[311]
بيان : الروية : التفكر ، والقائم في صفاته تعالى بمعنى الدائم الثابت الذي
لا يزول ، أو العالم بالخلق الضابط لاحوالهم أينما كانوا ، أو قيامه توكيله الحفظة عليهم ،
أو حفظه للخلق وتدبيره لامورهم ، أو مجازاته بالاعمال ، أو قهره لعباده واقتداره عليهم .
والابراج قيل : هو جمع البرج بالضم بمعنى الركن ، وأركانها أجزاؤها وتداويرها
وخوارجها ومتمماتها ، أو البرج بالمعنى المصطلح أي البروج الاثنى عشر ، والاظهر
عندي أنه جمع البرج بالتحريك أي الكواكب ، قال الفيروز آبادي : البرج الجميل : الحسن
الوجه ، أو المضئ البين المعلوم ، والجمع أبراج .
قوله عليه السلام : ذات ارتاج إما بالكسر مصدرأرتج أي أغلق ، أو بالفتح جمع الرتاج
وهو الباب المغلق ، ( 1 ) وفيه : أنه قلما يجمع فعال على أفعال . وروي ذات رتاج على
المفرد ، والداجي : المظلم . والساجي : الساكن ، والفجاج بالكسر جمع فج بالفتح وهو
الطريق الواسع بين الجبلين . والمهاد : الفراش أي أرض مبسوطة ممكنة للتعيش عليها
كالمهاد .
قوله عليه السلام : ذواعتماد أي ذوقوة وبطش ، أو يسعى برجلين فيعتمد عليهما .
ودأب في عمله أي جد وتعب ، والشمس والقمر دائبان لتعاقبهما على حالة واحدة لا يفتران
ولايسكنان ، وروي دائبين بالنصب على الحال ، ويكون خبر المبتداء يبليان
قوله عليه السلام : وأحصى آثارهم أي آثار أقدامهم ووطئهم في الارض ، أو حركاتهم
وتصرفاتهم ، أو مايبقي بعدهم من سنة حسنة أو سيئة ، كما فسر به قوله تعالى : " ونكتب
ما قدموا وآثارهم " ( 2 ) وروي عدد أنفاسها على الاضافة . وخائنة الاعين : ما يسارق
من النظر إلى ما لايحل ، أو أن ينظر نظرة بريبة .
قوله عليه السلام : من الارحام متعلقة بمستقرهم ومستودعهم بيانا لهما على اللف
والنشر ، ولما كان تحقق الغرض وكمال الذات وحلول الروح في الرحم عبر عنه بالمستقر
وعن الظهر بالمستودع ، ويكون الظرف أعني قوله : إلى أن تتناهى متعلقا بالافعال
_______________________________________________
( 1 ) والباب العظيم .
( 2 ) يس : 12 . ( * )
[312]
السابقة أي قسم وأحصى وعدد ، وتكون تناهي الغاية بهم كناية عن موتهم ، ويحتمل
أن يكون المراد : مستقرهم ومأواهم على ظهر الارض ومستودعهم في بطنها بعد الموت
ويكون " من " بمعنى " مذ " أي مذ زمان كونهم في الارحام والظهور إلى أن تناهي الغاية أي
إلى أن يحشروا في القيامة وصاروا إلى النعيم أو إلى الجحيم ، ويحتمل أن يكون المراد
بالمستقر والمستودع من استقر فيه الايمان ومن استودع الايمان ثم يسلب كما دلت
عليه الاخبار الكثيرة ، وتوجيه الظرفين بعد مامر غير خفي .
قوله عليه السلام : في سعة رحمته أي في حال سعة رحمته على أوليائه ، واتسعت رحمته
لاوليائه في حال شدة نقمته على أعدائه ، فالمراد تنزيهه تعالى عن صفة المخلوقين فإن
رحمتهم لاتكون في حال غضبهم وبالعكس ، أو اشتدت نقمته على أعدائه في حال سعة رحمته
عليهم فإن رحمته تعالى شاملة لهم في دنياهم ، وهم فيها يستعدون للنقمة الشديدة ، و
لايخفى بعده . والمعازة : المغالبة والمدمر : المهلك . والمشاقة : المعاداة والمنازعة .
قوله عليه السلام : وتنفسوا قبل ضيق الخناق استعار لفظ التنفس لتحصيل الراحة
والبهجة في الجنة بالاعمال الصالحة في الدنيا ، واستعار لفظ الخناق من الحبل المخصوص
للموت أي انتهزوا لفرصة للعمل قبل تعذره بزوال وقته . قوله عليه السلام : قبل عنف السياق
أي السوق العنيف عند قبض الروح ، أو في القيامة إلى الحساب .
قوله عليه السلام : من لم يعن على بناء المجهول أي لم يعنه الله على نفسه حتى يجعل له
منها واعظا وزاجرا لم يمنعه المنع والزجر من غيرها ، أو على بناء المعلوم كما روي أيضا
أي من لم يعن الواعظين له والمنذرين على نفسه لم ينتفع بالوعظ والزجر لان هوى نفسه
يغلب وعظ كل واعظ .
39 - نهج : ومن خطبة له عليه السلام : لايشغله شأن ، ولايغيره زمان ، ولا يحويه مكان ،
ولا يصفه لسان ، ولا يعزب عنه قطر الماء ، ولا نجوم السماء ولاسوا في الريح في الهواء ، ( 1 )
ولادبيب النمل على الصفا ، ولا مقيل الذر في الليلة الظلماء ، يعلم مساقط الاوراق وخفي
طرف الاحداق .
_______________________________________________
( 1 ) السوافى جمع سافية ، يقال سفت الريح التراب والورق أى حملته . ( * )
[313]
بيان : مقيل الذر أي نومها أو محل نومها .
40 - نهج : روي عن نوف البكالي ( 1 ) قال : خطبنا بهذه الخطبه أمير المؤمنين عليه السلام
- وهو قائم علي حجارة نصبها له جعدة بن هبيرة المخزومي ( 2 ) وعليه مدرعة من صوف ( 3 )
وحمائل سيفه ليف ، وفي رجليه نعلان من ليف ، وكأن جبينه ثفنة بعير - فقال عليه السلام : الحمد
لله الذي إليه مصائر الخلق وعواقب الامر ، نحمده على عظيم إحسانه ونير برهانه ،
ونوامي ( 4 ) فضله وامتنانه ، حمدا يكون لحقه قضاءا ولشكره أداءا ، وإلى ثوابه مقربا ،
_______________________________________________
( 1 ) بفتح النون والمعروف ضمها وسكون الواو بعده فاء ، هكذا في تنقيح المقال ، وهو نوف
ابن فضالة البكالى ، كان من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام وخواصه ، ترجم له ابن حجر في
ص 527 من تقريبه قال : نوف - بفتح النون وسكون الواو - ابن فضالة : بفتح الفاء والمعجمة -
البكالى - بكسر الموحدة وتخفيف الكاف - ابن امرأة كعب ، شامى مستور ، وإنما كذب ابن عباس مارواه
عن أهل الكتاب ، من الثالثة ، مات بعد التسعين .
( 2 ) ابن اخت أمير المؤمنين عليه السلام ، امه ام هانى بنت أبيطالب ، اورد ترجمته الشيخ في
رجاله في أصحاب النبى صلى الله عليه وآله وفى اصحاب أمير المؤمنين عليه السلام وقال : ويقال : إنه
ولد على عهد النبى صلى الله عليه وآله ، وليست له صحبة نزل الكوفة . انتهى . وأورده ابن عبدالبر
في الاستيعاب وقال : ولاه خاله على بن أبيطالب عليه السلام على خراسان ، قالوا : كان فقيها . وترجم له
أيضا ابن حجر في الاصابة ، وأثبت ولادته على عهد النبي صلى الله عليه وآله ونقل رؤيته النبى صلى الله
عليه وآله وسلم عن الحاكم وقال : قال ابن مندة : مختلف في صحبته . وقال البخارى : له صحبة ،
ذكره الازدى وغيره فيمن لم يرو عنه غير واحد من الصحابة . وقال ابن حبان : لا اعلم بصحبته شيئا
............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 4 من ص 313 سطر 19 الى ص 321 سطر 18
صحيحا أعتمد عليه . وقال البغوى : ولد على عهد النبى صلى الله عليه وآله وليست له صحبة ، وقال
ابن السكن نحوه أه . وفى التقريب : صحابى صغير ، له رؤية . وقال العجلى : تابعى ثقة . أقول :
وكان في حرب صفين مع خاله عليه السلام ، وضبط هبيرة بالهاء المضمومة والباء الموحدة المفتوحة
والياء المثناة من تحت والراء المهملة والهاء .
( 3 ) المدرعة بالكسر فالسكون : ثوب يعرف عند بعض العامة بالدراعية : قميص ضيق الاكمام ، قال
في القاموس : ولا يكون الا من صوف ، وفى المنجد : جبة مشقوق المقدم .
( 4 ) نوامى جمع نام بمعنى الزائد . ( * )
[314]
ولحسن مزيده موجبا ، ونستعين به استعانة راج لفضله ، مؤمل لنفعه ، واثق بدفعه ،
معترف له بالطول ، ( 1 ) مذعن له بالعمل والقول ، ونؤمن به إيمان من رجاه موقتا ؟ ، وأناب
إليه مؤمنا ، وخنع له مذعنا وأخلص له موحدا ، وعظمه ممجدا ، ولاذبه راغبا مجتهدا ،
لم يولد سبحانه فيكون في العز مشاركا ، ولم يلد فيكون موروثا هالكا ، ولم يتقدمه وقت
ولازمان ، ولم يتعاوره زيادة ولانقصان ، بل ظهر للعقول بما أرانا من علامات التدبير المتقن
والقضاء المبرم ، فمن شواهد خلقه خلق السموات موطدات بلاعمد ، قائمات بلاسند ،
دعاهن فأجبن طائعات مذعنات ، غير متلكئات ولامبطئات ، ( 2 ) ولولاإقرار هن له بالربوبية
وإذعانهن بالطواعية لما جعلهن موضعا لعرشه ، ولامسكنا لملائكته ، ولامصعدا للكلم
الطيب والعمل الصالح من خلقه ، جعل نجومها أعلاما يستدل بها الحيران في مختلف فجاج
الاقطار لم يمنع ضوء نورها إدلهمام سجف الليل المظلم ، ولا استطاعت جلابيب ( 3 ) سواد
الحنادس أن ترد ما شاع في السموات من تلالؤ نور القمر ، فسجان من لايخفى عليه سواد غسق
داج ، ولاليل ساج في بقاع الارضين المتطاطئات ، ولافي يفاع السفع المتجاورات ، وما
يتجلجل به الرعد في افق السماء ، وما تلاشت عنه بروق الغمام ، وما تسقط من ورقة
تزيلها عن مسقطها عواصف الانواء وانهطال السماء ، ويعلم مسقط القطرة ومقرها ، و
مسحب الذرة ومجرها ، وما يكفي البعوضة من قوتها ، وما تحمل الانثى في بطنها .
والحمد لله الكائن قبل أن يكون كرسي أو عرش او سماء أو أرض أو جان أو إنس ، لايدرك
بوهم ، ولايقدر بفهم ، ولا يشغله سائل ، ولا ينقصه نائل ، ولا ينظر بعين ، ولايحد بأين ، و
لا يوصف بالازواج ، ولا يخلق بعلاج ، ولا يدرك بالحواس ، ولا يقاس بالناس ، الذي
كلم موسى تكليما ، وأراه من آياته عظيما ، بلا جوارح ولاأدوات ، ولانطق ولالهوات
بل إن كنت صادقا أيها المتكلف لوصف ربك فصف جبرئيل وميكائيل وجنود الملائكة
المقربين في حجرات القدس مرجحنين ، متولهة عقولهم أن يحدوا حسن الخالقين ، و
_______________________________________________
( 1 ) الطول بفتح الطاء : الفضل .
( 2 ) التلكؤ الاعتلال . وعن الامر : التباطوء والتوقف .
( 3 ) الجلابيب : القميص او الثواب الواسع . وفى المغرب : ثوب أوسع من الخمار ودون الرداء . ( * )
[315]
إنما يدرك بالصفات ذووا الهيئات والادوات ، ومن ينقضي إذا بلغ أمد حده بالفناء
فلا إله إلاهو ، أضاء بنوره كل ظلام ، وأظلم بظلمته كل نور .
بيان : البكالي بفتح الباء وتخفيف الكاف منسوب إلى بكال قبيلة ، كذا ذكره
الجوهري . وقال الراوندي رحمه الله : منسوب إلى بكالة ، وهو اسم حي من همدان .
وقال ابن أبي الحديد : إنما هو بكال بكسر الباء اسم حي من حمير ( 1 ) والثفنة - بكسر الفاء -
من البعير : الركبة المصائر جمع المصير وهو مصدر صار إلى كذا ومعناه المرجع ، قال تعالى :
" وإلى الله المصير " . ( 2 )
قوله عليه السلام : مذعن له من أذعن له أي خضع وذل ، والخنوع أيضا : الخضوع والذل .
قوله عليه السلام : ولازمان تأكيد للوقت ، وقيل : الوقت جزء الزمان ، ويمكن حمل أحدهما
على الموجود والآخر على الموهوم ، والتعاور : التناوب ، ويقال : أبرم الامر أي أحكمه .
قوله عليه السلام : موطلات أي مثبتات . ( 3 )
قوله عليه السلام : ولولا إقرارهن قيل : إقرارهن له بالربوبية راجع إلى شهادة حالهن
بالامكان والحاجة إلى الرب والانقياد لحكم قدرته ، وظاهر أنه لولا إمكانها وانفعالها
عن قدرته وتدبيره لم يكن فيها عرش ولم يكن أهلا لسكنى الملائكة ، وصعود الكلم
الطيب والاعمال الصالحة ، ولفظ الدعاء والاقرار والاذعان مستعارة . وربما يقال :
إنها محمولة على الحقيقة نظرا إلى أن لها أرواحا ، والادلهمام : شدة ظلمة الليل ،
والسجف : الستر ، والحندس من الليل : الشديد الظلمة ، والمتطاطي : المنخفض ،
واليفاع : ما ارتفع من الارض ، والسفع : الجبال ، وسماها سفعا لان السفعة سواد
مشرب حمرة ، وكذلك لونها في الاكثر ، والتجلجل : صوت الرعد
قوله عليه السلام : وما تلاشت عنه قال ابن أبي الحديد قال : ابن الاعرابي : لشأ
الرجل : إذا اتضع وخس بعد رفعه ، وإذا صح أصلها صح استعمال الناس " تلاشي " بمعنى
اضمحل . وقال القطب الراوندي تلاشي مركب من لاشئ ، ولم يقف على أصل الكلمة
_______________________________________________
( 1 ) وفى القاموس بنى بكال ككتاب : بطن من حمير منهم نوف بن فضالة التابعى .
( 2 ) آل عمران : 28 ، نور : 42 ، فاطر : 18 .
( 3 ) في مداراتها على ثقل أجرامها .
[316]
أي يعلم ما يصوت به الرعد ، ويعلم ما يضمحل عنه البرق . فإن قلت : هو سبحانه عالم
بما يضيئه البرق وبما لايضيئه فلم خص عليه السلام ما يتلاشي عنه البرق ؟ قلت : لان علمه
بما ليس يضئ أعجب وأغرب لان ما يضيئه البرق يمكن أن يعلمه اولوا الابصار الصحيحة
قوله عليه السلام : عواصف الانواء ( 1 ) الانواء جمع نوء وهو سقوط نجم من منازل القمر
الثمانية والعشرين في المغرب مع الفجر ، وطلوع رقيبه من المشرق مقابلا له من ساعته ،
ومدة النوء ثلاثة عشر يوما إلا الجبهة فإن لها أربعة عشر يوما ، وإنما سمي نوءا
لانه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناء الطالع بالمشرق أي نهض وطلع ، وقيل : أراد
بالنوء الغروب وهو من الاضداد . قال أبوعبيدة : ولم يسمع في النوء أنه السقوط إلا في
هذا الموضع . وإنما أضاف العواصف إليها لان العرب تضيف الرياح والامطار والحر
والبرد إلى الساقط منها ، أو لان أكثر ما يكون عصفا فيها ، والانهطال : الانصباب ، و
سحبه كمنعه : جره على وجه الارض ، وأكل وشرب أكلا وشربا شديدا .
قوله عليه السلام : ولا يشغله سائل أي عن سائل آخر ، والنائل : العطاء أي لاينقص
خزائنه عطاء . قوله عليه السلام : لا يوصف بالازواج أي بالامثال أو الاضداد أو بصفات
الازواج ، أو ليس فيه تركب وازدواج أمرين كما مر تحقيقه ، أو بأن له صاحبة .
قوله عليه السلام : تكليما مصدر للتأكيد لازالة توهم السامع التجوز في كلامه
تعالى ، والمراد بالآيات إما الآيات التسع أو الآيات التي ظهرت عند التكليم من سماع الصوت
من الجهات الست وغيره ، ويؤيد الثاني قوله عليه السلام : بلا جوارح إلى قوله : ولا لهوات ،
إذالظاهر تعلقه بالتكليم ، ويحتمل تعلقه بالجميع على اللف والنشر غير المرتب .
قوله عليه السلام مرجحنين ( 2 ) أي مائلين إلى جهة التحت خضوعا لجلال الباري عز
سلطانه ، ويحتمل أن يكون كناية عن عظمة شأنهم ورزانة قدرهم أو عن نزولهم وقتا
بعد وقت بأمره تعالى ، قال الجزري : ارجحن الشئ : إذامال من ثقله وتحرك . قوله
عليه السلام : أمد حده الاضافة بيانية ، وحمل الحد على النهايات والاطراف بعيد جدا .
_______________________________________________
( 1 ) العواصف : الرياح الشديدة .
( 2 ) بتقديم الجيم المعجمة على الحاء المهملة كمقشعرين . ( * )
[317]
قوله عليه السلام أضاء بنوره كل ظلام الظلام إما محسوس فإضاءته بأنوار الكواكب
والنيرين ، أو معقول وهو ظلام الجهل فإضاءته بأنوار العلم والشرائع قوله : وأظلم
بظلمته كل نور إذ جميع الانوار المحسوسة أو المعقوله مضمحلة في نور علمه ، وظلام
بالنسبة إلى نور براهينه في جميع مخلوقاته الكاشفة عن وجوده ، وقال ابن أبي الحديد :
تحت قوله عليه السلام معنى دقيق وسر خفي وهو أن كل رذيلة في الخلق البشري غير مخرجة
عن حد الايمان مع معرفته بالادلة البرهانية ، غير مؤثرة نحو أن يكون العارف
بخيلا أو جبانا ، وكل فضيلة مع الجهل به سبحانه ليست بفضيلة في الحقيقة ، لان
الجهل به يكشف تلك الانوار نحو أن يكون الجاهل به جوادا أو شجاعا . ويمكن
أن يكون الظلام والنور كنايتين عن الوجود والعدم ، ويحتمل على بعد أن يكون الضمير
في قوله : بظلمته راجعا إلى كل نور لتقدمه رتبة فيرجع حاصل الفقرتين حينئذ إلى
أن النور هو ما ينسب إليه تعالى فبتلك الجهة نور ، وأما الجهات الراجعة إلى الممكنات
فكلها ظلمة .
41 - نهج : في وصيته للحسن المجتبى صلوات الله عليهما : واعلم يا بني أنه لو
كان لربك شريك لاتتك رسله ، ولرأيت آثار ملكه وسلطانه ، ولعرفت أفعاله وصفاته ،
ولكنه إله واحد كما وصف نفسه ، لا يضاده في ملكه أحد ، ولا يزول أبدا ، ولم يزل
أو لاقبل الاشياء بلا أولية ، وآخرا بعد الاشياء بلا نهاية ، ( 1 ) عظم عن أن تثبت ربوبيته
بإحاطة قلب أو بصر .
42 - نهج : من خطبة له عليه السلام الحمد لله الذي انحسرت الاوصاف عن كنه
معرفته ، وردعت عظمته العقول فلم تجد مساغا إلى بلوغ غاية ملكوته ، هو الله الحق
المبين ، أحق وأبين مماتراه العيون ، لم تبلغه العقول بتحديد فيكون مشبها ، ولم تقع
عليه الاوهام بتقدير فيكون ممثلا ، خلق الخلق على غير تمثيل ولا مشورة مشير ، ولا
معونة معين ، فتم خلقه بأمره ، وأذعن لطاعته فأجاب ولم يدافع ، وانقاد ولم ينازع .
43 - نهج : من خطبة له عليه السلام : كل شئ خاشع له ، وكل شئ قائم به ، غنى
_______________________________________________
( 1 ) في نسخة : أول قبل الاشياء بلا أولية ، وآخر بعد الاشياء بلا نهاية . ( * )
[318]
كل فقير ، وعز كل ذليل ، وقوة كل ضعيف ، ومفزع كل ملهوف ، ( 1 ) من تكلم سمع
نطقه ، ومن سكت علم سره ، ومن عاش فعليه رزقه ، ومن مات فاليه منقلبه ، لم ترك
العيون فتخبر عنك بل كنت قبل الواصفين من خلقك ، لم تخلق الخلق لوحشة ، ولا
استعملتهم لمنفعة ، ولايسبقك من طلبت ، ولايفلتك من أخذت ، ( 2 ) ولا ينقص سلطانك
من عصاك ، ولايزيد في ملكك من أطاعك ، ولا يرد أمرك من سخط قضاءك ، ولايستغني
عنك من تولى عن أمرك ، كل سر عندك علانية ، وكل غيب عندك شهادة ، أنت الابد
لاأمد لك ، وأنت المنتهى لامحيص عنك ، ( 3 ) وأنت الموعد لا منجأمنك إلا إليك ، بيدك
ناصية كل دابة ، وإليك مصير كل نسمة ، سبحانك ما أعظم ما نرى من خلقك ، وما أصغر
عظمه في جنب قدرتك ، وما أهول ما نرى من ملكوتك ، وما أحقر ذلك فيما غاب عنا
من سلطانك ، وما أسبغ نعمتك في الدنيا ، وما أصغرها في نعم الآخرة .
بيان : قوله : فاليه منقلبه أي انقلابه . قوله عليه السلام : بل كنت قبل الواصفين قيل :
أي لما كان سبحانه قبل الموجودات قديما أزليا لم يكن جسما ولا جسمانيا فاستحال
رؤيته ، وقال بعض الافاضل : يحتمل أن يكون المراد أن العلم بوجودك ليس من جهة
أخبار العيون ، بل من جهة أنك قبل الاشياء ومبدأ الممكنات . أقول : يمكن أن يكون
المعني أنه لو كان العلم بوجودك من جهة الرؤية لما علم تقدمك على الواصفين ، إذالرؤية
إنما تفيد العلم بوجود المرئي حين الرؤية ، فلاتفيد للرائين الواصفين العلم بكونه موجودا
قبلهم .
قوله عليه السلام : ولايسبقك أي لايفوتك هربا . قوله عليه السلام : ولا يفلتك أي لايفلت منك
فإن أفلت لازم . قوله عليه السلام : أمرك أي قدرك الذي قدرت قوله عليه السلام : عن أمرك
أي الامر التكليفي . قوله عليه السلام : وأنت المنتهي أي في العلية ، أو ينتهي إليك أخبارهم
وأعمالهم ، أو ينتهون إليك بعد الحشر . وقال الجزري : كل دابة فيها روح فهي نسمة ،
وقد يراد بها الانسان .
_______________________________________________
( 1 ) الملهوف : الحزين ذهب له مال أو فجع بحميم . المظلوم يعادي ويستغيث .
( 2 ) أى لايتخلص منك من أخذته .
( 3 ) أى لامهرب منك . ( * )
[319]
44 - ما : أحمد بن محمد بن الصلت ، عن ابن عقدة ، عن محمد بن عيسى بن هارون الضرير ،
عن محمد بن زكريا المكي ، ( 1 ) عن كثير بن طارق ، ( 2 ) عن زيد بن علي بن الحسين عليهما السلام ،
عن أبيه عليه السلام قال : خطب علي بن أبي طالب عليه السلام بهذه الخطبة في يوم الجمعة
فقال : الحمد لله المتوحد بالقدم والاولية ، الذي ليس له غاية في دوامه ولاله أولية ،
أنشأ صنوف البرية لامن اصول كانت بدية ، وارتفع عن مشاركة الانداد ، وتعالى عن
اتخاذ صاحبة وأولاد ، هو الباقي بغير مدة ، والمنشئ لابأعوان ولا بآلة ، فطن ولا
بجوارح صرف ما خلق ، لايحتاج إلى محاولة التفكير ، ولا مزاولة مثال ولا تقدير ، أحدثهم
على صنوف من التخطيط والتصوير ، لابروية ولاضمير ، سبق علمه في كل الامور ، و
نفذت مشيته في كل ما يريد من الازمنة والدهور ، انفرد بصنعه الاشياء فأتقنها بلطائف
التدبير ، سبحانه من لطيف خبير ، ليس كمثله شئ وهو السميع البصير .
45 - نهج : من خطبة له عليه السلام : وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له ، الاول
لاشئ قبله والآخر لاغاية له ، لاتقع الاوهام له على صفة ولاتعقد القلوب منه على كيفية
ولاتناله التجزئة والتبعيض ولاتحيط به الابصار والقلوب .
وقال عليه السلام : قد علم السرائر وخبر الضمائر ، له الاحاطة بكل شئ ، والغلبة
لكل شئ ، والقوة على كل شئ .
وقال عليه السلام : الحمد لله العلي عن شبه المخلوقين ، الغالب لمقال الواصفين ، الظاهر
بعجائب تدبيره للناظرين ، والباطن بجلال عزته عن فكر المتوهمين ، العالم بلا اكتساب
ولاازدياد ولاعلم مستفاد ، المقدر لجميع الامور بلا روية ولا ضمير ، الذي لاتغشاه
الظلم ، ولا يستضئ بالانوار ، ولا يرهقه ليل ، ( 3 ) ولا يجري عليه نهار ، ليس إدراكه
بالابصار ، ولاعلمه بالاخبار
_______________________________________________
( 1 ) ولعل الصحيح ( المالكى ) كما يأتى عن النجاشى
( 2 ) ترجم له النجاشى في ص 224 من رجاله قال كثير بن طارق أبوطارق القنبرى من ولد
قنبر مولى على بن أبى طالب عليه السلام ، روى عن زيد وغيره ، له كتاب ، أخبرنا محمد بن جعفر المؤدب
قال : حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد قال : حدثنا أبوبكر محمد بن عيسى بن هارون بن سلام الضرير ،
قال : حدثنا محمد بن زكريا المالكى قال : حدثنى كثير بن طارق أبوطارق بكتابه .
( 3 ) أى لا يلحقه ولا يغشاه ليل . ( * )
[320]
1 - ن : تميم القرشي ، عن أبيه ، عن أحمد بن علي الانصاري ، عن الحسن بن
الجهم قال : قال المأمون للرضا عليه السلام : يا أبا الحسن ما تقول في القائلين بالتناسخ ؟ فقال
الرضا عليه السلام : من قال بالتناسخ فهو كافر بالله العظيم ، يكذب بالجنة والنار .
2 - ن : ابن المتوكل ، عن علي ، عن أبيه ، عن علي بن معبد ، عن الحسين بن خالد
قال : قال أبوالحسن عليه السلام ( 2 ) : من قال : بالتناسخ فهو كافر .
3 - ج : عن هشام بن الحكم أنه سأل الزنديق أبا عبدالله عليه السلام فقال : أخبرني
عمن قال : بتناسخ الارواح من أي شئ قالوا ذلك ؟ وبأي حجة قاموا على مذاهبم ؟
قال : إن أصحاب التناسخ قد خلفوا وراءهم منهاج الدين ، وزينوا لانفسهم الضلالات
وأمرجوا ( 3 ) أنفسهم في الشهوات ، وزعموا أن السماء خاوية ، ( 4 ) ما فيها شئ مما يوصف
وأن مدبر هذا العالم في صورة المخلوقين ، بحجة من روي : أن الله عزوجل خلق
آدم على صورته ، وأنه لاجنة ولانار ، ولابعث ولانشور ، والقيامة عندهم خروج الروح
من قالبه وولوجه في قالب آخر ، إن كان محسنا في القالب الاول اعيد في قالب أفضل
منه حسنا في أعلا درجة الدنيا . وإن كان مسيئا أو غير عارف صار في بعض الدواب المتعبة
في الدنيا ، أو هوام مشوهة الخلقة ، ( 5 ) وليس عليهم صوم ولاصلاة ولا شئ من العبادة أكثر
من معرفة من تجب عليهم معرفته ، وكل شئ من شهوات الدنيا مباح لهم من فروج النساء
وغير ذلك من نكاح الاخوات والبنات والخالات وذوات البعولة ، وكذلك الميتة والخمر
_______________________________________________
( 1 ) التناسخ : انتقال النفس الناطقة من بدن إلى بدن آخر ، والذين يعتقدون ذلك يسمون
( التناسخية ) .
( 2 ) الظاهر أنه الرضا عليه السلام .
( 3 ) من قولهم : أمر جوالدابة أى أرسلوها ترعى في المرج أى الارض الواسعة فيها نبت كثير ،
تمرج فيها الدواب .
( 4 ) خوى البيت : سقط وتهدم . فرغ وخلا . وفى نسخة : خالية .
( 5 ) أي مقبحة الخلقة . ( * )
[321]
والدم فاستقبح مقالتهم كل الفرق ، ولعنهم كل الامم ، فلما سئلوا الحجة زاغوا و
حادوا ، فكذب مقالتهم التوراة ، ولعنهم الفرقان ، وزعموا مع ذلك أن إلههم ينتقل
من قالب إلى قالب ، وأن الارواح الازلية هي التي كانت في آدم ، ثم هلم جرا
تجري إلى يومنا هذا في واحد بعد آخر فإذا كان الخالق في صورة المخلوق فبما يستدل
على أن أحدهما خالق صاحبه ؟ وقالوا : إن الملائكة من ولد آدم كل من صار في أعلا
درجة من دينهم خرج من منزلة الامتحان والتصفية فهو ملك ، فطورا تخالهم نصارى
في أشياء ، وطورا دهرية يقولون إن الاشياء على غير الحقيقة فقد كان يجب عليهم أن
لا يأكلوا شيئا من اللحمان لان الدواب عندهم كلها من ؟ ولد آدم حو لوا في صورهم فلا
يجوز أكل لحوم القربات .
بيان : قوله عليه السلام : إن إلههم ينتقل أي الطبيعة ، ولذا قال عليه السلام : فطورا تخالهم
نصارى للقول بحلول إلههم في المخلوق ، وطورا دهرية لان الطبيعة ليست بإله ، فهم
نافون للصانع حيث يقولون : إن الاشياء على غير الحقيقة أي خلقت بالاهمال من غير
أن يكون لها صانع راعى الحكمة في خلقها .
4 - كش : طاهر بن عيسى ، عن جعفر بن محمد ، عن الشجاعي ، عن الحمادي رفعة
إلى أبي عبدالله عليه السلام : سئل عن التناسخ قال : ؟ لمن نسخ الاول ؟ .
بيان : لعله مبني على حدوث العالم واستحالة غير المتناهي ، والحاصل أن قولهم
بالتناسخ إذا كان لعدم القول بالصانع فلا ينفعهم إذ لابد لهم من القول ببدن أول لبطلان
لاتناهي الافراد المترتبة فيلزمهم القول بصانع للروح والبدن الاول فهذا الكلام لدفع
............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 4 من ص 321 سطر 19 الى ص 322 سطر 18
ما هو مبنى قولهم بالتناسخ حيث يزعمون أنه ينفعهم القول به لعدم القول بالصانع .
وقال السيد الداماد قدس الله روحه : هذا إشارة إلى برهان إبطال التناسخ على
القوانين الحكمية والاصول البرهانية ، تقريره أن القول بالتناسخ إنما يستطب لو
قيل بأزلية النفس المدبرة للاجساد المختلفة المتعاقبة على التناقل والتناسخ ، وبلا تناهي
تلك الاجساد المتناسخة بالعدد في جهة الازل كما هو المشهور من مذهب الذاهبين
إليه والبراهين الناهضة على استحالة اللانهاية العددية بالفعل مع تحقق الترتب
والاجتماع في الوجود قائمة هناك بالقسط بحسب متن الواقع المعبر عنه بوعاء الزمان
[322]
أعني الدهر وإن لم يتصحح إلا الحصول التعاقبي بحسب ظرف السيلان والتدريج والفوت
واللحوق أعني الزمان ، وقد استبان ذلك في الافق المبين ، والصراط المستقيم ، وتقويم
الايمان ، وقبسات حق اليقين وغيرها من كتبنا وصحفنا فإذن لا محيص لسلسلة الاجساد
المترتبة من مبدء متعين هو الجسد الاول في جهة الازل ، يستحق باستعداده المزاجي
أن تتعلق به نفس مجردة تعلق التدبير والتصرف فيكون ذلك مناط حدوث فيضانها
عن جود المفيض الفياض الحق جل سلطانه ، وإذا انكشف ذلك فقد انصرح أن كل
جسد هيولاني بخصوصية مزاجه الجسماني واستحقاقه الاستعدادي يكون مستحقا
لجوهر مجرد بخصوصه يدبره ويتعلق به ويتصرف فيه ويتسلط عليه فليتثبت .
كش : حمدويه ، عن محمد بن عيسى ، عن جعفر بن عيسى ، عن علي بن يونس بن بهمن
قال : قلت للرضا عليه السلام : جعلت فداك إن أصحابنا قد اختلفوا ، فقال : في أي شئ اختلفوا ؟
فتداخلني من ذلك شئ فلم يحضرني إلا ما قلت : جعلت فداك من ذلك ما اختلف فيه زرارة
وهشام بن الحكم ، فقال زرارة : النفي ليس بشئ وليس بمخلوق ، وقال هشام : إن النفي
شئ مخلوق : فقال لي : قل في هذا بقول هشام ولا تقل بقول زرارة .
قد تم المجلد الثاني من كتاب بحار الانوار على يد مؤلفه ختم الله له بالحسنى
في غرة شهر ربيع الثاني من شهور سنة سبع وسبعين بعد الالف من الهجرة المقدسة
النبوية على هاجرها وآله الطاهرين ألف ألف صلاة وتحية .
إلى هنا تم الجزء الرابع من هذه الطبعة المزدانة بتعاليق نفيسة قيمه
............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 4 من ص 322 سطر 19 الى ص 322 سطر 24
وفوائد جمة ثمينة ، وبه يتم المجلد الثاني حسب تجزئة المصنف . ويحوي
هذا الجزء 316 حديثا في 17 باب ، ويتلوه الجزء الخامس
وهو كتاب العدل والمعاد ، والله الموفق للخير والرشاد .
رمضان المبارك
1376 ه