جالوت ، ( 4 ) فلما ملك جعله الله نبيا ملكا ، وأنزل عليه الزبور وعلمه صنعة الدروع ، وألان له الحديد ، وأمر الجبال والطير أن يسبحن معه إذا سبح ، ولم يعط الله أحدا مثل صوته ، كان إذا قرأ الزبور تدنو الوحش حتى يؤخذ بأعناقها ، وكان شديد الاجتهاد ، كثير العبادة والبكاء ، وكان يقوم الليل ، ويصوم نصف الدهر ، وكان يحرسه كل يوم وليلة أربعة آلاف ، وكان يأكل من كسب يده أربعة آلاف ، قيل : أصاب الناس في زمان داود عليه السلام طاعون جازف ، ( 5 ) فخرج بهم إلى موضع بيت المقدس ، وكان يرى الملائكة تعرج منه إلى السماء ، فلهذا قصده ليدعو فيه ، فلما وقف موضع الصخرة دعا الله تعالى في كشف الطاعون عنهم ، فاستجاب الله ورفع الطاعون ، فاتخذوا ذلك الموضع مسجدا ، وكان الشروع في بنائه لاحد عشر سنة مضت من ملكه ، وتوفي قبل أن يستتم بناؤه وأوصى إلى سليمان بإتمامه .
ثم إن داود عليه السلام توفي ، وكانت له جارية تغلق الابواب كل ليلة وتأتية بالمفاتيح ويقوم إلى عبادته ، فأغلقتها ليلة فرأت في الدار رجلا ، فقالت : من أدخلك الدار ؟ قال : أنا الذي أدخل على الملوك بغير إذن ، فسمع داود عليه السلام قوله فقال : أنت ملك الموت ؟ فهلا أرسلت إلي فأستعد للموت ؟ قال : قد أرسلنا إليك كثيرا ، قال : من كان رسولك ؟ قال : أين أبوك وأخوك وجارك ومعارفك ؟ قال : ماتوا ، قال : فهم كانوا رسلي إليك بأنك تموت


_____________________________________________________
( هامش صفحة 14 ) ( 1 ) الارشاد : 345 .
( 2 ) هو داود بن ايشا بن عوبذ بن باعز بن سلمون بن نحشون بن عمى ناذب بن رام بن حصرون ابن فارص بن يهوذا بن يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم .
( 3 ) اي صيروه ملكا .
( 4 ) طالوت ( ظ ) .
( 5 ) الصحيح كما في المصدر : " طاعون جارف " والجارف : الموت العام .

[ 15 ]


كما ماتوا ، ثم قبضه ، فلما مات ورث سليمان ملكه وعلمه ونبوته ، وكان له تسعة عشر ولدا ، فورثه سليمان دونهم ، وكان عمر داود عليه السلام لما توفي مائة ، صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانت مدة ملكه أربعين سنة .
( 1 ) 24 كتاب البيان لابن شهرآشوب : يقال : إن داود عليه السلام جزأ ساعات الليل والنهار على أهله ، فلم يكن ساعة إلا وإنسان من أولاده في الصلاة ، فقال تعالى : " اعملوا آل داود شكرا " .
( 2 ) 25 نهج : وإن شئت ثلثت بداود عليه السلام صاحب المزامير ، وقارئ أهل الجنة ، فلقد كان يعمل سفائف الخوص بيده ، ويقول لجلسائه : أيكم يكفيني بيعها ؟ ويأكل قرص الشعير من ثمنها .
( 3 ) بيان : قال الفيروزآبادي : مزامير داود عليه السلام ما كان يتغنى به من الزبور ، وقال ابن أبي الحديد : إن داود عليه السلام أعطي من طيب النغم ولذة ترجيع القراءة ما كانت الطيور لاجله تقع عليه وهو في محرابه ، والوحش تسمعه ، فتدخل بين الناس ولا تنفر منهم لما قد استغرقها من طيب صوته .
وسفائف الخوص جمع سفيفة وهي النسيجة منه .
والخوص : ورق النخل .
( 4 ) أقول : لعل هذا كان قبل أن ألان الله له الحديد .
26 كا : علي ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن أبي أيوب ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول مابعث كان يصوم حتى يقال ما يفطر ويفطر حتى يقال مايصوم ، ثم ترك ذلك وصام يوما وأفطر يوما ، وهو صوم داود عليه السلام الخبر .
( 5 )


_____________________________________________________
( هامش صفحة 15 ) ( 1 ) كامل ابن الاثير 1 : 76 و 77 و 78 .
( 2 ) مخطوط ( 3 ) نهج البلاغة 1 : 293 .
( 4 ) شرح النهج 2 : 471 .
( 5 ) فروع الكافي 1 : 187 .

[ 16 ]


الحسين بن محمد ، عن المعلى ، عن الوشاء ، عن حماد بن عثمان ، عنه عليه السلام مثله .
( 1 ) 27 كا : أبوعلي الاشعري ، عن الحسن بن علي الكوفي ، عن علي بن مهزيار عن عثمان بن عيسى ، عن ابن مسكان ، عمن رواه ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال إن داود عليه السلام لما ( وقف ) ؟ الموقف بعرفة نظر إلى الناس وكثرتهم ، فصعد الجبل فأقبل يدعو ، فلما قضى نسكه أتاه جبرئيل فقال له : يا داود يقول لك ربك : لم صعدت الجبل ؟ ظننت أنه يخفى علي صوت من صوت ؟ ! ثم مضى به إلى البحر إلى جدة فرسب ( 2 ) به في الماء مسيرة أربعين صباحا في البر ، فإذا صخرة ففلقها فإذا فيها دودة ، فقال : يا داود يقول لك ربك : أنا أسمع صوت هذه في بطن هذه الصخرة في قعر هذا البحر ، فظننت أنه يخفى علي صوت من صوت ؟ ! ( 3 ) بيان : لعله إنما ظن هذا غيره فنسب إليه ليعلم غيره ذلك ، أو أنه ظن أن من أدب الدعاء أن لاتكون الاصوات مختلطة فنبه بذلك على خلافه ، أو أن فعله لما كان مظنة ذلك عوتب بذلك وإن لم يكن غرضه ذلك والله يعلم .
28 ين : النضر ، عن محمد بن سنان ، عن موسى بن بكر ، عن زرارة ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : قال داود النبي عليه السلام : لاعبدن الله اليوم عبادة ولاقرأن قراءة لم أفعل مثلها قط ، فدخل محرابه ففعل ، فلما فرغ من صلاته إذا هو بضفدع في المحراب ، فقال له : يا داود أعجبك اليوم ما فعلت من عبادتك وقراءتك ؟ فقال : نعم ، فقال : لا يعجبنك ، فاني أسبح الله في كل ليلة ألف تسبيحة يتشعب لي مع كل تسبيحة ثلاثة آلاف تحميدة ، وإني لاكون في قعر الماء فيصوت الطير في الهواء فأحسبه جائعا فأطفوله ( 4 ) على الماء ليأكلني وما لي ذنب .
( 5 )


_____________________________________________________
( هامش صفحة 16 ) ( 1 ) فروع الكافي 1 : 187 ، والفاظ الحديث يخالف مارواه محمد بن مسلم بكثير الا انه بمعناه .
( 2 ) رسب الشئ في الماء : سقط إلى اسفله .
( 3 ) فروع الكافي 1 : 224 .
( 4 ) طفا : علا فوق الماء ولم يرسب ومنه السمك الطافي وهو الذي يموت في الماء فيعلو و يظهر .
( 5 ) مخطوط .

[ 17 ]


29 ين : الحسن بن محمد ، عن أبي حمزة ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : سمعته يقول : إن داود النبي عليه السلام كان ذات يوم في محرابه إذ مرت به دودة حمراء صغيرة تدب حتى انتهت إلى موضع سجوده ، فنظر إليها داود وحدث في نفسه : لم خلقت هذه الدودة ؟ فأوحى الله إليها : تكلمي ، فقالت له : ياداود هل سمعت حسي أواستبنت ( 1 ) على الصفا أثري ؟ فقال لها داود : لا ، قالت : فإن الله يسمع دبيبي ونفسي وحسي ويرى أثر مشيي فاخفض من صوتك .
( 2 ) عرائس الثعلبي : قال وهب : إن داود عليه السلام لما تاب الله عليه بكى على خطيئته
-بحار الانوار جلد: 14 من صفحه 17 سطر 8 إلى صفحه 25 سطر 8 ثلاثين سنة لا يرقأ له دمعة ( 3 ) ليلا ولا نهارا ، فقسم الدهر على أربعة أيام : يوم للقضاء بين بني إسرائيل ، ويوم لنسائه ، ويوم يسبح فيه في الفيافي والجبال والساحل ، ويوم يخلو في دار له فيها أربعة آلاف محراب ، فيجتمع إليه الرهبان فينوح معهم على نفسه ويساعدونه على ذلك ، فإذا كان يوم سياحته يخرج إلى الفيافي فيرفع صوته بالمزامير فيبكي ويبكي معه الشجر والمدر والرمال والطير والوحوش والحيتان ودواب البحر وطير الماء والسباع ، ويبكي معه الجبال والحجارة والدواب والطير حتى يسيل من دموعهم مثل الانهار ، ثم يجئ إلى البحار فيرفع صوته بالمزامير ويبكي فتبكي معه الحيتان ودواب البحر ، فإذا أمسى رجع ، وإذا كان يوم نوحه على نفسه نادى مناديه : إن اليوم يوم نوح داود على نفسه فليحضر من يساعده ، قال : فيدخل الدار التي فيها المحاريب فيبسط له ثلاثة فرش من مسوح ( 4 ) حشوها الليف فيجلس عليها ويجئ الرهبان أربعة آلاف راهب عليهم البرانس وفي أيديهم العصي ، فيجلسون في تلك المحاريب ، ثم يرفع داود صوته بالبكاء والنوح على نفسه ويرفع الرهبان معه أصواتهم ، فلا يزال يبكي حتى يغرق الفراش من


_____________________________________________________
( هامش صفحة 17 ) ( 1 ) أي استوضحته وعرفته بينا .
( 2 ) مخطوط أورده المسعودي أيضا في اثبات الوصية ، وفيه : فأوحى الله إليه أن تكلمه ، فقالت له : أنا على صغري وتهاونك بي اكثر لذكر الله منك ، ياداود هل سمعت حسي أو تبينت أثري ؟ ( 3 ) أي لا يجف ولا ينقطع .
( 4 ) جمع المسح : البلاس يقعد عليه .

[ 18 ]


دموعه ، ويقع داود فيها مثل الفرخ يضطرب ، فيجئ ابنه سليمان عليه السلام فيحمله ، ويأخذ داود من تلك الدموع بكفيه ثم يمسح بها وجهه ويقول : يارب اغفر ماترى ، فلو عدل بكاء داود ودموعه ببكاء أهل الدنيا ودموعهم لعدلها ، وقال وهب : لما تاب الله على داود عليه السلام كان يبدأ بالدعاء ويستغفر للخاطئين قبل نفسه ، فيقول : اللهم اغفر للخاطئين ، فعساك تغفر لداود معهم .
وروي أنه عليه السلام كان بعد الخطيئة لا يجالس إلا الخاطئين ، ثم يقول : تعالوا إلى داود الخاطئ ، ولا يشرب شرابا إلا وهو ممزوج بدموع عينيه ، وكان يذر عليه الملح و الرماد ( 1 ) فيقول وهو يأكل : هذا أكل الخاطئين ، وكان قبل الخطيئة يقوم نصف الليل ويصوم نصف الدهر ، وبعدها صام الدهر كله ، وقام الليل كله .
( 2 )


_____________________________________________________
( هامش صفحة 18 ) ( 1 ) فيه غرابة ظاهرة وكذا فيما تقدم من قوله : حتى يغرق الفراش من دموعه ، وهو بالاغراق والمبالغة أشبه .
( 2 ) العرائس : 159 .

[ 19 ]


باب 2 : قصة داود عليه السلام واوريا وما صدر عنه من ترك الاولى وماجرى بينه وبين حزقيل عليهما السلام ( 1 ) 

الايات ، ص " 38 " واذكر عبدنا داود ذا الايد إنه أواب * إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والاشراق * والطير محشورة كل له أواب * وشددنا ملكه و آتيناه الحكمة وفصل الخطاب * وهل أتاك نبؤ الخصم إذ تسوروا المحراب * إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لاتخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط * إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب * قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ماهم وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب * فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب * ياداود إنا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب 17 26 .
تفسير : " الايد " القوة " أواب " أي رجاع إلى الله تعالى ومرضاته " والاشراق " هو حين تشرق الشمس ، أي تضئ وتصفو شعاعها وهو وقت الضحى ، أو وقت شروق الشمس وطلوعها ، والحاصل وقت الرواح والصباح " محشورة " أي مجموعة إليه تسبح الله معه " كل له " من الجبال والطير لاجل تسبيحه رجاع إلى التسبيح " وشددنا ملكه " أي قويناه بالهيبة والنصرة وكثرة الجنود " وآتيناه الحكمة " أي النبوة ، أو كمال العلم وإتقان العمل " وفصل الخطاب " قيل : يعني الشهود والايمان ، وقيل : هو علم القضاء والفهم " إذ تسوروا المحراب " أي تصعدوا سور الغرفة ، تفعل من السور " ففزع منهم " لانهم


_____________________________________________________
( 1 ) في أكثر النسخ " خرقيل " بالخاء ، وكذلك في الروايات الاتية .

[ 20 ]


نزلوا عليه من فوق في يوم الاحتجاب والحرس على الباب " ولا تشطط " أي ولا تجر علينا في حكمك " إلى سواء الصراط " أي وسطه وهو العدل " والنعجة " الانثى من الضأن " أكفلنيها " أي ملكنيها ، وحقيقته : اجعلني أكفلها كما أكفل ماتحت يدي ، وقيل : اجعلها كفلي أي نصيبي " وعزني في الخطاب " أي غلبني في مخاطبته إياي محاجة بأن جاء بحجاج ولم أقدر رده ، أو في مغالبته إياي في الخطبة " وقليل ماهم " أي وهم قليل ، وما مزيدة للابهام والتعجب من قلتهم " أنما فتناه " أي امتحناه " وخر راكعا " قال الاكثر : أي ساجدا ، وقيل : خر للسجود راكعا ، أي مصليا .
1 فس : أبي ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام ، عن الصادق عليه السلام قال : إن داود عليه السلام لما جعله الله عز وجل خليفة في الارض ، وأنزل عليه الزبور أوحى الله عز و جل إلى الجبال والطير أن يسبحن معه ، وكان سببه أنه إذا صلى يقوم وزيره ( 1 ) بعد مايفرغ من الصلاة فيحمد الله ويسبحه ويكبره ويهلله ، ثم يمدح الانبياء عليهم السلام نبيا نبيا ، ويذكر من فضلهم وأفعالهم وشكرهم وعبادتهم لله سبحانه ، والصبر على بلائه ، ولا يذكر داود عليه السلام ، فنادى داود ربه فقال : يارب قد أثنيت ( 2 ) على الانبياء بما قد أثنيت عليهم ولم تثن علي ، فأوحى الله عزوجل إليه : هؤلاء عباد ابتليتهم فصبروا ، وأنا أثني عليهم بذلك ، فقال : يا رب فابتلني حتى أصبر ، فقال : ياداود تختار البلاء على العافية ؟ إني أبليت هؤلاء ولم أعلمهم ، وأنا أبليك وأعلمك أنه يأتيك بلائي في سنة كذا و شهر كذا في يوم كذا ، وكان داود يفرغ نفسه لعبادته يوما ، ويقعد في محرابه ، ويوم يقعد لبني إسرائيل فيحكم بينهم ، فلما كان في اليوم الذي وعده الله عزوجل اشتدت عبادته وخلا في محرابه وحجب الناس عن نفسه وهو في محرابه يصلي ، فإذا بطائر قد وقع بين يديه ، جناحاه من زبرجد أخضر ، ورجلاه من ياقوت أحمر ، ورأسه ومنقاره من اللؤلؤ و الزبرجد ، فأعجبه جدا ونسي ما كان فيه ، فقام ليأخذه ، فطار الطائر فوقع على حائط بين داود وبين اوريا بن حنان ، وكان داود قد بعث اوريا في بعث ، فصعد داود الحائط ليأخذ


_____________________________________________________
( هامش صفحة 20 ) ( 1 ) في المصدر : يقوم ببني اسرائيل وزيره .
( 2 ) لعل إسناد الثناء إليه تعالى كان بواسطة أمره الوزير بذلك ، أو تشريعه ذلك في التوراة .