‹ صفحه 367 ›
المعاد في أوائل حاشيته على الشرح الجديد للتجريد .
قال المصنف رفع الله درجته
الثاني لو خير العاقل الذي لم يسمع الشرائع ولا علم شيئا من الأحكام ،
بل نشأ في بادية خاليا من العقائد كلها ، بين أن يصدق ويعطي دينارا وبين أن يكذب
ويعطي دينارا ولا ضرر عليه فيهما ، فإنه يختار الصدق على الكذب ، ولولا
حكم العقل بقبح الكذب وحسن الصدق لما فرق ( ميز خ ل ) بينهما ولا اختار
الصدق دائما .
قال الناصب خفضه الله
أقول : قد سبق جواب هذا ، وأن مثل هذا الرجل لو فرضنا أنه يختار الصدق
بحكم عقله ، فإنه يختاره لكونه صفة كمال أو موجب مصلحة ، وهذا لا نزاع فيه
أنهما عقليان لا أنه يختاره لكونه موجبا للثواب والعقاب ، كيف وهو لا يعرف
الثواب ولا العقاب ؟ " إنتهى " .
أقول : قد سبق دفعه أيضا حيث بينا سابقا استلزام تلك المعاني لما هو محل
النزاع ، وقررنا قبيل ذلك بلا فصل : أن خصوصيات الثواب والعقاب غير معتبرة ، و
أيضا قد ظهر لك مما فصلناه سابقا من تحقيق الأصلين ، وأن النزاع واقع فيهما ،
أن قول الناصب : إنه لا نزاع في أن حسن الصدق وقبح الكذب ونحوهما عقليان
لا يصح على إطلاقه ، لأن أحد الأصلين المتنازع فيه هو أن ما حسنه الشارح و
أمر به هل كان سابقا حسنا بوجه وجهة ثم أمر به أم لا ؟ ونحن نقول : نعم ، لأنا
نعلم بالبديهة أن الصدق كان حسنا ثم أمر به ثم صار حسنا ، فلا يجوز
عندنا النهي عن الصدق بالضرورة ، فبطل ما ذهب إليه الأشاعرة من أنه أمر به
ثم صار حسنا ، وكذا الكلام في الظلم العدل ونحوهما ، فكيف يقال هيهنا : إن
‹ صفحه 368 ›
الصدق والكذب كانا قبل الأمر والنهي مشتملين على الجهة المحسنة أو المقبحة ،
بمعنى صفة الكمال والنقص ، دون الجهة المحسنة والمقبحة التي يترتب عليهما
الثواب والعقاب ، فتأمل فإنه كاشف عن مغالطة القوم وفرارهم عن الاعتراف
بالحق كما مر .
قال المصنف رفع الله درجته
الثالث لو كان الحسن والقبح شرعيين لما حكم بهما من ينكر الشرع ،
والتالي باطل ، فإن البراهمة ( 1 ) بأسرهم ينكرون الشرائع والأديان كلها ، و
يحكمون بالحسن والقبح مستندين إلى ضرورة العقل في ذلك
قال الناصب خفضه الله
أقول : جوابه أن البراهمة المنكرين للشرائع يحكمون بالحسن والقبح للأشياء
‹ صفحه 369 ›
لصفة الكمال والنقص ، والمصلحة والمفسدة ، لا لتعلق الثواب والعقاب كما مر وكيف
يحكمون بالثواب والعقاب وهم لا يعرفونهما ؟ " إنتهى " .
أقول جواب هذا أيضا مثل ما مر في الفصلين السابقين ، والحاصل أن حكم
البراهمة بمجرد حسن الأشياء وقبحها عقلا يثبت أحد جزئي المدعى ، وهو أن في
الفعل قبل ورود الأمر والنهي جهة محسنة وصفة موجبة للحسن أو جهة مقبحة ،
وأما الجزء الآخر وهو ترتب الثواب والعقاب ، فهم يعرفونه كما يعرفه أرباب
الشرائع ، لأن البراهمة وإن أنكروا النبوات والشرائع ، فلم ينكروا الإلهيات
حتى يلزم أن لا يعرفوا الثواب والعقاب على الأعمال ، غاية الأمر أنهم قالوا : إن
معرفة ذلك لا تتوقف على تعليم الأنبياء عليهم السلام ، بل العقل مستقل به كما نقله
عنهم الشهرستاني في كتاب الملل والنحل عند نقل شبههم على نفي النبوات ، حيث
قال : إنهم قالوا : قد دل العقل بأن الله تعالى حكيم ، والحكيم لا يتعبد الخلق إلا
بما تدل عليه
عقولهم ، وقد دلت الدلائل العقلية أن للعالم صانعا عالما قادرا حكيما ، وأن له على
عباده نعما توجب الشكر ، فننظر في آيات خلقه بعقولنا ، ونشكر بآلائه علينا ، و
إذ عرفناه وشكرنا له استوجبنا ثوابه ، وإذا أنكرناه وكفرنا به استوجبنا عقابه ،
فما بالنا نتبع بشرا مثلنا ، ( 1 ) فإنه إن كان يأمرنا بما ذكرناه من المعرفة
والشكر
فقد استغنينا عنه بعقولنا ، وإن كان يأمرنا بما يخالف ذلك كان قوله دليلا على كذبه
" إنتهى " ، فظهر أن قول الناصب : وهم لا يعرفونه إنما نشأ من جهله وعدم
معرفته
بما ينبغي معرفته لمدعي الفضل والعرفان والله المستعان .
قال المصنف رفع الله درجته
الرابع الضرورة قاضية بقبح العبث ، كمن يستأجر أجيرا ليرمي من ماء الفرات
‹ صفحه 370 ›
في دجلة ( 1 ) ويبيع متاعا أعطي في بلده عشرة دراهم في بلد آخر يحمله إليه بمشقة
عظيمة ، ويعلم أن سعره كسعر بلده بعشرة دراهم أيضا ( 2 ) ، وقبح تكليف ما لا يطاق
كتكليف الزمن الطيران إلى السماء وتعذيبه دائما على ترك هذا الفعل ، وقبح من يذم
العالم الزاهد على علمه وزهده وحسن مدحه ، وقبح مدح الجاهل الفاسق على جهله
وفسقه وحسن ذمه عليهما ، ومن كابر في ذلك فقد أنكر أجلى الضروريات ،
لأن هذا الحكم حاصل للأطفال ، والضروريات قد لا تحصل لهم " إنتهى " .
قال الناصب خفضه الله
أقول جوابه أن قبح العبث لكونه مشتملا على المفسدة لا لكونه موجبا لتعلق
الذم بالعقاب وهذا ظاهر ، وقبح مذمة العاقل وحسن مدحة الزاهد للاشتمال على
صفة الكمال والنقص ، فكل ما يذكر هذا الرجل من الدلائل هو إقامة الدليل على غير
محل النزاع ، فإن الأشاعرة معترفون بأن كل ما ذكره من الحسن والقبح عقليان
( 3 ) ، والنزاع ( 4 ) في غير هذين المعنيين ( إنتهى )
أقول : قد مر مرارا ما يقوم دفعا لهذا الجواب فتذكر .
‹ صفحه 371 ›
قال المصنف رفع الله درجته
الخامس لو كان الحسن والقبح باعتبار السمع لا غير لما قبح من الله شئ ، و
لو كان كذلك لما قبح منه تعالى إظهار المعجزات على الكذابين ، وتجويز ذلك
يسد باب معرفة النبوة ، فإن أي نبي أظهر المعجزة عقيب ادعاء النبوة لا يمكن
تصديقه مع تجويز إظهار المعجزة على يد الكاذب في دعوى النبوة " إنتهى "
قال الناصب خفضه الله
أقول : جوابه أنه لم يقبح من الله شئ قوله : لو كان كذلك لما قبح منه إظهار
المعجزات على يد الكذابين ، قلنا : عدم إظهار المعجزة على يد الكذابين ليس
لكونه قبيحا عقلا ، بل لعدم جريان عادة الله تعالى الجاري مجرى المحال العادي
بذلك الاظهار ، قوله : تجويز هذا يسد باب معرفة النبوة ، قلنا : لا يلزم هذا
لأن العلم العادي حاكم باستحالة هذا الاظهار ، فلا ينسد ذلك الباب " إنتهى
"
أقول
قد مر بيان قباحة الحكم بعدم قبح صدور القبائح المعلومة قبحها بالعقل
من الله تعالى ، وسبق أيضا أن قاعدة جريان العادة مع بطلانها بما مر لا يفيد
المعرفة ،
لأن ذلك الجريان غير واجب على أصل الأشاعرة إذ لا يجب عليه تعالى شئ عندهم
فيجوز تخلف العادة ، فلا يحصل الجزم بصدق النبي
قال المصنف رفع الله درجته
السادس لو كان الحسن والقبح شرعيين لحسن من الله تعالى أن يأمر
بالكفر وتكذيب الأنبياء وتعظيم الأصنام ، وبالمواظبة على الزناء والسرقة ، والنهي
عن العبادة والصدق ، لأنها غير قبيحة في أنفسها ، فإذا أمر الله تعالى بها صارت
حسنة ،
إذ لا فرق بينها وبين الأمر بالطاعة ، فإن شكر المنعم ورد الوديعة والصدق ليست
‹ صفحه 372 ›
حسنة في أنفسها ، ولو نهى الله تعالى عنها كانت قبيحة ، لكن لما اتفق أنه تعالى
أمر
بهذه مجانا لغير غرض ولا حكمة صارت حسنة بذلك ، واتفق أنه نهى عن تلك فصارت
قبيحة ، وقبل الأمر والنهي لا فرق بينهما ، ومن أداه عقله إلى تقليد من يعتقد ذلك
فهو أجهل الجهال وأحمق الحمقاء إذا علم أن معتقد رئيسه ذلك ، وإن لم يعلم و
وقف عليه ثم استمر على تقليده فكذلك ، فلهذا وجب علينا كشف معتقدهم لئلا يضل
غيرهم ولا تستوعب البلية جميع الناس أو أكثرهم ( إنتهى )
قال الناصب خفضه الله
أقول : جوابه أنه لا يلزم من كون الحسن والقبح شرعيين بمعنى أن الشرع
حاكم بالحسن والقبح أن يحسن من الله الأمر بالكفر والمعاصي ، لأن المراد بهذا
الحسن إن كان استحسان هذه الأشياء فعدم هذه الملازمة ظاهر ، لأن من الأشياء
ما يكون مخالفا للمصلحة لا يستحسنه الحكيم ، وقد ذكرنا أن المصلحة والمفسدة
حاصلتان للأفعال بحسب ذواتها ، وإن كان المراد بهذا الحسن عدم الامتناع
عليه فقد ذكرنا أنه لا يمتنع عليه شئ عقلا ، لكن جرت عادة الله تعالى على الأمر
بما اشتمل على مصلحة من الأفعال ، والنهي عن ما اشتمل على مفسدة من الأفعال ،
فالعلم العادي حاكم بأن الله تعالى لم يأمر بالكفر وتكذيب الأنبياء قط ، ولم ينه
عن شكر المنعم ورد الوديعة ، فحصل الفرق ( 1 ) بين هذا الأمر والنهي بجريان
عادة الله الذي يجري مجرى المحال العادي ، فلا يلزم شئ مما ذكره هذا الرجل
وقد زعم أن فلق ( 2 ) الشعر في تدقيق هذا السؤال الظاهر دفعه عند أهل الحق
‹ صفحه 373 ›
حتى رتب عليه التشنيع والتفظيع ، فيا له من رجل ما أجهله ! " إنتهى " .
أقول
ما ذكره في منع الملازمة من أن من الأشياء ما يكون مخالفا للمصلحة لا
يستحسنه الحكيم " الخ " فرار شنيع مخالف لما مر : من أن الأشاعرة جعلوا
الأفعال كلها سواء في نفس الأمر ، وأنها غير منقسمة في ذواتها إلى حسن و
قبيح ، ولا يتميز القبيح بصفة اقتضت قبحه أن يكون هو هذا القبيح وكذا الحسن ،
فليس الفعل عندهم منشأ حسن وقبح ولا مصلحة ولا مفسدة ولا نقص ولا كمال ، ولا
فرق بين السجود للشيطان والسجود للرحمان في نفس الأمر ، ولا بين الصدق
والكذب ، ولا بين النكاح والسفاح ، إلا أن الشارع أوجب هذا وحرم هذا .
وقد صرح بذلك أيضا صاحب المواقف حيث قال : القبيح عندنا ما نهي عنه شرعا
والحسن بخلافه ، ولا حكم للعقل في حسن الأشياء وقبحها ، وليس ذلك أي حسن
الأشياء وقبحها عائدا إلى أمر حقيقي حاصل في الفعل قبل الشرع يكشف عنه الشرع
كما تزعمه المعتزلة ، بل الشرع هو المثبت له والمبين ، فلا حسن ولا قبح للأفعال
قبل ورود الشرع ، ولو عكس الشارع القضية فحسن ما قبحه وقبح ما حسنه
لم يكن ممتنعا وانقلب الأمر فصار القبيح حسنا والحسن قبيحا " الخ " ، ثم
قال
عند بيان المعنى المتنازع فيه : وعند المعتزلة عقلي فإنهم قالوا : للفعل في نفسه
مع قطع النظر عن الشرع جهة محسنة مقتضية لاستحقاق فاعله مدحا وثوابا ،
أو مقبحة مقتضية لاستحقاق فاعله ذما وعقابا . ثم إنها أي تلك الجهة المحسنة
أو المقبحة قد تدرك بالضرورة كحسن الصدق النافع وقبح الكذب الضار ، وقد
تدرك بالنظر كحسن الصدق الضار وقبح الكذب النافع مثلا ، وقد لا تدرك ( 1 )
‹ صفحه 374 ›
بالعقل لا بالضرورة ولا بالنظر ، لكن إذا ورد الشرع به علم أن ثمة جهة محسنة
كما في صوم آخر يوم من رمضان حيث أوجبه الشارع ، أو جهة مقبحة كصوم
أول يوم من شوال حيث حرمه الشارع ، فإدراك الحسن والقبح في هذا القسم
موقوف على كشف الشرع عنهما بأمره ونهيه ، وأما كشفه عنهما في القسمين الأولين
فهو مؤيد بحكم العقل بهما إما بضرورته أو بنظره . ثم إنهم اختلفوا . فذهب
الأوائل منهم إلى أن حسن الأفعال وقبحها لذواتها لا لصفة فيها تقتضيهما ،
وذهب بعض من بعدهم من المتقدمين إلى إثبات صفة حقيقية توجب ذلك مطلقا
أي في الحسن والقبيح جميعا ، فقالوا : ليس حسن الفعل وقبحه لذاته كما ذهب
إليه من تقدمنا من أصحابنا ، بل لما فيه من صفة موجبة لأحدهما .
وذهب أبو الحسين من متأخريهم إلى إثبات صفة في القبيح دون الحسن ، إذ لا
حاجة إلى صفة محسنة له ، بل يكفيه لحسنه انتفاء الصفة المقبحة وذهب
الجبائي إلى نفي الوصف الحقيقي فيهما مطلقا ، فقال : ليس حسن الأفعال وقبحها
لصفات حقيقية فيها ، بل لوجوه اعتبارية ( 1 ) وأوصاف إضافية تختلف بسحب الاعتبار
كما في لطمة اليتيم تأديبا وظلما " إنتهى كلامه " .
والحاصل أن اعتراف الأشاعرة باشتمال الفعل على ما يجده العقل قبل الشرع
من صفة الكمال والنقص والمصلحة والمفسدة الصالحتين لمنشأية الأمر والنهي
كما وقع عن صاحب المواقف ، وقلده فيه الناصب هيهنا ينافي حكمهم بأن
‹ صفحه 375 ›
الأفعال سواء في نفس الأمر ، وبعدم اشتمالها على ما يصلح أن يكون منشئا
للحسن أو القبح ، لا بحسب الذات ولا بحسب شئ من الصفات الحقيقية أو الاعتبارية
التي قال بها الإمامية والمعتزلة ، وبعدم الفرق بين سجود الرحمان وسجود الشيطان
ونحو ذلك قبل ورود الشرع ، وبجواز عكس القضية في الحسن والقبح وقلب
الأمر والنهي ، فإن تكرار هذه الكلمات في كلام الفريقين على وجه الاطلاق
إثباتا ونفيا يأبى عن إرادة التخصيص بوجه من الوجوه فتوجه ، هذا .
وأما حديث جريان العادة فقد جرى عليه ما جرى وإن كان الناصب قد زعم
أنه خرق العادة ، وفلق البحر في إجرائه هيهنا ، فتذكر
قال المصنف رفع الله درجته
السابع لو كان الحسن والقبح شرعيين لزم توقف وجوب الواجبات على
مجيئ الشرع ، ولو كان كذلك لزم إفحام الأنبياء ، لأن النبي إذا ادعى الرسالة
وأظهر المعجزة كان للمدعو أن يقول : إنما يجب على النظر في معجزتك بعد
أن أعرف أنك صادق ، وأنا لا أنظر حتى أعرف صدقك ، ولا أعرف صدقك إلا
بالنظر ، وقبله لا يجب على امتثال الأمر فينقطع النبي ولا يبقى له جواب
" إنتهى " .
قال الناصب خفضه الله
أقول : جواب هذا قد مر في بحث النظر ، وحاصله أنه لا يلزم الافحام ،
لأن المدعو ليس له أن يقول : إنما يجب على النظر في معجزتك بعد أن أعرف
أنك صادق ، بل النظر واجب عليه بحسب نفس الأمر ، ووجوب النظر لا يتوقف
على معرفته له ، للزوم الدور كما سبق ، فلا يلزم الافحام " إنتهى " .
‹ صفحه 376 ›
أقول : قد سبق منا دفعه هناك ( 1 ) أيضا بأن ثبوت الوجوب في نفس
الأمر لا يدفع الافحام ، وإنما يندفع بإثبات الوجوب على المكلفين ، إذ لا نزاع
لأحد في أن تحقق الوجوب في نفس الأمر لا يتوقف على العلم بالوجوب ، وإنما
النزاع في أن وجوب الامتثال بقوله : حين أمر المكلف بالنظر في المعجزة إنما
يثبت إذا ثبتت حجية قوله ، وهي لا تثبت عقلا على ذلك التقدير فيكون بالسمع ،
فمتى لم يثبت السمع لا يثبت ذلك الوجوب ، والسمع إنما يثبت بالنظر ، فله
إن لا ينظر ولا يأثم ، لأنه لم يترك ما هو الواجب عليه بعلمه ، كما إذا وجب
علينا حكم في نفس الأمر مكتوب في اللوح المحفوظ ، ولم يظهر عندنا وجوبه
علينا فلم نأت به لم نأثم ، فيلزم الافحام بخلاف ما إذا ثبت الوجوب العقلي ، فإنه
إذا قال : انظر ليظهر لك صدق مقالتي ليس له تركه ، لوجوبه عقلا لثبوت الحس
العقلي الحاكم بحسن التكليف ، ومن المكلف به ما لا يستقل العقل للاهتداء
إلى إدراكه ، فيجب الرجوع في مثله إلى المؤيد من عند الله تعالى .
قال المصنف رفع الله درجته
الثامن لو كان الحسن والقبح شرعيين لم تجب المعرفة ( 2 ) ، لتوقف معرفة
الايجاب على معرفة الموجب ، المتوقفة على معرفة الايجاب فيدور .
قال الناصب خفضه الله
أقول : جواب هذا أيضا قد مر فيما سبق ، وأن توقف وجوب المعرفة على
‹ صفحه 377 ›
الايجاب ممنوع " إنتهى " .
أقول : قد سبق منا ما أسقط منعه المردود الهالك ، الذي قطع فيه
من وادي الهذيان مسالك ، فليطالع أوليائه هنالك .
قال المصنف رفع الله درجته
التاسع الضرورة قاضية بالفرق بين من أحسن إلينا دائما ، ومن أساء
إلينا دائما ، وحسن مدح الأول وذم الثاني ، وقبح ذم الأول ومدح الثاني ،
ومن تشكك في ذلك فقد كابر بمقتضى عقله " إنتهى " .
قال الناصب خفضه الله
أقول : هذا الحسن وهذا القبح مما لا نزاع فيه بأنهما عقليان ، لأنهما
يرجعان إلى الملائمة والمنافرة أو الكمال والنقص ، على أنه قد يقال : جائز أن
يكون هناك عرف عام هو مبدء لذلك الجزم المشترك ، وبالجملة هو من إقامة
الدليل في غير محل النزاع ، والله تعالى أعلم . هذه جملة ما أورده من الدلائل
على رأيه العاطل ، وقد وفقنا الله تعالى لأجوبتها كما ترتضيه إن شاء الله تعالى
أولوا
الآراء الصائبة ، ولنا في هذا المبحث تحقيق نريد أن نذكره في هذا المقام فنقول :
اتفقت كلمة الفريقين من الأشاعرة والمعتزلة ، على أن من أفعال العباد ما
يشتمل على المصالح والمفاسد ، وما يشتمل على الصفات الكمالية والنقصانية ،
وهذا مما لا نزاع فيه ، وبقي النزاع في أن الأفعال التي تقتضي الثواب أو العقاب
هل في ذواتها جهة محسنة صارت تلك الجهة سببا للمدح والثواب ، أو جهة مقبحة
صارت سببا للذم والعقاب أو لا ؟ فمن نفى وجود هاتين الجهتين في الفعل ماذا يريد
من هذا النفي ؟ إن أراد عدم هاتين الجهتين في ذوات الأفعال ، فيرد عليه : أنك
سلمت وجود الكمال والنقص والمصلحة والمفسدة في الأفعال ، وهذا عين التسليم
‹ صفحه 378 ›
بأن للأفعال في ذواتها جهة الحسن والقبح لأن المصلحة والكمال حسن ،
والمفسدة والنقص قبيح ، وإن أراد نفي كون هاتين الجهتين مقتضيتين للمدح و
الثواب بلا حكم الشرع بأحدهما لأن تعيين الثواب والعقاب للشارع ، والمصالح
والمفاسد التي تدركها العقول لا تقتضي تعيين الثوب والعقاب بحسب العقل ، لأن
العقل عاجز عن إدراك أقسام المصالح والمفاسد في الأفعال ، ومزج بعضها ببعض
حتى يعرف الترجيح ، ويحكم بأن هذا الفعل حسن لاشتماله على المصلحة ، أو
قبيح لاشتماله على المفسدة ، فهذا الحكم خارج عن طوق العقل ، فتعين تعينه
للشرع ، فهذا كلام صالح صحيح لا ينبغي أن يرده المعتزلي ، مثلا شرب الخمر
كان مباحا في بعض الشرائع ، فلو كان شربه حسنا في ذاته بالحسن العقلي كيف
صار حراما في بعض الشرائع الأخر ؟ هل انقلب حسنه الذاتي قبحا ؟ وهذا مما
لا يجوز ، فبقي أنه كان مشتملا على مصلحة ومفسدة كل واحد منهما بوجه ،
والعقل كان عاجزا عن إدراك المصالح والمفاسد بالوجوه المختلفة ، فالشرع صار
حاكما بترجيح جهة المصلحة في زمان وترجيح جهة المفسدة في زمان آخر ،
فصار حلالا في بعض الأزمنة وحراما في البعض الآخر ، فعلى الأشعري أن يوافق
المعتزلي ، لاشتمال ذوات الأفعال على جهة المصالح والمفاسد ، وهذا يدركه
العقل ، ولا يحتاج في إدراكه إلى الشرع ، وهذا في الحقيقة هو الجهة المحسنة
والمقبحة في ذوات الأفعال ، وعلى المعتزلي أن يوافق الأشعري في أن هاتين
الجهتين في الفعل لا تقتضيان حكم الثواب والعقاب والمدح والذم باستقلال العقل
بعجزه ( لعجزه خ ل ) عن مزج جهات المصالح والمفاسد في الأفعال ، وقد سلم
المعتزلي هذا فيما لا يستقل العقل به ، فليسلم في جميع الأفعال ، فإن العقل
في الواقع لا يستقل في شئ من الأشياء بإدراك تعلق الثواب والعقاب ، فأذن
كان النزاع بين الفريقين مرتفعا ، تحفظ بهذا التحقيق ، وبالله التوفيق .
‹ صفحه 379 ›
أقول : أما ما ذكره من أن هذا الحسن والقبح خارجان
عن محل النزاع فقد بينا
مرارا أنه اختيار للفرار على القرار ، واغتنام لتولي الادبار ( 1 ) ،
وأما ما ذكره من العلاوة فهو مما ذكره العضد الإيجي ( 2 ) في شرح المختصر
موافقا لبعض أقرانه وقد رد عليه المولى الفاضل بدر الدين محمد البهمني التشتري
الحنفي ( 3 ) في شرحه على المختصر أيضا بأن كون العرف والعادة
‹ صفحه 380 ›
مدركا ( 1 ) للحكم مدفوع ، إذ المدرك للحكم إما الشرع أو العقل بالاجماع "
إنتهى "
ووافقه أيضا سيد المحققين " قده " في حاشيته على شرح العضدي حيث قال في
هذا
المقام من حاشيته المتعلقة بما قالوا أي المعتزلة : ثالثا وإذا بطل كونه شرعيا
ثبت كونه عقليا ، إذ لا مخرج عنهما إجماعا " إنتهى " .
وأما ما ذكره الناصب في ذيل هذا المقام مما سماه تحقيقا وإن كان باسم
ضده حقيقا ، فيتوجه عليه أولا أن ما تضمنه كلامه من تقسم الأفعال إلى ما
يشتمل على المصالح والمفاسد والنقص والكمال ، وإلى ما يقتضي الثواب والعقاب
تقسيم سقيم ، لأن القسم الأول أيضا مما يقتضي الثواب أو العقاب عند الإمامية
والمعتزلة ، فإن ما اشتمل عليه الفعل من المصلحة أو المفسدة أو النقص أو الكمال
صالح لكونه سببا مقتضيا للثواب أو العقاب أيضا كما لا يخفى . وثانيا أن ما ذكره
في الشق الثاني من ترديده ، اعتراف بالجزء الثاني من المدعى الذي وقع فيه
النزاع ، والحمد لله على الوفاق وترك الخلاف والشقاق . وأما ما ذكره في
الشق الثاني وحكم بأنه كلام صالح صحيح لا ينبغي أن يرده المعتزلي مردود
بما ذكرناه في الفصول السابقة ، من الاستلزام وغيره من النقض والابرام
وثالثا أن ما ذكره من أن شرب الخمر كان مباحا في بعض الشرايع فهو كذب
على الشرايع ، وليس غرضنا من ذلك المناقشة في المثال ، بل التنبيه على ما هو الحق
‹ صفحه 381 ›
من دوام حرمة أمور خمسة ، خالف في بعضها أهل السنة فقد صح ( 1 ) عندنا من
طريق أهل البيت عليهم السلام : أن خمسة لم تكن حلالا في شئ من الشرايع
لخمسة : الردة لحفظ الدين ، والقتل بغير حق لحفظ النفس ، والمسكر
لحفظ العقل ، والزنا لحفظ النسب ، والسرقة لحفظ المال . وأما استبعاده
لصيرورة الخمر حراما في بعض الشرايع بعد ما كان حلالا في بعض آخر فلا يخفى
ما فيه ، من الاختلال ، إذ على تقدير كون الحمر حلالا في بعض الشرايع السابقة
إنما يلزم الانقلاب الذاتي عند الحكم بتحريمه لو قلنا بأن حسن الأفعال وقبحها
لذاتها ، وأما لو قلنا : إن قبحها لما هو أعم من الذات ومن الصفات الإضافية
والجهات الاعتبارية فلا ، كما لا يخفى ، وقد ظهر مما قررناه أن ما رامه الناصب
من المحاكمة بين أهل العدل والأشاعرة محاكمة فاجرة ناظرة إلى محاكمة
‹ صفحه 382 ›
الحكمين ( 1 ) : أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص بين مولانا أمير المؤمنين عليه
السلام
وبين الفئة الباغية الطاغية الخارجة عن الاسلام .
قال المصنف رفع الله درجته
المطلب الثالث في أن الله تعالى لا يفعل القبيح ولا يخل بالواجب
ذهبت
الإمامية ومن تابعهم ووافقهم من المعتزلة إلى أنه تعالى لا يفعل القبيح ولا يخل
بالواجب ، بل جميع أفعاله تعالى حكمة وصواب ليس فيها ظلم ولا جور ولا عدوان
ولا كذب ولا فاحشة ، لأن الله تعال يغني عن القبيح وعالم بقبح القبائح ، لأنه
عالم بكل المعلومات وعالم بغناه عنه ، وكل من كان كذلك فإنه يستحيل عليه
صدور القبيح عنه ، والضرورة قاضية بذلك ، ومن فعل القبيح مع الأوصاف الثلاثة
استحق الذم واللوم ، وأيضا الله تعالى قادر ، والقادر إنما يفعل بواسطة الداعي ( 2
) ،
والداعي إما داعي الحاجة أو داعي الجهل ، أو داعي الحكمة ( 3 ) ، أما داعي
الحاجة ( 4 ) ، فقد يكون العالم بقبح القبيح محتاجا إليه فيصدر عنه دفعا لحاجته (
5 ) ،
وأما داعي الجهل فبأن يكون القادر عليه جاهلا بقبحه فيصح صدوره عنه ، وأما
داعي الحكمة بأن يكون الفعل حسنا فيفعله لدعوة الداعي ( 6 ) إليه ، والتقدير أن
‹ صفحه 383 ›
الفعل قبيح فانتفت هذه الدعاوي ، فيستحيل منه تعالى . وذهبت الأشاعرة كافية
إلى أن الله تعالى قد فعل القبائح بأسرها من أنواع الظلم والشرك والجور والعدوان
ورضي بها وأحبها " إنتهى "
قال الناصب خفضه الله
أقول : قد سبق أن الأمة أجمعت على أن الله تعالى لا يفعل القبيح ولا يترك
الواجب . فالأشاعرة من جهة أن لا قبيح منه ولا واجب عليه . وأما المعتزلة فمن
جهة أن ما هو قبيح منه يتركه ، وما يجب عليه يفعله ، وهذا الخلاف فرع قاعدة
التحسين والتقبيح ، إذ لا حاكم بقبح القبيح منه ووجوب الواجب عليه إلا العقل ،
فمن جعله حاكما بالحسن والقبح قال : بقبح بعض الأفعال منه ووجوب بعضها عليه ،
ونحن قد أبطلنا حكمه ، وبينا أن الله تعالى هو الحاكم ، فيحكم ما يريد ( 1 ) ويفعل
ما يشاء ( 2 ) لا وجوب عليه ولا استقباح منه ، هذا مذهب الأشاعرة ، وما نسبه هذا
الرجل المفتري إليهم أخذه من قولهم : إن الله خالق كل شئ ، فيلزم أن يكون
خالقا للقبائح ، ولم يعلموا أن خلق القبيح ليس فعله ، إذ لا قبح بالنسبة إليه ، بل
بالنسبة إلى المحل المباشر للفعل كما ذكرناه غير مرة ، وسنذكر تحقيقه في مسألة
خلق الأعمال ( 3 ) " إنتهى "
أقول قد أبطل الناصب أكثر ما ذكره نصرة للأشاعرة بقوله : وأما المعتزلة
‹ صفحه 384 ›
فمن جهة أن ما هو قبيح منه يتركه وما يجب عليه يفعله ، فإن ذكره هذا في مقابلة
قول الأشاعرة صريح في أن الأشاعرة قائلون : بأن الله تعالى لا يترك ما هو قبيح
في الشاهد ، بل يفعل الكل ، فإن هذا القدر يكفينا في أصل المقصود ويبقى
الكلام في أنهم يدعون أن ما هو قبيح في الشاهد وبالنسبة إليه ليس بقبيح
بالنسبة إلى الله تعالى ، وهو تحكم كما عرفت غير مرة . وأما قوله : ونحن قد أبطلنا
حكم العقل ، فقد عرفت بطلانه مع منافاته لما صرح به سابقا في محاكمته المردودة
بحكومة العقل في الجملة . وأما قوله : ( خلق القبيح ليس فعله : إذ لا قبيح
بالنسبة إليه ) فقد مر أنه مكابرة ظاهرة ، وسيأتي الكلام فيه فيما بعد إن شاء
الله تعالى .
قال المصنف رفع الله درجته
فلزمهم من ذلك محالات ، منها امتناع الجزم بصدق الأنبياء ، لأن مسيلمة
الكذاب ( 1 ) لا فعل له ، بل القبيح الذي صدر عنه من الله تعالى عندهم ، فجاز أن
يكون جميع الأنبياء كذلك ، وإنما يعلم صدقهم لو علمنا أنه تعالى لا يصدر عنه
القبيح ، فلا نعلم حينئذ نبوة محمد نبينا صلى الله عليه وسلم ولا نبوة موسى وعيسى
وغيرهما
من الأنبياء البتة ، فأي عاقل يرضى أن يقلد من لم يجزم بصدق نبي من الأنبياء
البتة ؟ وأنه لا فرق عنده بين نبوة محد صلى الله عليه وآله وبين نبوة مسيلمة
الكذاب ، فليحذر
العاقل من اتباع أهل الأهواء والانقياد إلى طاعتهم ليبلغهم مرادهم ويربح ( 2 ) هو
‹ صفحه 385 ›
الخسران بالخلود في النيران ، ولا ينفعه عذره غدا في يوم الحساب " إنتهى
" .
قال الناصب خفضه الله
أقول : قد مر مرارا أن صدق الأنبياء مجزوم به جزما مأخوذا من المعجزة ،
وعدم جريان عادة الله تعالى على إجراء المعجزة على يد الكذابين ، وأنه يجري
مجرى المحال العادي ، فنحن نجزم أن مسيلمة كذاب لعدم المعجزة ، ونجزم أن
الله تعالى لم يظهر المعجزة على يد الكذاب ، ويفيدنا هذا الجزم العلم العادي ،
فالفرق
بينه وبين الأنبياء ظاهر مستند إلى العلم العادي ، لا إلى القبح العقلي الذي يدعيه
.
وما ذكره من الطامات والتنفير فهو الجرى على عادته في المزخرفات والترهات
" إنتهى " .
أقول : قد مر منا أيضا مرارا أن قاعدة جريان العادة مهدومة عن أسها ( 1 ) ،
ومع ذلك لا يجب جريانها ، ولهذا يتعقبها الخارق من المعجزات وغيرها ،
فتجويز وقوع الخرق والتخلف فيها سيما مع ضم العلم بجواز صدور القبيح عن الله
تعالى يمنع الجزم بصدق الأنبياء كما لا يخفى ، وبالجملة أنهم لا ينكرون أنه
يجوز على الله تعالى فعل ما هو قبيح في الشاهد ، ولا يقبح بالنسبة إليه ، فليجز
أن يظهر المعجزة على يد الكاذب ولا يقبح بالنسبة إليه ، وبعبارة أخرى إذا صح
أن الله تعالى يفعل القبائح ولا يقبح منه ، فلم لا يجوز أن ينصب الأدلة من
المعجزات
وغيرها على الباطل ؟ ويكون الحق عكس ما تقتضيه الأدلة فلا تحصل الثقة بأن
النبي الذي أظهر دلالة المعجزة صادق ، وكذا لا تحصل الثقة بأن ما عليه المسلمون
‹ صفحه 386 ›
من الأدلة حق ، ويقال لهم أليس قد ثبت أن مسيلمة الكذاب ادعي النبوة ،
وقال له أصحابه : صدقت في أنك نبي ، أليس كلامهم هذا تصديقا له ؟ فلا بد
من " بلى " فيقال : إذا كان هذا التصديق من فعل الله تعالى وقد صدقة ،
فلم لا
يقولون بصدقه ؟ وما الفرق بينه وبين من يدعي النبوة فتنطق الأشجار والأحجار
بصدقه ، بأن يفعل الله فيه ذلك التصديق ؟ فإن قالوا : إن محمدا صلى الله عليه وآله
قال : لا
نبي بعدي ( 1 ) ، قيل لهم : ما أنكرتم أن يكون هذا من جملة الأكاذيب التي يفعلها
الله في العباد ولا يقبح بالنسبة إليه ، وحينئذ لم يكن محمد صلى الله عليه وآله
أولى بالتصديق
من مسيلمة ، وقد صدقهما الله على حد واحد .
قال المصنف رفع الله درجته
ومنها أنه يلزم تكذيب الله تعالى في قوله : إن الله لا يحب الفساد ( 2 )
‹ صفحه 387 ›
ولا يرضى لعباده الكفر ( 1 ) وما الله يريد ظلما للعباد ( 2 ) وما ربك بظلام
للعبيد ( 3 )
ولا يظلم ربك أحدا ( 4 ) وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ( 5 )
كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها ( 6 ) وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا
عليه آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ( 7 )
ومن يعتقد اعتقادا يلزم منه تكذيب القرآن العزيز فقد اعتقد ما يوجب الكفر و
حصل الارتداد والخروج عن ملة الاسلام ، فليتعوذ الجاهل والعاقل من هذه
المقالة الردية المؤدية إلى أبلغ أنواع الضلالة ، وليحذر من حضور الموت عنده
وهو على هذه العقيدة ، فلا تقبل توبته . وليخش من الموت قبل تفطنه بخطاء
نفسه ، فيطلب الرجعة ، فيقول : رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت
فيقال له كلا ( 8 )
قال الناصب خفضه الله
أقول : قد مر أن كل ما يقيمه من الدلائل هو إقامة الدليل في غير محل
النزاع ، فإن الأشاعرة مذهبهم المصرح به في سائر كتبهم : أنه تعالى لا يفعل
القبيح ولا يرضى بالقبائح والإرادة غير الرضاء ، وما ذكر من الآيات ليس حجة
‹ صفحه 388 ›
عليهم ، إنما هي حجة على من جوز الظلم على الله والرضاء بالكفر ، وهذا
الرجل أصم أطروش لا يسمع نداء المنادي وصور عند نفسه مذهبا وافترى أنه
مذهب الأشاعرة ، ويورد عليه الاعتراضات وليس أحد من المسلمين قائلا بأنه
تعالى ظالم أو راض بالكفر تعالى عن ذلك ، وما يزعم أنه يلزم هذا الأشاعرة فهو
باطل ، لأن الخلق غير الفعل ، والعجب أنه لا يخاف أن يلقى الله تعالى بهذه العقيدة
الباطلة التي هي إثبات الشركاء لله تعالى في الخلق ، مثل المجوس ( 1 ) ، وذلك
‹ صفحه 389 ›
المذهب أردى من مذهب المجوس بوجه ، لأن المجوس لا يثبتون إلا شريكا
‹ صفحه 390 ›
واحدا يسمونه أهرمن ، وهؤلاء يثبتون شركاء لا تحصر ولا تحصى أنهم إذا قيل لهم :
‹ صفحه 393 ›
لا إله إلا الله يستكبرون ( 1 ) .
أقول :
نعم الأشاعرة يقولون : إنه تعالى لا يفعل القبيح ، لكن بمعنى أن ما هو
قبيح في الشاهد ليس قبيحا بالنسبة إليه تعالى ، وليس في هذا نفي صدور القبيح
عنه تعالى بحسب الحقيقة ، بل بمجرد اللفظ والعبارة ، فلا يكون الكلام فيه خارجا
عن محل النزاع . وأما الفرق بين الإرادة والرضا فقد مر أنه غير مرضي .
وأما ما ذكره من أن الآيات إنما هي حجة على من جوز الظلم على الله ،
وأشار به إلى أن الأشاعرة لا يجوزون ذلك عليه ، ففيه أن عدم تجويزهم للظلم
عليه إنما هو بمعنى أن ما نراه ظلما في الشاهد ليس بظلم إذا صدر عنه تعالى ،
بل يقولون : هو ليس بظلم في نفسه قبل النهي ، وإنما صار كذلك بالشرع و
بعد وروده ، فكل ما صدر عنه أو أمر به ليس بظلم ، وهذا سفسطة ظاهرة كما
مر مرارا . وأما ما ذكره في دفع لزوم ما ألزمه المصنف على الأشاعرة بأن
الخلق غير الفعل فهو دعوى كاذبة ذكرها شارح العقائد ( 2 ) في دفع تمسك المعتزلة :
بأنه لو كان تعالى خالقا لأفعال العباد لكان هو القائم والقاعد والآكل والشارب و
الزاني والسارق إلى غير ذلك ، حيث دفعه بأن ذلك جهل عظيم ، لأن المتصف
بالشيئ من قام به ذلك الشئ لا من أوجده ، أولا يرون أن الله تعالى هو الخالق
للسواد والبياض وسائر الصفات في الأجسام ولا يتصف بذلك " إنتهى " .
وفيه أن حكمه بالجهل جهالة عظيمة ، لأن القيام قد يكون بمعنى الحصول
والصدور من الشئ كما في اسم الفاعل من الضارب والآكل ونحوهما ،
‹ صفحه 394 ›
وقد يكون بمعنى الوقوع على الشئ وعروضه له ، فبالمعنى الأول يتصف الفاعل
بصدور الفعل عنه لأنه الفاعل حقيقة سواء كان صانعا أو مصنوعا ، لأن الضارب
مثلا من صدر عنه الضرب ، فإذا صدر الضرب عن الله تعالى يلزم صحة إطلاق
الضارب عليه واتصافه بالضاربية . وأما ما زعمه : من أن ذلك يستلزم كون
خالق السواد أسود مع أنه لا يقال له ذلك ، فخلط واشتباه ( 1 ) وقع له من اشتراك
لفظ الفاعل بين الفاعل الكلامي الذي نحن فيه أعني الموجد وبين الفاعل النحوي
أعني المسند إليه ، ووضع أحدهما مكان الآخر ، لأن الأسود ( 2 ) في قولنا :
أسود زيد مفعول كلامي لا فاعل كلامي بمعنى خالق السواد ، والذي يقتضي مقايسته
مع الضارب والآكل اتصافه فيما نحن فيه بكونه أسود هو الفاعل النحوي الذي
هو مفعول كلامي كزيد في المثال المذكور دون الفاعل الكلامي ( 3 ) ، فلا يلزم من
كون فاعل الضرب ضاربا ومتصفا به كون فاعل السواد أسود ومتصفا به كما
زعمه ، بل فاعل السواد هو المسود ، فإذا كان السواد صادرا من الله تعالى
واقعا على زيد فالله تعالى مسود زيد لا أسود ، غاية ما في الباب أن عدم إطلاقه
عليه تعالى لعدم الإذن الشرعي ، لا لأنه ليس بمسود حقيقة كما يظهر من كلامه .
‹ صفحه 395 ›
لا يقال : إن الزاني مثلا هو المصدر ( 1 ) المتصف بالمصدر والله تعالى مصدر
وغير متصف به ، لأنا نقول عدم صحة اتصافه تعالى بالزنا إنما هو لدلالة العقل
والشرع على استحالته عليه ، والكلام في إثباته بحسب اقتضاء اللغة وهو لازم
بحسبه كما لا يخفى ، وأيضا يلزم على هذا أن لا يوجد زان أصلا ، أما عدم
كون الزاني هو الله تعالى فلما ذكرت أنه مصدر غير متصف به ، وأما أنه ليس
هو العبد فلأنه ليس بمصدر بمعنى الخلق عندكم ، وكونه مصدرا بمعنى الكسب لم
يثبت بعد ودون إثباته خرط القتاد .
وأما قوله : المجوس لا يثبتون إلا شريكا واحدا وهؤلاء يثبتون شركاء
لا تحصى ، ففيه : أن الأشاعرة لو ارتقوا إلى السماء لما أمكن لهم الخلاص عما
مر : من لزوم مشاركتهم للنصارى في إثبات الشركاء القدماء ولا يمكنهم معارضة
ذلك بإلزامنا بشئ من الشركاء ، وذلك لظهور أنه إنما يلزمنا مشاركة المجوس
فيما ذكره لو قلنا : إن الشيطان نفسه أو سائر العباد أنفسهم ليسوا مخلوقين لله
تعالى
وقلنا : إنهم متصرفون مع الباري سبحانه تصرف مقاهرة ومغالبة ونحن لا نقول
بشئ من ذلك ، بل عندنا أن إبليس كسائر شياطين الإنس والجن لا يتمكن من
الصالحين من الأنبياء وغيرهم مع ضعفهم ، فكيف بجبار السماوات والأرضين ؟ !
وقد قال تعالى : إن كيد الشيطان كان ضعيفا ( 2 ) ، وقال : خلق الإنسان
ضعيفا ( 3 ) ، لكن لما كان التكليف ينافيه الجبر خلى الباري تعالى بين الإنسان
وشيطانه ليميز ( 4 ) الخبيث كالناصب وأضرابه من الطيب ، وقد نطق بذلك القرآن
‹ صفحه 396 ›
في قوله تعالى : لاحتنكن ذريته إلا قليلا ( 1 ) ، وقوله : لأغوينهم أجمعين
إلا عبادك منهم المخلصين ( 2 ) ، وقوله : ولقد أضل منكم جبلا كثيرا ( 3 )
وأمثال ذلك ، وكذا الكلام في تخلية سائر العباد بينهم وبين أفعالهم ، وبالجملة
إنما يلزم مشاركة غيره تعالى معه في الفاعلية أو عجزه ومغلوبيته عنهم كما قد
يتوهم لو لم يقدر الله سبحانه على سلب القدرة والاختيار عنهم بقدرته ومشيته
القاهرة ، أما لو قلنا : بأنه تعالى قادر على ذلك ، وأنه لم تكن كراهته تعالى
لإيجاد العباد تلك الأفعال على سبيل الجبر بل كان بسبب نهيه إياهم من إيقاعها
على سبيل الاختيار فلا يلزم المشاركة ولا المغلوبية ، وقد قال تعالى :
ولو شاء الله لهديكم أجمعين ( 4 ) ، ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ( 5 ) ،
أي على سبيل الجبر والقهر ، ولكن ذلك ينافي التكليف المنوط بالاختيار ، والملخص
أن المشاركة أو العجز والمغلوبية إنما يلزم إذا تخلف مراده تعالى عن المشية
القطعية التي يسميها أهل العدل مشية قسر وإلجاء ( 6 ) ، وهم لا يقولون بالتخلف
عنها . وأما المشية التفويضية فلا عجز في التخلف عنها ، مثل أن تقول لعبدك :
أريد منك كذا ولا أجبرك ، وإرادة طاعة العاصي من قبيل الثاني عندهم فلا إشكال ،
وأيضا المجوس قالوا بأصلين : أحدهما فاعل الخير وهو ، يزدان ، المعبر عنه
‹ صفحه 397 ›
تارة بالنور ، وآخر فاعل الشر وهو ، أهرمن ( 1 ) ، المعبر عنه تارة بالظلمة ،
وأهل العدل لا يقولون إلا بأصل واحد هو الله سبحانه ، وقدرة العبد ليست أصلا
بل فرعا لقدرة الله تعالى ، مع أن قدرة العبد ليست فاعلة للشرور فقط بل لكل
من الخير والشر الصادر عنه ، فلا مناسبة بين القولين عند التحقيق ، وإنما يظهر
حقيقة المناسبة بين قول المجوس وقول المجبرة ، وذلك من وجوه ،
منها أن المجوس قائلون بأصلين : أحدهما فاعل الخير والآخر فاعل الشر
كما مر ، وليس للعباد عندهم فعل أصلا كما عند الأشاعرة ، فهم أحق بمشابهة
المجوس ، ومنها أن المجوس اختصوا بمقالات سخيفة واعتقادات واهية ( 2 )
معلومة البطلان وكذلك المجبرة الناصبة ، ومنها أن مذهب المجوس أن الله
تعالى يفعل فعلا ثم يتبرء منه كما خلق إبليس ثم تبرأ منه وتنفر عنه ، وكذلك
المجبرة قالوا : إنه تعالى يفعل القبايح ثم يتبرء منها ، ومنها أن المجوس
يقولون ( 3 ) : إن نكاح الأخوات والأمهات بقضاء الله وقدره وإرادته ووافقهم
‹ صفحه 398 ›
المجبرة حيث قالوا : ( 1 ) إن نكاح المجوس لأخواتهم وأمهاتهم بقضاء الله وقدره
وإرادته ، ومنها أن المجوس قالوا : إن القادر على الخير لا يقدر على الشر و
بالعكس ، والمجبرة قالوا : إن القدرة موجبة للفعل غير متقدمة ( 2 ) عليه ،
‹ صفحه 399 ›
فالانسان القادر على الخير لا يقدر على الشر وبالعكس ، ومنها أن المجوس يعلقون
هذه الأحكام من مدح وذم وأمر ونهي بما لا يعقل وهو طبع النور والظلمة ،
والناصبة علقوا ذلك بما لا يعقل وهو الكسب ( 1 ) هذا جزاؤهم بما كسبوا ونصبوا ،
‹ صفحه 401 ›
والحمد لله رب العالمين .
قال المصنف رفع الله درجته
ومنها أنه يلزم عدم الوثوق بوعده ووعيده ، لأنه لو جاز منه فعل القبيح
لجاز منه الكذب ، وحينئذ ينتفي الجزم بوقوع ما أخبر بوقوعه من الثواب على
الطاعة والعقاب على المعصية ، ولا يبقى للعبد جزم بصدقه ، بل ولا ظن به ،
لأنه لما وقع منه أنواع الكذب والشرور في العالم كيف يحكم العقل بصدقه في الوعد
والوعيد ؟ ! وتنتفي حينئذ فائدة التكليف وهو ( خ ل هي ) الحذر من العقاب و
الطمع في الثواب ، ومن يجوز لنفسه أن يقلد من يعتقد جواز الكذب على الله تعالى
وأنه لا جزم بالبعث والنشور ولا بالحساب والثواب ولا بالعقاب ؟ وهل
هذا إلا خروج عن الملة الإسلامية ؟ ! فليحذر الجاهل من تقليد هؤلاء ولا يعتذر بأني
ما عرفت مذهبهم ، فهذا هو عين مذهبهم وصريح مقالتهم نعوذ بالله منها ومن
أمثالها .
ومنها أنه يلزم نسبة المطيع إلى السفه والحمق ، ونسبة العاصي إلى الحكمة
والكياسة والعمل بمقتضى العقل بل كلما ازداد المطيع في طاعته وزهده ورفضه
الأمور الدنيوية والاقبال على الله تعالى بالكلية والانقياد إلى امتثال أوامره و
اجتناب مناهيه نسب إلى زيادة الجهل والحمق والسفه ، وكلما ازداد العاصي
في عصيانه ولج في غيه وطغيانه وأسرف في ارتكاب الملاهي المحرمة واستعمال
‹ صفحه 402 ›
الملاذ المزجور عنها بالشرع نسب إلى العقل والأخذ بالحزم ، لأن الأفعال
القبيحة إذا كانت مستندة إليه جاز أن يعاقب المطيع لطاعته ولا تفيده طاعته إلا
الخسران والتعب حيث جاز أن يعاقبه على امتثال أمره ، ويحصل في الآخرة بالعذاب
الأليم السرمد ( 1 ) والعقاب المؤبد ، وجاز أن يثيب العاصي فيحصل بالربح في
الدارين ويتخلص من المشقة في المنزلين ، ومنها أنه تعالى كلف المحال لأن
الآثار كلها مستندة إليه تعالى ، ولا تأثير لقدرة العبد البتة فجميع الأفعال
غير مقدورة للعبد وقد كلف ببعضها فيكون قد كلف ما لا يطاق ، وجوزوا بهذه
الاعتبار وباعتبار وقوع القبيح منه تعالى أن يكلف الله تعالى العبد أن يخلق مثله
تعالى ومثل نفسه ، وأن يعيد الموتى في الدنيا كآدم ونوح وغيرهما ، وأن
يبلع جبل أبي قبيس دفعة ، ويشرب ماء دجلة في جرعة ، وأنه متى لم يفعل ذلك
عذبه بأنواع العذاب ، فلينظر العاقل في نفسه هل يجوز له أن ينسب ربه تبارك و
تعالى وتقدس إلى مثل هذه التكاليف الممتنعة ؟ وهل ينسب ظالم منا إلى مثل
هذا الظلم ؟ ! تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .
ومنها أنه يلزم منه عدم العلم بنبوة أحد من الأنبياء عليهم السلام ، لأن
دليل النبوة هو أن الله فعل المعجزة عقيب الدعوى لأجل التصديق ( 2 ) ، وكل
من صدقة الله تعالى هو صادق ، فإذا صدر القبيح منه لم يتم الدليل ، أما الصغرى
فجاز أن يخلق المعجزة للاغواء والاضلال ، وأما الكبرى فلجواز أن يصدق
المبطل في دعواه . ومنها أن القبائح لو صدرت عنه لوجب الاستعاذة منه لأنه
حينئذ أضر على البشر من إبليس لعنه الله ، وكان واجبا على قولهم أن يقول
المتعوذ : أعوذ بالشيطان الرجيم من الله تعالى ، وهل يرضى عاقل لنفسه المصير
‹ صفحه 403 ›
إلى مقالة تؤدي إلى التعوذ من أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين ، وتخليص إبليس
من اللعن والبعد والطرد ؟ نعوذ بالله من اعتقاد المبطلين والدخول في زمرة الضالين
ولنقتصر في هذا المختصر على هذا القدر " إنتهى " .
قال الناصب خفضه الله
أقول : قد عرفت فيما سبق مذهب الأشاعرة في عدم صدور القبيح من الله
تعالى ، وأن إجماع المليين منعقد على أنه تعالى لا يفعل القبيح ، فكل ما أقامه
من الدلائل قد ذكرنا أنه إقامة الدليل في غير محل النزاع ، فإن المدعى شئ
واحد وهم يسندونه بالقبح العقلي ( إلى القبح العقلي ظ ) ، والأشاعرة يسندونه
إلى أنه لا قبيح منه ولا واجب عليه . ثم إن المعتزلة لو أرادوا من نسبة فعل القبيح
إليه تعالى أنه يخلق القبائح من أفعال العباد على رأي الأشاعرة فهذا شئ يلزمهم ،
لأن القبائح من الأشياء كما تكون في الأعراض كالأفعال تكون في الجواهر و
الذوات ، فالخنزير قبيح والعقرب والحية والحشرات قبائح وهم متفقون أن الله
تعالى يخلقهم ، فكل ما يلزم الأشاعرة يلزمهم في خلق القبايح الجوهرية .
وإن أرادوا أنه يفعل القبائح فإن هذا شئ لم يلزم من كلامهم ولا هو معتقدهم
كما صرحنا به مرارا . " إنتهى " .
أقول :
قد بينا آنفا أن قول الأشاعرة : بعدم صدور القبيح من الأسماء التي لا
مسمى لها والخيالات التي ليس لها حقيقة ، فهم ليسوا داخلين في إجماع المليين
في الحقيقة ، وأما ما ذكره من أنهم لو أرادوا من نسبة فعل القبيح إليه تعالى أنه
يخلق القبائح من أفعال العباد على رأي الأشاعرة فهذا شئ يلزمهم " الخ "
.
ففيه اشتباه ظاهر وحاشا أن يلزم أهل العدل مثل ذلك ، لأن مرادهم بالشرور
‹ صفحه 404 ›
والقبائح التي لا يفعلها الله تعالى ما يكون مفاسده في نظام الوجود أكثر من مصالحه
عند العقل ، وما هو محل النزاع من القبائح والمفاسد الصادرة من العباد كالزنا
واللواطة والسرقة ونحوها مما لا يجد العقل السليم فيها فائدة ونفعا أصلا في
حفظ النظام ، ولو كانت فيها مصلحة فهي أقل من مفاسدها ، بخلاف ما قد يستقبحه
العقل في بادي النظر من أفعاله تعالى ، فإنه إذا تأمل فيها العاقل ربما يطلع على
ما فيها من حكم ومصالح لا تحصى ، فيعود الاستقباح في نظره استحسانا كما في
قصة موسى مع الخضر عليهما السلام من خرق السفينة وقتل الغلام ، وكما في
تعذيب الإنسان ولده أو عبده للتأديب والزجر عن المنكرات ، وإليه أشار تعالى
بقوله : إني أعلم ما لا تعلمون ( 1 ) ، وبه يتبين حسن خلق الحشرات والسباع
المؤذيات وإبليس وذريته وتبعته ( خ ل تبقيته ظ ) وإماتة الأنبياء عليهم الصلاة
والسلام ، وأما ما ذكره بعض متصوفة أهل السنة موافقا لبعض المتفلسفة :
من أن الشهوة مثلا من حيث إنها ظل المحبة الذاتية السارية في الوجود محمودة
عدمها وهو العنة مذمومة من حيث إنها ليست سبب بقاء النوع ، ومن حيث إنها
موجبة للذة التي هي نوع من التجليات الجمالية أيضا محمودة ، وعند وقوعها
على غير موجب الشرع مذمومة ، لكونها سببا لانقطاع النسل وموجبا للفتن
العائدة إلى العدم ، وهكذا جميع صور المرام ، فالكل منه وإليه من حيث الكمال
" إنتهى " . فلا يخفى ما فيه من ترويج سوق الزنا ومخالفته لبديهة العقل
ولما
عليه الشرع وذووه ( 2 ) . واعلم أيدك الله أن جناية المجبرة على الاسلام
كثيرة ، وبليتها على الأمة عظيمة بحملهم المعاصي على الله تعالى ، وقولهم :
‹ صفحه 405 ›
إنه لا يكون إلا ما أراده الله وأنه لا قدرة للكافر على الخلاص من كفره ، ولا
سبيل للفاسق إلى ترك فسقه ، وأن الله تعالى قضى بالمعاصي على قوم وخلقهم
لها وفعلها فيهم ليعاقبهم عليها ، وقضى بالطاعات على قوم وخلقهم لها وفعلها
فيهم ليثيبهم عليها ، وهذا الاعتقاد القبيح يسقط عن المكلف الحرص على الطاعة و
الاجتهاد في الانزجار عن المعصية ، لأنه يرى أن اجتهاده لا ينفع ، وحرصه لا
يغني ، بل لا اجتهاد له في الحقيقة ، ولا حرص ، لأنه مفعول فيه غير فاعل ، و
موجد فيه غير موجد ، ومخلوق لشيئ لا محيد ( 1 ) له عنه ، ومسوق إلى أمر
لا انفصال له منه ، فأي خوف مع هذا يقع ؟ وأي وعيد معه ينفع ؟ نعوذ بالله
مما يقولون ونتبرء مما يعتقدون ، ونعم ما أنشد بعض أهل العدل إشارة إلى
ما اعتقده هؤلاء خذلهم الله تعالى ، شعر :
سألت المخنث عن فعله * علام ( 2 ) تخنثت يا ماذق ( 3 )
فقال : ابتلاني بداء ( 4 ) العضال * وأسلمني ( 5 ) القدر السابق
ولمت الزناة على فعلهم * فقالوا بهذا قضى الخالق
وقلت : لآكل مال اليتيم : * أكلت وأنت امرؤ فاسق
فقال : ولجلج ( 6 ) في قوله * أكلت وأطعمني الرازق
وكل يحيل على ربه * وما فيهم واحد صادق
‹ صفحه 406 ›
ولنختم هذا المقام بمحاكمة يحكم بحسنها العاقل المتصف بالانصاف ، وهو
أن نقول : إن أراد الأشاعرة بقولهم : إنه لا مؤثر في الوجود إلا الله ، أنه علة
قريبة لجميع الموجودات بأن يكون مؤثرا فيها لا بواسطة شئ آخر ، فهو بعيد
عن الصواب ، وخروج عن الملة الإسلامية ، وإسناد للقبائح والشرور إليه تعالى ،
وكل ذلك مستلزم للمحال ، ونقول للمعتزلة : إن أرادوا بكون العبد موجدا لفعله ،
أنه علة تامة لوجود أثره وانقطاع تأثير الله البتة سواء كان بواسطة أو بلا واسطة
فهذا أيضا بعيد عن الصواب ، لأن فعل العبد بالضرورة متوقف على قدرته وآلاته ،
وبالضرورة ليستا منه ، فلا يكون هو علة تامة في وجود أثره ، ثم نقول :
علة العلة هل هي علة بالحقيقة أم لا ؟ فإن كان علة العلة علة حقيقة كان الجميع
مستندا إلى الله تعالى ، لكن الأمر ليس كذلك ، بل علة العلة علة على سبيل
المجاز لوجوب استناد الأثر إلى المباشر القريب ، ولما كان العبد مباشرا قريبا
لفعله أسندت أفعاله الواقعة بحسب قصده إليه لأنه السبب في جودها ، مثال
ذلك : أن النحل موجد للعسل ، ولا يقال : إن النحل موجد للحلاوة في الذائقة
بل الموجد لها هو العسل ، لأنه العلة القريبة فيها ، والنحل أوجد الحلاوة
بواسطة العسل ، فهو علة للعلة لا علة حقيقة ، وعلى هذا تحمل الآيات الواردة ( 1 )
في القرآن العزيز التي بعضها تدل على استناد الأفعال إليه تعالى ، وبعضها على
‹ صفحه 415 ›
استناد الأفعال إلينا وتنطبق على المذهب الحق أعني قولنا : إنه لا جبر ولا تفويض
ولكن أمر بين أمرين ( 1 ) ، كما روي عن الإمام الهمام جعفر بن محمد الصادق
عليه السلام واختاره الشارح القديم للتجريد فقال : والحق في هذه المسألة أن لا جبر
ولا تفويض ، بل أمر بين أمرين ، وذلك لأن لقدرة العبد تأثيرا في أفعال نفسه
لكن قدرته على الفعل لا تكون مقدورة له بل يخلقها الله تعالى فيه ، ولقدرة الله
تعالى أيضا مدخل في صدور الفعل عنه فلا يكون جبرا صرفا ولا تفويضا صرفا بل
أمر بين الأمرين .
‹ صفحه 422 ›
قال المصنف رفع الله درجته
المطلب الرابع في أن الله تعالى يفعل لغرض وحكمة
قالت الإمامية :
إن الله تعالى إنما يفعل لغرض ( 1 ) وحكمة وفائدة ومصلحة ترجع إلى المكلفين و
نفع يصل إليهم . وقالت الأشاعرة : إنه لا يجوز أن يفعل شيئا لغرض ولا لمصلحة
ترجع إلى العباد ولا لغاية من الغايات ، ولزمهم من ذلك محالات ، منها أن يكون
الله تعالى لاعبا عابثا ( 2 ) في فعله فإن العابث ليس إلا الذي يفعل لا لغرض وحكمة
‹ صفحه 423 ›
بل مجانا ، والله تعالى يقول : وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين ( 1 ) ،
ربنا ما خلقت هذا باطلا ( 2 ) ، والفعل الذي لا غرض للفاعل فيه باطل ولعب تعالى
الله عن ذلك علوا كبيرا .
قال الناصب خفضه الله
أقول : قد سبق أن الأشاعرة ذهبوا إلى أن أفعال الله تعالى ليست معللة
بالأغراض ، وقالوا : لا يجوز تعليل أفعاله تعالى بشئ من الأغراض والعلل الغائية ،
ووافقهم على ذلك جهابذة ( 3 ) الحكماء وطوائف الإلهيين ، وذهبت المعتزلة ومن
تابعهم من الإمامية إلى وجوب تعليلها ، ومن دلائل الأشاعرة أنه لو كن فعله تعالى
لغرض من تحصيل مصلحة أو دفع مفسدة لكان هو ناقصا لذاته مستكملا بتحصيل
ذلك الغرض لأنه لا يصلح غرضا للفاعل إلا ما هو أصلح له من عدمه ، وذلك لأن
ما استوى وجوده وعدمه بالنظر إلى الفاعل وكان وجوده مرجوحا بالقياس إليه لا
يكون باعثا له على الفعل وسببا لإقدامه عليه بالضرورة ، فكل ما كان غرضا وجب
أن يكون وجوده أصلح للفاعل وأليق به من عدمه وهو معنى الكمال ، فإذا يكون
الفاعل مستكملا بوجوده ناقصا بدونه هذا هو الدليل ، وذكر هو الرجل أنه
يلزم من هذا المذهب محالات ، منها أن يكون الله تعالى لاعبا عابثا ،
والجواب التحقيقي أن العبث ما كان خاليا عن الفوائد والمنافع وأفعاله
‹ صفحه 424 ›
تعالى محكمة متقنة مشتملة على حكم ومصالح لا تحصى راجعة إلى مخلوقاته تعالى ،
لكنها ليست أسبابا باعثة على إقدامه وعللا مقتضية لفاعليته فلا تكون أغراضا له
ولا عللا غائية لا فعاله حتى يلزم استكماله بها ، بل تكون غايات ومنافع لأفعاله
وآثارا مترتبة عليها فلا يلزم أن يكون شئ من أفعاله تعالى عبثا خاليا عن الفوائد ،
وما ورد من الظواهر الدالة ( 1 ) على تعليل أفعاله تعالى ، فهو محمول على الغاية
والمنفعة دون الغرض والعلة " إنتهى " .
أقول :
قد سبق أن ما نسبه إلى الحكماء الإلهيين افتراء عليهم ، وإنما نفوا عنه تعالى
الغرض المستلزم للاستكمال أو لإظهار الكمال لا مطلقا ، وقد أيدنا ذلك هناك
بكلام بعض المتألهين ( 2 ) ، ونشد عضده ( 3 ) هيهنا بكلام بعض المحققين ( 4 ) حيث
قال : قالت الفلاسفة : إن واجب الوجود تعالى وتقدس جواد مطلق وهو المعطي
لمن ينبغي لا لعوض ( 5 ) أي لا لطلب المجازاة والتعويض في مقابلة تلك الإفاضة ،
‹ صفحه 425 ›
بل ولا مع قصد ذلك ، إذ من كان فاعلا لذلك لا يعد جوادا بل مصانعا ومتاجرا ( 1 )
ومستفيدا ، فلا يكون جوادا مطلقا ، بل الجواد المطلق من تنزه فيضه وعطاؤه
عن قصد شئ من ذلك ، ولهذا تنزهت أفعاله عن الأغراض المستلزمة لشيئ مما
ذكرناه ( 2 ) حتى قصد إفاضة الكمال لأجل الكمال أو لا ظهار الكمال ، فإنه حينئذ
لا يكون كاملا مطلقا ولا جوادا كذلك ، وأما ما ذكره من دليل الأشاعرة ( 3 )
فهو مما أخذه ( 4 ) بعض متأخري الأشاعرة من ظاهر كلام الفلاسفة تقوية لمذهب
‹ صفحه 426 ›
شيخه الأشعري مع تشنيعهم دائما على الإمامية والمعتزلة بتوهم موافقتهم إياهم
في بعض المطالب والدلائل وفيه نظر ، إذ لا يلزم من قوله : لو كان فعله تعالى
لغرض ، أن يكون مستكملا بتحصيل ذلك الغرض . بل اللازم كونه مكملا لوجود
ذلك الفعل ، لأن الاستكمال عبارة عن الحصول بالفعل لما له ذلك الحصول ، ولا
حصول هيهنا متجدد إلا لوجود ذلك الفعل لا للفاعل بل هو مستجمع لجميع كمالاته
من الأزل إلى الأبد ولأسباب الكمالات لغيره التي هي صفات واعتبارات لذاته من
جملتها التكميل والايجاد الحاصل له دائما من غير تجدد ، بل المتجدد له هو تعلقه
بأفراد المكلفين ، وأيضا إنما يلزم الاستكمال أن لو كان الغرض عائدا إليه تعالى و
نحن لا نقول بذلك ، بل الغرض إما عائد إلى مصلحة العبد أو إلى اقتضاء نظام الوجود
بمعنى أن نظام الوجود لا يتم إلا بذلك الغرض فيكون الغرض عائدا إلى النظام
لا إليه ، وعلى كل من الأمرين لا يلزم الاستكمال .
فإن قيل : أولوية عود الغرض إلى الغير يفيد استكماله بالغير ، ومساواته
بالنسبة إلى تعالى تنافي الغرضية ، على أن تخلية الكفار في النار وإماتة الأنبياء
وإبقاء إبليس أفعال لا مصلحة فيها أصلا ، قلت : لا نسلم أنه لو استوى حصول الغرض
وعدم حصوله بالنسبة إليه تعالى لم يصلح لأن يكون غرضا داعيا إلى فعله ،
وإنما يلزم لو لم يكن الفعل أولى من الترك بوجه من الوجوه ، وهيهنا ليس كذلك
فإنه بالنسبة إلى العبد أولى ، ولو سلم فنقول : الغرض كالاحسان مثلا أولى و
‹ صفحه 427 ›
أرجح من عدمه عنده تعالى بمعنى ( يعني خ ل ) : أنه عالم بأرجحية الإنسان في نفس
الأمر ، ولا يلزم من أولوية الاحسان بالمعنى المذكور عنده استكماله تعالى لأن
الأنفع أرجح في نفس الأمر ، فلو لو يكن عالما بالأرجحية يلزم عدم علمه بكونه
أنفع ، فيلزم النقص فيه وهو تعالى منزه عن النقص هذا ، والنفع في التخليد
راجع إلى المؤمنين حيث يلتذون بإيمانهم عند علمهم بتخليد الكفار في النار كما
يفهم من قوله تعالى : ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما
وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا ( 1 ) ، وفي إماتة الأنبياء
راجع إليهم عليهم السلام وهو خلاصهم من مكاره الدنيا وفوزهم برغائب العقبى و
اتصالهم بنور القدس ( 2 ) وفي إبقاء إبليس راجع إلى المؤمنين حيث يحاربونه و
يجاهدونه فيفوزون بسبب ذلك إلى الأجر والثواب ، فظهر أن فعله تعالى لا بد أن
يشتمل على غرض سواء كان راجعا إلى المفعول أو إلى غيره .
ثم أقول : يمكن أن يختار في الجواب أن فعله تعالى لغرض عائد إليه و
منع لزوم نقصانه قبل حصول ذلك الغرض ، لجواز أن يكون حصول ذلك الغرض
في هذا الزمان كمالا ، فلا يلزم أن يكون الواجب قبل حصوله ناقصا ولا أن يكون
عريا عن صفة كمال ( 3 ) ، بل اللازم أن يكون عريا عن شئ لم يكن كمالا إلى
ذلك الزمان ، وأيضا لا نسلم أن يكون الاحتياج في الفاعلية إلى الغير مطلقا موجبا
‹ صفحه 428 ›
للنقصان ، فإنه تعالى محتاج في صفاته الفعلية إلى مخلوقاته ( 1 ) ، وأيضا لا يجوز
أن يكون الواجب تعالى علة تامة لوجود الحادث وإلا يلزم قدمه ، فاحتاج إيجاده
إلى حادث آخر ، وهكذا ، فيلزم أن يكون كل حادث مسبوقا بمواد غير متناهية ،
والاحتياج في فاعليته إليها غير مستلزم للنقصان ، فكيف يكون الاحتياج فيها إلى
الغرض مستلزما له ؟ ! وأيضا يحتاج الواجب في إيجاد العرض إلى وجود المحل
وفي إيجاد الكل إلى وجود الجزء ، والشيخ الأشعري وإن قال : بأنه لا علاقة
بين الحوادث المتعاقبة إلا بإجراء العادة بخلق بعضها عقيب بعض كالاحراق عقيب
مماسة النار والري بعد شرب الماء ، وليس للماسة والشرب مدخل في الاحراق
والري ، لكن بديهة العقل شاهدة بأن وجود المحل له مدخل في وجود العرض
ووجود الجزء في وجود الكل . وأيضا تعليل أفعاله تعالى راجع إلى الصفات و
الكمالات الفعلية ( 2 ) كخالقية العالم ورازقية العباد ، والخلو عنها ليس بنقص
قطعا ، وإنما النقص خلوه عن الصفات الحقيقية ، وبهذا يندفع ما قيل :
إن الغرض علة لعلية العلة الفاعلية ، فلو كان لفعله تعالى غرض لاحتاج في عليته
إليه والمحتاج إلى الغير مستكمل به بلا مرية " إنتهى " .
ووجه الدفع ظاهر مما ذكرناه ، ويمكن أن يدفع بوجه آخر وهو :
أن غرض الفاعل يكون سببا للفاعل على الاقدام بفعله ، بمعنى أن العلم بالغاية
المترتبة على المعلوم يكون سببا للفاعل على الاقدام بالفعل ، ألا ترى ؟ أن الغرض
‹ صفحه 429 ›
باعتبار الوجود الذهني الغير الأصيل يكون باعثا على
الاقدام وهو بهذا الوجود كيفية
فيك وعلم ، فعلى هذا إنما يلزم استكماله تعالى عن علمه في مذهب الأشاعرة
وهو عندهم جائز ، بل يجوز عن سائر أوصافه الثمانية ، وعندنا علمه ليس صفة
موجودة حتى يلزم الاستكمال من الغير ، بل ليس هيهنا إلا عالمية محضة وذات
عالم يعبر عنه في الفارسية " بدانا " فلا يلزم علينا استكماله من الغير
ويلزم عليهم
استكماله عن أمر آخر سوى ما جوزوا استكماله عنه . لا يقال : إن الأشاعرة
إنما قالوا بعدم الغرض في أفعاله تعالى ، لأن الغرض عند من قال به فاعل لفاعلية
الفاعل وهم لا يقولون بفاعل غير ( 1 ) الله تعالى . لأنا نقول : لا قائل بأن الغرض
فاعل
لفاعلية الفاعل ، بل المشهور أنه علة ، وهو أعم من الفاعل ، ولو سلم فنقول :
إنهم لا يقولون بفاعل غير الله تعالى يكون مؤثرا في الوجود ( 2 ) والفاعلية ( 3 )
أمر
اعتباري ( 4 ) ، وأيضا لو صح ذلك يلزم أن لا يقولوا بالغرض في أفعالنا أيضا ،
ويمكن أن يجاب عن أصل الشبهة أيضا بأن الغرض إذا كان عاديا كما أن النار
سبب عادي للإحراق عند الأشاعرة لا يلزم منه الاستكمال ، فإن الذات يمكن
أن يفعل بلا سبب فلا يكون ناقصا . لا يقال : إن الأشاعرة إنما استدلوا على نفي
تعليل أفعال الله تعالى بالغرض حقيقة ، وليس مقصودهم نفي السبية العادية .
لأنا نقول : لا فرق بين الباعث الحقيقي والعادي في أنه لا بد أن يكون
وجوده أولى وأصلح بالنسبة إلى الفاعل ، وأيضا يتوجه على أصل مدعى الخصم
ما مر : من أنهم يقولون بحجية القياس وهي فرع أن تكون أفعاله تعالى معللة
‹ صفحه 430 ›
بالأغراض ، ونقل شارح الطوالع ( 1 ) عن أكثر الفقهاء : أنهم قالوا بتعليلها ، وقد
اعترف بذلك شارح المقاصد ( 2 ) ، حيث قال : ألحق أن تعليل بعض الأفعال سيما
شرعية الأحكام والمصالح ظاهر كإيجاب الحدود والكفارات وتحريم المسكرات
وما أشبه ذلك ، والنصوص ( 3 ) أيضا شاهدة بذلك كقوله تعالى : وما خلقت الجن
والإنس إلا ليعبدون ( 4 ) ، ومن أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل ( 5 ) الآية ،
فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج ( 6 ) الآية .
ولهذا يكون القياس حجة إلا عند شرذمة ، وأما تعميم ذلك فمحل بحث
" إنتهى كلامه " : وفيه أن النصوص كما دلت على إثبات الغرض في البعض دلت
على الكل ، لأن الحديث القدسي : لولاك لما خلقت الأفلاك ( 7 ) ، ويا انسان
‹ صفحه 431 ›
خلقت الأشياء لأجلك وخلقتك لأجلي ( 1 ) ، وكنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف
فخلقت الخلق لأعرف ( 2 ) . وأمثالها ( 3 ) تدل على التعميم ، وأيضا العقل كاف في
‹ صفحه 432 ›
الحكم بأن المختار لا بد لفعله من غرض ، والمانع كان النقص ، فإذا ارتفع
النقص بالوجوه السابقة بقي الحكم صحيحا مؤيدا بالنقل ، والحق أن القول
بتعليل الأفعال هو الحق الذي ليس للشبهة إلى ساحته مجال ، والصواب الذي لا ترتع
حوله خطأ واختلال ، لكن الأشعري قد سبق على لسانه ذلك المحال لقلة شعوره ،
تور طه ( 1 ) في مخالفة أهل الاعتزال ، وطمعه بذلك رفعة شأنه عند الجهال . ثم
وسع أصحابه دائرة المقال بضم أضعافه ( 2 ) من الأغاليط والتيتال ( 3 ) ليوقعوا في
الأوهام
أن ما ذكره شيخهم كلام دقيق لا يفهم ولا يرام إلا بعد طي مراتب النقض والابرام ،
والذي يشهد على ذلك ما ذكره السيد معين الدين الإيجي الشافعي ( 4 ) في رسالة
ألفها لتحقيق مسألة الكلام حيث ساق الكلام فيها من تشنيع شيخه الأشعري في
تلك المسألة على ما ذكرناه سابقا إلى تشنيعه في هذه المسألة ، فقال : إعلم أنه
رضي الله عنه قد يرعوي ( 5 ) إلى عقيدة جديدة بمجرد اقتباس قياس لا أساس له ،
مع أنه مناف لصرائح القرآن وصحاح الأحاديث مثل أن أفعال الله تعالى غير
معللة بغرض ، ودليله ( 6 ) كما صرح به في كتبه أنه يلزم تأثر الرب عن شعوره