‹ صفحه 322 ›



وأما قوله : لا شريك له في الخلق ، ففيه إجمال مخل بديانة الناصب ،
لأن المشرك السامع لقوله : لا شريك له في الخلق يفهم من الشرك حقيقتها ،
لا ما قصده الأشاعرة من أن حكم أهل ( 1 ) العدل بكون العبد فاعلا لا فعاله يوجب
إثبات الشريك له تعالى ، فإنه لو اطلع على هذا المقصود وعلم أنهم مع الحكم
بكون العباد فاعلين لأفعالهم ، يحكمون بأن العباد أنفسهم مخلوقون له تعالى ،
وأن قدرتهم وتمكينهم على أفعالهم إنما هي من الله تعالى ، وتصرفهم ليس على
وجه المقاهرة والمغالبة مع الباري تعالى ، بل لأنه لما كان التكليف ينافيه الجبر
خلى بينهم وبين أفعالهم ، لما عد ذلك شركا حقيقة ، ولا مجازا ، فإجمال الناصب
هيهنا وعدم بيانه لما أراده من الشرك الذي نسب القول به إلى أهل العدل تضمنا
غش وتلبيس كما لا يخفى .
وأما قوله : ولا تسقط ورقة ولا تتحرك نملة إلا بحكمه " الخ " فهو من
فضول الكلام ، لأن الإمامية إنما قالوا : بفاعلية العباد المكلفين لأفعالهم ،
لا بفاعليتهم لسائر الجواهر والأعراض والحيوان والنبات والجماد وحركاتها و
سكناتها ، فإن فاعليته تعالى في خلق الجواهر والأعراض المختصة به أمر اتفاقي
بين أهل الاسلام .
وأما قوله : وأفعاله جملة حكمة وصواب ، فهو من قبيل يقولون
بأفواههم ما ليس في قلوبهم ( 2 ) ، فإن قدماء الأشاعرة لم يقولوا بذلك كما
ذكرناه سابقا ، وإنما ذكره بعض المتأخرين ( 3 ) منهم لضيق الخناق ( 4 ) عليه عند

‹ صفحه 323 ›



مناظرة أهل العدل .
وأما ما ذكره من أنه لا قبيح في فعله فهو كذب ، لأن قولهم هذا مبني
على ما قالوه : من أن صدور القبائح الواقعة في العالم منه ليس بقبيح ، ولو علم
المشرك المستجير أنهم نفوا القبيح بهذا المعنى لاستقبح رأيهم ولامهم في ذلك .
وأما قوله : ولا يجب عليه شئ ، فكان يجب عليه أن يذكر أن الوجوب
المنفي بمعنى إيجاب غيره شيئا عليه وأن ما ضمنه ، من الإشارة إلى أن الإمامية
يوجبون على الله تعالى شيئا هو بمعنى إيجاب الله تعالى على نفسه شيئا بمقتضى حكمته
بإيصال ما وعده من الثواب إلى عباده ، كما دل عليه قوله تعالى : كتب على نفسه
الرحمة ( 1 ) فإنه لو سمع المشرك هذا التفصيل فلا ريب أنه يرجح مذهب الإمامية ،
إذ على هذا يحصل له الوثوق على نيل ما وعده ربه من الثواب لا على مذهب من
ينفي الايجاب ، ويقول : جاز أن يدخل المطيع في النار والعاصي في جنات
تجري من تحتها الأنهار ( 2 ) .
وأما ما ذكره من أن كل ما يفعل في العباد من إعطاء الثواب وإجراء العقاب
فهو تصرف في ملكه ، فلا وجه لذكره في متفردات أهل السنة ، إذ لا خلاف
للإمامية في ذلك ( 3 ) ، ولعله لما لم يجد الناصب من مذهب أصحابه شيئا معقولا
يرغب به ( فيه ظ ) العاقل ويوجب استمالة المشرك المستجير التجأ إلى ذكر ما
شارك فيه سائر المذاهب :
وأما قوله : ولا يتصور منه ظلم ، ففيه أنه كاذب في ذلك ، فإن الأشاعرة

‹ صفحه 324 ›



قائلون : بصدور القبائح عنه تعالى كما مر بيانه ، وهذا عين الظلم ، وإنما الحاكم
بذلك حقيقة أهل العدل دونهم .
وأما قوله : لا يسئل عما يفعل ، فهم يعنون به أن الله تعالى مالك الملك ،
وله التصرف في ملكه بما يشاء فلا يسئل عنه فيما يفعل من الحسن والقبح ، وفيه
أن كونه تعالى مالك الملك إنما يلزم منه أن يتصرف في ملكه ابتداء بما شاء بأن
يخلق العبد أصم أو أبكم أو أكمه أو يخلق من أصناف الجواهر والأعراض ، من
الحيوانات والنباتات والمعادن ما شاء ، وأما إذا خلق العبد وكلفه بفعل الحسن
وترك القبيح ، ووعده بالثواب على الأول وبالعقاب على الثاني ، فامتثل العبد و
بادر إلى الطاعة ، لا يليق منه تعالى حينئذ التصرف فيه بخلاف ما وعده بأن يدخل
هذا العبد في النار ويدخل ( 1 ) من عصاه في الجنة ، كما أنه لا يليق منا بعد غرس
الأشجار في الأراضي المملوكة لنا وحصول الثمار منها على الوجه الأتم أن نأخذ
فاسا ( 2 ) أو منشارا ، ونقطع تلك الأشجار بلا عروض حكمة ومصلحة ظاهرة تترجح
على إبقاء تلك الأشجار ، فإن ذلك يعد ظلما وسفها وحماقة كما لا يخفى ، وكما
إذا ملك انسان عبدا مسلما فقتله من غير أن يحدث حدثا ، فإن جميع العقلاء يعدونه
ظالما سفيها سفاكا ، وبهذا ظهر أن الظلم ليس بمنحصر في التصرف في ملك الغير
بغير إذنه هذا ، وإنما معنى قوله تعالى : لا يسئل عما يفعل على ما ذهب إليه
أهل العدل ، أنه لما ثبتت حكمته تعالى وعدله في محكمة ( 3 ) العقل والنقل ،
فلا وجه لأن يسئل عن فعله إذا خفي وجهه ، كما لا يسأل المريض الطبيب الحاذق

‹ صفحه 325 ›



عن حقيقة الدواء الذي ناوله إياه ، ولا عن كيفية مناسبته لمزاجه وتأثيره في
دفع مرضه .
وأما قوله : ونحن نرضى بقضائه ، فهو أمر مشترك بين الفريقين ( 1 ) ،
وأما حديث مغايرة القضاء والمقضي ، فقد سبق أنه ليس بمرضي فتذكر .
وأما ما ذكره في هذا الفصل في تقرير مذهب الإمامية من أن الإله الذي
ندعوك إليه له شركاء في الخلق ، فقد سبق منا بيان أن ذلك لا يستلزم وجود الشريك
في الألوهية ، لاستناد الكل إليه ، وإليه يرجع الأمر ( 2 ) كله .
وأما قوله : وهو الموجوب الذي لا تصرف له في الكائنات بالاختيار ، ففيه
أنه افتراء على الإمامية وسائر أهل العدل ، لأنهم قائلون : بأن تصرفه تعالى في
أفعاله المخصوصة به من خلق السماوات والأرض والجواهر والأعراض بإرادته و
اختياره ، وأن أفعاله تعالى تنقسم إلى ثواب وعوض وتفضل ، وحكمته تقتضي أن لا
بخلف وعده ويأتي بما وعد عبده من الثواب ، وعدله يقتضي إعطاء العوض لا أنه
تعالى مجبور على ذلك ، ولا أن غيره أوجب عليه شيئا من ذلك ، والوجوب بالمعنى
المذكور لا يقتضي الايجاب وسلب الاختيار كما في صدور الاحراق من النار ،
ولا يلزم أيضا أن يكون وجوب الثواب عليه كالدين ، ولو سلم فنلتزم أن ما وعده
الكريم لغيره يكون عليه كالدين ، وكما أن المكلف لا يكون في أداء الدين مجبورا
موجبا ، كذلك لا يكون الله سبحانه في إيصال ما وعده إلى عبده مجبورا موجبا .
وأما ما تضمن كلامه من نسبة الرغبة إلى الله تعالى فهو مما تفوه به إمام الناصب

‹ صفحه 326 ›



أحمد بن حنبل وأتباعه من المجسمة ، وأما الإمامية فحاشاهم ( 1 ) عن التفوه
بذلك ، وأما قوله : ليس له أن يتفضل ويتجاوز بفضله عن الذنب ، فافتراء على
الإمامية ، إذ عندهم أن خلف الوعد قبيح دون خلف الوعيد ، لأنه كرم ورحمة ،
ولهذا أثبتوا العفو والشفاعة ، قال المحقق الطوسي طيب الله مشهده في كتاب
التجريد ( 2 ) : والعفو واقع لأنه حقه تعالى ، فجاز إسقاطه ولا ضرر عليه في تركه
فحسن إسقاطه ، ولأنه إحسان ، وللسمع والاجماع على الشفاعة " الخ " .
وأما قوله : ولم يجر عليه قضاء سابق وعلم متقدم " الخ " ، فهو افتراء بلا
امتراء أيضا ، لأنهم إنما ينكرون القضاء بمعنى الخلق الشامل لخلق أفعال العباد ،
وأما القضاء بمعنى الايجاب فصحيح عندهم في الأفعال الواجبة ، وبمعنى الاعلام
والتبيين صحيح مطلقا ، كما صرح به المحقق قدس سره في التجريد والمصنف
طاب ثراه في تصانيفه ، ومثلوا للمعنى الأول من الأخيرين بنحو قوله تعالى :
وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ( 3 ) وقوله تعالى : نحن قدرنا بينكم الموت ( 4 )
وللمعنى الثاني منهما بنحو قوله تعالى : وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب
لتفسدن في الأرض ( 5 ) الآية وقوله تعالى : إلا امرأته قدرناها من الغابرين ( 6 )
أي أعلمناه بذلك وكتبناه في اللوح المحفوظ ، فعلى الأول تكون الواجبات بقضاء الله

‹ صفحه 327 ›



وقدره ، وعلى الثاني يكون جميع الأفعال بالقضاء والقدر ، وقد أشار إلى هذا
مولانا أمير المؤمنين علي عليه السلام في حديثه المشهور المذكور في التجريد ( 1 ) وغيره ، و
سنذكره في موضعه اللائق به عن قريب إن شاء الله تعالى ، وبالجملة أن القضاء والقدر
يستعملان في معان بعضها في حقه تعالى صحيح ، وبعضها فاسد ، وكل لفظة حالها
هذه لا يجوز إطلاقها لا بالنفي ولا بالاثبات ، لإيهام الخطاء ، فلا يجوز إطلاق القول
بأن أفعال العباد بقضاء الله وقدره لإيهامه معنى الخلق والأمر الذي قال به المجبرة ،
ولا إطلاق القول : بأنها ليست من قضائه وقدره لإيهامه زوال العلم والكتابة
والاخبار ونحو ذلك مما هو صحيح في حقه تعالى ، وكذا الكلام في كل لفظة هذا
سبيلها من المشتركات لا بد فيها من التقييد بما يزيل الايهام ( الابهام خ ل ) هذا ،
وروي عن الحسن البصري ( 2 ) : أن من المخالفين قوما يقصرون في أمر دينهم و
يعملون فيه بزعمهم على القدر ، ثم لا يرضون في أمر دنياهم إلا بالجد والاجتهاد
في الطلب والأخذ بالحزم ، فإذا أمر أحدهم بشئ من أمر الآخرة قال : لا
أستطيع ، قد جفت الأقلام وقضي الأمر ( 3 ) ولو قلت له ، لا تتعب نفسك في طلب
الدنيا وقها ( 4 ) مشاق الأسفار والحر والبرد والمخاطرة ، فإنه سيأتيك ما قدر
لك ، ولا تسق زرعك ولا تحرسه ، ولا تعقل بعيرك ، ولا تغلق باب دارك ، ولا تلتمس

‹ صفحه 328 ›



لغنمك راعيا ، فإنه لا يأتيك في جميع ذلك إلا ما قدر لك ، لأنكر ذلك عليك ولما
رضي به في أمر دنياه ، وقد كان أمر الدين بالاحتياط أولى ، ومن اللطائف ما حكي
عن عدلي ، أنه قال : لمجبر إذا ناظرتم أهل العدل قلتم بالقدر وإذا دخل أحدكم
منزله ، ترك ذلك لأجل فلس ، قال وكيف ؟ قال : إذا كسرت جاريته كوزا يساوي
فلسا ضربها وشتمها ونسي مذهبه ، وصعد سلام ( 1 ) القاري المأذنة ، فأشرف على
بيته فرأى غلامه يفجر بجاريته فبادر بضربهما ، فقال الغلام : القضاء والقدر ساقانا ،
فقال : لعلك بالقضاء والقدر أحب إلى من كل شئ أنت حر لوجه الله تعالى ، و
رأى شيخ بإصبهان رجلا يفجر بأهله ، فجعل يضرب امرأته وهي تقول : القضاء والقدر ،

‹ صفحه 329 ›



فقال : يا عدوة الله أتزنين وتعتذرين بمثل هذا ، فقالت : أوه تركت السنة وأخذت
مذهب ابن عباد الرافضي ، فتنبه وألقى السوط وقبل ما بين عينيها واعتذر إليها ،
وقال أنت سنية حقا ، وجعل لها كرامة على ذلك .
وأما قوله : وله الشركاء في الخلق فتكرار بارد قد مر ما فيه ، ثم ما ذكره
في الفصل الثاني من تقرير عقائد الأشاعرة بقوله : إنه تعالى حاكم قادر مختار ،
يكلف الناس ما شاء ، لأنه يتصرف في ملكه فهو تكرار لما ذكره في الفصل الأول
مع أدنى تغيير في اللفظ ، وإنما ارتكب ذلك لخلو كيس مذهبه عن النقد الذي
يروج على الناقد البصير .
وأما قوله : ولا يمتنع عليه أن يكلف فوق الطاقة ، فالظاهر أنه لو سمعه
المشرك المستجير لأصر في الانكار ، وأخذ طريق الفرار ، ولم يعتمد بعد ذلك على
ضمان الأشاعرة له بعدم الوقوع ، فلا يسمن ولا يغني من جوع ( 1 ) وأما ما ذكره
في تقرير مذهب الإمامية ، من أنهم قالوا : يجب عليه أن يكلف الناس حسب
طاقتهم فمن البين أنه أقوى في رغبة المكلفين من القول : بتكليفهم فوق طاقتهم كما
عرفت ، وأما ما ذكره من أنهم يقولون : ليس له التصرف فيهم فكذب صريح ،
لأنهم يقولون : بأن خلقهم وإقدارهم وتمكينهم وحياتهم ومماتهم وإبقاءهم و
إفناءهم ونحو ذلك كله من الله تعالى فكيف تصح نسبة نفي تصرفه تعالى في عباده
إليهم ؟ نعم إنهم ينفون تصرفه تعالى في القبائح والفواحش الصادرة من العباد ، و
هذا تنزيه لائق بكماله سبحانه وتعالى ، وقد أضاف الله تعالى ورسوله والسلف مثل
ذلك إلى إبليس وأعوانه ( إغوائه خ ل ) وقد روي عن أبي بكر ( 2 ) أنه قال في مسألة

‹ صفحه 330 ›



هذا ما رآه أبو بكر فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ، ومن الشيطان
والله ورسوله بريئان منه ومثله عن عمر ( 1 ) وابن مسعود ( 2 ) وهذا شئ لا ينكره إلا
مكابر على الحق ، وأما قوله يمتنع التكليف عليه حسبما أراد فليس يصح على إطلاقه
لأنهم يقولون : إن الله تعالى يكلف عباده فيما يليق به حسبما أراد ولا يكلفهم بما لا يليق

‹ صفحه 331 ›



به من القبائح والفواحش ، وهذا أيضا عين التنزيه والتقديس كما لا يخفى ، وأما ما ذكره
في الفصل الثالث من تقرير عقائد أهل السنة بقوله : كل ما جرى في العالم تقديره
وإرادته " الخ " ففيه خلط ظاهر لأنهم إنما ينفون إرادة الله تعالى للقبائح كما مر
لا لسائر ما في العالم ، ثم إنهم إنما ينفون التقدير بالمعنى الشامل لخلق أفعال
العباد ، لا بمعنى خلق أفعاله تعالى المخصوصة به المتفرد في إيجادها ولا بمعنى
الايجاب والاعلام كما مر بيانه عن قريب .
وأما ما ذكره من أن الخير والطاعة برضاه وحبه ، والشر والمعصية بغير رضاه
فمتحد مع مقالة الإمامية ، وإنما الفرق في أن الإمامية ينفون إرادة الله تعالى
للشرور والمعاصي ، والأشاعرة لا ينفونه ، ويفرقون بين الإرادة والرضا كما مر
مع بيان بطلانه .
وأما ما ذكره من أن الإمامية يقولون : إنه تعالى مغلول اليد فيجب عليه
أن يحب الخير ، ففيه أن مغلول اليد لا يحب الخير ، فكيف تقول الإمامية : إنه تعالى
مغلول اليد ؟ ثم يفرعون عليه وجوب حب الخير ، وأما قوله : ولا يخلق الشر " الخ "
فتكرار لما مر منه عجزا واضطرارا .
وأما ما ذكره في الفصل الرابع من تقرير مذهب أهل السنة بقوله : وهل
الأولى أن يقال : إنه تعالى لا تشبهه الأشياء ولكن له صفات تأخذ معرفتها أنت من
صفات نفسك " الخ " ففيه أن القول بأنه تعالى لا تشبهه الأشياء مشترك بين أهل الاسلام .
وأما ما ذكره من معرفته تعالى بصفاته بالقياس إلى معرفة أنفسنا من صفاتها ،
ففيه أن معرفة الذات في الواجب تعالى والممكن لا تحصل من نفس الصفات ، بل من
نتائجها وثمراتها ، وقد قالت الإمامية وسائر أهل التوحيد والعدل : بحصول تلك
النتائج والثمرات من نفس الذات ، فأمكن معرفة الذات من غير القول بما يؤدي
إلى الشرك من قيام الصفات القديمة ومغايرتها للذات ، وبهذا ظهر أن ما نسبه بعد

‹ صفحه 332 ›



ذلك إلى الإمامية بقوله : أو يقال : إنه لا صفات له " الخ " حق لا ريب فيه فلا تغفل .
وأما ما ذكره في الفصل الخامس من تقرير مذهب أهل السنة بقوله : هل
الأولى أن يقال : إن الله تعالى عالم بعلم أزلي قادر بقدرة أزلية " الخ " فالإمامية
مشاركون معهم في ذلك ، غاية الأمر أنهم يحكمون بأن تلك الصفات الأزلية عين
ذاته ، بمعنى أن الذات نائب عنها في صدور نتائجها وثمراتها منه ، لا أنها مغايرة
زائدة عليه قائمة به ، كما قال به أهل السنة ، ليلزم ما مر من إثبات قدماء سوى الله
تعالى كما لزم النصارى في إثباتهم للأقانيم ( 1 ) الثلاثة ، وأما الكلام النفسي فقد مر
أنه غير معقول ( 2 ) فلا يعقله المشرك المستجير أيضا ويتحير وينسب بناء دينهم إلى
التعمية والألغاز ، وحاشا أن يتحير المؤمن والمشرك إن لم يشارك الأشاعرة في
قلة الشعور فيما قاله الإمامية من أنه تعالى عالم بلا علم زائد ، وقادر بلا قدرة
زائدة ، ومريد بلا إرادة زائدة ، بل عالم بعلم هو عين الذات ، قادر بقدرة هي عينه ،
مريد بإرادة كذلك ، إلى غير ذلك ، ولو فرض توقفه في الجملة فنوضحه له بالضوء
والمضئ حتى يصير واضحا له كضوء النهار : وأما ما ذكره في الفصل السادس من
تقرير مذهب أهل السنة بقوله : هل الأولى أن يقال : إنه تعالى مرئي يوم القيامة لعباده " الخ "
فهو تكرار لما ذكره المصنف سابقا إثباتا ونفيا ، فلا وجه لإعادته ، ثم كيف يزداد

‹ صفحه 333 ›



شغف المشرك المستجير بقولهم : إنه تعالى يرى يوم القيامة بعد ما ذكروا له أنه
يرى بلا كيف ( 1 ) وكيف يعقل ذلك مع أن القائلين به لم يعقلوه إلى الآن ( 2 ) وإنما
هو كلام غير معقول المعنى تستروا به عن شنع الورى عليهم باستلزام مذهبهم للحكم
بجسميته تعالى كما مر نقلا عن صاحب الكشاف أيضا . ثم هل الكشف التام الذي
قال به الإمامية أدون من الرؤية بلا كيف ؟ ومن العجائب تشنيع الناصب الشقي
على أهل العدل بنفي الرؤية مع اعتراف إمامه الرازي بالعجز عن إثباتها ( 3 ) ، كما
ذكره في كتاب الأربعين مكررا والحمد لله .
وأما ما ذكره في الفصل السابع من تقرير عقيدة أهل السنة بقوله : وهل
الأولى أن يقال : إن أنبياء الله تعالى مكرمون معصومون من الكذب والكبائر ، فهو

‹ صفحه 334 ›



مقالة أهل العدل ، وقد ذكرها المصنف عند تقرير مذهب الإمامية سابقا ، وأما أهل
السنة فهم لا ينزهون الأنبياء عن الكبائر مطلقا ، بل بعد النبوة ( 1 ) فقط على
خلاف في ذلك بينهم ، وأما قبل النبوة فقد مر أنهم جوزوا صدور سائر ( 2 ) الكبائر
عليهم حتى الكفر ، وسيجئ ما يزيد ذلك بيانا في مسألة النبوة إن شاء الله تعالى .
وأما ما ذكره بقوله ولكنهم بشر لا يؤمنون وقوع الصغائر عنهم فلا تيأس
أنت من عفو الله تعالى " الخ " ، ففيه أن الله تعالى قد بشر المذنبين بعدم اليأس والقنوط
من رحمته بقوله ولا تقنطوا من رحمة الله ( 3 ) فأي حاجة في ذلك إلى إثبات
الذنب للمعصومين عليهم السلام .
وأما قوله في تقرير مذهب الإمامية : من أنهم يقولون : إن الأنبياء
كالملائكة يستحيل عليهم الذنب ، ففيه أن هذا كذب وافتراء ، وذلك لأن العصمة
عندهم مفسرة بملكة يخلقها الله في المكلف لطفا منه بحيث لا يكون له داع إلى
ترك طاعة وارتكاب معصية مع قدرته على ذلك ، كيف ولو كان الذنب ممتنعا عن المعصوم
لما صح تكليفه بترك الذنب ؟ واللازم باطل اتفاقا ، ويؤيده قوله تعالى : قل إنما
أنا بشر مثلكم يوحى إلي ( 4 ) ، وقوله تعالى : ولا تجعل مع الله إلها آخر ( 5 )

‹ صفحه 335 ›



إلى غير ذلك مع النصوص ،
وأما ما ذكره من أنه إذا سمع المشرك المستجير بشئ من ذنوب الأنبياء
كما جاء في القرآن وعصى آدم ربه فغوى ( 1 ) يتردد في نبوة آدم ، لأنه وقعت
منه المعصية ، فلا يكون نبيا ففيه أن هذا التردد لازم له ، سواء قيل بعصمة الأنبياء
كقول الإمامية أو بعدمها كقول أهل السنة ، فإنه إذا ارتكز في طبعه أن غير المعصوم
لا يصلح للنبوة فسمع الآية المذكورة يحكم بنفي نبوة آدم ، سواء قال له أهل السنة
إنه لا يجب عصمة النبي ، أو لم يقل له ذلك ، لكن إذا رجع في تحقيق الآية إلى
أحد من علماء الإمامية وقيل له : إن المراد بعصيان آدم في تلك الآية صدور خلاف
الأولي منه من الزلات التي هي حسنات عند صدورها من غيرهم ، لأن حسنات الأبرار
سيئات المقربين ( 2 ) اطمئن قلبه واندفع تردده ،

‹ صفحه 336 ›



وأما ما ذكره في الفصل الثامن من تقرير مذهب أهل السنة بقوله : هل
الأولى أن يقال له : إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما بعث إلى الناس تابعه جماعة من أصحابه
" الخ " ففيه إجمال وإبهام وحيلة يكشف عنها من حضر هناك من الإمامية ، فيقول
له ، نعم كان ممن صحبه جماعة على تلك الأوصاف الحسنة ، لكن كان فيهم أيضا من
كان ينافق في دين الله تعالى وصحبة نبيه ، ويظهر الاخلاص والطاعة له طمعا في
جاهه ولم يعين الله تعالى أحدا منهم في القرآن ، ولا سماهم بأسمائهم ، فلا يجوز
الركون إلا إلى من ثبتت استقامته بعد النبي صلى الله عليه وآله على متابعة الكتاب والسنة و
عدم ارتداده على أعقابه قهقري ( 1 ) كما وقع عن قوم موسى في حياته ويدل حديث
الحوض المذكور في البخاري ( 2 ) على وقوع ذلك من أصحاب نبينا بعد وفاته .
وأما ما ذكره من أنهم أقاموا بعده بوظائف الخلافة ونشروا الدين " الخ " فلعل

‹ صفحه 337 ›



الإمامي الحاضر هناك يقول : إن الثلاثة الذين أقاموا بوظائف الخلافة من بين
الصحابة كانوا من المتهمين بالنفاق في زمان النبي صلى الله عليه وآله فغصبوا الخلافة بعده
عمن نص الله تعالى ورسوله عليه بذلك ، ولهذا تبرأ عنهم الإمامية من أمة
محمد صلى الله عليه وآله ، والحاصل أن هؤلاء وإن كانوا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله ومنتسبين
إلى الاسلام وإلى نصرته ، لكنهم كانوا أعداءا له في الحقيقة وإنما كانوا يظهرون
شيئا من شعائر الاسلام ، لما رأوا انتظام رئاستهم الباطلة في ذلك وكانوا يخرجون
عداوة الاسلام وأهله في كل قالب يظن الجاهل أنه علم وإصلاح وورع وصلاح ،
وهو غاية الجهل والافساد ، والبعد عن الفوز والفلاح ، فكم من ركن للاسلام قد
هدموه ، وكم من حصن له قد قلعوا أساسه وخربوه ، وكم من علم له قد طمسوه ( 1 ) ،
وكم من لواء مرفوع له قد وضعوه ، كما أشار إليه مولانا أمير المؤمنين علي عليه السلام ،
في دعاء صنمي قريش ( 2 ) ، بقوله :
اللهم العن صنمي قريش وجبتيهما وطاغوتيهما الذين خالفا أمرك
وأنكرا وحيك وجحدا انعامك وعصيا رسولك وقلبا دينك وحرفا
كتابك وعطلا أحكامك وأبطلا فرائضك وألحدا ( 3 ) في آياتك وعاديا

‹ صفحه 338 ›



أوليائك وأحبا أعدائك وخربا بلادك وأفسدا عبادك ، اللهم العنهما و
أتباعهما وأوليائهما وأشياعهما ومحبيهما ، اللهم العنهما فقد خربا
بيت النبوة وألحقا سمائه بأرضه وعلوه بسفله وشاخصه بخافضه
إلى آخر الدعاء الشريف المجرب في قضاء الحاجات . هذا ، والحق لا يدفع
بمكابرة أهل الزيغ والتخليط ، وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا ،
إن الله بما يعملون محيط ( 1 ) .
ولنعم ما قال بعض العارفين نظم :
گر رود اينجا بسى دعواي باطل باك نيست
در قيامت قاضى روز جزا پيداست كيست
وأما ما ذكره في تقرير مذهب الإمامية بقوله : أو يقال له هؤلاء الأصحاب
بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم خالفوه وكفروا " الخ " ففيه إجمال وإخلال ، لأن الإمامية
لا يقولون : بمخالفة جميع الصحابة للنبي صلى الله عليه وآله بعد وفاته ، بل بمخالفة الثلاثة
أو الستة أو التسعة ( 2 ) كما مر . نعم قد تابعهم أكثر المهاجرين والأنصار في
هذه الطامة ، لما ( 3 ) أوقعوا في قلوبهم من الشبه التي ستسمعها في مسألة الإمامة ،
ثم تنبهوا ورجعوا فتابوا وأظهروا الندامة ، وتمسكوا بذيل صاحب الحق ،
وفازوا بالكرامة . وأما ما ذكره من أن الأخذ عن أمير المؤمنين عليه السلام ليس مما

‹ صفحه 339 ›



يختص به الإمامية دوننا ، فهو مما يقولونه بأفواههم والله يعلم ما في صدورهم ( 1 )
من بغضه عليه السلام بإخفاء فضائله وكمالاته وإنكارهم من اتهم بمحبته وموالاته ،
والحمد لله الذي رزقنا محبة نبينا المختار وأهل بيته الأطهار ، وصان مرائي
قلوبنا عن غبار تودد الأغيار ، ونسأله أن يحشرنا معهم في دار القرار ، وأن
يعفو بحبهم ما صدر عنا من الآثام والآصار ( 2 ) .
قال المصنف رفع الله درجته

المطلب الثاني في إثبات الحسن ( 3 ) والقبح العقليين

ذهب ( ذهبت

‹ صفحه 340 ›



الإمامية خ ل ) الإمامية ومن تابعهم من المعتزلة إلى أن من الأفعال ما هو معلوم
إرشادية محضة خلافا لهم ، فإنهم يرونها مولوية محضة .
( إزالة وهم ) إن لأصحابنا في المصلحة والمفسدة اللتين هما ملاكا الأحكام
عبائر المختلفة ، فمنهم من قال : إن الملاك المصلحة والمفسدة الذاتيتان ، ومنهم من
قال : إن الملاك المصلحة والمفسدة الحاصلتان بالوجوه والاعتبار ، ومنهم من نفى
صريحا كونهما ذاتيتين ، وأنت خبير بأن المراد واحد ، فمن قال إنهما ذاتيتان عبر
بذلك في قبال الأشاعرة أي ليستا بمتوقفتين على الأمر والنهي ، ومن نفى ذلك عبر بذلك
في قبال بعض المعتزلة القائل بوجودهما قبل طرو العناوين الثانوية ، ومن عبر بكونهما
بالوجوه والاعتبار رام بذلك أنهما ليستا بكامنتين في ذات المعنون أي الحركات
والسكنات من حيث هي . هذا كله في المصلحة والمفسدة ، وأما الحسن والقبح
فمن قائل : إنهما ذاتيان ، ويظهر من مطاوي كلامه أن مراده المعنى المساوق للمصلحة
والمفسدة الذاتيتين ، ومن قائل : إنهما بالعرض ، ومراده حصولهما بعد تعلق الأمر
والنهي كما يفصح عن ذلك كلام بعض الأشاعرة ، ومن ثالث جعلهما منوطين بعلم المكلف
وعدمه بالمصلحة والمفسدة ، ومن رابع جعلهما بالوجوه والاعتبار . وأنت لو دققت
النظر في هذا المحتملات التي ذكرت في ملاكات الأحكام ومسألة الحسن والقبح لرأيت
أن الحق في باب الملاك ما أسبقناه من توقفه على عروض العنوان الثانوي كالتأديب في
مثال ضرب اليتيم لا أنه موجود في ذات المعنون ولا فيه معنونا بالعنوان الأولي ولا
فيه بعد تعلق الأمر والنهي .
والمحرى بالقبول في مسألة الحسن والقبح أنهما ثابتان في الأفعال مدركان بالعقل السليم
والذوق والمستقيم ، وليس الأمر كما يدعيه الأشعري من عزل العقل وعقاله عن إدراكهما
فلاحظ وتأمل وإنما أطنبنا الكلام لتتضح موارد الخلاف بين أصحابنا وبين مخالفيهم
من الأشاعرة والمعتزلة في مسئلتي الحسن والقبح وملاكات الأحكام لئلا يغتر الجامد
بظواهر كلماتهم وليتبين لديه مواضع الخلاف حتى يحكم فيها وجدانه ، فإنه نعم الحكم
المودع من قبله سبحانه في عباده ، وفقنا الله تعالى للوقوف على ما هو الحري بالقبول .

‹ صفحه 341 ›



الحسن والقبح بضرورة العقل ، كعلمنا بحسن الصدق النافع وقبح الكذب الضار ،
فإن كل عاقل لا يشك في ذلك ، وليس جزمه بهذا الحكم بأدون من الجزم
بافتقار الممكن إلى السبب ، وأن الأشياء المساوية لشئ واحد متساوية ،
ومنها ما هو معلوم بالاكتساب أنه حسن أو قبيح كحسن الصدق الضار وقبح
الكذب النافع ، ومنها ما يعجز العقل عن العلم بحسنه أو قبحه فيكشف الشرع
عنه كالعبادات ( 1 ) . وقالت الأشاعرة : إن الحسن والقبح شرعيان ، ولا يقضي العقل بحسن شئ ولا قبح ، بل القاضي بذلك هو الشرع ، فما حسنه فهو حسن ،
وما قبحه فهو قبيح وهو باطل بوجوه " إنتهى " .
قال الناصب خفضه الله
أقول : قد سبق أن الحسن والقبح يقال لمعان ثلاثة : الأول صفة الكمال
والنقص يقال : العلم حسن والجهل قبيح ، ولا نزاع في أن هذا أمر ثابت للصفات
في أنفسها ، وأن مدركه العقل ولا تعلق له بالشرع . الثاني ملائمة الغرض و
منافرته وقد يعبر عنهما بهذا المعنى بالمصلحة والمفسدة ، وذلك أيضا عقلي أي
يدركه العقل كالمعنى الأول . الثالث تعلق المدح والثواب بالفعل عاجلا وآجلا ،
والذم والعقاب كذلك ، فما تعلق به المدح في العاجل والثواب في الأجل يسمى
حسنا ، وما تعلق به الذم في العاجل والعقاب في الأجل والثواب في الأجل يسمى
حسنا ، وما تعلق به الذم في العاجل والعقاب في الأجل يسمى قبيحا ، وهذا
المعنى الثالث محل النزاع ، فهو عند الأشاعرة شرعي ، وذلك لأن أفعال
العباد كلها ليس شئ منها في نفسه بحيث يقتضي مدح فاعله وثوابه ، ولا ذم فاعله
وعقابه ، وإنما صارت كذلك بواسطة أمر الشارع بها ونهيه عنها ، وعند المعتزلة

‹ صفحه 342 ›



ومن تبعهم من الإمامية عقلي كما ذكر هذا الرجل ، هذا هو المذهب ، وكثيرا
ما يشتبه على الناس أحد المعاني الثلاثة بالآخر ، ويحصل منه الغلط فتحفظ
عليه ، وإنما كررنا ذكر هذا المبحث وأعدنا في هذا الموضع ليتحفظ عليه
" إنتهى " .
أقول : استثناء بعض المعاني الثلاثة عن محل النزاع من تصرفات
متأخري الأشاعرة فرارا منهم عن صريح الافحام ، وقد أنطق الله تعالى الناصب
بذلك فيما سيجئ من المطلب العاشر حيث قال : إن الأشاعرة لم يقولوا بالحسن
العقلي أصلا ، وناهيك في ذلك أن كلام ابن الحاجب في مختصره خال عن
ذلك ، وإنما ذكره العضد الإيجي في شرحه له وفي كتاب المواقف ( 1 ) ،
وناقض نفسه أيضا فيه كما سنبينه ، وتوضيح ذلك أن هيهنا أمرين بل أصلين ،
أحدهما هل الفعل نفسه مشتمل على صفة اقتضت حسنه أو قبحه بحيث ينشأ الحسن
والقبح منه فيكون منشأ لهما أم لا ؟ والثاني أن الثواب المترتب على حسن
الفعل والعقاب المترتب على قبحه ثابت بل واقع بالعقل أم لا يقع إلا بالشرع ؟
فذهب الإمامية وسائر أهل العدل إلى إثبات الأمرين وتلازمهما ، والأشاعرة
إلى نفيهما رأسا ، وجعلوا الأفعال كلها سواء في نفس الأمر وأنها غير منقسمة
في ذواتها إلى حسن وقبيح ، ولا يتميز القبيح بصفة اقتضت قبحه أن يكون ( 2 )

‹ صفحه 343 ›



هو هذا القبيح ، وكذا الحسن فليس الفعل عندهم منشأ حسن ولا قبح ولا مصلحة
ولا مفسدة ولا نقص ولا كمال ، ولا فرق بين السجود للشيطان والسجود للرحمان
في نفس الأمر ، ولا بين الصدق والكذب ، ولا بين النكاح والسفاح ، إلا أن
الشارع أوجب هذا وحرم هذا ، فمعنى حسنه كونه مأمورا به من الشارع ، لا
أنه منشأ مصلحة ، ومعنى قبح كونه منهيا عنه منه ، لا أنه منشأ مفسدة ، وهذا
المذهب بعد تصوره وتصور لوازمه يجزم العقل ببطلانه ، وقد دل القرآن على
فساده في غير موضع ، وتشهد به الفطرة السليمة وصريح العقل ، فإن الله فطر
عباده على استحسان الصدق والعدل والعفة والاحسان ومقابلة النعم بالشكر ،
وفطرهم على استقباح أضدادها ، ونسبة هذا إلى فطرتهم كنسبة الحلو والحامض
إلى أذواقهم ، وكنسبة رائحة المسك ورائحة النتن إلى مشامهم ، وكنسبة الصوت
اللذيذ وضده إلى أسماعهم ، وكذلك ما يدركونه بسائر مشاعرهم الظاهرة و
الباطنة ، فيفرقون بين طيبه وخبيثه ونافعه وضاره . وقد أجاب بعض ( 1 )
المتأخرين من نفاة التحسين والتقبيح : بأن هذا متفق عليه ، وهو راجع إلى
النقص والكمال أو الملائمة والمنافرة بحسب اقتضاء الطباع وقبولها للشيئ
وانتفاعها به ، ونفرتها من ضده ، وإنما النزاع في كون الفعل متعلقا للمدح
والذم عاجلا والثواب والعقاب آجلا ، وهذا هو الذي نفيناه وقلنا : إنه لا يعلم
إلا بالشرع . وقال خصومنا : إنه معلوم بالعقل ، والعقل مقتض له ، وأنت
خبير بما قررته لك من كلامهم بأن هذا الجواب مع كونه فرارا واضحا لا ارتباط
له بدفع الأصل الأول أصلا ، لما مر من أن المتنازع فيه في هذا الأصل ،
هو أنه ما حسنه الشارع وأمر به كان سابقا حسنا ، ثم أمر به أم لا ،

‹ صفحه 344 ›



ونحن نقول : نعم وهم يقولون لا ، بل لما أمر به الشارع صار حسنا ، وإثبات
حسن الفعل وقبحه بمعنى النقص والكمال وموافقة الطبع ومنافرته بل بأي معنى
كان مناف لذلك كما لا يخفى . وقد اعترف بذلك صاحب المواقف فيما
نقله عنه الناصب سابقا في مبحث صدق كلامه تعالى من قوله : واعلم أنه لم يظهر
لي فرق بين النقص في الفعل وبين القبح العقلي فيه ، فإن النقص في الأفعال هو
القبح العقلي بعينه فيها ، وإنما تختلف العبارة " إنتهى " . وقد أوضحناه هنا لك
ودفعنا ما أورده الناصب عليه فتذكر .
والحاصل أن الكمال والنقص يجريان في الأفعال ، وأن تسليم الحسن والقبح
بهذا المعنى في الأفعال مستلزم للقول : بالحسن والقبح بالمعنى المتنازع فيه ، كما
أشار إليه صاحب المواقف وغيره ، لأن بديهة العقل حاكمة بأنه لا يجوز من الحكيم
الكامل النهي عن الصدق وجعله متعلقا للعقاب ، والأمر بالكذب وجعله متعلقا
للثواب ، فإنكار هذا يكون مناقضا للاعتراف بذلك ، وينقدح منه بطلان ما قالوا :
من أنه أمر به فصار حسنا أو نهى عنه فصار قبيحا ، ويمكن أن ينبه على ذلك بأن من
رأى من أحد بعض الأفعال الحسنة عند العقل وجد من نفسه إقداما بالاحسان إلى
فاعله إما بالمدح وإما بغيره ، بل يجعل الاحسان إليه حقا ثابتا في ذمته ،
وإذا وجد ذلك من نفسه حكم يقينا بأن الجواد المطلق أحق بأن يجعل الاحسان
إليه ، ولا سيما بعد أمره بالافعال المذكورة حقا ثابتا في ذمته ، فيحسن إليه في
الأجل إما باللذات العقلية والبدنية معا ، وإما باللذات العقلية البحتة ( 1 ) وإما
باللذات البدنية الصرفة ، وإما بإعادته إلى شكل أفضل من الأول . وينقدح من
ذلك أن الشرع الصريح والعقل الصحيح في إدراك ما يستقل العقل بإدراكه
متوافقان متطابقان ، فإن العقل الصحيح الخالي عن شوائب الوهم حجة من حجج

‹ صفحه 345 ›



الله ( 1 ) ، وسراج منير إلهي ، والحجة الإلهية غير داحضة ( 2 ) ، والسراج الإلهي
لا يصير موجبا للضلالة التي هي ظلمة . وما اشتهر من المخالفات بين قواعد الشرع
ومقاصد العقل فيما بين الناس ، فأما لأن الوهم تصرف في قواعد العقل وأسقطه
عن درجة الفطرة الإلهية التي فطر الناس عليها ( 3 ) ، وإما بواسطة أن حكم الشرع
ليس معلوما ومنقحا عند من ظن المخالفة ، ويحسب أن العقل مخالف ما ورد
به الشرع ، والحال أنه ليس بعارف بحكم الشرع والعقل فيما يظن المخالفة
فيه . وقد مثل الغزالي ( 4 ) هذا : بأن بيتا تكون فيه الأمتعة والأثاث موضوعا
كل واحد في مكانه كالسراج والثياب والكوز وما يكون في البيت ، فيدخل رجل
أعمى في ذلك البيت ولا يرى مكان كل شئ من الأثاث فيتعثر به ويسقط على
وجهه ، ويقول : لأي شئ وضع هذا في غير مكانه ؟ والحال أن كل شئ
موضوع في مكانها ، ولكن هو أعمى ولا يرى الأمكنة فيحسب أن الأمتعة غير
موضوعة في مكانها حتى تعثر بها ، ويقرب منه ما قال الشاعر نظم :
عاشق از بيطاقتى هر دم بجائى سر نهد
عشق خوابش برده پندارد كه بالينش بداست

‹ صفحه 346 ›



وهكذا الذي يحسب أن الشرع غير موافق للعقل ، لأنه لا يعلم ما عليه
الشرع استقر ، وما عند أرباب العقل تقرر ، فحسب التناقض والتنازع ، وأما
بواسطة التعصب ومجادلة أرباب العقل مع أصحاب النقل ، فإن بهذا يظهر الخلاف
ويحصل التنافي المانع عن الائتلاف ، وبعد طول التأمل والانصاف يظهر حقيقة
الموافقة ويرتفع الاختلاف هذا . وإلى ما قررناه من تحقق اللزوم بين المعنيين
قد أشار صاحب التوضيح من الماتريدية ( 1 ) في مقام المنع حيث قال : إن
الأشعري يسلم الحسن والقبح عقلا بمعنى الكمال والنقصان ، ولا شك أن كل
كمال محمود وكل نقصان مذموم ، وأن أصحاب الكمالات محمودون بكمالهم ،
وأصحاب النقائص مذمومون بنقائصهم ، فإنكار الحسن والقبح بمعنى أنهما صفتان
لأجلهما يحمدا ويذم الموصوف بهما في غاية التناقض " إنتهى كلامه " .
وإذا جعل إشارة إلى ما قررناه يندفع عنه ما أورده عليه الفاضل التفتازاني ( 2 )
في التلويح ، حيث قال بعد ذكر بعض المناقشات على صاحب التوضيح : وأعجب
من ذلك توضيحه سند المنع بصفات الله تعالى ، وأنه يحمد عليها ، وبكمالات الإنسان

‹ صفحه 347 ›



ونقائصه حيث يحمد عليها ويذم ، وادعاؤه التناقص في كلام الأشعري حيث جعل
كل كمال حسنا وكل نقصان قبيحا مع أنه قرر في أول الفصل : أن النزاع في
الحسن والقبح بمعنى استحقاق المدح والذم في الدنيا والثواب والعقاب في
الآخرة " إنتهى كلامه " . ووجه الدفع أن التناقض لازم من كلام الأشعري
كما قررناه ، ولم يدع صاحب التوضيح أن ذلك مستفاد من صريح كلام الأشعري
أو ظاهره ، وذلك ظاهر جدا . وأما المعنى الآخر الذي استثنوه أيضا عن
محل النزاع وهو ملائمة الغرض ومنافرته اللتان قد يعبر عنهما بالمصلحة والمفسدة
كما في المواقف فهو من باب تحسين الطبع وتقبيحه دون العقل ، كما أشار إليه
المصنف قدس سره في النهاية حيث قال : واعلم أن الأشاعرة يلزمهم نفي القبح
بالكلية ، لأن الواقع ( 1 ) مستند إلى قدرته تعالى ، وكل ما يفعله الله تعالى عندهم
فهو حسن ، فتكون أنواع الكفر والظلم وجميع القبائح الصادرة عن البشر غير
قبيحة ، واعتذارهم بأن القبح المعلوم بالضرورة إنما هو القبح بمعنى ملائمة الطبع
ومنافرته ضعيف ، فإن الظالم العاقل يميل طبعه إلى الظلم ، ومع ذلك فإنه يجد
صريح عقله حاكما بقبحه ( 2 ) ، وأيضا من خاطب الجماد فأمره ونهاه لا ينفر طبعه
عنه وهو قبيح قطعا ، ومن أنشأ قصيدة حسنة في شتم الأنبياء والملائكة عليهم السلام
وقرأها بصوت طيب حسن ، فإنه يميل الطبع إليه وينفر العقل منه ، فعلمنا
المغايرة بين نفرتي العقل والطبع " إنتهى " . وأيضا لو كان الحسن والقبح عين
النفرة والميل الطبيعيين لوجب اختلاف العقلاء في ذلك ، لأنا نجدهم يختلفون
فيما تميل إليه طباعهم وتنفر عنه ، ولم نجدهم يختلفون في حسن الصدق وأمثاله

‹ صفحه 348 ›



وقبح الكذب ونظائره ، وأيضا لو كان ذلك كذلك لسقط ذم العقلاء عمن فعل
قبيحا إذا اعتذر بموافقته لغرضه . وبالجملة ما اشتهر من تفصيل معنى الحسن والقبح
على الوجوه الثلاثة واستثناء بعضها عن محل النزاع مما استحدثه متأخر والأشاعرة
وجعلوه مهربا يلجأون إليه حين يضطرهم حجة أهل الحق إليه ، فيقولون : إن
مثل حسن الاحسان وقبح الظلم متحقق بأحد المعاني المذكورة ، لا بالمعنى المتنازع
فيه ، ولم يتفطنوا بما ذكرناه من الاستلزام ، أو أغمضوا عنه ترويجا للمرام على
القاصرين من الأنام هذا . ويدل على هذا الأصل من الأدلة التي لم يتعرض
لها المصنف في هذا المقام ، قوله تعالى :
وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل : إن الله
لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون قل أمر ربي بالقسط ، إلى
قوله : قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي
بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله
ما لا تعلمون ( 1 ) ، فأخبر سبحانه أن فعلهم فاحشة قبل نهيه عنه وأمره باجتنابه ،
والفاحشة هيهنا طوافهم بالبيت عراة الرجال والنساء إلا بعض قريش ( 2 ) ،
ثم قال الله تعالى : إن الله لا يأمر بالفحشاء أي لا يأمر بما هو فاحشة في العقل
والفطرة ، ولو كان إنما علم كونه فاحشة بالنهي ، وأنه لا معنى لكونه فاحشة
إلا تعلق النهي به ، لصار معنى الكلام : إن الله لا يأمر بما ينهى عنه ، وهذا مما
يصان عن التكلم به آحاد العقلاء فضلا عن كلام العزيز الحكيم ، وأي فائدة في
قوله : إن الله لا يأمر بما ينهى عنه ، كما يقتضي تفسيره به عند الأشاعرة ، فعلم

‹ صفحه 349 ›



أن المراد أنه لا يأمر بما تستفحشه العقول كما يقتضيه رأي الإمامية ومن تابعهم ،
ثم قال تعالى : قل أمر ربي بالقسط ، والقسط عند الأشاعرة يلزم أن يكون
هو المأمور به لا ما هو قسط في نفسه ، فحقيقة الكلام قل أمر ربي بما أمر به ،
ثم قال : قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ( 1 ) ،
دل على أنه طيب قبل التحريم ، وأن وصف الطيب فيه مانع من تحريمه ،
فتحريمه مناف للحكمة ، ثم قال : إنما حرم ربي الفواحش ( 2 ) ولو كان
كونها فواحش إنما هو لتعلق التحريم بها ، وليست فواحش قبل ذلك ، لكان
حاصل الكلام قل : إنما حرم ربي ما حرم ، وكذلك تحريم البغي والإثم ،
فكون ذلك فاحشة وإثما وبغيا بمنزلة كون الشرك شركا ، فهو مشرك في نفسه
قبل النهي وبعده ، فمن قال : إن الفاحشة والقبائح والإثم إنما صارت كذلك
بعد النهي ، فهو بمنزلة قائل يقول : الشرك إنما صار شركا بعد النهي ، وليس
شركا قبل ذلك ، ومعلوم أن هذا مكابرة ( 3 ) صريحة للعقل والفطرة ، فالظلم ظلم
في نفسه قبل النهي وبعده ، والقبيح قبيح في نفسه قبل النهي وبعده ، وكذلك
الفاحشة والشرك ، لا أن هذه الحقائق صارت بالشرع كذلك ، نعم الشارع
كساها بنهيه عنها قبحا إلى قبحها ، فكان قبحها من ذاتها ( 4 ) ، وازدادت قبحا عند

‹ صفحه 350 ›



العقل بنهي الرب تعالى عنها وذمه لها وإخباره ببغضها وبغض فاعلها ، كما أن
العدل والصدق والتوحيد ومقابلة نعم المنعم بالثناء والشكر حسن في نفسه ،
وازداد حسنا إلى حسنه بأمر الرب به وثنائه على فاعله وإخباره بإرادة ذلك ومحبة
فاعله ، بل من أعلام نبوة محمد صلى الله عليه وآله أنه يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل
لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ( 1 ) ، فلو كان كونه معروفا ومنكرا وطيبا و
خبيثا إنما هو لتعلق الأمر والنهي والحل والتحريم به ، لكان بمنزلة أن يقال :
يأمرهم بما يأمرهم به وينهاهم عما ينهاهم عنه ، ويحل لهم ما يحله ، ويحرم عليهم
ما يحرمه ، وأي فائدة في هذا ؟ وأي علم يبقى فيه لنبوته ؟ وكلام الله تعالى
يصان عن ذلك وأن يظن به مثله ، وإنما المدح والثناء والعلم الدال على نبوته
أن ما يأمر به تشهد العقول الصحيحة بحسنه وكونه معروفا ، وما ينهى عنه تشهد
بقبحه وكونه منكرا ، وما يحله تشهد بكونه طيبا ، وما يحرم تشهد بكونه خبيثا ،
وهذه دعوة الرسل ، وهي بخلاف دعوة المبطلين والكاذبين والسحرة ، فإنهم يدعون
إلى ما يوافق أهواءهم وأغراضهم من كل قبيح ومنكر وبغي وظلم . ولهذا قيل لبعض
الأعراب وقد أسلم ، لما عرف دعوته صلى الله عليه وآله : عن أي شئ أسلمت وما رأيت منه
مما دلك على أنه رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فقال : ما أمر بشئ فقال العقل : ليته نهى
عنه ، ولا نهى عن شئ فقال العقل : ليته أمر به ، ولا أحل شيئا فقال العقل ليته
حرمه ، ولا حرم شيئا فقال العقل : ليته أباحه ، فانظر إلى هذا الأعرابي ( 2 ) وصحة
عقله وفطرته وقوة إيمانه واستدلاله على صحة دعوة النبي صلى الله عليه وآله بمطابقة أمره لكل
ما هو حسن في العقل ومطابقة نهيه لما هو قبيح في العقل ، وكذلك مطابقة تحليله

‹ صفحه 351 ›



وتحريمه ، ولو كانت جهة الحسن والقبح والطيب والخبث مجرد تعلق الأمر والنهي
والإباحة والتحريم لم يحسن منه هذا الجواب ، ولكان بمنزلة أن يقول : وجدته
يأمر وينهى ويبيح ويحرم ، وأي دليل في هذا ، وكذلك قوله تعالى : إن الله يأمر
بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ( 1 )
وهؤلاء يزعمون أن الظلم في حق عباده هو المحرم المنهى عنه ، لا أن في نفس الأمر
ظلما نهى عنه ، وكذلك الظلم الذي نزه الله تعالى نفسه عنه هو الممتنع المستحيل
عندهم ، لا أن هناك أمرا ممكنا مقدورا لو فعله لكان ظلما ، فليس عندهم ظلم منهى
عنه ولا منزه عنه ( 2 ) إنما هو المحرم في حقهم ( 3 ) والمستحيل في حقه تعالى ،
فالظلم المنزه عنه عندهم منحصر في المحالات العقلية كالجمع بين النقيضين ، وجعل
الجسم الواحد في مكانين في آن واحد ونحو ذلك ، والقرآن صريح في إبطال
هذا المذهب أيضا . قال تعالى : قال قرينه : ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال
بعيد قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد ما يبد القول لدي
وما أنا بظلام للعبيد ( 4 ) ، أي لا أؤاخذ عبدا بغير ذنب ولا أمنعه من أجر ما عمله
من صالح ، ولهذا قال قبله : وقد قدمت إليكم بالوعيد المتضمن لإقامة الحجة
وبلوغ الأمر والنهي ، فإذا آخذتكم بعد التقدم فلست بظالم ، بخلاف ما يؤاخذ
العبد قبل التقدم إليه بأمره ونهيه ، فذلك الظلم الذي تنزه عنه سبحانه ، وقال تعالى :
ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما ( 5 ) ،

‹ صفحه 352 ›



يعني لا يحمل عليه من سيئات ما لم يعمله ولا ينقص من حسنات ما عمل ، ولو كان
الظلم هو المستحيل الذي لا يمكن وجوده لم يكن لعدم الخوف منه معنى ولا للأمن
من وقوعه فائدة ، وقال تعالى : من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما
ربك بظلام للعبيد ( 1 ) ، أي لا يحمل المسئ عقاب ما لم يعمله ولا يمنع المحسن
من ثواب عمله . وقال تعالى : وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها
مصلحون ( 2 ) ، فدل على أنه لو أهلكهم مع اصلاحهم لكان ظلما ، وعندهم يجوز
ذلك وليس بظلم لو فعله ، ويؤولون الآية على أنه سبحانه أخبر أنه لا يهلكهم
مع اصلاحهم ، وعلم أنه لا يفعل ذلك وخلاف خبره ومعلومه مستحيل ، وذلك
حقيقة الظلم ، ومعلوم أن الآية لم يقصد بها هذا قطعا ، ولا أريد بها ولا يحتمله
بوجه ، إذ يؤل معناها إلى أنه ما كان ليهلك القرى بسبب اجتماع النقيضين وهم
مصلحون ، وكلامه تعالى : يتنزه عن هذا ويتعالى عنه ، وكذلك عند هؤلاء أيضا
العبث والسدي ( 3 ) والباطل كلها هي المستحيلات الممتنعة التي لا تدخل تحت
المقدور ، والله تعالى قد نزه نفسه عنها ، إذ نسبه إليها أعداؤه المكذبين ( 4 )
لوعده ووعيده المنكرين لأمره ونهيه ، فأخبر أن ذلك يستلزم كون الخلق عبثا
وباطلا ، وحكمته وعزته تأبى ( تنافي خ ل ) ذلك قال تعالى : أفحسبتم أنما

‹ صفحه 353 ›



خلقناكم عبثا ( 1 ) ، أي بغير شئ لا تؤمرون ولا تنهون ولا تثابون ولا تعاقبون ،
والعبث قبيح ، فدل على أن قبح هذا مستقر في الفطر ( 2 ) والعقول ، ولذلك
أنكر عليهم إنكار منبه لهم على الرجوع إلى عقولهم ، وأنهم لو فكروا وأبصروا
لعلموا أنه لا يليق به ولا يحسن منه أن يخلق خلقه عبثا ، لا لأمر ولا لنهي ولا
لثواب ولا لعقاب ، وهذا يدل على أن حسن الأمر والنهي والجزاء مستقر في
العقول والفطر ، وأن من جوز على الله الاضلال به فقد نسبه إلى ما لا يليق به وتأباه
أسماؤه الحسنى ( 3 ) وصفاته العليا ، وكذلك قوله تعالى : أيحسب الإنسان أن يترك
سدى ( 4 ) أي لا يؤمر ولا ينهى أو لا يثاب ولا يعاقب وهما متلازمان ، فأنكر على
من يحسب ذلك ، فدل على أنه قبيح لا يليق به ، ولهذا استدل على أنه لا يترك
سدى بقوله : ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى ( 5 ) إلى آخر
السورة ، ولو كان قبحه إنما علم بالسمع لكان يستدل عليه : بأنه خلاف السمع و
خلاف ما أعلمناه وأخبرنا به ، ولم يكن إنكار تركه قبيحا في نفسه ، بل لكونه
خلاف ما أخبر به ، ومعلوم أن هذا ليس وجه الكلام ، وكذلك قوله تعالى :
وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا ( 6 )
والباطل الذي ظنوه ليس هو الجمع بين النقيضين ، بل الذي ظنوه أنه لا شرع ولا
جزاء ولا أمر ولا نهي ولا ثواب ولا عقاب ، فأخبر أن خلقها لغير ذلك هو الباطل

‹ صفحه 354 ›



الذي تنزه عنه ، وذلك هو الحق الذي خلقت به وهو التوحيد وحقه وجزاؤه وجزاء من
جحده وأشرك به ، وقال تعالى : أم حسب الذين اجترحوا السيئات أم نجعلهم
كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون ( 1 )
فأنكر سبحانه هذا الحسبان إنكار منبه للعقل على حكمه وأنه حكم سيئ ،
فالحاكم به مسيئ ظالم ، ولو كان إنما قبح [ ولو كان الحسبان خ ل ] لكونه خلاف
ما أخبر به ، لم يكن الانكار لما اشتمل عليه من القبح اللازم من التسوية بين
المحسن والمسيئ المستقر قبحه في عقول العالمين كلهم ، ولا كان هناك حكم سيئ
في نفسه ينكر على من حكم به ، وكذلك قوله تعالى : أم نجعل الذين آمنوا وعملوا
الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار ( 2 ) وهذا استفهام
وإنكار ، فدل على أن هذا قبيح في نفسه منكر تنكره العقول والفطر ، أفتظنون أن
ذلك يليق بنا أو يحسن منا فعله ، فأنكره سبحانه إنكار منبه للعقل والفطرة على
قبحه ، وأنه لا يليق بالله نسبته إليه ، وكذلك إنكاره سبحانه قبح الشرك به في الإلهية
وعبادة غيره معه بما ضربه لهم من الأمثال ، وأقام على بطلانه من الأدلة العقلية ،
ولو كان إنما قبح بالشرع لم يكن لتلك الأدلة والأمثال معنى ، وعند نفاة التحسين
والتقبيح يجوز في العقل أن يأمر بالاشراك به وعبادة غيره ، وإنما علم قبحه بمجرد
النهي عنه ، فيا عجبا أي فائدة تبقى في تلك الأمثال والحجج والبراهين الدالة
على قبحه في صريح العقول ؟ ! وأنه أقبح القبيح وأظلم الظلم ! وأي شئ يصح
في العقل إذا لم يكن فيه علم بقبح الشرك الذاتي ، وأن العلم بقبحه بديهي ،
فذلك معلوم بضرورة العقل ، وبأن الرسل نبهوا الأمم على ما في عقولهم وفطرهم

‹ صفحه 355 ›



من قبحه ، وإن لم يتنبه ليست لهم عقول ( 1 ) ولا ألباب ولا أفئدة ، بل نفى الله
تعالى عنهم السمع والبصر ، والمراد سمع القلب وبصره ( 2 ) ، فأخبر أنهم صم
بكم عمي وشبههم بالأنعام التي لا عقول لها يميز بها بين الحسن والقبح و

‹ صفحه 356 ›



الحق والباطل ، وكذلك اعترفوا في النار بأنهم لم يكونوا من أهل السمع و
العقل ، وأنهم لو رجعوا إلى أسماعهم وعقولهم ، لعلموا حسن ما جاءت به الرسل
وقبح مخالفتهم ، قال تعالى : وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب
السعير ( 1 ) ، وكم يقول لهم في كتابه أفلا يعقلون ، لعلكم تعقلون ، فينبههم
على ما في عقولهم من الحسن والقبح ويحتج عليهم بها ، ويخبر أنه أعطاهموها
لينتفعوا بها ويميزوا بها بين الحسن والقبيح ، وكم في القرآن من مثل عقلي و
حسي ينبه به العقول على حسن ما أمر به وقبح ما نهى عنه ؟ ! فلو لم يكن في
نفسه كذلك لم يكن لضرب الأمثال للعقول معنى ، ولكان إثبات ذلك بمجرد الأمر
والنهي دون ضرب الأمثال ، وتبيين جهة القبح المشهور بالحس والعقل ، والقرآن
مملو بهذا لمن تدبره ، كقوله :
ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما
رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات
لقوم يعقلون ( 2 ) ، يحتج سبحانه عليهم بما في عقولهم ، من قبح كون مملوك
أحدهم شريكا له ، فإذا كان أحدكم يستقبح أن يكون مملوكه شريكا له ولا
يرضى بذلك ، فكيف تجعلون لي من عبيدي شركاء تعبدونهم كعبادتي ؟ وهذا يبين
أن قبح عبادة غيره تعالى مستقر في العقول ، والسمع نبه العقول وأرشدها إلى
معرفة ما أودع فيها من قبح ذلك وكذلك قوله تعالى :
ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ( 3 ) ورجلا سلما لرجل هل
يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ( 4 ) ،

‹ صفحه 357 ›



احتج سبحانه على قبح الشرك بما تعرفه العقول من الفرق بين حال مملوك تملكه
أرباب متعاسرون سيئوا الملك ، وحال عبد يملكه سيد واحد قد سلم كله له ، فهل
يصح في العقول استواء حال العبدين ؟ وكذلك حال المشرك والموحد الذي قد سلمت
عبوديته للواحد الحق ، لا يستويان . وكذلك قوله تعالى : ممثلا لقبح الرياء المبطل
للعمل والمن والأذى المبطل للصدقات بصفوان ( 1 ) وهو الحجر الأملس عليه تراب
غبار قد لصق به فأصابه مطر شديد ، فأزال ما عليه من التراب وتركه صلدا أملس
لا شئ عليه ، وهذا المثل في غاية المطابقة لمن فهمه ، فالصفوان وهو الحجر كقلب
المرائي والمنان والمؤذي والتراب الذي لصق به ما تعلق به من أثر عمله وصدقته ،
والوابل المطر الذي به حياة الأرض فإذا صادف أرضا قابلة نبت فيها الكلأ ، فإذا
صادف الصخور والحجارة الصم لم ينبت فيها شئ ( 2 ) فجاء هذا الوابل إلى التراب
الذي على الحجر فصادفه رقيقا فأزاله فأفضى إلى حجر غير قابل للنبات ، وهذا يدل
على أن قبح المن والأذى والرياء مستقر في العقول ، فلذلك نبهها على شبه و
مثاله . وعكس ذلك قوله تعالى : مثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله
وتثبيتا من أنفسهم كمثل حبة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم
يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير ( 3 ) فإن كانت هذه الحبة التي بموضع
عال حيث لا تحجب عنها الشمس والرياح وقد أصابها مطر شديد . فأخرجت ثمرها
ضعفي ما يخرج غيرها إن كانت مستحسنة في العقل والحس فكذلك نفقة من أنفق

‹ صفحه 358 ›



ماله لوجه الله لا للجزاء من الخلق ولا شكورهم ( 1 ) بثبات من نفسه وقوة على الانفاق ،
لا تخرج النفقة وقلبه يرجف على خروجها ، ويرتعد ويضعف قلبه ، ويجوز عند الانفاق
بخلاف نفقة من لم يكن صاحب التثبت والقوة ، ولما كان الناس في الانفاق على
هذين القسمين ، كان مثل نفقة صاحب الاخلاص والتثبيت كمثل الوابل ، ومثل نفقة
الآخر كمثل الطل ، وهو المطر الضعيف ، فهذا بحسب كثرة الانفاق وقلته وكمال
الاخلاص وقوة اليقين فيه وضعفه ، أفلا تراه سبحانه نبه العقول على ما فيها من
استحسان هذا واستقباح فعل الأول ؟ وكذلك قوله تعالى :
أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها
الأنهار وله فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها
اعصار فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون ( 2 )
فنبه سبحانه العقول على قبح ما فيها من الأعمال السيئة التي تحبط ثواب الحسنات
وشبهها بحال شيخ كبير له ذرية ضعفاء بحيث يخشى عليهم الضيعة وعلى نفسه وله
بستان هو مادة عيشه وعيش ذريته ، فيه النخيل والأعناب ومن كل الثمرات إذا
أصابته نار شديدة فأحرقته ، فنبه العقول على أن قبح المعاصي التي تحرق الطاعات
بعدها كقبح هذه الحال ، ولهذا فسره ابن عباس ( 3 ) برجل عمل بطاعة الله زمانا فبعث

‹ صفحه 359 ›



الله إليه الشيطان فعمل بمعاصي الله حتى احترقت أعماله ، ذكره البخاري في
صحيحه ( 1 ) أفلا تراه نبه العقول على قبح المعصية بعد الطاعة وضرب لقبحها هذا
المثل ؟ ونفاة التعليل والأسباب والحكم بحسن الأفعال وقبحها يقولون : ما ثم إلا
محض المشية لا أن بعض الأعمال يبطل بعضا وليس فيها ما هو قبيح بعينه حتى
يشبه بقبيح آخر ، وليس فيها ما هو منشأ لمفسدة أو مصلحة يكون سببا لهما ولا
لها علل غائية هي مفضية إليها ، وإنما هي متعلق المشية ، والإرادة والأمر والنهي
فقط ، والفقهاء لا يمكنهم البناء على هذه الطريقة كما مر ، وأجمعوا عند التكلم ( 2 )
بلسان الفقه على بطلانها إذ يتكلمون في العلل والمناسبات الداعية بشرع الحكم ( 3 )

‹ صفحه 360 ›



ويفرقون بين المصالح الخالصة والراجحة والمرجوحة والمفاسد التي هي كذلك ،
ويقدمون أرجح المصلحتين على مرجوحتهما ويدفعون أقوى المفسدتين باحتمال
أدناهما ، ولا يتم لهم ذلك إلا باستخراج الحكم والعلل ومعرفة المصالح والمفاسد
الناشئة من الأفعال ومعرفة رتبها ، وكذلك الأطباء لا يصلح لهم ( لا يصح خ ل )
علم الطب وعمله إلا بمعرفة قوى الأدوية والأغذية والأمزجة وطبائعها ، ونسبة بعضها
إلى بعض ومقدار ثأثير بعضها في بعض ، وانفعال بعضها عن بعض ، والموازنة بين
قوة الدواء وقوة المرض ودفع الضد بضده ، وحفظ ما يريدون حفظه بمثله و
مناسبه ، فصناعة الطب ( 1 ) وعلمه مبنية على معرفة الأسباب والعلل والقوى والطبائع

‹ صفحه 362 ›



( الطباع خ ل ) والخواص ، فلو نفوا ذلك وأبطلوه وأحالوا على محض المشية وصرف
الإرادة المجردة عن الأسباب والعلل وجعلوا حقيقة النار مساوية لحقيقة الماء ،
وحقيقة الدواء مساوية لحقيقة الغذاء ليس في أحدهما خاصية ولا قوة يتميز بها
عن الآخر ، لفسد علم الطب وبطلت حكم الله تعالى ، بل العالم مربوط ( 1 ) بالأسباب
والقوى والعلل الفاعلة والغائية ، وعلى هذا قام الوجود بتقدير العزيز العليم ( 2 )
والكل مربوط بقضائه وقدره ومشيته وإقداره وتمكينه . واعتذر بعض الأشاعرة
عن نفيهم لذلك بأن القول بقطع النظر عن تأثير الأسباب في مسبباتها وجعل ذلك
تأثير الله تعالى زهد وإخلاص ، بأن لا يجعل مع الله تعالى في العالم خالق آخر ، ولا
يخفى أن هذا اعتذار فاسد واعتقاد ردي ، وإنما الاخلاص والفوز والفلاح في الصدق
والحق لا في الكذب والافتراء بما يعلم أنه ليس كذلك مع تضمنه لكثير من الفاسد
كالجبر والظلم وخلو بعثة الأنبياء عن الفائدة ومخالفته للعقل ، بما ورد في الكتب
المنزلة وأخبار الأنبياء ، من ذكر الأسباب وإسناد المسببات إليها ، ومع ما في القول
بخلق الأسباب وتفويض المسببات إليها من الدلالة على قدرة الفاعل لذلك ، و
إتقانه لأفعاله وبيان إحكامها وعجيب صنعها ، فإنه يكون في كل واحد منها دلالة

‹ صفحه 363 ›



على قدرتين وحكمتين ، خلقها وخلق تأثيرها وحصول الاحكام في خلقها وفي ترتب
هذه المسببات عليها ، وكونها سببا لها ، وجعل تلك الأسباب مؤثرة في مسبباتها ،
وحصول تلك المسببات متقنة محكمة عنها ، وهذا طريق مستقيم يوصل إلى حقيقة
توحيده تعالى ، وظهور قدرته ، ووفور ( فوز خ ل ) حكمته ، يوجب للعبد إذا تبصر
فيه الصعود من الأسباب إلى مسببها ، والتعلق به دونها ، وأنها لا يضر ولا ينفع
إلا بإذنه ، وأنه إذا شاء جعل نافعها ضارا ودوائها داء أو دائها دواء ، فالالتفات إليها
بالكلية شرك مناف للتوحيد ، وإنكارها أن تكون أسبابا بالكلية قدح في الشرع
والحكمة ، والاعراض عنها مع العلم بكونها أسبابا نقصان في العقل ، وتنزيلها
منازلها ومدافعة بعضها ببعض وتسليط بعضها على بعض وشهود الجمع في تفرقها
والقيام بها هو محض العبودية والمعرفة وإثبات التوحيد والشرع والقدرة والحكمة
( القدر والحكم خ ل ) والله أعلم .
قال المصنف رفع الله درجته
وهو باطل لوجوه الأول أنهم أنكروا أما علم كل عاقل من حسن الصدق
النافع وقبح الكذب الضار سواء كان هناك شرع أو لا ، ومنكر الحكم الضروري
سوفسطائي .
قال الناصب خفضه الله
أقول : جوابه أن حسن الصدق النافع وقبح الكذب الضار ، إن أريد
بهما صفة الكمال والنقص أو المصلحة والمفسدة ، فلا شك إنهما عقليان كما سبق ، وإن أريد
بهما تعلق المدح والثواب أو الذم والعقاب ، فلا نسلم أنه ضروري ، بل هو متوقف
على إعلام الشرع ، وكيف يدرك تعلق الثواب وهو من الله تعالى إلا بالشرع والاعلام
من الشارع " إنتهى " .

‹ صفحه 364 ›


أقول : قد توارد بعض الفضلاء المعاصرين في حاشيته على شرح أصول
ابن الحاجب بهذا الجواب ظنا منه أنه وجد تمرة الغراب ( 1 ) حيث قال : إن الحكم
بأنا نعلم بالضرورة أو بالنظر أن الصدق النافع والكذب الضار يترتب عليهما
الثواب أو العقاب في العقبى بعيد ، لأن العقل لا يستقل في أمر الآخرة " إنتهى " ،
وقد دفعناه ( 2 ) قبل ذلك في تعليقاتنا على ذلك الشرح : بأن الاستبعاد إنما يتوجه
لو أريد الثواب والعقاب بخصوصياتهما المعلومة من عرف الشرع ، ككون الثواب
عطية يستحقها العبد من الله تعالى دائما في دار الآخرة ، وأما إذا أريد به العطاء ( 3 )

‹ صفحه 365 ›



الذي يستحقه العبد من الله تعالى فلا ، إذ بديهة العقل حاكمة بأن العبد المطيع
الفاعل لما يوجب المدح يستحق العطاء من المولى الجواد الحكيم كما أشرنا إليه
سابقا ، وبعبارة أخرى نقول : إن العقل حاكم قطعا بأن من فعل ما يوافق أمر مولاه
الجواد الحكيم يجزيه خيرا ومن خالفه يجزيه شرا ، فإن أراد هذا الفاضل أن
العقل لا يحكم بهذا المجمل فهو مكابرة ظاهرة ، وأن أراد أنه لا يحكم على ذلك مع
خصوصيات كون الثواب بالتخليد في الجنة ونيل الحور والقصور وكون العقاب
بالنار والحيات ونحو ذلك في الآجل ، قلنا : إنا لا ندعي حكم العقل بهذه
الخصوصيات ، غاية الأمر أنه قد يقع التقييد بذلك في بعض العبارات ( 1 ) لكونها
من لوازم ذلك المجمل اتفاقا من الفريقين ، وإن علم ذلك من الشرع فقط ونظير
أوردناه هيهنا ما وقع عن العلامة الدواني في بحث الوجود من حاشيته
القديمة عند الكلام على قول شارح الجديد للتجريد . وما قيل : من أن صحة الحكم
مطابقته لما في العقل الفعال ، فإن صور جميع الكائنات وأحكام الموجودات
والمعدومات بأسرها مرتسمة فيه باطل قطعا ، لأن كل واحد من العقلاء يعرف أن
قولنا : اجتماع النقيضين محال صدق وحق ، مع أنه لم يتصور العقل الفعال أصلا ،
فضلا عن اعتقاد ثبوته وارتسام صور الكائنات فيه ، مع أنه ينكر ثبوته على ما هو

‹ صفحه 366 ›



رأي المتكلمين صور الكائنات فيه " إنتهى " حيث أورد عليه أولا نقضا إجماليا فقال :
هذا الكلام من قبيل أن يقال : كون المشار إليه " بأنا " ( 2 ) جوهرا مجردا باطل ،
لأن كل واحد من العقلاء يشير إليه " بأنا " مع أنه لم يتصور الجوهر المجرد أصلا ،
بل مع أنه ينكر ثبوته على ما هو رأي المتكلمين أو يقال : كون الزمان مقدارا
لحركة الفلك باطل ، لأن كل أحد يقسم الزمان إلى أجزائه مع عدم تصوره
مقدار حركة الفلك إلى غير ذلك من النظائر بالتي لا يخفى شئ منها على من خاض
في تيار ( 1 ) بحار الحكمة ، ثم ذكر حله وتفصيله فقال : للمستدل أن يمنع عدم
تصور كل واحد من العقلاء العقل أصلا ، ويقول : بل تصور العقل ( يتصور خ ل )
بهذا الوجه ، وهو أنه الواقع ونفس الأمر ومطابق الصوادق وإن لم يتصور
بخصوصية كونه عقلا ومحلا لارتسام صور الكائنات ، ثم يدل البرهان على أن المتصور
بهذا الوجه هو العقل المتصف بتلك الصفات ، كما في إثبات النفس والزمان و
غيرهما من المطالب الحكمية التي لا يخفى على من ذاق الحكمة " إنتهى " ومن العجب
أن هذا الفاضل المعاصر مع طول ملازمته ومدارسته لذلك الشرح والحاشية قد غفل
عن جريان نظير ذلك النقض والحل فيما نحن فيه ، وأعجب من ذلك أن هذا الفاضل
أنكر هيهنا استقلال العقل في أمر الآخرة مطلقا ، وسلم استقلاله في بعض أحوال