ودافع ابن حجر في الإصابة دفاعاً مستميتاً عن مبدأ عدالة الصحابة مطلقاً وردّ على من حاول تقيد هذا الاطلاق ، فقال  : قال المازري في شرح البرهان  : « لسنا نعني بقولنا الصحابة عدول ، كل من رآه (صلى الله عليه وآله) يوماً أو زاره عاماً ، أو اجتمع به لغرض وانصرف ... وإنما نعني به الذين لازموه وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي انزل معه اُولئك هم المفلحون » ، قال ابن حجر  : والجواب عن ذلك ان التقييدات المذكورة خرجت مخرج الغالب وإلاّ فالمراد من اتصف بالانفاق والقتال بالفعل أو القوة !! وأما كلام المازري فلم يوافق عليه ، بل اعترضه جماعة
من الفضلاء ، وقال الشيخ صلاح الدين العلائي  : هو قول غريب يخرج كثيراً من المشهورين بالصحبة والرواية عن الحكم بالعدالة .. والقول بالتعميم هو الذي صرح به الجمهور وهو المعتبر ..[266] .

 وروي عن ابي زرعة انه قال  :

 « إذا رأيت الرجل ينتقص احداً من اصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاعلم انه زنديق ، وذلك ان الرسول حقّ ، والقرآن حق ، وما جاء به حقّ ، وانما ادّى ذلك إلينا كله الصحابة ، وهؤلاء يريدون ان يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة ، والجرح بهم اولى وهم زنادقة »[267] .

 رأي مدرسة أهل البيت في عدالة الصحابة  :

 ترى مدرسة اهل البيت تبعاً للقرآن الكريم  : أنّ في الصحابة مؤمنين اثنى عليهم الله في القرآن .

 قال سبحانه في بيعة الشجرة  : ( لَقَدْ رَضِىَ اللهَُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ... )[268] .

 فقد خص الله الثناء بالمؤمنين ممّن حضروا بيعة الشجرة ، ولم يشمل المنافقين الذين حضروها مثل عبد الله بن أُبي ، وأوس بن خولى ... .

 وكذلك تبعاً للقرآن ترى فيهم منافقين ذمّهم الله في آيات كثيرة مثل قوله  :

 ( وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الاَْعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَاب عَظِيم )[269] .

 وفيهم من اخبر الله عنهم بالإفك ، ومنهم من قصد اغتيال الرّسول في عقبة هرشى ، عند رجوعه من غزوة تبوك[270] .

 ومنهم من اخبر عنهم الرسول (صلى الله عليه وآله) في قوله عن أهوال يوم القيامة ، كما في صحيح البخاري  : « وإنه يجاء برجال من امتي فيؤخذ بهم ذات الشمال ، فأقول  : يا ربّ اصحابي فيقال  : إنك لا تدري ما احدثوا بعدك ، فأقول كما قال العبد الصالح » .

 ( وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ )[271] .

 فيقال  : « إن هؤلاء لم يزالوا مرتدّين على اعقابهم منذ فارقتهم »[272] .

 وفي صحيح مسلم  : « ليردنَّ عليّ الحوض رجال ممّن صاحبني حتى إذا رأيتهم ورفعوا إليّ اختلجوا دوني ، فلأقولنّ  : أي ربّ اصحابي ، فليقالن لي  : إنّك لا تدري ما احدثوا بعدك »[273] .

 ولما كان في الصحابة منافقون لا يعلمهم إلاّ الله فقد أخبر نبيه بأن علياً
لا يحبه إلاّ مؤمن ولا يبغضه إلاّ منافق ، وكان ذلك شائعاً ومشهوراً في عصر رسول الله[274] .

 قال ابو ذر  : ما كنا نعرف المنافقين إلاّ بتكذيبهم الله ورسوله ... والبغض لعلي بن أبي طالب[275] .

 وقال جابر بن عبد الله الانصاري  : « ما كنّا نعرف المنافقين إلاّ ببغض علي بن أبي طالب » ، لهذا كله ، ولقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حق عليّ (عليه السلام) « اللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه » ، فهم يحتاطون في اخذ معالم دينهم من صحابي عادى علياً ، ولم يواله ، حذراً من ان يكون الصحابي من المنافقين الذين لا يعلمهم إلاّ الله »[276] .

 فالنبي (صلى الله عليه وآله) قد عين للأُمة العلامة الفارقة بين المؤمن والمنافق ، حبُ عليّ وبغضه ، ومن ثمَّ فإنهم ينظرون في حال الراوي فإن كان ممن قاتل علياً أو الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) وعاداهم فإنهم لا يلتزمون بأخذ ما يروي امثال هؤلاء صحابياً كان او غير صحابي[277] .

سنة الصحابة[278]  :

 ومما ترتب على القول بعدالة الصحابة في مدرسة الخلفاء ، القول « بسنة
الصحابة » او مذهب الصحابي ، ويريدون به  : « القول او السلوك الذي يصدر عنه الصحابي ، ويتعبد به ، من دون ان يعرف له مستند » .

 اما بالنسبة إلى مكانة سنة الصحابة في التشريع  :

 فيقول الشاطبي في الموافقات  : « سنة الصحابة ، سنة يعمل عليها ويرجع إليها ، والدليل على ذلك امور  :

 احدهما  : ثناء الله عليهم من غير مَثْنَوِيَّة ، ومدحهم بالعدالة وما يرجع إليها كقوله تعالى  : ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ )[279] وقوله  : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً )[280] ففي الاولى اثبات الافضلية على سائر الامم ، وذلك يقضي باستقامتهم على كل حال ، وجريان احوالهم على الموافقة دون المخالفة ، وفي الثانية اثبات العدالة مطلقاً ، وذلك يدل على ما دلت عليه الأُولى »[281] .

 ومن الواضح ان الامور التي ذكرها الشاطبي لا تنهض باثبات ما يريده .

 والجواب على الآية الاولى يقع من وجوه[282]  :

 اولا  : ان اثبات الافضلية لهم على سائر الامم ، لا تستلزم الاستقامة لكل فرد منهم على كل حال ، بل تكفي الاستقامة النسبية لافرادها ، هذا إذا لم نقل ان الآية
انما فضلتهم من جهة تشريع الامر بالمعروف لهم والنهي عن المنكر كما هو ظاهر تعقيبها بقوله تعالى  : « تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ... » فلا تكون واردة في مقام جعل الحجية لاقوالهم اصلا !!

 ثانياً  : ان التفضيل الوارد فيها انما هو بلحاظ المجموع ـ ككل ـ لا بلحاظ تفضيل كل فرد منها على كل فرد من غيرها لنلتزم لهم بالاستقامة على كل حال .

 ثالثاً  : انها واردة في مقام التفضيل لا مقام جعل الحجية لكل ما يصدر عنهم من أقوال وأفعال وتقريرات ، إذ هي اجنبية عن هذه الناحية فلا يمكن التمسك
بها بحال .

 رابعاً  : ان هذا الدليل لو تم فهو اوسع من المدعى بكثير ، لكون الأُمة اوسع من الصحابة ، ولا يمكن الالتزام بهذا التعميم .

 ومع ثبوت التعميم لا يمكن اثبات احكام السنة لجميع الأُمة كما هو واضح .

 اما الآية الثانية التي استدل بها في المقام وهي قوله تعالى  : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً )[283] .

 فما يقال عن الآية الأُولى يقال عن الآية الثانية ايضاً ، فهي بالاضافة إلى هذه المؤاخذات للاستفادة منها ، والغض عن تسليم افادتها لعدالتهم جميعاً ، ان مجرد العدالة لا يوجب كون كل ما يصدر عنهم من السنة ، وإلاّ لعممنا الحكم إلى
كل عادل سواء كان صحابياً ام غير صحابي ، لورود الحكم على العنوان كما
هو المفروض ، وغاية ما تقتضيه العدالة هو كونهم لا يتعمّدون الخطيئة ،
اما مطابقة ما يصدر عنهم للأحكام الواقعية ليكون سنة ، فهذا اجنبي عن مفهوم العدالة تماماً .

الاستدلال بالاحاديث  :

 فقد استدل المثبتون لسنة الصحابة بجملة من الأحاديث امثال  :

 1 ـ اصحابي كالنجوم بايهم اقتديتم اهتديتم .

 2 ـ عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي .

 3 ـ اقتدوا بالذين من بعدي ابي بكر وعمر .

 إلى غير ذلك من الروايات التي تصب في نفس المعنى[284] .

 والجواب عن هذه الروايات وأمثالها  : إن هذه الروايات لا يمكن الاخذ بظاهر بعضها ولأدلة للبعض الآخر على المدعى ، مع سقوط بعضها سنداً .

 فالحديث الأول  : اصحابي كالنجوم ... قال عنه ابن حزم  : حديث موضوع مكذوب باطل ، وقال احمد  : حديث لا يصح ، وقال البزاز  : لا يصح هذا الكلام عن النبي (صلى الله عليه وآله)[285] .

 ومع التغافل عن أسانيدها ، فانها لا يمكن الأخذ بظاهر بعضها ، لانه يستحيل التعبد الشرعي من قبل الشارع بها للزوم التعبد بالمتناقضات ، هذا بالاضافة إلى معارضتها باخبار الحوض ، فلابد من تأويلها او تأويل ما يصح منها بغير مجالات اعتبار الحجية صوناً لكلام الشارع من الوقوع في التناقض .

 وقد ناقش الغزالي كل ما يتصل بهذه الأحاديث في بحثه عنها ، مناقشات لا يخلو أكثرها من الاصالة .

 فعدها ـ من قبل الغزالي[286] والآمدي[287] ـ في الاصول الموهومة في موضعه[288] .

 ويقول الشوكاني في نقض الأخذ بقول الصحابي على أنه سنة  :

 « والحق  : أنه ـ أي قول الصحابي ـ ليس بحجة ، فإن الله سبحانه لم يبعث إلى هذه الأُمة إلاّ نبينا محمداً (صلى الله عليه وآله) وليس لنا إلاّ رسول واحد ، وكتاب واحد ، وجمع الأُمة مأمورة باتباع كتابه ، وسنة نبيه ، ولا فرق بين الصحابة وبين من بعدهم ، في ذلك ، فكلهم مكلفون بالتكاليف الشرعية ، واتباع الكتاب والسنة ، فمن قال  : إنها تقوم الحجة في دين الله عزّ وجل بغير كتاب الله ، وسنة لرسوله ، وما يرجع إليهما ، فقد قال في دين الله بما لم يثب ، وأثبت في هذه الشريعة الإسلامية شرعاً لم يأمر الله به ، وهذا أمر عظيم وتقوّل بالغ ، فإن الحكم لفردأو أفراد من عباد الله بأن قوله ، أو أقوالهم حجة على المسلمين يجب عليهم العمل به وتصير شرعاً ثابتاً متقرراً تعم به البلوى ، مما لا يدان الله عزّ وجل به ، ولا يحل لمسلم الركون إليه ، ولا العمل عليه ، فإن هذا المقام لم يكن إلاّ لرسل الله ، الذين أرسلهم بالشرائع إلى عباده لا لغيرهم ، وإن بلغ في العلم والدين عظم المنزلة أي مبلغ ، ولا شك أن مقام الصحبة مقام عظيم ، ولكن ذلك في الفضيلة ، ولا تلازم بين هذا وبين جعل كل واحد منهم بمنزلة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حجية قوله ، وإلزام الناس باتباعه ، فإن ذلك مما لم يأذن الله به ، ولا ثبت عنه فيه حرف واحد .

 فاعرف هذا ، واحرص عليه ، فإن الله لم يجعل إليك وإلى سائر هذه الأُمة رسولا إلاّ محمداً (صلى الله عليه وآله) ولم يأمرك باتباع غيره ، ولا شرع لك على لسان سواه
من اُمته حرفاً واحداً ، ولا جعل شيئاً من الحجة عليك في قول غيره ، كائناً
من كان »[289] .

 وكلام الشوكاني هذا كلام متين وليس فيه أي مغالاة في رد أقوال الصحابة ، ولا الحط من مكانتهم ، ولكنه يضعهم في موضعهم الطبيعي .

 هذا كله من حيث اعتبار ما يصدر عنهم من السنة ، اما جعل الحجة لاقوالهم من حيث كونهم رواة ومجتهدين فحساب من يثبت اجتهاده منهم حساب بقية المجتهدين ، من حيث توفر شرائط الاجتهاد وعدمها ، فإذا توفرت في الصحابي تعين الرجوع إليه وإلاّ فلا يسوغ ، وحسابهم حساب من لم تتوفر فيه شرائط التقليد ، من المجتهدين ، والصحبة التي تؤدي وظيفتها وإن كانت من أعظم الفضائل للعبد إلاّ ان ما تعطيه من نتائج أُخروية محضة ، ولا علاقة لها بعوالم جعل الحجة اصلا .

مراحل اجتهاد الصحابة

 يقع البحث عن اجتهاد الصحابة ضمن محاور منها  :

 l  اجتهاد الصحابة في عصر رسول الله (صلى الله عليه وآله) .

 l  اجتهاد الصحابة بعد رحيل رسول الله (صلى الله عليه وآله) .

 l  صور من اجتهاد الصحابة .

 l  اسباب اختلاف الصحابة في الفتاوى والاجتهادات .

 أولا  : اجتهاد الصحابة في عصره (صلى الله عليه وآله)  :

 بعد ان اثبتت المدرسة السنية اجتهاد الرسول (صلى الله عليه وآله) فمن الطبيعي جداً ان كان الرسول (صلى الله عليه وآله) يجتهد ويعمل بالرأي في استنباط الأحكام الشرعية ان يجيز لاصحابة كذلك ان يجتهدوا .

 يقول الشيخ محمد السايس  : « ثبت ثبوتاً لا يحتمل الريبة أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان مأذوناً بالاجتهاد ، وانه وقع منه بالفعل ، وانه أذن فيه لاصحابه وشجعهم عليه وأقرهم على الكثير منه واثابهم عليه »[290] .

 ويقول د . عبد المنعم النمر  : ومن هذه المدرسة النبوية تعلم الصحابة كيف يلتزمون بالنص احياناً ، وكيف يتصرفون فيه احياناً ، وكيف يحكمون في الموضوع إذا لم يجدوا نصاً .

 ... ثم يقول  : ان الاجتهاد لم يبدأ بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) بل بدأ برسول الله (صلى الله عليه وآله)نفسه[291] .

 وللآمدي ـ في الأحكام لأُصول الاحكام ـ كلام مفصل في هذا المجال يقول فيه  :

 « اتفقوا على جواز الاجتهاد بعد النبي (صلى الله عليه وآله) ، واختلفوا في جواز الاجتهاد لمن عاصره ، فذهب الأكثرون إلى جوازه عقلا ، ومنع منه الأقلين ... » .

 ثم اختلف القائلون بالجواز في ثلاثة أمور  :

 الأول  : منهم من جوز ذلك للقضاة والولاة في غيبته ، دون حضوره ، ومنهم من جوزه مطلقاً .

 الثاني  : ان منهم من قال بجواز ذلك مطلقاً إذا لم يوجد في ذلك منع ، ومنهم من قال  : لا يكتفى في ذلك بمجرد عدم المنع بل لابد من الاذن في ذلك ، ومنهم من قال السكوت عنه مع العلم بوقوعه كاف .

 الثالث  : اختلفوا في وقوع التعبد به سمعاً ، فمنهم من قال انه كان متعبداً به ،ومنهم من توقف في ذلك مطلقاً ، كالجبائي ، ومنهم من توقف في حق من حضر ، دون من غاب كالقاضي عبد الجبار[292] .

 والذي يستفاد من كلام الآمدي عدم وجود المنع في جواز اجتهاد الصحابة في زمن الرسول (صلى الله عليه وآله) وانما الخلاف في سعة هذا الجواز وضيقه ، وهل انه للولاة والقضاة ام انه اعم ؟ وهل انه يجوز مطلقاً للحاضر والغائب ، أم انه لخصوص الغائب ... ؟ وهكذا .

 ثم يختار الآمدي ويقول  : « والمختار جواز ذلك مطلقاً ، وان ذلك مما وقع مع حضوره وغيبته ظناً لا قطعاً »[293] .

 ثم يستدل على الرأي المختار بالدليلين العقلي والنقلي فيقول  :

 « اما الجواز العقلي فيدل عليه ما دللنا به على جواز ذلك في حق النبي (صلى الله عليه وآله) » .

 وأما بيان الوقوع  :

 فيقول الآمدي  : « أما في حضرته  : فيدل عليه قول ابي بكر في حق ابي قتادة حيث قتل رجلا من المشركين فأخذ سلبه غيره ، لا نقصد إلى أَسد من أُسد الله يقاتل عن الله ورسوله فنعطيك سلبه ، فقال النبي (صلى الله عليه وآله)  : « صدق وصدق في فتواه » ولم يكن قال ذلك بغير الرأي والاجتهاد » .

 وأيضاً ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه حَكّم سعد بن معاذ في بني قريظة فحكم بقتلهم وسبي ذراريهم بالرأي فقال (عليه السلام)  : لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة ارقعة .

 وأيضاً ما روي عنه (عليه السلام) انه امر عمر بن العاص ، وعقبة بن عامر الجهني ، ان يحكما بين خصمين وقال لهما « إن اصبتما فلكما عشر حسنات ، وان أخطأتما فلكما حسنة واحدة » .

 وأما في غيبته فيدل عليه قصة معاذ وعتاب بن اسيد، بعثهما قاضيين إلى اليمن[294].

 إلاّ ان الآمدي يلتفت إلى جملة من الاشكالات يذكرها بلفظ  : فإن قيل ، ثم يجيب عنها .

 قال  : فإن قيل  : الموجود في عصر النبي (صلى الله عليه وآله) قادر على معرفة الحكم بالنص ، وبالرسول (صلى الله عليه وآله) ، والقادر على التوصل إلى الحكم على وجه يؤمن فيه الخطأ إذا عدل إلى الاجتهاد الذي لا يؤمن فيه الخطأ كان قبيحاً ، والقبيح لا يكون جائزاً ( هذا هو الاشكال الاول ) .

 الاشكال الثاني  : وأيضاً فان الحكم بالرأي في حضرة النبي (صلى الله عليه وآله) من باب التعاطي والافتيات على النبي (صلى الله عليه وآله) وهو قبيح فلا يكون جائزاً ، وهذا بخلاف ما بعد النبي (صلى الله عليه وآله) .

 الاشكال الثالث  : وأيضاً فان الصحابة كانوا يرجعون عند وقوع الحوادث إلى النبي ولو كان الاجتهاد جائزاً لهم لم يرجعوا إليه .

 ورابعاً  : وأما ما ذكرتموه من أدلة الوقوع فهي أخبار آحاد لا تقوم حجة بها في المسائل القطعية ، وبتقدير ان تكون حجة ، فلعلها خاصة بمن وردت في حقه غير عامة »[295] .

 هذه اهم الاشكالات التي يوردها الآمدي على القول باجتهاد الصحابة ، وحيث ان الآمدي يتبنى الجواز مطلقاً فلابد له من الاجابة عن هذه الاشكالات .

 اما الجواب عن الاشكال الاول فيقول  : والجواب عن السؤال الاول ما مر في جواز اجتهاد النبي (صلى الله عليه وآله) .

 وقد اجاب هنا  : ان المانع من الاجتهاد دائماً هو وجود النص ، لا إمكان وجود النص ، ثم ما ذكروه منتقض باجتهاد الصحابة في زمن النبي (صلى الله عليه وآله)[296] .

 واجاب عن الاشكال الثاني  : ان ذلك ـ أي الاجتهاد ـ إذا كان بأمر رسول الله وإذنه فيكون من باب امتثال أمره ، لا من باب التعاطي والافتيات عليه .

 وعن الثالث  : وعن قولهم  : « ان الصحابة كانوا يرجعون في احكام الوقائع الى النبي (صلى الله عليه وآله) » يمكن ان يكون ذلك فيما لم يظهر لهم فيه وجه الاجتهاد ، وان ظهر ، غير ان القادر على التوصل إلى مقصوده باحد طريقين لا يمتنع عليه العدول عن احدهما إلى الآخر .

 ولا يخفى انه اذا كان الاجتهاد طريقاً يتوصل به إلى الحكم ، فالرجوع إلى النبي (صلى الله عليه وآله) ايضاً طريق آخر »[297] .

 والملاحظ على هذا النص ، وخاصة في الفقرة الأخيرة منه ، ان وجود النبي (صلى الله عليه وآله) الذي « لا ينطق عن الهوى » لا يمنع من اجتهاد الصحابة في حضرته ، وليس في ذلك أي إساءة أدب وقلة احترام للنبي (صلى الله عليه وآله) . وان هؤلاء الصحابة مجتهدون ووجود النبي (صلى الله عليه وآله) لا يمنع من اجتهادهم مادام النبي (صلى الله عليه وآله) مجتهد أيضاً ، وإن الاجتهاد مأخوذ على نحو الطريقية في بيان الحكم الشرعي ، ولا مانع من تعدد الطرق للوصول إلى الحكم الشرعي سواءً من خلال اجتهاد النبي أو من خلال اجتهاد الصحابة !!

 وكل ما قاله الآمدي يبتني على كون النبي مجتهداً ، فإذا نفينا اجتهاد النبي (صلى الله عليه وآله)من خلال الأدلة القاطعة ، فلا يبقى لكلامه أي قيمة علمية .

 اما الاخبار التي استدل بها الآمدي لاثبات مدعاه فقد أُشْكِلَ عليه بأنها أخبار آحاد لا تقوم الحجة بها في المسائل القطعية .

 فقد اجاب عن هذا الاشكال حيث اقر اولا بانها كذلك « وما ذكروه من أن الأخبار المذكورة في ذلك أخبار آحاد فهو كذلك » .

 إلاّ انه تخلص من هذا الاشكال « بان المدعى انما هو حصول الظن بذلك دون القطع » .

 اما الاشكال الاخير وهي خصوصية الموارد التي وقع فيها الاجتهاد فقد اجاب عن ذلك  :

 قولهم  : يحتمل ان يكون ذلك خاصاً بمن وردت تلك الاخبار في حقه قلنا  : المقصود من الأخبار المذكورة انما هو الدلالة على وقوع الاجتهاد في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) ممن عاصروه ، لا بيان وقوع الاجتهاد من كل من عاصره[298] .

 هذه هي عمدة الاشكالات التي ترد على اجتهاد الصحابة واجابة الآمدي عليها لإثبات مدعاه ، وهي اجوبة لا تخلو من تعسف كما سيأتي .

 ويقول الغزالي  : « وكذلك يجوز ـ اجتهاد غيره ـ في عهده عندنا »[299] .

 ويقول صاحب مسلم الثبوت وشارحه  : « قالت طائفة لا يجوز اجتهاد غيره في عصره ، ومختار الأكثر الجواز مطلقاً ، وقيل بشرط الغيبة للقضاء ، وقيل بالاذن يجوز ، وإذا اجاز ففي الوقوع مذاهب  :

 الأول  : نعم مطلقاً حضرة وغيبة لكن ظنا ، واختاره الآمدي وابن الحاجب .

 والثاني  : لا يقع وعليه الجبائي وابنه في المشهور .

 والثالث  : وقع في الغائب بدليل قصة معاذ وعليه الاكثر .

 الرابع  : الوقف مطلقاً .

 وقيل الوقف إلاّ فيمن غاب .

 ثم قال  : والحق ان ترك اليقين إلى محتمل الخطأ مختاراً مما يأباه العقل ، إلاّ لضرورة مانعة من السؤال كالغائب البعيد ، او للأذن من الرسول بالحكم كتحكيم سعد بن معاذ في بني قريظة[300] .

 وخلاصة الأمر  : ان اجتهاد الصحابة في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) من الأُمور المسلمة عندهم إلاّ أنهم اختلفوا في أعمال الاجتهاد في عصره سعة وضيقاً ، اطلاقاً أو تقيداً .

حقيقة اجتهاد الصحابة  :

 وقبل البحث في مثل هذه الروايات لابد من الاشارة والتذكير إلى ان الاجتهاد له مفهومان  :

 احدهما  : الاجتهاد الذي يعتمد على المصادر الشرعية كالكتاب والسنة ... للوصول إلى الحكم الشرعي ، أو الوظيفة العملية .

 والآخر  : الاجتهاد الذي يعتمد على الرأي والفكر الشخصي ويُعد من مصادر التشريع للحكم الشرعي .

 وما بين مفهومي الاجتهاد فرق ذاتي وما هوي ، إذ ان الاجتهاد بالمعنى والمفهوم الاول هو الذي تتبناه مدرسة الامامية ، لانه يعني بذل الجهد لاستنباط الحكم الشرعي ، والحوادث الواقعة والمسائل الضرورية ، عن طريق المصادر المعتبرة .

 اما المفهوم الثاني ، والذي تلقته بعض المدارس الاصولية للمدرسة السنية بالقبول ، فهي تعني بذل الجهد من قبل المجتهد للوصول إلى حكم الوقائع التي
ليس فيها نص خاص بالاعتماد على الرأي والفكر الشخصي ، ولو سُئلَ عن الدليل لهذا الحكم لأجاب انه الرأي والتفكير الشخصي .

 وعليه يكون الاجتهاد بالمعنى الاول مجرد ، وسيلة وطريق ... لمعرفة الحكم الشرعي ، وعلى الثاني يكون الاجتهاد هو المُنْشِىء والمُوجِد للحكم الشرعي .

 اذا اتضح هذا ، نسأل  : أي نوع من الاجتهاد كان يتبناه ويعمل به الصحابة في عصر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ هل هو الاجتهاد بمعناه الاول ، ام انه الاجتهاد بمعناه الثاني ؟

 لو استعرضنا بعض الامثلة الاجتهادية من خلال بعض الروايات نلاحظ ان الاجتهاد بالمعنى الاول هو الذي كان سائداً في عصر النبي (صلى الله عليه وآله) ، ـ وبشكل محدود ـ بين بعض علماء الصحابة وقراءهم ، ومن أمثلة هذه الروايات .

 اولا  : بعد انتهاء غزوة الخندق قال (صلى الله عليه وآله) لاصحابه  : لا يصلين احدكم العصر إلاّ في بني قريظة ، ونفّذ جماعة الامر بنصه فلم يصلوا إلاّ في بني قريظة ، واجتهد آخرون ، وقالوا ان الغرض المسارعة بالذهاب لمكان بني قريظة الخائنين لتأديبهم ، وصلوا العصر وهم في طريقهم وسارعوا في الوصول ، وعلم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بذلك ، فأجاز ما فعله الفريقان على اعتبار انهما اجتهدا في تنفيذ امر الرسول (صلى الله عليه وآله) ووصلوا سريعاً ، وإن لم يكن بعضهم صلى في الطريق وبعضهم لم يصلِّ إلاّ بعد وصوله المهم أنهم حققوا ما أراد رسول الله (صلى الله عليه وآله)[301] .

 وهذا النوع من الاجتهاد يُصْطَلح عليه علمياً « اجتهاد تخريج الملاك في مقام التطبيق » .

 ثانياً  : في باب التيمم من صحيح البخاري  :

 جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال  : إني اجنبت فلم أُصب الماء ، فقال عمار ابن ياسر لعمر بن الخطاب  : أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت فأما أنت فلم تصلِّ ، وأما انا فتمكعت فصليت فذكرت للنبي (صلى الله عليه وآله) .

 فقال النبي (صلى الله عليه وآله)  : إنما كان يكفيك هكذا ، فضرب النبي بكفيه الأرض ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه[302] .

 وقد يستدل بهذه الرواية على اجتهاد الصحابة في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) .

 والذي يظهر ان اجتهاد عمر في هذه القضية يمكن تقريبه بأن يقال  : إن الصلاة مشروطة بالطهور ، وتحصيل الماء غير ممكن ، وفي نفس الوقت يجهل كيفية التيمم ، ولهذا وصل إلى هذه النتيجة الاستنباطية وهي ان الصلاة ساقطة في مثل هذه الحالة ، لفقد شرط صحتها .

 اما بالنسبة لعمار فالذي يبدو ان اجتهاده في هذه القضية يمكن تقريبه بهذا الشكل:

 اولا  : ان الصلاة لا تترك بحال .

 ثانياً  : والطهارة شرط في صحة الصلاة وهي تنقسم إلى  :

 l  طهارة مائية  : ( وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً )[303] .

 l  طهارة ترابية  : لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله)  : « جعلت لي الارض مَسْجَداً
وترابها طهوراً » .

 ثالثاً  : في حالة عدم الحصول على الماء للطهارة لابد من الطهارة الترابية والتيمم .

 لقوله تعالى  : ( ... فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً )[304] .

 رابعاً  : في حالة وجود الماء فلابد ان يحصل الغسل لتمام البدن ويستوعبه وبما انه لا يوجد الماء ، فلابد ان يحل محله التراب ، وان يستوعب تمام البدن ، ولهذا يقول عمار « فتمعكت » أي تقلبت وفي رواية  : فتمرغت .

 أي انه لما رأى ان التيمم إذا وقع بدل الوضوء وقع على هيئة الوضوء ، رأي ان التيمم عن الغسل يقع على هيئة الغسل[305] .

 والرأي المختار  :

 من خلال هذه النماذج من الروايات وغيرها يمكن القول بوجود الاجتهاد في زمن الرسول (صلى الله عليه وآله) ، من قبل بعض علماء الصحابة وبعض القراء وبشكل بدائي وعفوي ، وخاصة بين المهاجرين إلى الحبشة ، وكذلك لمن هاجر قبل الرسول إلى المدينة ، وبشكل عام للغائب عن مصدر التشريع وعن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) ، وان كان للمناقشة والنقض والابرام في مثل هكذا لون من الاجتهاد والاستنباط مجال واسع ، إلاّ انه على أي حال يدل على وجود هكذا لون من الاجتهاد .

 وخلاصة الأمر ، ان من المسلم به انه لا يوجد حكم تشريعي في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلاّ ومصدره الوحي ، ولم يكن اجتهاد الصحابة ـ إن قلنا بوجوده في عصر النبي ـ بذاته مصدراً تشريعياً .

 إلاّ ان بعض الباحثين ذهب إلى القول  : « ان الرسول (صلى الله عليه وآله) قد جعل الاجتهاد أصلا ثالثاً للأحكام في عصر »[306] وهي دعوى غريبة ، سوف يتضح بطلانها في ما يلي من البحث .

خصائص الاجتهاد عند الصحابة في عصر النبي (صلى الله عليه وآله)  :

 وقد تميزت معالم اجتهاد الصحابة في هذاالدور بالخصائص التالية  :

 اولا  : عدم الحاجة الملحة للاجتهاد وذلك لسببين  :

 الأول  : قلة الفروع الفقهية والوقائع الجديدة .

 الثاني  : وجود الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) والتمكن من الاستفتاء منه في امورهم الدينية . ( لَقَدْ مَنَّ اللهَُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَل مُبِين )[307] .

 بعد ان عرفنا حقيقة اجتهاد الصحابة وخصائص هذا الاجتهاد نأتي إلى مناقشة الروايات التي استدل بها بعض علماء الاصول في المدرسة السنية لاثبات اجتهاد الصحابة في عصر النبي (صلى الله عليه وآله)عن طريق الرأي والفكر والذوق الشخصي ، وبتشجيع من النبي (صلى الله عليه وآله)نفسه !! كما يقولون !

 وفيما يلي بعض النماذج لهذه الروايات ، وهي قابلة للمناقشة والنقض والابرام من جهات متعددة .

روايات اجتهاد الصحابة في عصر رسول الله (صلى الله عليه وآله)  :

 اولا  : روي ان النبي (صلى الله عليه وآله) قال لعمرو بن العاص يوماً احكم في هذه القضية .

 فقال عمرو  : اجتهد وانت حاضر ؟!

 قال (صلى الله عليه وآله) نعم ان اصبت فلك اجران وان اخطأت فلك اجر[308] .

 ثانياً  : خبر معاذ بن جبل وقد بعثه الرسول (صلى الله عليه وآله) إلى احدى الجهات ـ اليمن ـ لِيُعَلِّمَ اهلها ، ويقوم ببعض الأمر فيهم وقال له  : كيف تصنع ان عرض لك القضاء ؟

 قال  : اقض بما في كتاب الله ، قال  : وان لم يكن في كتاب الله ؟ قال  : فبسنة رسول الله ، قال  : فان لم يكن في سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ قال  : اجتهد رأيي ولا آلو ، « فَسُرَّ الرسول من ذلك وقال  : الحمد لله ان وفق رسول رسول الله لما يرضى
الله ورسوله »[309] .

 ثالثاً  : روى البخاري في صحيحه ، ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال  :

 « إن الحاكم اجتهد فأصاب فله اجران ، وإن اجتهد فأخطأ فله اجر »[310] .

 رابعاً  : جاء في سنن أبي داود  : « ان مُعَاذاً سألَ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فقال  : يا رسول الله بِمَ اقضي ؟ قال بكتاب الله ، قال  : فإن لم أجد ؟ قال  : بسنة رسول الله ، قال  : فإن لم أجد ؟ قال  :  ... اجتهد رأيك ... » .

 وفي نفس الكتاب عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)  :

 « إني إنما اقضي بينكما برأيي فيما لم يُنَزَل عليَّ فيه »[311] .

 مناقشة الروايات  :

 لقد استدل بهذه الروايات وامثالها على صحة الاجتهاد ـ  فيما لا نص فيه ـ والذي تنطوي تحته القدرة على الاستنباط من المصادر التي تعود إلى ـ الرأي ـ والذي يصطلح عليه الاجتهاد بالمعنى الخاص كما سوف يأتي .

 فقد قيل ـ استناداً إلى هذه الروايات ـ ان هذا النوع من الاجتهاد وجد في عصر النبي (صلى الله عليه وآله) .

 حيث نجد ان النبي (صلى الله عليه وآله) قد ترحم على معاذ بن جبل ، لانه قد توصل إلى اجتهاد الرأي ، فيما لا نص فيه وهذا يدل على اقراره وقبوله لهذا النوع من الاجتهاد .

 وفي الرواية الاُولى ، والثالثة نجد ان النبي (صلى الله عليه وآله) يأمر ابن العاص ، وعقبة بن عامر ، وآخر من الصحابة ـ  لم تنص الرواية على اسمه ـ بالاجتهاد ويبين لهم أجر ذلك .

 إلاّ أن كثيراً من العلماء قد شككوا في سلامة تلك الروايات من حيث الاسناد ، ومن حيث الدلالة .

 أما بالنسبة لحديث « معاذ بن جبل » فقد جاء في « عون المعبود » ما نصه  :

 « وهذا الحديث اورده الجوزقاني في الموضوعات ، وقال  : هذا باطل ، رواه جماعة عن شعبة ، وقد تصفحت هذا الحديث في المسانيد الكبار والصغار ، وسألت من لقيته من أهل العلم بالنقل عنه ، فلم أجد له طريقاً غير هذا .

 والحارث بن عمر ابن اخي المغيرة بن شعبة ، مجهول ، وأصحاب معاذ
من أهل حمص لا يعرفون . ومثل هذا الاسناد لا يعتمد عليه في أصل
الشريعة .

 فإن قيل  : ان الفقهاء قاطبة اوردوه ، واعتمدوا عليه .

 قيل  : هذا طريقه ، والخلف قلد فيه السلف ، فإن أظهروا طريقاً غير هذا مما يثبت عند اهل النقل رجعنا إلى قولهم ، وهذا مما لا يمكنهم البتة »[312] .

 وقال ابن حزم في الأحكام  :

 « وأما خبر معاذ فإنه لا يحل الاحتجاج به لسقوطه ، وذلك أنه لم يرو قط إلاّ من طريق الحارث بن عمرو ، وهو مجهول لا يدري احد من هو . حدثني احمد ابن محمد العذاري ... حدثنا اسماعيل البخاري ـ وهو مؤلف الصحيح ـ فذكر سند هذا الحديث وقال  : رفعه في اجتهاد الرأي ، قال البخاري  :

 « ولا يعرف الحارث إلاّ بهذا ولا يصح » ، هذا نص كلام البخاري في تاريخه الاوسط ، ثم هو عن رجال من أهل حمص لا يدري من هم .

 ثم لا يعرف قط في عصر الصحابة ولا ذكره احد منهم ، ثم لم يعرفه احد قط في عصر التابعين ، حتى اخذه ابو عون وحده عمن لا يدري من هو ، فلما وجده اصحاب الرأي عند شعبة طاروا به كل مطار ، وأشاعوه في الدنيا وهو باطل لا أصل له[313] .

 ورواية معاذ من أهم ما استدل به لاثبات اجتهاد الرأي من قبل الصحابة في عصر النبي (صلى الله عليه وآله) ، إلاّ ان هذه الرواية عليها كثير من الاشكالات والمناقشات من حيث السند ومن حيث الدلالة  :

 اولا  : الرواية ضعيفة السند ، ولم تذكر في كتب الصحاح والمسانيد ، وانما نقل هذه الرواية الواقدي في الطبقات[314] عن الحارث بن عمر الثقفي ، ابن اخي المغيرة .

 فالمصدر الاول لهذه الرواية هو ابن سعد في الطبقات ، وكل من جاء من بعده من الرواة اخذ منه .

 كذلك الذي يبدو من سند الرواية انها رواية مرسلة حيث قال ـ الراوي ـ اخبرنا اصحابنا عن معاذ بن جبل قال ...[315] ولا نعلم من الذي نقل هذه الرواية عن معاذ بن جبل .

 وقد صرح الآمدي في الأحكام بان هذه الرواية من اخبار الآحاد[316] .

 وقال الذهبي في ميزان الاعتدال  :

 « الحارث بن عمرو عن رجال عن معاذ بحديث الاجتهاد » .

 قال البخاري  : لا يصحّ حديثه .

 قلت  : تفرّد به ابو عون محمد بن عبد الله الثقفي ، عن الحارث بن عمرو الثقفي ابن اخي المغيرة وما روى عن الحارث غير ابي عون ، فهو مجهول .

 وقال الترمذي  : ليس إسناده عندي بمتصل[317] .

 فالحديث ضعيف السند او مرسل ولا يحتج به .

 ثانياً  : الحديث المذكور قد ورد في باب القضاء ، الذي هو لحل النزاع والتخاصم ، وقد يستند في اصدار الحكم إلى الاحكام الثانوية ، ولا يمكن تعميمه إلى باب الفتوى واستنباط الاحكام الشرعية للاحداث الواقعة والموضوعات المستحدثة ، اذ ان التعميم يحتاج إلى عدم القول بالتفاوت بين الامرين والدليل لا يساعد على ذلك[318] .

 ثالثاً  : يحتمل ان يكون قبول الرسول (صلى الله عليه وآله) لاجتهاد الرأي من معاذ بن جبل لخصوصية قد شخصها الرسول (صلى الله عليه وآله) في شخص معاذ ، فأجاز له ذلك ومع هذا الاحتمال لا يمكن تعميم اجازة الرسول إلى غير معاذ[319] .

 رابعاً  : عبارة « أجتهد برأيي » الواردة في رواية معاذ بن جبل ، لا ينحصر معناها في المعنى الاصطلاحي المعروف عندهم الآن ، والذي يعني المعرفة عن طريق الرأي والفكر الشخصي ، إذ ان هذا المصطلح لم يكن متعارفاً في زمن صدور الرواية ـ على فرض صدورها ـ فيحتمل ان يكون قصد معاذ من « اجتهد برأيي » هو معرفة الأحكام الشرعية من خلال تطبيق الوقائع والقضايا الجديدة التي يواجهها على الاصول والكليات ، وبمعنى آخر يعني ارجاع الفروع إلى الاصول واستنباط الحكم من خلال هذه العملية ، والتي هي في الواقع روح الاجتهاد والاستنباط الفقاهتي .

 ومع وجود هذا الاحتمال فلا يمكن ان نحمل كلام معاذ على الاجتهاد بمعنى الرأي والتفكر الشخصي ، إذ لم يكن هذا الاصطلاح معروفاً في ذلك الزمن
والعصر ، ومع عدم الأخذ بهذا الاحتمال تبقى عبارة معاذ من المبهمات التي
لا يمكن الاستناد إليها لاثبات قضية من القضايا .

 خامساً  : ولو تنزلنا عن كل هذه فان رواية معاذ انما تكون دليلا لاثبات اجتهاد الرأي ان سلمت من المعارضة ، إلاّ انه يوجد ما يعارض هذه الرواية .

 فقد روى بن حزم في الاحكام رواية معاذ بن جبل وهي تخلو من عبارة « اجتهد برأيي » قال  : ... عن محمد بن عبيد الله الثقفي ـ هو ابو عون ـ قال  : لما بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) معاذاً إلى اليمن قال  : يا معاذ بم تقضي ؟ قال  : أقضي بما في كتاب الله . قال  : فان جاءك امر ليس في كتاب الله ؟ قال  : أقضي بما قضى به نبيه (صلى الله عليه وآله) ، قال  : إن جاءك امر ليس في كتاب الله ولم يقض به نبيه ؟ قال  : أقضي بما قضى به الصالحون قال  : فان جاءك أمر ليس في كتاب الله ، ولم يقض به نبيه ، ولا قضى به الصالحون .

 قال  : « أؤم الحق جهدي » . فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) الحمد لله الذي جعل رسول رسول الله يقضي بما يرضي به رسول الله[320] .

 فلم يذكر « اجتهد برأيي » اصلا وقوله  : « أؤم الحق » هو طلبه للحق حتى يجده ، حيث لا توجد الشريعة إلاّ منه ، وهو القرآن ، وسنن النبي (صلى الله عليه وآله) .

 ثُمّ إن هنالك جملة من الروايات الناهية عن العمل بالرأي في امر الدين ، فلا يمكن التشبث برواية واحدة وترك هذه الروايات المعارضة لها .

 ومما يعزز هذا الاحتمال ما ورد في كلمات امير المؤمنين (عليه السلام) حيث روي عنه  : « إنما هلك الذين قبلكم بالتكلف ، فلا يتكلف رجل منكم ان يتكلم في دين الله بما لا يعرف ، فان الله عزّ وجل يعذر على الخطأ ان اجتهدت رأيك » .

 فالملاحظ في هذه الرواية استخدام الامام لمصطلح ـ الاجتهاد ـ بمعناه المقبول والمعروف لدى المذاهب الاسلامية والذي بيناه سابقاً ، وليس اجتهاد الرأي الذي هو مورد خلاف .

 فلا يمكن التشبث بأمثال هذه الروايات لاثبات اجتهاد الرأي في عصر
رسول الله (صلى الله عليه وآله) .

 والمصطلحات الاصولية المعروفة والمتداولة الآن من قبيل  : القياس ، الاستحسان ، الاجماع ، المصالح المرسلة ، مذهب الصحابي ، شريعة السلف ... وامثال هذه المصطلحات لم توجد في عصر النبي (صلى الله عليه وآله) وانما ظهرت في مرحلة متأخرة وفي عصر تكوين المذاهب . وانما كان الاستناد إلى كتاب الله وسنة الرسول (صلى الله عليه وآله) في الاستنباط والاجتهاد ، والذي كان محدوداً جداً وفي موارد نادرة . كما قلنا سابقاً .

 وهذا الامر مورد اتفاق علماء الامة الاسلامية ، ولا يوجد خلاف إلاّ في بعض الجزئيات[321] .

 أما بالنسبة لحديث ابن العاص ، وعقبة فيقول فيهما الغزالي  :

 فان قيل  : فقد قال ـ النبي (صلى الله عليه وآله) ـ لعمرو بن العاص احكم في بعض القضايا ، وقال اجتهد وانت حاضر ؟ فقال  : نعم ان اصبت فلك اجران وان اخطأت فلك أجر ، وقال لعقبة بن عامر ولرجل من الصحابة  : اجتهدا فان اصبتما فلكما عشر حسنات وان أخطأتما فلكما حسنة .

 قلنا ـ والكلام للغزالي ـ حديث معاذ مشهور ! قبلته الامة ، وهذه أخبار آحاد لا تثبت ، وإن يثبت احتمل ان يكون مخصوصاً بهما أو في واقعة معينة[322] .

 المناقشة  :

 نقول تعليقاً على كلام الغزالي بالنسبة إلى حديث معاذ بن جبل حيث قال  : « انه حديث مشهور قبلته الامة » .

 لقد تبين لنا من خلال نقل كلمات العلماء واهل الفن مثل الجوزقاني وصاحب كتاب عون المعبود ، وابن حزم ، والبخاري ، ان هذا الحديث ساقط وباطل ولا أصل له . فالشهرة التي يدعيها الغزالي لهذا الحديث من مقولة « رُبّ مشهور لا أصل له » .

 فهذه الأحاديث اما مرسلة ، أو مروية عن مجاهيل ، أو أحاديث آحاد ، وهذا كاف للوهن فيها ، وعدم الاعتماد عليها .

 وحتى من احتج بمثل هذه الأحاديث لاثبات « اجتهاد الرأي » فانهم لم يلتزموا بمضمونها عملياً ، بل تعدوا إلى الاجتهاد مقابل النص ، كما قال ابن حزم معقباً على حديث معاذ السالف الذكر . يقول  :

 « وأيضاً فإنهم مخالفون لما فيه ، تاركون له ، لأن فيه انه يقضي أولا بما في كتاب الله ، فإن لم يجد في كتاب الله فحينئذ يقضي بسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وهم كلهم على خلاف هذا ، بل يتركون نص القرآن إما لسنة صحيحة ، وإما لرواية فاسدة ، كما تركوا مسح الرجلين ، وهو نص القرآن لرواية جاءت بالغسل ، وكما تركوا
الوصية للوالدين والأقربين لرواية جاءت  : « لا وصية لوارث » وكما تركوا جلد المحصن ، وهو نص القرآن لظن كاذب في تركه ، ومثل هذا كثير ، فكيف يجوز لذي دين ان يحتج بشيء هو أول مخالف له ؟! ... »[323] .

 وفي دلالة هذه الأحاديث مجال واسع للمناقشة اعرضنا عنها خشية الاطالة[324] .

الاجتهاد في عصر الصحابة  :

 وإذا جاز لنا ان نشكك في ورود الأثر الصحيح المجوز « للاجتهاد بالرأي » في عصر النبي (صلى الله عليه وآله) ـ وهو تشكيك في محله ـ فليس لنا ذلك ونحن نستعرض عصر الخلفاء الأوائل . حيث نجد ان هذا المصطلح ورد على ألسنة قسم منهم على نسق ومضمون ما ورد في تلك الأحاديث السابقة من حيث الهيئة والمادة والمدلول .

 فمنها ما جاء في رسائل الخليفة عمر أكثر من مرة ، وأبرزها في رسالته إلى شريح القاضي حيث قال  :

 « فإن أتاك ما ليس في كتاب الله ، ولا بسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم يتكلم به أحد ، فإن شئت ان تجتهد رأيك فتقدم ، وإن شئت ان تتأخر فتأخر »[325] .

 ومضمون هذا الحديث لا يختلف ، بل هو نفس مضمون حديث « معاذ المتقدم » .

 ومنها  : ما جاء في حديث عبد الله بن مسعود ، قال  :

 « فان جاءه أمر ليس في كتاب الله ، ولا قضى به رسول الله (صلى الله عليه وآله) فليقض بما قضى به الصالحون ، فان جاءه أمر لم يقض به الصالحون ، فليجتهد رأيه »[326] .

 وكذلك جاء في حديث « زيد بن ثابت » كما نقله الشعبي قال  :

 « أتى زيد بن ثابت قوم فسألوه عن اشياء فاخبرهم بها فكتبوها ، ثم قالوا  : « لو أخبرنا » فأتوه فأخبروه فقال  : أغدراً ؟ لعل حديثي حدثتكم خطأ ، إنما اجتهد لكم رأيي »[327] .

 والذي نلاحظه من خلال هذه النصوص وغيرها ان هذا التعبير ـ اعني الاجتهاد بالرأي ـ كان سائداً ، وتذكر لنا كتب الصحاح ، والوقائع ، والأحكام ، والسير ، عشرات الفتاوى صدرت من الخلفاء معتمدة هذا النوع من الاجتهاد[328] .

 بل حتى في عصر التابعين نرى شيوع هذا المصطلح بالمعنى المتقدم ، ففي كلام لمالك قال في اختلاف الصحابة  : « مخطئ ومصيب ، فعليك بالاجتهاد »[329] .

ظهور الاجتهاد بعد رحيل رسول الله (صلى الله عليه وآله)  :

 تتفق مدرسة الامامية على ان عصر النص لم ينتهِ بوفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) ، وانما بقي عصر النص متمثلا بالامامة والتي هي امتداد للنبوة ، إلاّ فيما يخص النبي (صلى الله عليه وآله)من اموره .

 وهذا من الامور المتفق عليها بين علماء المذهب ، ومبرهن عليها في كتبهم الاستدلالية والاصولية والعقائدية .

 « وإذا رجعنا إلى المصادر الأساسية بمدرسة أهل البيت ، وجدنا أن ائمة أهل البيت لم يعتمدوا في بيان الاحكام الاسلامية مبدأ ( الرأي ) المسمّى ( بالاجتهاد ) في عرف مدرسة الخلفاء ، وإنما استندوا إلى ماتوارثوه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) من حديث في كتب خاصة بهم .

 « فأئمة أهل البيت (عليهم السلام) لا يعتمدون الرأي في بيان الأحكام ، وأحاديث ائمة أهل البيت مسندة إلى الله ورسوله »[330] .

 في الكافي  : « سأل رجل ابا عبد الله ـ الامام جعفر الصادق (عليه السلام) ـ عن مسألة فأجابه فيها ، فقال الرجل  : أرأيت إن كان كذا وكذا ما يكون القول فيها ؟ فقال له  : « مه ، ما أجبتك فيه من شيء فهو عن رسول الله لسنا من ( أرأيت ) في شيء »[331] .

 وفي بصائر الدرجات  : « مهما أجبتك فيه بشيء فهو عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لسنا نقول برأينا من شيء »[332] .

 قال المجلسي ـ معقباً على الحديث  : « لما كان مراده ـ أي السائل ـ اخبرني عن رأيك الذي تختاره بالظن والاجتهاد ، فقد نهاه (عليه السلام) عن هذا الظن ، وبيّن له انّهم لا يقولون شيئاً إلا بالجزم واليقين ، وبما وصل إليهم من سيد المرسلين »[333] .

 هذه هي معالم مدرسة اهل البيت (عليهم السلام) .

 لقد كان الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) بعد رحيل رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعملون بما أخذوا من كتاب الله ، وبما توارثوه من سنة الرسول المكتوبة لديهم ، وعلّموا الفقهاء بمدرستهم ما توارثوه من سنة الرسول ، ونهوا عن العمل بالرأي والقياس والاستحسان والمسمى ـ بالاجتهاده ـ[334] .

 اما في المدرسة السنية ـ مدرسة الخلافة ـ فنجد الأمر يختلف عما عليه في مدرسة أهل البيت ، فهي لا تلتزم بالنص في مسألة الامامة ، وتعتبر ان عصر النص قد انتهى بوفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، ومصادر التشريع عندهم توسع كثيراً ليشمل ـ بعد الكتاب والسنة ـ امور أُخرى ، منها سنة الصحابي ، والقياس ، والاستحسان ، والمصالح المرسلة ، وغيرها .

 وقد استعرض السيد العسكري في كتابه القيم ـ معالم المدرستين ـ نماذج كثيرة من اجتهادات الصحابة ثم علق على ذلك  :

 « رأينا في ما سبق اجتهادات للصحابة والتابعين والخلفاء منهم خاصة في احكام إسلامية عملوا فيها برأيهم واجتهادهم ، في مقابل نصوص من كتاب الله وسنة رسوله ، لما اعتقدوا فيها مصلحة لسياسة الحكم او غير ذلك ، ورأينا أن اتباع مدرسة الخلفاء اتخذوا تلك الاجتهادات مصدراً للتشريع في مقابل نصوص من كتاب الله وسنة رسوله ، ومن ثم اتخذ بعض الفقهاء بمدرسة الخلفاء العمل بالرأي كالقياس والاستحسان من موارد الاجتهاد ، واصبح الاجتهاد بمدرسة الخلفاء في عداد الكتاب والسنة من مصادر التشريع الاسلامي إلى يومنا الحاضر ، وهذا من موارد الخلاف بين اتباع مدرسة أهل البيت الذين لم يعملوا بالرأي والاجتهاد واقتصروا في العمل بالاحكام بما جاء في كتاب الله وسنة رسول (صلى الله عليه وآله) »[335] .

نماذج من اجتهاد الصحابة  :

 اولا  : اجتهاد ابي بكر  :

 منها فتواه في مسألة الكلالة[336]  : وقد سئل ابو بكر عنها فقال  : إني سأقول فيها برأيي فإن يك صواباً فمن الله ، وان يك خطأ فمني ، ومن الشيطان ، والله ورسوله بريئان منه ، اراه ما خلا الولد والوالد .

 فلما استخلف عمر قال  : إني لاستحيي الله ان أرد شيئاً قاله ابو بكر[337] .

 كذلك من اجتهاده جوابه عن ارث الجدّة حيث قال لها ـ كما في الموطأ ـ  : ما لَكِ في كتاب الله شيء ، وما علمت لك في سنة رسول الله شيئاً فارجعي ... ثم بعد ذلك فرض لها السدس[338] .

 ومنها قصة مقتل مالك بن نويرة من قبل خالد بن الوليد ، وتزوج امراته في ليلة مقتله ، وهي قصة معروفة نقلها ارباب التاريخ والسير بتفاصيلها وجزئيتها .

 ففي تاريخ اليعقوبي  : فقال عمر بن الخطاب لأبي بكر  :

 يا خليفة رسول الله إن خالداً قتل رجلا مسلماً وتزوج امرأته من يومها ، فكتب ابو بكر إلى خالد فأشخصه فقال  : يا خليفة رسول الله إني تأوّلت واصبت واخطأت[339] .

 وفي وفيات الاعيان ، وتاريخ ابي الفداء ، وكنز العمال ، واللفظ للاول  :

 « لمّا بلغ ذلك أبا بكر وعمر قال عمر لأبي بكر  : إنّ خالداً قد زنى فارجمه ، قال  : ماكنت أرجمُه فإنه تأول فأخطأ . قال  : فاعزله  : ما كنت اغمد سيفاً
سلّه الله »[340] .

[266]  الإصابة  : 1 / 11 .

[267]  الاصابة  : 1 / 10 . ( مصدر سابق ) .

[268]  الفتح  : 18 .

[269]  التوبة  : 101 .

[270]  انظر مغازي الواقدي  : 2 / 1042 ـ 1045 ، وشرح ابن أبي الحديد  : 2 / 103 .

[271]  المائدة  : 117 .

[272]  صحيح البخاري ، كتاب التفسير ، تفسيرة سورة المائدة باب وكنت عليهم شهيداً ،
وكتاب الأنبياء .

[273]  صحيح مسلم كتاب الفضائل ـ باب اثبات حوض نبينا  : 4 / 1800 .

[274]  روايته في المنافقين في صحيح مسلم  : 1 / 61 ، الترمذي  : 13 / 177 ، ومقدمة سنن ابن ماجة .

[275]  الحاكم النيسابوري ( محمد بن عبد الله )  : مستدرك الصحيحين  : 3 / 129 ، ط . دار المعرفة ـ بيروت ، ( بلا ـ ت ) والمتقي الهندي ( علاء الدين )  : كنز العمال  : 15 / 91 ، ط . مؤسسة الرسالة ، ( 1409 هـ ـ 1989 م ) .

[276]  ابن عبد البر  : الاستيعاب  : 2 / 462 .

[277]  السيد العسكري ـ معالم المدرستين  : 1 / 141 . ( مصدر سابق ) .

[278]  من أوسع من كتب في سنة الصحابة وحشد لها الأدلة حتى بلغ بها إلى ستة وأربعين دليلا هو ابن قيم الجوزية في كتابه  : اعلام الموقعين عن رب العالمين . فصل  : تفصيل الأدلة على وجوب اتباع أقوال الصحابة  : 957 ـ 970 من طبعة دار الكتاب العربي ـ بيروت ، ط . الأُولى ، ( 1425 هـ ـ 2004 م ) ، بتحقيق وتخريج  : محمد المعتصم بالله .

[279]  آل عمران  : 110 .

[280]  البقرة  : 142 .

[281]  الشاطبي (ابو اسحاق ابراهيم بن موسى) : الموافقات في أُصول الفقه  : 4 / 62 ، مع شرح وتعليقات الشيخ عبد الله دَرَّاز ، ط . المكتبة التوفيقية ـ مصر ، ( بلاـ ت ) .

[282]  اقتبسنا وجوه الاجابة باختصار من كتاب  : الاصول العامة للفقه المقارن ، للسيد محمد تقي الحكيم  : 135 ـ 143 . ( مصدر سابق ) .

[283]  البقرة  : 142 .

[284]  للتوسع انظر الموافقات  : 4 / 64 وما بعدها . ( مصدر سابق ) .

[285]  اقرأ ما كتبه الشيخ عبد الله دوراز في تعليقه على هذا الحديث في نفس المصدر السابق ، وما جاء فيه من تضعيف .

[286]  المستصفى  : 1 / 209 ، الطبعة الأُولى الحديثة لدار إحياء التراث العربي ـ بيروت ، ( 1418 هـ ـ 1997 م ) .

[287]  الأحكام  : 4 / 155 ، تحقيق  : د . سيّد الجميلي ، طبعة دار الكتاب العربي ـ بيروت ،
ط . الثالثة ، ( 1418  ـ  1998 م ) .

[288]  للتوسع ـ انظر الاصول العامة للفقه المقارن  : 138 ـ 143 كذلك  : 439 ـ 441 .

[289]  الشوكاني  : ارشاد الفحول  : 2 / 188 ـ 189 .

[290]  السايس ( الشيخ محمد )  : نشأة الفقه الاقتصادي ، ط . مجمع البحوث  : 14 ، نقلا عن النمر
( د . عبد المنعم )  : علم الفقه  : 31 ، ط . وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الجمهورية العراقية ـ سلسلة احياء التراث العربي ، ( بلا ـ ت ) .

[291]  المصدر نفسه  : 44 .

[292]  الاحكام  : 4 / 181 ـ 182 . ( مصدر سابق ) .

[293]  المصدر نفسه  : 4 / 182 وما بعدها .

[294]  المصدر نفسه  : 4 / 182 وما بعدها .

[295]  المصدر نفسه  : 4 / 183 .

[296]  المصدر نفسه  : 181 .

[297]  المصدر نفسه  : 183 .

[298]  الآمدي  : الاحكام في اصول الاحكام  : 183 ـ 184 . ( مصدر سابق ) .

[299]  الغزالي  : المستصفى  : 2 / 355 .

[300]  الأنصاري  : مسلم الثبوت  : 2 / 274 ـ 276 بهامش المستصفى .

[301]  فواتح الرحموت  : 2 / 425 .

[302]  فتح الباري في شرح صحيح البخاري  : 1 / 352 ، وقد علق الشارح على الرواية بقوله  : هذه الرواية اختصر فيها جواب عمر ... نعم ذكر جواب « عمر » مسلم في الصحيح ولفظهُ  : « لا تصل حتى تجد الماء ... » وهذا مذهب مشهور من عمر .

[303]  الفرقان  : 48 .

[304]  المائدة  : 6 .

[305]  ادوار إجتهاد  : 45 ـ 46 .

[306]  الدواليبي ، معروف  : المدخل إلى علم اُصول الفقه  : 11 ، طبعة مطبعة الجامعة السورية ـ دمشق ، ( 1949 م ) .                                     (2)  آل عمران  : 169 .

[308]  ولمعرفة مصدر الحديث انظر البخاري ، كتاب الاعتصام ، الحديث 7352 ، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ . ومسلم ، حديث رقم 1716 في الأقضية ، وأبو داود ، حديث 3574 ، وابن ماجة ، حديث 2314 .

[309]  رواه ابو داود في أقضيته ، والترمذي ، والحاكم ، والنسائي في القضاء ، وابن ماجة والدارمي في المقدمة واحمد في مسنده ، ج 1 .

[310]  في صحيح البخاري ، كتاب الاعتصام ، حديث رقم  : 7352 .

[311]  سنن أبي داود ، كتاب الطهارة ، حديث رقم  : 3583 ، وانظر ابن الأثير الجزري  : جامع الأُصول  : 8 / 139 ـ 142 ، ط . دار الفكر ـ بيروت ، ط . الاُولى ، ( 1417 هـ ـ 1997 م ) .

[312]  العظيم آبادي ( ابو الطيب شمس الحق )  : عون المعبود في شرح سنن أبي داود  : 6 / 369 ،
ط . دار الكتب العلمية ـ بيروت ، ط . الاُولى ، ( 1410 هـ ـ 1990 م ) .

[313]  ابن حزم ـ الاحكام  : 206 ـ 207 . ( مصدر سابق ) .

[314]  الواقدي ( محمد بن سعد )  : الطبقات الكبرى  : 3 / 584 ، ط . دار احياء التراث العربي ـ بيروت ، ط . الاُولى ، ( 1417 هـ ـ 1996 م ) .

[315]  المصدر نفسه  : 584 .

[316]  الآمدي  : الاحكام  : 183 .

[317]  الذهبي ( محمد بن أحمد بن عثمان )  : ميزان الاعتدال في نقد الرجال  : 1 / 439 ،
ط . دار الفكر ـ بيروت ، ( بلا ـ ت ) .

[318]  جناتي  : ادوار إجتهاد  : 1 / 51 .

[319]  المصدر نفسه  : 1 / 51 .

[320]  ابن حزم الظاهري  : الاحكام  : 6 / 208 ولابن حزم مناقشات وافية لهذا الحديث ،
انظر  : 6 / 211 ـ 226 من المصدر نفسه .

[321]  للتوسع انظر  : السيد المرتضى ، الذريعة  : 1 / 34 والانصاف للدهلوي ، واعلام الموقعين لابن قيم .

[322]  المستصفى  : 2 / 173 ـ 174 ، ط . دار احياء التراث العربي ـ بيروت ، ط . الاُولى ،
( 1418 هـ ـ 1997 م ) .

[323]  ابن حزم  : المصدر السابق  : 2 / 208 .

[324]  راجع الاجتهاد والتقليد  : رضا الصدر  : 26 ـ 27 . وانظر المحلى  : 2 / 62 واصول المظفر  :
1 / 193 ودروس في فقه الامامية للفضلي  : 1 / 82 ـ 86 .

[325]  ابن قيم الجوزيّة  : أعلام الموقعين  : 1 / 61 ـ 62 .

[326]  ابن حزم ، ملخص ابطال القياس  : 12 .                            (2)  المصدر نفسه  : 62 .

[328]  للاطلاع على نماذج من تلك الفتاوى يراجع كتاب « النص والاجتهاد » للسيد عبد الحسين شرف  الدين ، ومقدمة الكتاب للسيد محمد تقي الحكيم . كذلك كتاب « رسائل في الاجتهاد والتقليد ... » للشيخ علي رضا السنجري / تقريرات استاذه السيد الروحاني / فقد ذكر امثلة كثيرة لاجتهاد الرأي  : 21 ـ 31 .

[329]  ابن حزم  : ملخص ابطال القياس  : 20 . ولاحظ تعليقه الناشر لكتاب ابطال القياس  : 15 .

[330]  العسكري ( السيد المرتضى )  : معالم المدرستين  : 2 / 311 .

[331]  الكليني ( محمد بن يعقوب )  : الكافي  : 1 / 58 .

[332]  بصائر الدرجات  : 301 .

[333]  للتوسع انظر  : مرآة العقول للمجلسي شرح الحديث .

[334]  معالم المدرستين  : 2 / 381 .

[335]  معالم المدرستين  : 1 / 381 وللتوسع انظر من  : 67 ـ 380 .

[336]  الكلالة  : الميت الذي لا ولد له في ورثته ولا والد فورثتهُ يقال لهم  : كلالة ، وقد ورد حكم الكلالة في سورة النساء آية  : 12 وفي الآية  : 176 .

[337]  معالم المدرستين  : 2 / 88 نقلا عن سنن الدارمي  : 2 / 365 واعلام الموقعين  : 1 / 28 .

[338]  المصدر نفسه  : 89 .

[339]  اليعقوبي ( أحمد بن أبي يعقوب بن واضح )  : تاريخ اليعقوبي  : 1 / 132 ، ط . دار صادر ـ بيروت ، ( بلا ـ ت ) .

[340]  ابن خلكان ( أحمد بن محمد )  : وفيات الأعيان  : 5 / 67 ، ط . مكتبة النهضة ـ القاهرة ، ( 1948 م ) . ابو الفداء ( اسماعيل بن علي )  : تاريخ ابو الفداء  : 158 ، ط . دار الكتب العلمية ـ بيروت ، ط . الاُولى ، ( 1417 هـ ـ 1997 م ) ، كنز العمال  : 3 / 132 ، الحديث 228 .