[131]


وأية استحالة في هذا المحو والاثبات حتى يحتاج إلى التأويل والتكلف وإن لم تظهر  الحكمة فيه لنا لعجز عقولنا عن الاحاطة بها مع أن الحكم فيه ظاهرة : ( 1 )  منها أن يظهر للملائكة الكاتبين في اللوح والمطلعين عليه لطفه تعالى بعباده و  إيصالهم في الدنيا إلى ما يستحقونه فيزدادوا به معرفة .  ومنها أن يعلم بإخبار الرسل والحجج عليهم الصلاة والسلام أن لاعمالهم الحسنة  مثل هذه التأثيرات في صلاح امورهم ، ولاعمالهم السيئة تأثيرا في فسادها فيكون داعيا  لهم إلى الخيرات صارفا لهم عن السيئات فظهر أن لهذا اللوح تقدما على اللوح المحفوظ  من جهة لصيرورته سببا لحصول بعض الاعمال فبذلك انتقش في اللوح المحفوظ حصوله  فلا يتوهم أنه بعد ما كتب في هذا اللوح حصوله لافائدة في المحو والاثبات .  ومنها أنه إذا أخبر الانبياء والاوصياء أحيانا من كتاب المحو والاثبات ثم أخبروا  بخلافه يلزمهم الاذعان به ، ويكون ذلك تشديدا للتكليف عليهم ، تسبيبا لمزيد الاجر  لهم كما في سائر ما يبتلي الله عباده منه من التكاليف الشاقة وإيراد الامور التي تعجز  أكثر العقول عن الاحاطة بها ، وبها يمتاز المسلمون الذين فازوا بدرجات اليقين عن الضعفاء  الذين ليس لهم قدم راسخ في الدين .  ومنها أن يكون هذه الاخبار تسلية من المؤمنين المنتظرين لفرج أولياء الله وغلبة  الحق وأهله كما روى في قصة نوح على نبينا وآله وعليه السلام حين أخبر بهلاك القوم ثم  أخر ذلك مرارا ، وكما روي في فرج أهل البيت عليهم السلام وغلبتهم ، لانهم عليهم السلام لو كانوا  أخبر والشيعة في أول إبتلائهم باستيلاء المخالفين وشدة محنتهم أنه ليس فرجهم إلا بعد  ألف سنة ليئسوا ورجعوا عن الدين . ولكنهم أخبروا شيعتهم بتعجيل الفرج ، وربما  أخبروهم بانه يمكن أن يحصل الفرج في بعض الازمنة القريبة ليثبتوا على الدين ويثابوا  بانتظار الفرج كما مر في خبر أمير المؤمنين صلوات الله عليه . 

_______________________________________________
( 1 ) ان كنا بحثنا عن اللوح من جهة العقل فالبرهان يثبت في الوجود أمرا نسبته إلى الحوادث  الكونية نسبة الكتاب إلى ما فيه من المكتوب ، ومن البديهى أن لوحا جسمانيا لايسع كتابة ما  يستقبل نفسه وأجزاؤه من الحالات والقصص في أزمنة غير متناهية وان كبر ما كبر فضلا عن شرح حال  كل شئ في الابد الغير المتناهى ، وان كنا بحثنا من جهة النقل فالاخبار نفسها تؤول اللوح والقلم إلى  ملكين من ملائكة الله كما سيجيئ في المجلد الرابع عشر من هذا الكتاب ، وعلى أي حال فلاوجه لما  ذكره رحمه الله . ط ( * ) 

[132]


وروى الكليني عن محمد بن يحيى ، وأحمد بن إدريس ، عن محمد بن أحمد ، عن السياري  عن الحسن بن علي بن يقطين ، عن أخيه الحسين ، عن أبيه علي بن يقطين قال : قال لي  أبوالحسن عليه السلام : الشيعة تربى بالاماني منذ مائتي سنة ، قال : وقال يقطين لابنه علي بن  يقطين : ما بالنا قيل لنا فكان ، وقيل لكم فلم يكن ؟ قال : فقال له : علي : إن الذي قيل  لنا ولكم كان من مخرج واحد غير أن أمر كم حضر فاعطيتم محضة فكان كما قيل لكم ،  وأن أمرنا لم يحضر فعللنا بالاماني ، فلوقيل لنا : إن هذا الامر لا يكون إلا إلى مائتي  سنة أو ثلاث مائة سنة لقست القلوب ، ولرجع عامة الناس عن الاسلام ، ولكن قالوا :  ما أسرعه وما أقربه تأليفا لقلوب الناس وتقريبا للفرج . وقوله : قيل لنا أي في خلافة  العباسية - وكان من شيعتهم - أوفي دولة آل يقطين . وقيل لكم أي في أمر القائم وظهور  فرج الشيعة .  وروى أيضا عن الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن الحسن بن علي الخزاز ،  عن عبدالكريم بن عمر والخثعمي ، عن الفضيل بن يسار ، عن أبي جعفر عليه السلام قال قلت :  لهذا الامر وقت ؟ فقال : كذب الوقاتون ، كذب الوقاتون ، كذب الوقاتون ، إن موسى  - على نبينا وآله وعليه السلام - لما خرج وافدا إلى ربه واعدهم ثلاثين يوما فلما زاد الله  إلى الثلاثين عشرا قال قومه : قد أخلفنا موسى فصنعوا ما صنعوا ، فإذا حدثنا كم الحديث  فجاء على ما حدثنا كم فقولوا : صدق الله ، وإذا حدثنا كم الحديث فجاء على خلاف ما  حدثنا كم به فقولوا : صدق الله تؤجروا مرتين .  وسيأتي كثير من الاخبار في ذلك في كتاب النبوة لاسيما في أصواب قصص نوح و  موسى وشعيا على نبينا وآله وعليهم السلام ، وسيأتي أيضا في كتاب الغيبة ، فأخبارهم عليهم السلام  بما يظهر خلافه ظاهرا من قبيل المجملات والمتشابهات التي تصدر عنهم بمقتضى الحكم  ثم يصدر عنهم بعد ذلك تفسيرها وبيانها ، وقولهم : يقع الامر الفلاني في وقت كذا معناه  إن كان كذا ، أو إن لم يقع الامر الفلاني الذي ينافيه ، وإن لم يذكروا الشرط كما قالوا  في النسخ قبل الفعل ، وقد أوضحناه في باب ذبح إسماعيل على نبينا وآله وعليه السلام ،  فمعني قولهم عليهم السلام : ما عبدالله بمثل البداء : أن الايمان بالبداء من أعظم العبادات القلبية 

[133]


لصعوبته ومعارضته الوساوس الشيطانية فيه ، ولكونه إقرارا بأن له الخلق والامر ،  وهذا كمال التوحيد ، أو المعنى أنه من أعظم الاسباب والدواعي لعبادة الرب تعالى كما  عرفت . وكذا قولهم عليهم السلام : ما عظم الله بمثل البداء يحتمل الوجهين وإن كان الاول فيه  أظهر . وأما قول الصادق عليه السلام : لو علم الناس ما في القول بالبداء من الاجر مافتروا عن  الكلام فيه فلما مر أيضا من أن أكثر مصالح العباد موقوفة على القول بالبداء إذلو اعتقدوا  أن كل ما قدر في الازل فلابد من وقوعه حتما لما دعوا الله في شئ من مطالبهم ، وما  تضرعوا إليه ، وما استكانوا لديه ، ولاخافوا منه ولارجعوا إليه ، ( 1 ) إلى غير ذلك مما  قد أو مأنا إليه . وأما أن هذه الامور من جملة الاسباب المقدرة في الازل أن يقع الامر  بها لابدونها فمما لايصل إليه عقول أكثر الخلق فظهر أن هذا اللوح وعلمهم بما يقع فيه  من المحو والاثبات أصلح لهم من كل شئ .  بقي ههنا إشكال آخر وهو أنه يظهر من كثير من الاخبار المتقدمة أن البداء لايقع  فيما يصل علمه إلى الانبياء والائمة عليهم الصلاة والسلام ، ويظهر من كثير منها وقوع  البداء فيما وصل إليهم أيضا ، ويمكن الجمع بينها بوجوه :  الاول : أن يكون المراد بالاخبار الاولة عدم وقوع البداء فيما وصل إليهم على  سبيل التبليغ بأن يؤمروا بتبليغه ليكون إخبارهم بها من قبل أنفسهم لا على وجه  التبليغ .  الثانى : أن يكون المراد بالاولة الوحي ويكون وما يخبرون به من جهة الالهام  واطلاع نفوسهم على الصحف السماوية ، وهذا قريب من الاول .  الثالث : أن تكون الاولة محمولة على الغالب فلا ينافي ما وقع على سبيل  الندرة .  الرابع : ما أشار إليه الشيخ قدس الله روحه من أن المراد بالاخبار الاولة عدم  وصول الخبر إليهم وأخبارهم على سبيل الحتم فيكون أخبارهم على قسمين : أحدهما ما  اوحي إليهم أنه من الامور المحتومة فهم يخبرون كذلك ولابداء فيه وثانيهما ما يوحي 

_______________________________________________
( 1 ) وفى نسخة : ولارجوا إليه . ( * ) 

[134]


إليهم لا على هذا الوجه فهم يخبرون كذلك ، وربما أشعروا أيضا باحتمال وقوع  البداء فيه كما قال أمير المؤمنين عليه السلام بعد الاخبار بالسبعين : ويمحو الله ما يشاء وهذا وجه  قريب .  الخامس : أن يكون المراد بالاخبار الاولة أنهم لا يخبرون بشئ لا يظهر وجه  الحكمة فيه على الخلق لئلا يوجب تكذيبهم ، بل لو أخبروا بشئ من ذلك يظهر وجه  الصدق فيما أخبروا به ، كخبر عيسى على نبينا وآله وعليه السلام ، والنبي صلى الله عليه وآله حيث  ظهرت الحية دالة على صدق مقالهما . وسيأتي بعض القول في ذلك في باب ليلة القدر ،  وسيأتي بعض أخبار البداء في باب القضاء ، وإيفاء حق الكلام في هذه المسألة يقتضي رسالة  مفردة والله الموفق . 

باب 4 :  القدرة والارادة  


الايات ، البقرة " 2 " قال أعلم أن الله على كل شئ قدير 259  آل عمران " 3 " والله على كل شئ قدير 29 و 189 " وقال " : إن الله على كل شئ  قدير 165  النساء " 4 " إن الله كان عزيزا حكيما 56 " وقال تعالى " : إن يشأيذهبكم أيها الناس  ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا 133 " وقال تعالى " : فإن الله كان عفوا قديرا 149  المائدة " 5 " إن الله يحكم ما يريد 1  التوبة " 9 " فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحيوة  الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون 55  هود " 11 " وهو على كل شئ قدير 4  ابراهيم " 14 " ألم تر أن الله خلق السموات والارض بالحق أن يشأ يذهبكم و  يأت بخلق جديد * وما ذلك على الله بعزيز 19 - 20 

[135]


النحل " 16 " إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون 40  الكهف " 18 " وكان الله على كل شئ مقتدرا 45  الحج " 22 " إن الله يفعل ما يريد 14 " وقال تعالى " : وأن الله يهدي من يريد 16  النور " 24 " يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شئ قدير 45  الاحزاب " 33 " قل من ذاالذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أرادبكم  رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا 17 " وقال تعالى " : وكان الله قويا عزيزا 25  " وقال تعالى " : وكان الله على كل شئ قديرا 27  فاطر " 35 " إن يشأيذهبكم ويأت بخلق جديد * وما ذلك على الله بعزيز 16 - 17  " وقال تعالى " : وما كان الله ليعجزه من شئ في السموات ولافي الارض إنه كان عليما  قديرا 44  يس " 36 " أو ليس الذي خلق السموات والارض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى  وهو الخلاق العليم * إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون 81 - 82  الفتح " 48 " واخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شئ قديرا : 2  القمر " 54 " وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر 50  المعارج " 70 " إنا خلقناهم مما يعلمون * فلا اقسم برب المشارق والمغارب  إنا لقادرون * على أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين 39 - 41  الجن " 72 " وأنا طننا أن لن نعجز الله في الارض ولن نعجزه هربا 12 ( 1 )  1 - يد ، لى : ابن مسرور ، عن ابن عامر ، عن عمه ، عن ابن محبوب ، عن مقاتل بن  سليمان ، ( 2 ) عن أبي عبدالله عليه السلام قال : لما صعد موسى على نبينا وآله وعليه السلام إلى 

_______________________________________________
( 1 ) الايات في ذلك كثيرة جدا .  ( 2 ) أورده الشيخ في رجاله في أصحاب الباقر والصادق عليهما السلام وقال : تبرى وقال الكشى  في ص 247 من رجاله : مقاتل بن سليمان البجلى وقيل : البلخى ، تبرى . انتهى أقول : هو مقاتل  ابن سليمان بن بشر الازدى الخراسانى ، أبوالحسن البلخى المفسر ويقال له : ابن دوال دوز ، كان  من أهل بلخ ، تحول إلى مرو وخرج إلى العراق ومات بها ، أورده ابن حجر في تقريبه ص 505  وقال : كذبوه وحجروه ورمى بالتجسيم ، من السابعة ، ومات سنة خمسين ومائة . والخطيب في تاريخ  بغداد ج 13 ص 160 - 169 وفصل في ترجمته وبيان ما قيل في حقه من الرمى بالكذب ووضع الحديث  وغيرهما . ( * ) 

[136]


الطور فناجى ربه عزوجل ، قال يا رب أرني خزائنك قال : يا موسى إنما خزائني إذا  أردت شيئا أن أقول له كن فيكون .  2 - ل : ما جيلويه ، عن محمد العطار ، عن الاشعري ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن  معروف ، عن ابن مهزيار ، عن حكم بن بهلول ، عن إسماعيل بن همام ، عن ابن اذينة ،  عن أبان بن أبي عياش ، عن سليم بن قيس الهلالي قال : سمعت عليا عليه السلام يقول لابي الطفيل  عامر بن واثلة الكنانى : يا أبا الطفيل العلم علمان : علم لا يسع الناس إلا النظر فيه وهو  صبغة الاسلام ، وعلم يسمع الناس ترك النظر فيه وهو قدرة الله عزوجل .  بيان : صبغة الاسلام هي العلوم التي يوجب العلم بها الدخول في دين الاسلام  والتلون بلونه من توحيد الواجب تعالى ، وتنزيهه عن النقائص وسائر ما يعد من اصول  المذهب . وأما قوله : وهو قدرة الله تعالى فلعل المراد بها التفكر في قضاء الله وقدره كما  نهي في أخبار اخر عن التفكر فيها ، ويحتمل أن يكون المراد التفكر في كيفية القدرة ،  ويشكل بأن التفكر في كيفية سائر الصفات منهي عنه فلا يختص بالقدرة .  3 - ن : السناني ، عن محمد الاسدي ، عن البرمكي ، عن الحسين بن الحسن ، عن  محمد بن عيسى ، عن محمد بن عرفة قال : قلت للرضا عليه السلام : خلق الله الاشياء بالقدرة  أم بغير القدرة ؟ فقال عليه السلام : لا يجوز أن يكون خلق الاشياء بالقدرة لانك إذا قلت :  خلق الاشياء بالقدرة فكأنك قد جعلت القدرة شيئا غيره ، وجعلتها آلة له بها خلق  الاشياء وهذا شرك ، وإذا قلت : خلق الاشياء بقدرة ( 1 ) فإنما تصفه أنه جعلها باقتدار  عليها وقدرة ، ( 2 ) ولكن ليس هو بضعيف ولا عاجز ولا محتاج إلى غيره بل هو سبحانه قادر  لذاته لابالقدرة .  يد : الدقاق ، عن أبي القاسم العلوي ، عن البرمكي مثله إلى قوله : إلى غيره .  ثم قال الصدوق رحمه الله : إذا قلنا : إن الله لم يزل قادرا فإنما نريد بذلك نفى العجز  عنه ، ولا نريد إثبات شئ معه لانه عزوجل لم يزل واحدا لا شئ معه . 

_______________________________________________
( 1 ) وفى نسخة : وإذا قلت : خلق الاشياء بغير قدرة .  ( 2 ) في العيون المطبوع : فانما تصفه بالاقتدار عليها ولا قدرة . ( * ) 

[137]


4 - يد ، ن : ابن إدريس ، عن أبيه ، عن محمد بن عبدالجبار ، عن صفوان بن يحيى  قال : قلت لابي الحسن عليه السلام : أخبرني عن الارادة من الله عزوجل ومن الخلق ( 1 ) فقال :  الارادة من المخلوق الضمير وما يبدوله بعد ذلك من الفعل ، وأما من الله عزوجل  فإرادته إحداثه لاغير ذلك لانه لا يروي ( 2 ) ولايهم ولا يتفكر ، وهذه الصفات منفية عنه ، و  هي من صفات الخلق فإرادة الله هي الفعل لاغير ذلك ، يقول له : كن فيكون بلالفظ ولا  نطق بلسان ولاهمة ولا تفكر ، ولا كيف لذلك كما أنه بلا كيف .  ما : المفيد ، عن ابن قولويه ، عن الكليني ، عن أحمد بن إدريس مثله .  بيان : اعلم أن إرادة الله تعالى كما ذهب إليه أكثر متكلمي الامامية هي العلم  بالخير والنفع وما هو الاصلح ، ولا يثبتون فيه تعالى وراء العلم شيئا ، ( 3 ) ولعل المراد  بهذا الخبر وأمثاله من الاخبار الدالة على حدوث الارادة هو أنه يكون في الانسان  قبل حدوث الفعل اعتقاد النفع فيه ، ثم الروية ، ثم الهمة ، ثم انبعاث الشوق منه ، ثم  تأكده إلى أن يصير إجماعا باعثا على الفعل ، وذلك كله إرادة فينا متوسطة بين ذاتنا وبين  الفعل ، وليس فيه تعالى بعد العلم القديم بالمصلحة من الامور المقارنة للفعل سوى  الاحداث والايجاد ، فالاحداث في الوقت الذي تقتضي المصلحة صدور الفعل فيه قائم  مقام ما يحدث من الامور في غيره تعالى ، فالمعنى أنه ذاته تعالى بصفاته الذاتية  الكمالية كافية في حدوث الحادث ، من غير حاجة إلى حدوث أمر في ذاته عند حدوث  الفعل .  قال بعض المحققين في شرح هذا الخبر : الظاهر أن المراد بالارادة مخصص أحد 
............................................................................ 
-بحار الانوار مجلد: 4 من ص 137 سطر 19 الى ص 145 سطر 18  الطرفين وما به يرجح القادر أحد مقدوريه على الآخر لاما يطلق في مقابل الكراهة ، كما  يقال : يريد الصلاح والطاعة ، ويكره الفساد والمعصية . وحاصل الجواب أن الارادة من 

_______________________________________________
( 1 ) وفى نسخة : ومن المخلوق .  ( 2 ) روى في الامر : نظر فيه وتفكر ، هم بالشئ ، أراده وأحبه ، عزم عليه وقصده .  ( 3 ) هذاالذى ذكروه تصوير للارادة الذاتية التى هى عين الذات - ان صح تصويرهم - وأما الارادة  التى في الاخبار فهى الارادة التى هى من الصفات الفعلية كالرزق والخلق وهى نفس الموجود الخارجى  من زيد وعمرو والارض والسماء كما ذكره شيخنا المفيد رحمه الله . ط ( * ) 

[138]


الخلق الضمير أي أمر يدخل خواطرهم وأذهانهم ويوجد في نفوسهم ويحل فيها بعد ما  لم يكن فيها وكانت هي خالية عنه .  وقوله : وما يبدولهم بعد ذلك من الفعل يحتمل أن يكون جملة معطوفة على  الجملة السابقة والظرف خبرا للموصول ، ويحتمل أن يكون الموصول معطوفا على  قوله : " الضمير " ويكون قوله : " من الفعل " بيانا للموصول ، والمعنى على الاول أن  الارادة من الخلق الضمير ، والذي يكون لهم بعد ذلك من الفعل لامن إرادتهم ، وعلى  الثاني أن إرادتهم مجموع ضمير يحصل في قلبهم ، وما يكون لهم من الفعل المترتب عليه ،  فالمقصود هنا من الفعل ما يشمل الشوق إلى المراد وما يتبعه من التحريك إليه والحركة ،  وأما الارادة من الله فيستحيل أن يكون كذلك ، فإنه يتعالى أن يقبل شيئا زائدا على  ذاته بل إرادته المرجحة للمراد من مراتب الاحداث لاغير ذلك إذ ليس في الغائب إلا ذاته  الاحدية ولا يتصور هناك كثرة المعاني ولاله بعد ذاته وما لذاته بذاته إلا ما ينسب إلى  الفعل فإرادة الله سبحانه من مراتب الفعل المنسوب إليه لاغير ذلك .  أقول : ويحتمل على الاحتمال الاول أن يكون المراد بالضمير تصور الفعل ،  وبما يبدولهم بعد ذلك اعتقاد النفع والشوق وغير ذلك ، فقوله : " من الفعل " أي من أسباب  الفعل ، وقوله عليه السلام : " ولا كيف لذلك " أي لا صفة حقيقية لقوله ذلك وإرادته كما  أنه لا كيف لذاته ولايعرف كيفية إرادته على الحقيقة كما لا يعرف كيفية ذاته وصفاته  بالكنه .  وقال الشيخ المفيد قدس الله روحه : إن الارادة من الله جل اسمه نفس الفعل ، و  من الخلق الضمير وأشباهه مما لا يجوز إلا على ذوي الحاجة والنقص ، وذلك لان العقول  شاهدة بأن القصد لايكون إلا بقلب كما لاتكون الشهوة والمحبة إلا لذي قلب ، ولا  تصح النية والضمير والعزم إلا على ذي خاطر يضطر معها في الفعل الذي يغلب عليه إلى  الارادة له والنية فيه والعزم ، ولما كان الله تعالى يجل عن الحاجات ويستحيل عليه  الوصف بالجوارح والادوات ولا يجوز عليه الدواعي والخطرات بطل أن يكون محتاجا  في الافعال إلى القصود والعزمات ، وثبت أن وصفه بالارادة مخالف في معناه لوصف 

[139]


العباد ، وأنها نفس فعله الاشياء ، وبذلك جاء الخبر عن أئمة الهدى . ثم أورد هذه  الرواية .  ثم قال : هذا نص على اختياري في الارادة ، وفيه نص على مذهب لي آخر ، وهو  أن إرادة العبد تكون قبل فعله ، وإلى هذا ذهب البلخي ، والقول في تقدم الارادة للمراد  كالقول في تقدم القدرة للفعل ، وقوله عليه السلام : " إن الارادة من الخلق الضمير وما يبدولهم  بعد الفعل " صريح في وجوب تقدمها للفعل إذ كان الفعل يبدو من العبد بعدها ، ولو كان  الامر فيها على مذهب الجبائي لكان الفعل بادئا في حالها ولم يتأخر بدوه إلى الحال  التي هي بعد حالها .  5 - يد : في خبر الفتح بن يزيد ، عن أبي الحسن عليه السلام قال : إن لله إرادتين و  مشيئتين : إرادة حتم ، ( 1 ) وإرادة عزم ، ( 2 ) ينهي وهو يشاء ، ويأمر وهو لايشاء ، أو ما رأيت  الله نهى آدم وزوجته أن يأكلا من الشجرة وهو شاء ذلك إذ لولم يشأ لم يأكلا ، ولو  أكلا لغلبت مشيئتهما مشيئة الله ، وأمر إبراهيم بذبح ابنه وشاء أن لايذبحه ، ولو لم يشأ  أن لا يذبحه لغلبت مشيئة إبراهيم مشيئة الله عزوجل . والخبر بإسناده أوردناه في باب  جوامع التوحيد .  بيان : قوله عليه السلام : وهو شاء ذلك ، قيل : أي علم ذلك ، ( 3 ) والاظهر أن يقال :  إنه لما لم يصرفهما عن إرادتهما وكلهما إلى اختيارهما للمصالح العظيمة فكأنه شاء 

_______________________________________________
( 1 ) ولا يتخلف المراد عنها كما هو شأن إرادته بالنسبة إلى أفعال نفسه .  ( 2 ) يمكن تخلف المراد عنها كما هو شأن إرادته تعالى بالنسبة إلى أفعال العباد .  ( 3 ) ويؤيد ذلك ما حكى عن الفقه الرضوى من أنه قال عليه السلام : قد شاء الله من عباده المعصية  وما أراد ، وشاء الطاعة وأراد منهم لان المشيئة مشيئة الامر ومشيئة العلم ، وإرادته إرادة الرضا و  إرادة الامر ، أمر بالطاعة ورضى بها ، وشاء المعصية - يعنى علم من عباده المعصية - ولم يأمرهم بها . الخبر .  وقال الصدوق - بعد إيراد هذا الخبر - : إن الله تبارك و تعالى نهى آدم وزوجته عن أن ياكلا من الشجرة وقد  علم أنهما يأكلان منها ، لكنه عزوجل شاء أن لا يحول بينهما وبين الاكل منها بالجبر والقدرة ، كما  منعهما من الاكل منهما بالنهى والزجر ، فهذا معنى مشيئته فيهما ، ولو شاء عزوجل منعهما من الاكل * ( * ) 

[140]


ذلك ( 1 ) وسيأتي القول في ذلك في كتاب العدل إن شاء الله .  6 - يد : الفامي ، عن محمد الحميري ، عن أبيه ، عن ابن عيسى ، عن أبيه ، عن ابن  أبي عمير ، عن غير واحد ، عن أبى عبدالله عليه السلام قال : إن من شبه الله بخلقه فهو مشرك ، ومن  أنكر قدرته فهو كافر .  7 - يد : ابن المتوكل ، عن علي بن إبراهيم ، عن محمد بن أبي إسحاق ، عن عدة  من أصحابنا أن عبدالله الديصاني أتى هشام بن الحكم فقال له : ألك رب ؟ فقال : بلى ،  قال : قادر ؟ قال : نعم قادر قاهر ، قال : يقدر أن يدخل الدنيا كلها في البيضة لاتكبر  البيضة ولا تصغر الدنيا ؟ فقال هشام : النظرة فقال له : قد أنظرتك حولا ، ثم خرج عنه  فركب هشام إلى أبى عبدالله عليه السلام فاستأذن عليه فاذن له فقال : يا ابن رسول الله أتاني  عبدالله الديصاني بمسألة ليس المعول فيها إلا على الله وعليك . فقال له أبو عبدالله عليه السلام :  عماذا سألك ؟ فقال : قال لي : كيت وكيت فقال أبو عبدالله عليه السلام : يا هشام كم حواسك ؟  قال : خمس . فقال : أيها أصغر ؟ فقال : الناظر قال : وكم قدر الناظر ؟ قال : مثل العدسة  أو أقل . منها فقال : يا هشام فانظر أمامك وفوقك وأخبرني بما ترى فقال : أرى سماءا  وأرضا ودورا وقصورا وترابا وجبالا وأنهارا . فقال له أبو عبدالله عليه السلام : إن الذي قدر  أن يدخل الذي تراه العدسة أو أقل منها قادر أن يدخل الدنيا كلها البيضة لا تصغر الدنيا  ولا تكبر البيضة ، فانكب هشام عليه وقبل يديه ورأسه ورجليه وقال : حسبي يا ابن  رسول الله فانصرف إلى منزله ، وغدا عليه الديصاني ( 2 ) فقال له : يا هشام إني جئتك مسلما ، 

_______________________________________________
* بالجبر ثم أكلا منها لكانت مشيئتهما قد غلبت مشيئته كما قال الامام عليه السلام ، تعالى الله عن العجز  علوا كبيرا . انتهى .  أقول : ويمكن أن يوجه الخبر أيضا بأن إسناد مشيئة الاكل وعدم الذبح ونحوهما في أمثال تلك  الاخبار إلى الله تعالى اسناد للفعل إلى علته البعيدة ، فان العبد وقدرته لما كانت مخلوقة لله تعالى  فهو سبحانه علة بعيدة لافعاله ، فصح نسبة ذلك اليه بهذا الاعتبار ، كما هو الشأن في جميع العلل  الطولية ، فلذا ترى صحة اسناد البناء إلى البناء لانه كان يباشره ، والى الامر لانه أقدره على ذلك  ومكنه منه . وللحديث توجيهات اخرى لايسعنا ذكرها هنا .  ( 1 ) الذى في الخبر هو تقسيم الارادة إلى تشريعية وتكوينية وسيجيئ إن شاء الله ، وأما ما استظهره  المصنف فهو انما يفيد التشبيه دون الحقيقة . ط  ( 2 ) وفى نسخة : وغدا اليه الديصانى . ( * )