[151]


الجن والانس إلى الارض السابعة السفلى وماتحت الثرى حتى يكون ما وعيته جزءا  من أجزاء ، انصرف إذا شئت مصاحبا مكلوءا ( 1 ) فأنت منا بالمكان الرفيع ، وموضعك  من قلوب المؤمنين موضع الماء من الصدى ، ولاتسألن عما وعدتك حتى أحدث لك  منه ذكرا  قال المفضل : فانصرفت من عند مولاي بمالم ينصرف أحد بمثله .  بيان : جاش البحر والقدر وغيرهما يجيش جيشا : غلا . قوله عليه السلام : قال : أصحاب  الهندسة أقول : المشهور بين متأخريهم أن جرم الشمس مائة وستة وستون مثلا وربع و  ثمن لجرم الارض ، وما ذكره عليه السلام لعله كان مذهب قدمائهم مع أنه قريب من المشهور ،  والاختلاف بين قدمائهم ومتأخريهم في أمثال ذلك كثير . قوله عليه السلام : الحق الذي  أي الامور الحقة الثابتة التي تطلب معرفتها من بين الاشياء وفي بعض النسخ  لحق أي ما يحق وينبغي أن وإن تطلب معرفته من أحوال الاشياء هو أربعة أوجه . وقال  الجوهرى : قولهم لقيته في الفرط بعد الفرط أي الحين بعد الحين . والصدى الفتح :  العطش .  ثم اعلم أن بعض تلك الفقرات تؤمي إلى تجرد النفس ، والله يعلم وحججه  صلوات الله عليهم أجمعين . 

_________________________________________
( 1 ) أى محفوظا . ( 2 ) بل إلى وجود امور اخرى غير النفس مجردة كما يشعر به قوله : وكذلك الامور الروحانية  اللطيفة ومنه يظهر أن وصف شئ بأنه روحانى أو لطيف في الاخبار يشعر بتجرده . ط 

[152]



( باب 5 )  الخبر المروي عن المفضل بن عمر في التوحيد المشتهر بالاهليلجيّة 


حد ثني محرز بن سعيد النحوي بدمشق قال : حدثني محمد بن أبي مزهر ( 1 ) بالرملة  عن إبيه عن جده قال كتب المفضل بن عمر الجعفي إلى أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام  يعلمه أن أقواما ظهروا من أهل هذه الملة يجحدون الربوبية ، ويجادلون على ذلك ،  ويسأله أن يرد عليهم قولهم ، ويحتج عليهم فيما ادعوا بحسب ما احتج به على غيرهم .  فكتب أبوعبدالله عليه السلام :  بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد وفقنا الله وإياك لطاعته ، وأوجب لنا بذلك رضوانه  برحمته ، وصل كتابك تذكر فيه ما ظهر في ملتنا ، وذلك من قوم من أهل الالحاد بالربوبية  قد كثرت عدتهم واشتدت خصومتهم ، وتسأل أن أصنع للرد عليهم والنقض لما في  أيديهم كتابا على نحو ما رددت على غيرهم من أهل البدع والاختلاف ، ونحن نحمد الله  على النعم السابغة والحجج البالغة والبلاء المحمود عند الخاصة والعامة فكان من نعمه  العظام والائه الجسام التي أنعم بها تقريره قلوبهم بربوبيته ، وأخذه ميثاقهم بمعرفعته ،  وإنزاله عليهم كتابا " فيه شفاء لما في الصدور من أمراض الخواطر ومشتبهات الامور ، ولم  يدع لهم ولالشئ من خلقه حاجة إلى من سواه ، واستغنى عنهم ، وكان الله غنيا حميدا .  ولعمري ما أتي الجهال من قبل ربهم وأنهم ليرون الدلالات الواضحات و  العلامات البينات في خلقهم ، وما يعاينون من ملكوت السماوات والارض والصنع  العجيب المتقن الدال على الصانع ، ولكنهم قوم فتحوا على أنفسهم أبواب المعاصي  وسهلوا لها سبيل الشهوات ، فغلبت الاهواء على قلوبهم ، واستحوذ الشيطان بظلمهم  عليهم ، وكذلك يطبع الله على قلوب المعتدين . والعجب من مخلوق يزعم أن الله يخفى  على عباده وهو يرى أثر الصنع في نفسه بتركيب يبهر عقله ، وتأليف يبطل حجته 

_________________________________________
( 1 ) وفى نسخة : محمد بن أبى مشتهر .  ( 2 ) وفى نسخة : وتاليف يبطل جحوده . 

[153]


ولعمري لو تفكروا في هذه الامور العظام لعاينوا من أمر التركيب البين ، ولطف التدبير  الظاهر ، ووجود الاشياء مخلوقة بعد أن لم تكن ، ثم تحولها من طبيعة إلى طبيعة ،  وصنيعة بعد صنيعة ، ما يدلهم ذلك على الصانع فإنه لا يخلو شئ منها من أن يكون  فيه أثر تدبير وتركيب يدل على أن له خالقا مدبرا ، وتأليف بتدبير يهدي إلى واحد ،  حكيم .  وقد وافاني كتابك ورسمت لك كتابا كنت نازعت فيه بعض أهل الاديان من  أهل الانكار وذلك أنه كان يحضرني طبيب من بلاد الهند ، وكانت لا يزال ينازعني في  رأيه ، ويجادلني على ضلالته ، فبينا هو يوما يدق إهليلجة ليخلطها دواءا احتجت  إليه من أدويته ، إذ عرض له شئ من كلامه الذي لم يزل ينازعني فيه من ادعائه أن  الدنيا لم تزل ولاتزال شجرة تنبت وأخرى تسقط ، نفس تولد وأخرى تتلف ، وزعم  أن انتحالي المعرفة له تعالى دعوى لا بينة لي عليها ، ولا حجة لي فيها ، وأن ذلك أمر  أخذه الاخر عن الاول ، والاصغر عن الاكبر ، وأن الاشياء المختلفة والمؤتلفة والباطنة  والظاهرة إنما تعرف بالحواس الخمس : نظر العين ، وسمع الاذن ، وشم الانف ،  وذوق الفم ، ولمس الجوارح ، ثم قاد منطقه على الاصل الذي وضعه فقال : لم يقع  شئ من حواسي على خالق يؤدي إلى قلبي ، إنكارا الله تعالى .  ثم قال : أخبرني بم تحتج في معرفة ربك الذى تصف قدرته وربوبيته ، و  إنما يعرف القلب الاشياء كلها بالدلالات الخمس التي وصفت لك ؟ قلت : بالعقل الذي  في قلبي ، والدليل الذي أحتج به في معرفته . 
............................................................................ 
-بحار الانوار مجلد: 3 من ص 153 سطر 19 الى ص 161 سطر 18  قال : فأنى يكون ما تقول وأنت تعرف أن القلب لا يعرف شيئا بغير الحواس  الخمس ؟ فهل عاينت ربك ببصر ، أو سمعت صوته بأذن ، أو شممتة بنسيم ، أو ذقتة بفم ،  أو مسسة بيد فأدى ذلك المعرفة إلى قلبك ؟ قلت : أرأيت إذ أنكرت الله وجحدته 

_________________________________________
 ( 1 ) وفى نسخة : احتاج .  ( 2 ) قاد الدابة : مشى أمامها اخذا بقيادها .  ( 3 ) وفى نسخة : إذا أنكرت الله وجحدته . 

[154]


لانك زعمت أنك لاتحسه بحواسك التي تعرف بهاالاشياء - وأقررت أنا به هل  بد من أن يكون أحدنا صادقا والاخر كاذبا ؟ قال : لا .  قلت : أرأيت ان كان القول قولك فهل يخاف علي شئ مما أخوفك به من عقاب  الله ؟ قال : لا .  قلت : أفرأيت أن كان كما أقول والحق في يدي ألست قد أخذت فيما كنت أحاذر  من عقاب الخالق بالثقة وأنك قد وقعت بحجودك وإنكارك في الهلكة ؟ قال : بلى .  قلت : فأينا أولى بالحزم وأقرب من النجاة ؟ قال : أنت ، إلا أنك من أمرك  على ادعاء وشبهة ، وأنا على يقين وثقة ، لاني لا أرى حواسي الخمس أدركته ، وما  لم تدركه حواسي فليس عندي بموجود .  قلت : أنه لما عجزت حواسك عن إدراك الله أنكرته ، وأنا لما عجزت حواسي  عن إدراك الله تعالى صدقت به .  قال : وكيف ذلك ؟ قلت : لان كل شئ جرى فيه أثر تركيب لجسم ، أو وقع  عليه بصر للون فما أدركته الابصار ونالته الحواس فهو غير الله سبحانه لانه لايشبه الخلق ،  وأن هذا الخلق ينتقل بتغيير وزوال ، وكل شي أشبهه التغيير والزوال فهو مثله ، وليس  المخلوق كالخالق ولا المحدث كالمحدث .  شرح : قوله عليه السلام : والبلاء المحمود عنه الخاصة والعامة أي النعمة التي يحمدها  ويقربها الخاص والعام لنا وهو العلم ، أو النعم التي شملت الخاص والعام كما  سيفصله عليه السلام بعد ذلك . قوله عليه السلام : ما أتى الجهال أي ما أتاهم الضررر والهلاك إلا  من قبلهم . قال الفيروز ابادي : أتى كعنى أشرف عليه العدو . وقال الجزري : في حديث  أبي هريرة : في العدوي إني قلت أتيت . أي دهيت وتغير عليك حسك فتوهمت ما ليس  بصحيح صحيحا . قوله عليه السلام : استحوذ الشيطان أي غلب واستولى . قوله عليه السلام : و  صنيعة أي احسان ، ويحتمل أن يرادبها هنا الخلقة المصنوعة . قوله عليه السلام : لجسم بفتح  اللام أي ألبتة هو جسم . وكذا قوله : للون . ويدل على أن التركيب الخارجي إنما  يكون في الجسم وأن المبصر بالذات هو اللون . قوله عليه السلام : أشبه التغيير أي المتغير ،  أو ذا التغيير بتقدير مضاف . 

[155]


متن : قال : إن هذا لقول ، ولكني لمنكر مالم تدركه حواسي فتؤديه إلى قلبى  فلما اعتصم بهذه المقالة ولزم هذه الحجة قلت : أما إذ أبيت إلا أن تعتصم بالجهالة ،  وتجعل المحاجزة حجة فقد دخلت في مثل ماعبت وامتثلت ما كرهت ، حيث قلت : إني  اخترت الدعوى لنفسي لان كل شئ لم تدركه حواسي عندي بلا شئ .  قال : وكيف ذلك ؟ قلت : لانك نقمت على الادعاء ودخلت فيه فادعيت أمرا  لم تحط به خبرا ولم تقله علما فكيف استجزت لنفسك الدعوى في إنكارك الله ، ودفعك  أعلام النبوة والحجة الواضحة وعبتها علي ؟ أخبرني هل أحطت بالجهات كلها وبلغت  منتهاها ؟ قال : لا : قلت : فهل رقيت إلى السماء التي ترى ؟ أو انحدرت إلى الارض السفلى  فجلت في أقطارها ؟ أو هل خضت في غمرات البحور واخترقت نواحي الهواء فيما  فوق السماء وتحتها إلى الارض وما أسفل منها فوجدت ذلك خلاء من مدبر حكيم عالم  بصير ؟ قال : لا . قلت : فما يدريك لعل الذي أنكره قلبك هو في بعض ما لم تدركه  حواسك ولم يحط به علمك .  قال : لا أدري لعل في بعض ما ذكرت مدبرا ، وما أدري لعله ليس في شي من  ذلك شئ ، قلت : أما إذ خرجت من حد الانكار إلى منزلة الشك فإني أرجو أن تخرج  إلى المعرفة .  قال : فإنما دخل علي الشك لسؤالك إياي عما لم يحط به علمي ، ولكن من  أين يدخل علي اليقين بما لم تدركه حواسي ؟ قلت : من قبل إهليلجتك هذه .  قال : ذاك إذا أثبت للحجة ، لانها من اداب الطب الذي اذعن بمعرفته 3  قلت : إنما أردت ان اتيك به من قبلها لانها أقرب الاشياء إليك ، ولو كان شئ أقرب  إليك منها لاتيتك من قبله ، لان في كل شي أثر تركيب وحكمة ، وشاهدا يدل على 

_________________________________________
( 1 ) وفى نسخة : فدرت في أقطارها .  ( 2 ) وفى نسخة : هل غصت في غمرات البحور .  ( 3 ) وفى نسخة : لانها من أداة الطب الذى أدعى معرفته .  ( 4 ) وفى نسخة : لانبأتك من قبله . 

[156]


الصنعة الدالة على من صنعها ولم تكن شيئا ، ويهلكها حتى لا تكون شيئا . قلت :  فأخبرني هل ترى هذه إهليلجة ؟ قال : نعم .  قلت : أفترى غيب ما في جوفها ؟ قال : لا قلت : أفتشهد أنها مشتملة على نواة  ولا تراها ؟ قال : ما يدريني لعل ليس فيها شئ . قلت : أفترى أن خلف هذا القشر  من هذه الاهليلجة غائب لم تره من لحم أو ذي لون ؟ قال : ما أدري لعل ما ثم غير  ذي لون ولا لحم . قلت : أفتقر أن هذه الا هليلجة التي تسميها الناس بالهند موجودة ؟  لا جتماع أهل الاختلاف من الامم على ذكرها . قال : ما أدري لعل ما اجتمعوا عليه من  ذلك باطل قلت : أفتقر أن الا هليلجة في أرض تنبت ؟ قال : تلك الارض وهذه واحدة  وقد رأيتها . قلت : أفما تشهد بحضور هذه الاهليلجة على وجود ، ما غاب من أشباهها ؟  قال : ما أدري لعله ليس في الدنيا إهليلجة غيرها . فلما اعتصم بالجهالة قلت : أخبرني  عن هذه الاهليلجة أتقر أنها خرجت من شجرة ، أو تقول : إنها هكذا وجدت ؟ قال :  لا بل من شجرة خرجت . قلت : فهل أدركت حواسك الخمس ما غاب عنك من تلك  الشجرة ، قال : لا . قلت : فما أراك إلا قد أقررت بوجود شجرة لم تدركها حواسك .  قال : أجل ولكني أقول : إن الاهليلجة والاشياء المختلفة شي لم تزل تدرك ، فهل  عندك في هذا شي ترد ، به قول ؟ قلت : نعم أخبرني عن هذه الاهليلجة هل كنت عاينت  شجرتها وعرفتها قبل أن تكون هذه الاهليلجة فيها ؟ قال : نعم . قلت : فهل كنت تعاين  هذه الاهليلجة ؟ قال : لا . قلت : أفما تعلم أنك كنت عاينت الشجرة وليس فيها الاهليلجة  ثم عدت إليها فوجدت فيها الاهليلجة أفما تعلم أنه قد حدث فيها ما لم تكن ؟ قال ما  أستطيع أن أنكر ذلك ولكني أقول : إنها كانت فيها متفرقة . قلت : فأخبرني هل  رأيت تلك الاهليلجة التي تنبت منها شجرة هذه الاهليلجة قبل أن تغرس ؟ قال : نعم .  قلت : فهل يحتمل عقلك أن الشجرة التي تبلغ أصلها وعروقها وفروعها ولحاؤها وكل  ثمرة جنيت ، وورقة سقطت ألف ألف رطل كانت كامنة في هذه الاهليلجة ؟ قال : ما 

_________________________________________
( 1 ) وفى نسخة : والاشياء المؤتلفة .  ( 2 ) جنى الثمر : تناوله من شجرته . 

[157]


يحتمل هذا العقل ولا يقبله القلب . أقررت أنها حدثت في الشجرة ؟ قال : نعم و  لكني لا أعرف أنها مصنوعة فهل تقدر أن تقررني بذلك ؟ قلت : نعم أرأيت أني إن  أريتك تدبيرا أتقر أن له مدبرا وتصويرا أن له مصورا ؟ . قال : لا بد من ذلك .  قلت : ألست تعلم أن هذه الاهليلجة لحم ركب على عظم فوضع في جوف متصل  بغصن مركب على ساق يقوم على أصل فيقوى بعروق من تحتها على جرم متصل بعض ببعض ؟  قال : بلى . قلت : ألست تعلم أن هذه الاهليلجة مصورة بتقدير وتخطيط ، وتأليف و  تركيب وتفصيل متداخل بتأليف شي ، به طبق بعد طبق وجسم على جسم  ولون مع لون ، أبيض في صفرة ، ولين على شديد ، في طبائع متفرقة ، وطرائق مختلفة ،  وأجزاء مؤتلفة مع لحاء تسقيها ، وعروق يجري فيها الماء وورق يسترها وتقيها من  الشمس أن تحرقها ، ومن البرد أن يهلكها ، والريح أن تذبلها ؟ قال : أفليس لو كان  الورق مطبقا عليها كان خيرا لها ؟ قلت : الله أحسن تقديرا لو كان كما تقول لم يصل إليها  ريح يروحها ، ولا برد يشددها ، ولعفنت عند ذلك ، ولو لم يصل إليها حر الشمس  لما نضجت ، ولكن شمس مرة وريح مرة وريح وبرد مرة قدر الله ذلك بقوة لطيفة ودبره  بحكمة بالغة .  قال : حسبى من التصوير فسرلى التدبير الذى زعمت انك ترينه . قلت : ارأيت  الا هليلجه قبل ان تعقد اذهى في قمعها ما بغير نواة ولا لحم ولا قشر ولا لون ولاطعم ولا شده  قال : نعم . قلت : ارأيت لو لم يرفق الخالق ذلك الماء الضعيف الذى هو  مثل الخردلة في القلة والذلة ولم يقوه بقوته ويصوره بحكمته ويقدره بقدرته هل كان  ذلك الماء يزيد على ان يكون في قمعه غير مجموع بجسم وقمع وتفصيل ؟ فان زاد زاد ماءا  متراكبا غيرمصور ولا مخطط ولا مدبر بزيادة اجزاء ولا تأليف اطباع قال : قد أريتنى  من تصوير شجرتها وتاليف خلقتها وحمل ثمرتها وزيادة اجزائها وتفصيل تركيبها اوضح 

_________________________________________
( 1 ) وفى نسخه : موضوع على جرم متصل .  ( 2 ) في نسخه : ولين مع لين ولين على شدة .  ( 3 ) ذبل النبات : قل ماوه وذهبت نضارته 

[158]


الدلالات ، واظهر البينه على معرفه الصانع ولقد صدقت بان الاشياء مصنوعة ، و  لكني لا أدري لعل الاهليلجة والاشياء صنعت أنفسها ؟ قلت : أو لست تعلم أن خالق  الاشياء والاهليلجة حكيم عالم بما عاينت من قوة تدبيره ؟ قال : بلى . قلت : فهل ينبغي  للذي هو كذلك أن يكون حدثا ؟ قال : لا . قلت : أفلست قد رأيت الاهليلجة حين حدثت  وعاينتها بعد أن لم تكن شيئا ثم هلكت كأن لم تكن شيئا ؟ قال : بلى ، وإنما أعطيتك  أن الاهليلجة حدثت ولم أعطك أن الصانع لا يكون حادثا لا يخلق نفسه . قلت : ألم  تعطني أن الحكيم الخالق لا يكون حدثا ، وزعمت أن الاهيلجة حدثت ؟ فقد أعطيتني  أن الاهليلجة مصنوعة ، فهو عز وجل صانع الاهليلجة ، وإن رجعت إلى أن تقول : إن  الاهليلجة مصنوعة ، فهو عزوجل صانع الاهليلجة ، وإن رجعت إلى أن تقول : إن الاهليلجة صنعت نفسها ودبرت خلقها فما زدت أن أقررت بما أنكرت ، ووصفت صانعا  مدبرا أصبت صفته ، ولكنك لم تعرفه فسميته بغير اسمه قال : كيف ذلك ؟ قلت :  لانك أقررت بوجود حكيم لطيف مدبر ، فلما سألتك من هو ؟ قلت : الاهليلجة .  قد أقررت بالله سبحانه ، ولكنك سميته بغير اسمه ، ولو عقلت وفكرت لعلمت أن  الاهليلجة أنقص قوة من أن تخلق نفسها ، وأضعف حيلة من أن تدبر خلقها .  قال : هل عندك غير هذا ؟ قلت : نعم أخبرني عن هذه الاهليلجه التي زعمت أنها صنعت نفسها ودبرت أمرها كيف صنعت نفسها صغيرة الخلقة ، صغيرة القدرة ، ناقصة  القوة ، لا تمتنع أن تكسر وتعصر وتؤكل ؟ وكيف صنعت نفسها مفضولة مأكولة مرة  قبيحة المنظر لا بهاء لها ولا ماء ؟ قال : لانها لم تقو إلا على ما صنعت نفسها أو لم تصنع  إلا ما هويت . قلنت : أما إذ أبيت إلا التمادي في الباطل فأعلمني متى خلقت نفسها و  دبرت خلقها قبل أن تكون أو بعد أن كانت ؟ فإن زعمت أن الاهليلجة خلقت نفسها  بعد ما كانت فإن هذا لمن أبين المحال كيف تكون موجودة مصنوعة مرتين ولان قلت : إنها خلقت نفسها  بعد ما كانت فإن هذا لمن أبين المحال كيف تكون موجودة مصنوعة ثم تصنع نفسها  مرة اخرى ؟ فيصسير كلامك إلى أنها مصنوعة مرتين ، ولان قلت : إنها خلقت نفسها  ودبرت خلقها قبل أن تكون إن هذا من أوضح الباطل وأبين الكذب لانها قبل أن  تكون ليس بشئ فكيف يخلق لا شئ شيئا " ؟ وكيف تعيب قولي : إن شيئا يصنع لا  شيئا ولا تعيب قولك : إن لا شي يصنع لا شيئا ؟ فانظر أي القولين أولى بالحق ؟ قال : 

[159]


قولك . قلت : فما يمنعك منه ؟ قال : قد قبلته واستبان لي حقه وصدقه بأن الاشياء  المختلفة والاهليلجة لم يصنعن أنفسهن ، ولم يدبرن خلقهن ولكنه تعرض لي أن  الشجرة هي التي صنعت الاهليلجة لانها خرجت منها . قلت : فمن صنع الشجرة : قال :  الاهليلجة الاخرى قلت : اجعل لكلامك غاية أنتهي إليها فإما أن تقول : هو الله  سبحانه فيقبل منك ، وإما أن تقول : الاهليلجة فنسألك .  قال : سل . قلت : أخبرني عن الاهيلجة هل تنبت منها الشجرة إلا بعدما ماتت  وبليت وبادت ؟ قال : لا . قلت : إن الشجرة بقيت بعد هلاك الاهليلجة مائة سنة ، فمن  كان يحميها ويزيد فيها ، ويدبر خلقها ويربيها ، وينبت ورقها ؟ مالك بد من أن تقول :  هو الذي خلقها ، ولان قلت : الاهليلجة وهي حية قبل أن تهلك وتبلى وتصير ترابا ،  وقد ربت الشجرة وهي ميتة أن هذا القول مختلف . قال : لا أقول : ذلك . قلت أفتقر  بأن الله خلق الخلق أم قد بقي في نفسك شي من ذلك ؟ قال : إني من ذلك على حد وقوف  ما أتخلص إلى أمر ينفذ لي فيه الامر . قلت : أما إذا أبيت إلا الجهالة وزعمت أن الاشياء  لا يدرك إلا بالحواس فإني اخبرك أنه ليس للحواس دلالة على الاشياء ولا فيها معرفة  إلا بالقلب ، فإنه دليلها ومعرفها الاشياء التي تدعي أن القلب لا يعرفها إلا بها .  شرح : قوله عليه السلام : وامتثلت قال الفيروز ابادي : امتثل طريقته : تبعها فلم يعدها .  قوله : نقمت علي أي عبت وكرهت . قوله : من لحم قال الفيروز ابادي : لحم كل شئ لبه .  قوله تلك الارض أي أشار إلى الارض ، وقال اقر بوجود هذه الارض التي أرى والاهليلجة  الواحدة التي في يدى . قوله : كانت فيها متفرقة لعله اختار مذهب إنكسار غورس ومن  تبعه من الدهرية القائلين بالكمون والبروز ، وأن كل شئ كامن ، ويؤمي إليه  جوابه . قوله عليه السلام : في قمعها قال الفيروز ابادي : القمع محركة : بثرة تخرج في  اصول الاشفار ، وقال القمع بالفتح والكسر وكعنى : ما لا تزق بأسفل التمرة والبسرة  ونحوهما انتهى ، وعلى التقديرين استعير لما يبدو من الاهليلجة ابتداءا في شجرها من  القشرة الرقيقة الصغيرة التي فيها ماء ، والاول أبلغ . قوله عليه السلام : غير مجموع بجسم  أي هل كان يزيد بغير أن يضم . إليه جسم آخر من خارج ، أو قمع آخر مثله ، أو بغير قمعه 

[160]


أي قلعه وتفصيله أي تفريقه ليدخل فيه شئ أو يضم إلى شئ . قوله عليه السلام : فإن زاد أي  فإن سلم أنه كان يمكن أن يزيد بطبيعته بغير ما ذكر كانت زيادته ماءا متراكبا " بعضه فوق  بعض فقط كما كان أو لا لا بتخطيط وتصوير وتدبير وتأليف إذ يحكم العقل بديهة أن مثل  تلك الافاعيل المختلفة المنطبقة على قانون الحكمة لا تصدر عن طبيعة عادمة للشعور و  الارادة . قول : فهل ينبغى إشارة إلى مايحكم به الوجدان من ان من كان على  هذا لبغ من العلم والحكمة والتدبير لا يكون ممكنا محدثا محتاجا في العلم وسائر الامور  إلى غيره ، إلا ان يفيض عليه من العالم بالذات ، وهو إقرار بالصانع . قوله : ولم اعطك .  غفل الهندى عما كان يلزم من اعترافيه . قوله : وإن رجعت إلى إن قلت : إن الصانع  القديم الحكيم هو طبيعة ، الاهليلجة صنعت هذا الشخص منها فقد اقررت بالصانع و  اخطأت في التسمية ،  او المراد انك بعد الاعتراف بالخالق الحكيم القديم لو قلت : إنه هذه الا هليلجة فقد  اقررت بما انكرت اى نقضت قولك الاول ، وقلت بالنقيضين ، ولا محمل لتصحيحه إلا  ان تقول : سميت ما اقررت به بهذا الاسم وهذا لايضرنا بعد ماتيسرلنا من إقرارك  ، ويحتمل ان يكون هذاكلاما على سبيل الاستظهار في المجادلة اي إن تنزلنا عما اقررت  به من قدم الحكيم وحدوث الا هليجة يكفين إقرارك بكون الخالق حكيما ، إذ معلوم  انها ليست كذلك ، فقد سميت الصانع الحكيم بهذا الاسم . قوله : مفضولة إذ  ظاهر ان كثيرا من المخلوقات افضل واشرف منها . قوله : هوالذى خلقها اى لابد  ان يكون مربيها هوخالقها ، فان قلت : إن الخالق والمربى واحد وهى الا هليلجة  خلقت عند كونها حية ، وربت بعد موتها فالقول مختلف إذ خلقها تدريجى ، وعند خلق  أي مقدار من الشجرة لابد من انقلاب بعضها شجرة فلم تكن الا اهليلجة باقية بعد تمام  خلق ذلك المقدار ، والخلق والتربية ممزوجان لايصلح القول بكونها حية عند احدهما  ميتة عند الاخر ، ويحتمل ان يكون المراد أن القول أن الخالق والمربى واحد و  القول بان الا هليلجة بعد موتها ربت متنافيان ، لان موتها عبارة عن استحالتها بشئ  اخر ، فالمربى شئ اخر سوى الا هليلجة . وفى بعض النسخ : وقد رأيت الشجرة . قوله