[ 21 ]


ابن عباس : معناه هادي من فيهما ، فهم بنوره يهتدون ، وإضافته إليهما للدلالة على سعة  إشراقه ، ولاشتمالهم على الانوار الحسية والعقلية ، وقصور الادراكات البشرية عليهما  وعلى المتعلق بهما والمدلول لهما  " مثل نوره " صفة نوره العجيبة الشأن ، وإضافته إلى ضميره سبحانه دليل على أن  إطلاقه عليه لم يكن على ظاهر " كمشكوة " كصفة مشكاة ، وهي الكوة الغير النافذة " فيها  مصباح " سراج ضخم ثاقب . وقيل : المشكاة " الانبوبة في وسط القنديل ، والمصباح : الفتيلة  المشتعلة " المصباح في زجاجة " في قنديل من الزجاج " الزجاجة كأنها كوكب دري " مضيئ  متلالئ كالزهرة في صفائه وزهرته منسوب إلى الدر ، أو فعيل كبريق من الدرء ، فإنه  يدفع الظلام بضوئه ، أو بعض ضوئه بعضا من لمعانه ، إلا أنه قلب همزته ياءا ، ويدل  عليه قراءة حمزة وأبي بكر على الاصل ، وقراءة أبي عمرو والكسائي درئ كشريب ، وقد  قرئ به مقلوبا " يوقد من شجرة مباركة زيتونة " أي ابتداء توقد المصباح من شجرة الزيتون  المتكاثر نفعه بأن رويت زبالتها بزيتها ، وفي إبهام الشجرة ووصفه بالبركة ثم إبدال  الزيتونة عنها تفخيم لشأنها . وقرأ نافع وابن عامر وحفص بالياء والبناء للمفعول من  أوقد ، وحمزة والكسائي وأبوبكر بالتاء كذلك على إسناده إلى الزجاجة بحذف المضاف .  وقرئ توقد بمعنى تتوقد وتوقد بحذف التاء لاجتماع الزيادتين وهو غريب " لا شرقية  ولا غربية " يقع الشمس عليها حينا بعد حين بل بحيث يقع عليها طول النهار كالتي تكون  على قلة أو صحراء واسعة فإن ثمرتها تكون أنضج ، وزيتها أصفى ، أولاثابتة في شرق  المعمورة وغربها بل في وسطها وهو الشام ، فإن زيتونه أجود الزيتون ، أولا في مضحى ( 1 )  تشرق الشمس عليها دائما فتحرقها ومقناة ( 2 ) تغيب عنها دائما فيتركها نيا . وفي الحديث :  لاخير في شجرة ولا في نبات في مقناة ، ولاخير فيها في مضحى " يكاد زيتها يضيئ ولو تمسسه  نار " أي يكاد يضيئ بنفسه من غير نار لتلالوئه وفرط بيضه " نور على نور " متضاعف فإن  نور المصباح زاد في إنارته صفاء الزيت وزهرة القنديل ، وضبط المشكاة لاشعته . 

_______________________________________________
( 1 ) أرض مضحاة : معرضة للشمس أولا يكاد تغيب عنها الشمس .  ( 2 ) المقناة والمقنوة : الموضع الذى لاتطلع عليه الشمس . ( * ) 

[ 22 ]


وقد ذكر في معنى التمثيل وجوه :  الاول : أنه تمثيل للهدى الذي دل عليه الآيات البينات في جلاء مضمونها و  ظهور ما تضمنته من الهدى بالمشكاة المنعوتة . أو تشبيه للهدى من حيث إنه محفوظ من  ظلمات أوهام الناس وخيالاتهم بالمصباح ، وإنما ولى الكاف المشكاة لاشتمالها عليها ،  وتشبيهه به أوفق من تشبيهه بالشمس . أو تمثيل لما نور الله به قلب المؤمن من المعارف  والعلوم بنور المشكاة المثبت فيها من مصباحها ، ويؤيده قراءة ابي مثل نور المؤمن . أو  تمثيل لما منح الله عباده من القوي الدراكة الخمس المترتبة التي بها المعاش والمعاد ،  وهي الحاسة التي تدرك المحسوسات بالحواس الخمس ، والخيالية التي تحفظ صورة  تلك المحسوسات لتعرضها على القوة العقلية متى شاءت ، والعلمية التي تدرك الحقائق  الكلية ، والمفكرة وهي التي تؤلف المعقولات لتستنتج منها علم مالم تعلم ، والقوة  القدسية التي يتجلى فيها لوائح الغيب وأسرار الملكوت المختصة بالانبياء والاولياء  المعنية بقوله تعالى : " ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا " بالاشياء الخمسة  المذكورة في الآية ، وهي المشكاة ، والزجاجة ، والمصباح ، والشجرة ، والزيت ، فإن  الحاسة كالمشكاة لان محلها كالكوة ، ووجهها إلى الظاهر لا يدرك ماوراءها وإضاءتها  بالمعقولات لابالذات ، والخيالية كالزجاجة في قبول صور المدركات من الجوانب وضبطها  للانوار العقلية ، وإنارتها بما يشتمل عليها من المعقولات ، والعاقلة كالمصباح لاضاءتها  بالادراكات الكلية ، والمعارف الالهية ، والمفكرة كالشجرة المباركة لتأديتها إلى ثمرات  لانهاية لها ، والزيتونة المثمرة بالزيت الذي هو مادة المصابيح التي لاتكون شرقية  ولاغربية ، لتجردها عن اللواحق الجسمية ، أو لوقوعها بين الصور والمعاني متصرفة  في القبيلتين ، منتفعة من الجانبين ، والقوة القدسية كالزيت فإنها لصفائها وشدة ذكائها  تكاد زيتها تضيئ بالمعارف من غير تفكر ولا تعليم .  أو تمثيل للقوة العقلية في مراتبها بذلك فإنها في بدء أمرها خالية عن العلوم ،  مستعدة لقبولها كالمشكاة ، ثم ينتقش بالعلوم الضرورية بتوسط إحساس الجزئيات ،  بحيث يتمكن من تحصيل النظريات فتصير كالزجاجة متلالئة في نفسها قابلة للانوار ، 

[ 23 ]


وذلك التمكن إن كان بفكر واجتهاد فكا الشجرة الزيتونة ، وإن كان بالحدس فكالزيت ،  وإن كان بقوة قدسية فكا الذي يكاد زيتها يضيئ لانها تكاد تعلم وإن لم تتصل بملك  الوحي والالهام الذي مثله النار من حيث إن العقول تشتعل عنها ، ثم إذا حصلت  لها العلوم بحيث يتمكن من استحضارها متى شاءت كان كالمصباح ، فإذا استحضرها كان  نورا على نور يهدي الله لنوره الثاقب من يشاء ، فإن الاسباب دون مشيئته لاغية ، إذبها  تمامها " ويضرب الله الامثال للناس " إدناءا للمعقول من المحسوس توضيحا وبيانا " والله  بكل شئ عليم " معقولا كان أو محسوسا ، ظاهرا أو خفيا ، وفيه وعدو وعيد لمن تدبرها  ولمن لم يكترث بها . انتهى .  وقال الطبرسي رحمه الله : اختلف في هذا التشبيه والمشبه به على أقوال : أحدها  أنه مثل ضربه الله لنبيه محمد صلى الله عليه واله فالمشكاة صدره ، والزجاجة قلبه ، والمصباح فيه  النبوة ، لا شرقية ولا غربية أي لا يهودية ولا نصرانية ، يوقد من شجرة مباركة يعني  شجرة النبوة وهي إبراهيم ، يكاد نور محمد يتبين ولو لم يتكلم به كما أن ذلك الزيت يكاد  يضيئ ولو لم تمسسه نار أي تصيبه النار . وقيل : إن المشكاة إبراهيم ، والزجاجة  إسماعيل ، والمصباح محمد ، كما سمي سراجا في موضع آخر ، من شجرة مباركة يعني  إبراهيم لان أكثر الانبياء من صلبه ، لا شرقية ولا غربية : لا نصرانية ولا يهودية ،  لان النصارى تصلي إلى المشرق ، واليهود تصلي إلى المغرب ، يكاد زيتها يضيئ أي  يكاد محاسن محمد تظهر قبل أن يوحى إليه ، نور على نور أي نبي من نسل نبي . وقيل : إن  المشكاة عبدالمطلب ، والزجاجة عبدالله ، والمصباح هو النبي صلى الله عليه واله ، لا شرقية ولا غربية  بل مكية لان مكة وسط الدنيا . وروي عن الرضا عليه السلام أنه قال : نحن المشكاة ، والمصباح  محمد صلى الله عليه واله يهدي الله لولايتنا من أحب .  وثانيها : أنها مثل ضربه الله للمؤمن ، المشكاة نفسه ، والزجاجة صدره ، والمصباح  الايمان ، والقرآن في قلبه ، توقد من شجرة مباركة هي الاخلاص لله وحده لاشريك له ،  فهي خضراء ناعمة كشجرة التفت بها الشجر فلا يصيبها الشمس على أي حال كانت لا إذا  طلعت ولا إذا غربت ، وكذلك المؤمن قد احترز من أن يصيبه شئ من الفتن ، فهو بين أربع 

[ 24 ]


خلال : إن اعطي شكر ، وان ابتلى صبر ، وإن حكم عدل ، وإن قال صدق ، فهو في  سائر الناس كالرجل الحي يمشي بين قبور الاموات ، نور علي نور كلامه نور وعمله نور  ومدخله نور ومخرجه نور ومصيره إلى نور يوم القيامة . عن ابي بن كعب .  وثالثها : أنه مثل القرآن في قلب المؤمن فكما أن هذا المصباح يستضاء به وهو كما  هو لا ينقص فكذلك القرآن يهتدى به ويعمل به ، فالمصباح هو القرآن ، والزجاجة  قلب المؤمن ، والمشكاة لسانه وفمه ، والشجرة المباركة شجرة الوحي ، يكاد زيتها  يضيئ تكاد حجج القرآن تتضح وإن لم يقرأ . وقيل : تكاد حجج الله على خلقه تضيئ  لمن تفكر فيها وتدبرها ولو لم ينزل القرآن ، نور على نور يعني أن القرآن نور مع سائر  الادلة قبله ، فازدادوا به نورا على نور . انتهى كلامه رحمه الله . 

باب 4 :  معنى حجزة الله عزوجل  


1 - يد : ما جيلويه ، عن عمه ، عن البرقي ، عن أبيه ، عن محمد بن سنان ، عن أبي  الجاورد ، ( 1 ) عن محمد بن بشر الهمداني ( 2 ) قال : سمعت محمد بن الحنفية يقول : حدثني  أمير المؤمنين عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه واله يوم القيامة آخذ بحجزة الله ، ونحن آخذون بحجزة  نبينا وشيعتنا آخذون بحجزتنا .  قلت : يا أمير المؤمنين وما الحجزة ؟ قال : الله أعظم من أن يوصف بحجزة أو غير  ذلك ، ولكن رسول الله صلى الله عليه واله آخذ بأمر الله ، ونحن آل محمد آخذون بأمر نبينا ، وشيعتنا  آخذون بأمرنا .  2 - يد ، ن : أبي ، عن سعد ، عن ابن عيسى ، عن الحسن بن علي الخزاز ، عن أبي  الحسن الرضا عليه السلام قال : إن رسول الله صلى الله عليه واله يوم القيامة آخذ بحجزة الله ، ونحن 

_______________________________________________
 ( 1 ) هو زياد بن المنذر الهمدانى الخارقى الاعمى ، زيدي المذهب ، وإليه ينسب الجارودية ،  ضعفه الشيخ والعلامة وغيرهما ، وأورد الكشى في رجاله روايات تدل على ذمه .  ( 2 ) مجهول . ( * ) 

[ 25 ]


آخذون بحجزة نبينا ، وشيعتنا آخذون بحجزتنا . ثم قال : الحجزة : النور . ( 1 )  3 - ن ، يد : الدقاق ، عن الاسدي ، عن البرمكي ، عن علي بن العباس ، ( 2 )  عن الحسن بن يوسف ، ( 3 ) عن عبد السلام ، عن عمار عن أبي اليقظان ، ( 4 ) عن أبي عبدالله  عليه السلام قال : يجيئ رسول اله صلى الله عليه واله يوم القيامة آخذا بحجزة ربه ، ونحن آخذون  بحجزة نبينا ، وشيعتنا آخذون بحجزتنا فنحن وشيعتنا حزب الله وحزب الله هم الغالبون 
............................................................................ 
-بحار الانوار مجلد: 4 من ص 25 سطر 6 الى ص 33 سطر 6  والله ما نزعم أنها حجزة الازار ولكنها أعظم من ذلك ، يجيئ رسول الله صلى الله عليه واله آخذا  بدين الله ، ونجيئ نحن آخذين بدين نبينا ، ويجيئ شيعتنا آخذين بديننا .  4 - وقد روي عن الصادق عليه السلام أنه قال : الصلاة حجزة الله ، وذلك أنها تحجز  المصلي عن المعاصي مادام في صلاته . قال الله عزوجل : " إن الصلوة تنهى عن الفحشاء  والمنكر " .  بيان : الاخذ بالحجزة كناية عن التمسك بالسبب الذي جعلوه في الدنيا بينهم و  بين ربهم ونبيهم وحججهم أي الاخذ بدينهم وطاعتهم ومتابعة أمرهم ، وتلك الاسباب  الحسنة تتمثل في الآخرة بالانوار ، فإذا عرفت ذلك فاعلم أن مضامين تلك الاخبار  ترجع إلى أمر واحد ، فقوله عليه السلام : في الخبر الاول : ولكن رسول الله صلى الله عليه واله آخذ بأمر  الله أي بما عمل به من أوامر الله فيحتج في ذلك اليوم ويتمسك بأنه عمل بما أمره الله به ،  وكذا النور الذي ورد في الخبر الثاني يرجع إلى ذلك ، إذ الاديان والاخلاق والاعمال  الحسنة أنوار معنوية تظهر للناس في القيامة ، والثالث ظاهر قال الجزري : فيه : إن  الرحم أخذت بحجزة الرحمن أي اعتصمت به والتجأت إليه مستجيرة . وأصل الحجزة  موضع شد الازار ، ثم قيل للازار : حجزة للمجاورة ، واحتجز الرجل بالازار : إذا  شده على وسطه ، فاستعاره لللاعتصام والالتجاء والتمسك بالشئ والتعلق به ، ومنه  الحديث الآخر : ياليتني آخذ بحجزة الله أي بسبب منه . 

_______________________________________________
( 1 ) قال الصدوق - رحمه الله - في كتاب العيون : وفى حديث آخر : الحجزة : الدين .  ( 2 ) لعله هو على بن العباس الخزاذينى الرازى الضعيف المرمى بالغلو ، حكى عن جامع الرواء  رواية البرمكى عنه .  ( 3 ) يحتمل كونه الحسن بن على بن يوسف بن بقاح الازدى الثقة ، كما يحتمل كون عبدالسلام الاتى  بعده هو ابن سالم البجلى الثقة ، نقل النجاشى رواية الحسن بن على بن يوسف بن بقاح عنه .  ( 4 ) كذا في النسخ والظاهر ان كلمة " عن " زائدة وهو عمار بن موسى الساباطي أبواليقظان . ( * ) 

[ 26 ]



باب 5 :  نفي الرؤية ،وتاويل الايات فيها  


الايات : النساء " 4 " : يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد  سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم 152  الانعام " 6 " : لاتدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير 103  1 - لى : أحمد بن علي بن إبراهيم بن هاشم ، عن علي بن معبد ، عن واصل ، عن  عبدالله بن سنان ، عن أبيه قال : حضرت أبا جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام ودخل عليه  رجل من الخوارج فقال : يا أبا جعفر أي شئ تعبد ؟ قال الله ، قال : رأيته ؟ قال : لم تره  العيون بمشاهدة العيان ، ورأته القلوب بحقائق الايمان ، لايعرف بالقياس ، ولا يدرك  بالحواس ، ولايشبه بالناس ، موصوف بالآيات ، معروف بالعلامات ، لا يجوز في حكمه  ذلك الله لا إله إلا هو . قال : فخرج الرجل وهو يقول : الله أعلم حيث يجعل رسالته . ( 1 )  يد : أبي ، عن علي ، عن أبيه ، عن علي بن معبد ، عن عبدالله بن سنان ، عن أبيه  مثله  ج : مرسلا عن عبدالله بن سنان ، عن أبيه مثله .  بيان : قوله عليه السلام : بحقائق الايمان أي بالعقائد التي هي حقائق أي عقائد عقلية  ثابتة يقينية لا يتطرق إليها الزوال والتغير ، هي أركان الايمان ، أو بالانوار والآثار  التي حصلت في القلب من الايمان ، أو بالتصديقات والاذعانات التي تحق أن تسمى  إيمانا ، أو المراد بحقائق الايمان ما ينتمي إليه تلك العقائد من البراهين العقلية فإن  الحقيقة ما يصير إليه حق الامر ووجوبه ذكره المطرزي في الغريبين . لايعرف بالقياس  أي بالمقايسة بغيره . وقوله عليه السلام : ولا يشبه بالناس كالتعليل لقوله : لا يدرك بالحواس .  موصوف بالآيات أي إذا اريد أن يذكر ويوصف يوصف بأن له الآيات الصادرة عنه المنتمية  إليه ، أو أنما يوصف بالصفات الكمالية بما يشاهد من آيات قدرته وعظمته ، وينزه 

_______________________________________________
( 1 ) في نسخة : حيث يجعل رسالاته . ( * ) 

[ 27 ]


عن مشابهتها لما يرى من العجز والنقص فيها . معروف بالعلامات أي يعرف وجوده و  صفاته العينية الكمالية بالعلامات الدالة عليه لا بالكنه .  2 - يد ، لى : القطان والدقاق والسناني ، عن ابن زكريا القطان ، عن محمد  ابن العباس ، عن محمد بن أبي السري ، عن أحمد بن عبدالله بن يونس ، عن ابن طريف ،  عن الاصبغ - في حديث - قال : قام إليه رجل يقال له : ذعلب ، فقال : يا أمير المؤمنين  هل رأيت ربك ؟ فقال : ويلك يا ذعلب لم أكن بالذي أعبد ربا لم أره  قال : فكيف رأيته ؟ صفه لنا . قال : ويلك لم تره العيون بمشاهدة الابصار ، ولكن  رأته القلوب بحقائق الايمان . ويلك يا ذعلب إن ربي لايوصف بالبعد ولا بالحركة ولا  بالسكون ولا بالقيام قيام انتصاب ولا بجيئة ولا بذهاب ، لطيف اللطافة لا يوصف باللطف ،  عظيم العظمة لا يوصف بالعظم ، كبير الكبرياء لا يوصف بالكبر ، جليل الجلالة لا يوصف  بالغلظ ، رؤوف الرحمة لا يوصف بالرقة ، مؤمن لا بعبادة ، مدرك لا بمجسة ، قائل لا بلفظ ،  هو في الاشياء على غير ممازجة ، خارج منها على غير مباينة ، فوق كل شئ ولا يقال شئ فوقه ،  أمام كل شئ ولا يقال له أمام ، داخل في الاشياء لاكشئ في شئ داخل ، وخارج منها  لاكشئ من شئ خارج . فخر ذعلب مغشيا عليه . الخبر .  بيان : ذعلب بكسر الذال المعجمة وسكون العين المهملة وكسر اللام كما ضبطه  الشهيد رحمه الله . والابصار بفتح الهمزة ويحتمل كسرها . قوله عليه السلام : لطيف اللطافة  أي لطافته لطيفة عن أن تدرك بالعقول والافهام ، ولا يوصف باللطف المدرك لعباده في  دقائق الاشياء ولطائفها ، وعظمته أعظم من أن يحيط به الاذهان ، وهو لا يوصف بالعظم  الذي يدركه مدارك الخلق من عظائم الاشياء وجلائلها ، وكبر ياؤه أكبر من أن يوصف  ويعبر عنه بالعبادة والبيان ، وهو لا يوصف بالكبر الذي يتصف به خلقه ، وجلالته  أجل من أن يصل إليه أفهام الخلق ، وهو لا يوصف بالغلظ كما يوصف الجلائل من الخلق به  والمراد بالغلظ إما الغلظ في الخلق أو الخشونة في الخلق . قوله عليه السلام : لا يوصف بالرقة  أي رقة القلب لانه من صفات الخلق بل المراد فيه تعالى غايته . قوله عليه السلام : مؤمن لا  بعبادة أي يؤمن عباده من عذابه ، من غير أن يستحقوا ذلك بعبادة ، أو يطلق عليه المؤمن 

[ 28 ]


لاكما يطلق بمعنى الايمان والاذعان والتعبد . قوله عليه السلام : لا بلفظ أي من غير تلفظ  بلسان أو من غير احتياج إلى إظهار لفظ بل يلقي في قلوب من يشاء من خلقه ما يشاء .  3 - لي : علي بن أحمد بن موسى ، عن الصوفي ، عن الروياني ، عن عبدالعظيم  الحسني ، عن إبراهيم بن أبي محمود قال : قال علي بن موسى الرضا عليه السلام في قول الله عز  وجل : " وجوه يومئذ ناضرة إلي ربها ناظرة " قال : يعني مشرقة تنتظر ثواب ربها .  يد ، ن : الدقاق ، عن الصوفي مثله .  ج : مرسلا مثله .  بيان : اعلم أن للفرقة المحقة في الجواب عن الاستدلال بتلك الآية على جواز  الرؤية وجوها :  الاول : ما ذكره عليه السلام في هذا الخبر من أن المراد بالناظرة المنتظرة كقوله  تعالى : " فناظرة بم يرجع المرسلون " روي ذلك عن مجاهد ، والحسن ، وسعيد بن جبير  والضحاك ، وهو المروي عن علي عليه السلام . ( 1 ) واعترض عليه بأن النظر بمعنى الانتظار لا  يتعدى بإلي . واجيب بأن تعديته بهذا المعنى بإلى كثيرة ، كما قال الشاعر :  إني إليك لما وعدت لناظر * * نظر الفقير إلى الغني الموسر  وقال آخر :  ويوم بذي قار رأيت وجوههم * * إلي الموت من وقع السيوف نواظر  والشواهد عليه كثيرة مذكورة في مظانه ، ويحكى عن الخليل أنه قال : يقال :  * نظرت إلي فلان بمعنى انتظرته . وعن ابن عباس أنه قال : العرب تقول : إنما  أنظر إلي الله ثم إلي فلان ، وهذا يعم الاعمي والبصير ، فيقولون : عيني شاخصة إلى فلان  وطامحة إليك ، ونظري إلي الله وإليك . وقال الرازي : وتحقيق الكلام فيه أن قولهم  في الانتظار : " نظرته " بغير صلة فإنما ذلك في الانتظار لمجيئ الانسان بنفسه ، فأما إذا  كان منتظرا لرفده ومعونته فقد يقال فيه : نظرت إليه انتهى . واجيب أيضا بأنا لا  نسلم أن لفظة إلي صلة للنظر ، بل هو واحد الآلاء ، ومفعول به للنظر بمعنى الانتظار ،  ومنه قول الشاعر : 

_______________________________________________
 ( 1 ) سيجيئ هذا المعني عن أمير المؤمنين عليه السلام تحت رقم 9 . ( * ) 

[ 29 ]


أبيض لا يرهب الهزال ولا * * يقطع رحما ولا يخون إلى  أي لا يخون نعمة .  الثانى : أن يكون فيه حذف مضاف أي إلى ثواب ربها أي هي ناظرة إلى نعيم  الجنة حالا بعد حال فيزداد بذلك سرورها ، وذكر الوجوه والمراد به أصحاب الوجوه .  روي ذلك عن جماعة من علماء المفسرين من الصحابة والتابعين وغيرهم .  الثالث : أن يكون إلى بمعنى عند وهو معنى معروف عند النحاة وله شواهد ،  كقول الشاعر :  فهل لكم فيما إلي فإنني * * طبيب بما أعيى النطاسي حذيما ( 1 )  أي فيما عندي ، وعلى هذا يحتمل تعلق الظرف بناضرة وبناظرة . والاول أظهر .  الرابع : أن يكون النظر إلى الرب كناية عن حصول غاية المعرفة بكشف العلائق  الجسمانية فكأنها ناظرة إليه تعالى كقوله صلى الله عليه واله : ا عبدالله كأنك تراه .  4 - لى : المكتب ، عن محمد الاسدي ، عن ابن بزيع ، عن الرضا عليه السلام في قول الله  عزوجل : " لاتدركه الابصار وهو يدرك الابصار " قال : لاتدركه أوهام القلوب فكيف  تدركه أبصار العيون ؟ .  بيان : هذه الآية إحدى الدلالات التي استدل بها النافون للرؤية وقرروها  بوجهين : أحدهما أن إدراك البصر عبارة شائعة في الادراك بالبصر إسنادا للفعل إلى  الآلة ، والادراك بالبصر هو الرؤية بمعني اتحاد المفهومين أو تلازمهما ، والجمع المعرف  باللام عند عدم قرينة العهدية والبعضية للعموم والاستغراق بإجماع أهل العربية و  الاصول وائمة التفسير ، وبشهادة استعمال الفصحاء ، وصحة الاستثناء ، فالله سبحانه  قد أخبر بأنه لايراه أحد في المستقبل ، فلورآه المؤمنون في الجنة لزم كذبه تعالى وهو  محال .  واعترض عليه بأن اللام في الجمع لو كان للعموم والاستغراق كما ذكرتم كان قوله :  تدركه الابصار موجبة كلية ، وقد دخل عليها النفي ، فرفعها هو رفع الايجاب الكلي ، 

_______________________________________________
( 1 ) النطاسى : الطبيب الحاذق ، العالم . والحذيم بالكسر فالسكون فالفتح من السيوف : القاطع . ( * ) 

[ 30 ]


ورفع الايجاب الكلي سلب جزئي ، ولو لم يكن للعموم كان قوله : لا تدركه الابصار  سالبة مهملة في قوة الجزئية ، فكان المعني لاتدركه بعض الابصار ، ونحن نقول بموجبة  حيث لا يراه الكافرون ، ولو سلم فلا نسلم عمومه في الاحوال والاوقات فيحمل على نفي  الرؤية في الدنيا جمعا بين الادلة .  والجواب أنه قد تقرر في موضعه أن الجمع المحلى باللام عام نفيا وإثباتا في  المنفي والمثبت كقوله تعالى : " وما الله يريد ظلما للعباد " و " ما علي المحسنين من سبيل " حتى  أنه لم يرد في سياق النفي في شئ من الكتاب الكريم إلا بمعنى عموم النفى ، ولم يرد لنفي  العموم أصلا ، نعم قد اختلف في النفي الداخل علي لفظة كل لكنه في القرآن المجيد أيضا  بالمعنى الذي ذكرنا كقوله تعالي : " والله لا يحب كل مختال فخور " إلي غير ذلك ، وقد  اعترف بما ذكرنا في شرح المقاصد وبالغ فيه ، وأما منع عموم الاحوال والاوقات فلا يخفى  فساده فإن النفي المطلق الغير المقيد لاوجه لتخصيصه ببعض الاوقات إذ لاترجيح لبعضها  على بعض ، وهو أحد الادلة على العموم عند علماء الاصول ، وأيضا صحة الاستثناء  دليل عليه ، وهل يمنع أحد صحة قولنا : ما كلمت زيدا إلا يوم الجمعة ، ولا اكلمه إلا  يوم العيد ؟ وقال تعالى : " ولا تعضلوهن " إلى قوله : " إلا أن يأتين " وقال : " ولا تخرجوهن "  إلي قوله " إلا أن يأتين " وأيضا كل نفي ورد في القرآن بالنسبة إلى ذاته تعالى فهو للتأبيد  وعموم الاوقات لاسيما فيما قبل هذه الآية ، وأيضا عدم إدراك الابصار جميعا لشئ  لا يختص بشئ من الموجودات خصوصا مع اعتبار شمول الاحوال والاوقات فلا  يختص به تعالى فتعين أن يكون التمدح بعدم إدراك شئ من الابصار له في شئ من  الاوقات .  وثانيهما : أنه تعالى تمدح بكونه لايرى فإنه ذكره في أثناء المدائح ، وما كان  من الصفات عدمه مدحا كان وجوده نقصا يجب تنزيه الله تعالى عنه ، وإنما قلنا من الصفات  احترازا عن الافعال كالعفو والانتقام فإن الاول تفضل ، والثاني عدل ، وكلاهما  كمال .