«1»

مناهج البحث في العقيدة الإسلامية وتفوق منهج أهل البيت (ع)

الشيخ عباس علي براتي

تمهيد

العقيدة الإسلاميّة كانت ولا تزال موضع بحث ودراسة المسلمين، والباحثين عن الإسلام، وبمرور السنين والقرون ظهرت اختلافات في الآراء حول العقيدة الإسلامية، مع الاتّفاق على أن مصدرها هو القرآن والحديث، وإنما جاء الاختلاف نتيجة أسباب عديدة(1) نشير إلى بعضها:

1 - الاختلاف في منهج البحث والاجتهاد.

2 - انخراط الأحبار والرهبان في صنوف المسلمين، ودسّ قصصهم (الإسرائيليّات) في الروايات.

3 - البدع والتأويلات الفاسدة.

4 - النزعات القبلية والأهواء السياسية.

5 - الجهل وعدم العثور على النصوص.

وفي هذا المقال نحاول بيان السبب الأوّل، ونستعرض المناهج الموجودة في دراسة العقيدة، مقارنة بمنهج آل البيت (ع)، ونبيّن تفوّق المنهج الأخير.


جذور الخلافات الاعتقادية وتاريخها

ظهرت الخلافات الفكرية والعقائدية في عصر صاحب الرسالة (ص)، ولكن لم تصل إلى حدّ تكوّن المذاهب الكلامية والمدارس الفكرية، لأن النبيّ (ص) كان يعالجها بنفسه ولا يسمح لها بالاستفحال، وكانت الصداقة تحلّ محلّها، والإخاء والودّ والتعاطف يخيّم على المجتمع الرسالي بشكل لم يوجد له مثيل في التاريخ إلاّ في فترات قصيرة.

وكمثال على ذلك نشير إلى مسألة "القدر" التي شغلت بال الصحابة، ودار النقاش والحوار حولها حتى وصل إلى الجدال والمراء، وعندما سمع رسول الله (ص) أصواتهم خرج من البيت ونهاهم عن ذلك، كما جاء في كتب الحديث:

روى أحمد بن حنبل عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال: خرج رسول الله (ص) ذات يوم والناس يتكلّمون في القدر. قال: وكأنّما تفقّأ في وجهه حبّ الرّمان من الغضب قال: فقال لهم: "ما لكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض؟ بهذا هلك من كان قبلكم"(2)

والقرآن والسنّة تركا للأمّة أصول العقيدة وأمّهاتها، وطرحت بعض الأسئلة فيما بعد،

ــــــــــــــــــــــــــــ

1 - الدكتور أحمد محمود صبحي، في علم الكلام: ج 1، المقدمة: 46، ط 5، دار النهضة الحديثة، بيروت، 1405 للهجرة (1985 م).
2 - مسند أحمد 3: 178 - 196. |

«2»

حيث لم يكن لها جواب صريح في القرآن الكريم والسنّة الشريفة، فكانت تحتاج إلى استنباط واجتهاد، فصار ذلك من مسؤولية الفقهاء والمجتهدين في العقيدة والشريعة، ولذلك نجد الصحابة يختلفون فيما بينهم في المسائل الاعتقادية، وهناك فرقٌ بين اختلافهم في عصر الرسول الأعظم (ص) وبين اختلافهم بعد وفاته، ففي حياته كان هو الحكم بينهم وكلماته كانت تحسم الخلاف.(1) ولكن بعد وفاته كانوا يحكّمون اجتهاد واحد من الصحابة أو فئة منهم حسب اختيار الخلفاء والحكّام، وإن كان للصحابة الآخرين آراؤهم ونظرياتهم، ومن أمثله ذلك الأمران التاليان:

1 - الخلافة أو الإمامة الكبرى بعد وفاة النبي (ص).(2)

2 - قتل مانعي الزكاة وأن عملهم هذا هل أوجب الردّة؟(3)

وكان كل خلاف مبدأ نشوء آراء وطوائف ومذاهب كلامية واعتقادية، وبطبيعة الحال، فإن كل واحد منها كان يشكل مجموعة مدوّنة من الآراء والعقائد مرفقة بمنهج خاص في الاستدلال والاستنباط. وأهم المناهج - حسب ما أدّت إليه دراستنا - تنحصر فيمايلي:

1 - المنهج النقلي المحض.

2 - المنهج العقلي المحض.

3 - المنهج الذوقي والإشراقي.

4 - المنهج الحسّي والتجريبي (العلمي).

5 - المنهج الفطري.


المنهج النقلي المحض

ويعتبر الإمام أحمد بن حنبل (ت 241 للهجرة ) رائداً لتلك المدرسة في ذلك الوقت، ومن أقدم شخصياتها، وهذا المنهج يمثله أهل الحديث الذين لا شأن لهم عدا المحافظة على التراث الروائي ونقله دون التدبّر والتعمّق في مغزاه، وتمييز غثه من سمينه، وصحيحه من سقيمه، ويسمّى هذا الاتّجاه في العصور الأخيرة باسم سلفية وينحو الحنابلة في الفقه هذا المنحى. إنّ هؤلاء حرّموا الرأي والنظر في المسائل الدينية، وعدّوا السؤال بدعة، والكلام والحجاج فيها ابتداعاً وانحيازاً لأهل الأهواء، وعكفوا على دراسة السنّة دراسة خالية من التعمّق، وسمّوا منهجهم هذا اتّباعاً وغيره ابتداعاً.

وقصارى جهد هؤلاء أن يدوّنوا الأحاديث الواردة في المسائل الاعتقادية، أو أن

ــــــــــــــــــــــــــــ

1 - ابن هشام، السيرة النبوية 1: 341 - 342، الدكتور محمد حميد الله، مجموعة السياسية، 1 - 7.
2 - الأشعري، مقالات الإسلاميين، واختلاف المصلّين 1: 34 و 39، ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل 2: 111، احمد أمين، فجر الإسلام.
3 - مسند أحمد 2: 196.

«3»

يبوّبوها أو يشرحوا ألفاظها أو يذكروا أسانيدها، كما فعله الإمام البخاري وأحمد بن حنبل وابن خزيمة والبيهقي وابن بطّة، وبلغ بهم الأمر إلى أن حرّموا علم الكلام والنظر العقلي في مسائل العقيدة، وأفرد بعضهم رسالة في تحريمه، كما فعل ابن قدامة في رسالته المسمّاة رسالة تحريم النظر في علم الكلام.

قال أحمد بن حنبل: لا يفلح صاحب الكلام أبداً، ولا تكاد ترى أحداً نظر في الكلام إلاّ وفي قلبه دغل. وبالغ في ذمّة حتى هُجر الحارث المحاسبي مع زهده وورعه بسبب تصنيفه كتاباً في الردّ على المبتدِعة، وقال له: ويحك ألست تحكي بدعتهم أوّلاً ثمّ تردّ عليهم؟! ألست تحمل الناس بتصنيفك على مطالعة البدعة والتفكّر في تلك الشبهات فيدعوهم ذلك إلى الرأي والبحث؟

وقال أحمد: علماء الكلام زنادقة!.

وقال الزعفراني: قال الشافعي: حكمي في أصحاب الكلام أن يُضربوا بالجريد ويُطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنّة وأخذ في الكلام.

وقد اتّفق أهل الحديث من السلف على هذا، ولا ينحصر ما نقل عنهم من التشديدات فيه، وقالوا: ما سكت عنه الصحابة - مع أنّهم أعرف بالحقائق وأفصح بترتيب الألفاظ من غيرهم - إلا لعلمهم بما يتولّد منه من الشرّ، ولذلك قال النبي (ص): هلك المتنطّعون، هلك المتنطّعون، هلك المتنطّعون. أي المتعمّقون في البحث والاستقصاء.(1)

وهؤلاء كانوا ينحون في العقيدة منحى التجسيم والتشبيه والقول المطلق بالقدر وسلب الحرية عن الإنسان(2).

وهذه الطائفة جوّزت التقليد في العقيدة وحرّمت النظر كما مرّ، يقول الدكتور أحمد محمود صبحي:

بما أن العقيدة لا يمكن فيها التقليد ولا يجوز، خلافاً لعبيد الله بن الحسن العنبري والحشوية والتعليمية.(3) وكذا للرازي في المحصّل.(4) ورأي جمهور العلماء على عدم جواز التقليد فيه، وأسنده الأستاذ أبو إسحاق في شرح الترتيب إلى إجماع أهل العلم من أهل الحق وغيرهم من الطوائف، وقال إمام الحرمين في الشامل: لم يقل بالتقليد في الأصول إلاّ الحنابلة. ولكن الإمام الشوكاني يعتبر التكليف بوجوب النظر في العقائد تكليفاً بما لا يطاق، ويقول بعد سرده لأقوال الأئمة: فيا للّه العجب من هذه المقالة... فإنها جناية على جمهور هذه الأمّة المرحومة، وتكليف لهم بما ليس في وسعهم ولا يطيقونه، وقد كفى الصحابة الذين لم يبلغوا درجة الاجتهاد ولا قاربوها

ــــــــــــــــــــــــــــ

1 - الدكتور عبدالحليم محمود، التوحيد الخالص، أو الإسلام والعقل: 4 - 20.
2 - الصابوني، أبو عثمان إسماعيل، رسالة عقيدة السلف وأصحاب الحديث، (في الرسائل المنيرة).
3 - الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام 4: 300.
4 - الشوكاني، إرشاد الفحول: 266 - 267.

«4»

الإيمان الحملي... بل حرّم على كثير منهم النظر في ذلك وجعله من الضلالة والجهالة....(1)

ومن ثم، فعلم المنطق أيضاً حرام عند هؤلاء، ولا يعتبر منهجاً في الوصول إلى المعرفة البشرية، على الرغم من أن علم المنطق من أشهر المقاييس وأقدمها، وهو ما وضعه أرسطو في كتاب سمّاه أيضاً الارغانون وسمّاه علم الميزان.

وعلم المنطق في رأي أصحاب هذا الاتّجاه لا يكفي وحده لصون الفكر عن الخطأ، فإن كثيراً من مفكري الإسلام برعوا في المنطق، كالكندي والفارابي وابن سينا والإمام الغزالي وابن ماجة، وابن طفيل، وابن رشد، ولكن اختلفوا في أفكارهم وآرائهم ونزعاتهم اختلافاً جوهريا، فلا يكون المنطق ميزاناً بين الحق والباطل!

ولكن موقف هذا الاّتجاه اعتدل كثيراً تجاه علمي المنطق والكلام في العصور المتأخرة، مثلاً نشاهد ابن تيمية مضطرباً في موقفه عن علم الكلام، فلا يحرِّمه تحريماً باتّاً، بل يجوِّزه إذا دعت إليه الضرورة، واستند إلى الأدلة العقلية والشرعيّة وصار سبباً لوضع حدّ لشبه الملاحدة والزنادقة.(2)

ولكنه في الوقت نفسه يحرّم علم المنطق ويؤلّف رسالة اسمها رسالة الردّ على المنطقيّين. ويقول أتباعه: نجد ديكارت الفرنسي (1596 - 1650 م) اخترع مقياساً للفصل بين الخطأ والصواب بدلاً عن المنطق الأرسطاطاليسي، وكان يؤكّد على أنّ الإنسان لو اتّبع في تفكيره المقياس الذي اخترعه خطوة خطوة فإنّه لا مناص سينتهي إلى الصواب وستكون ثمرة السير مع المنهج الديكارتي، اليقين، ولكن انتهى الأمل في منهج ديكارت كما انتهى الأمل في منطق أرسطو بالنسبة إلى الانسان المعاصر، وبقيت المسائل التي بُحثت قبل الميلاد كما كانت.(3)

وهذا ما دفع جمعاً من المفكّرين المسلمين القدماء إلى رفض الطريقة العقلية كا هو الحال بالنسبة إلى الإمام الغزالي (450 - 505 للهجرة) في كتابه تهافت الفلاسفة، حيث هدم في هذا الكتاب آراء الفلاسفة بأدلّة عقلية، والتأمّل في كتابه هذا يشهد بأن رأي الإمام الغزالي هو: أن العقل الذي يبني هو العقل الذي يهدم.

والإمام الغزالي يثبت أن العقل الإنساني في عالم الإلهيات والأخلاق لا يتأتّى منه إلاّ ظنُون لا تصل إلى اليقين. وقد ردّ عليه الفيلسوف الإسلامي ابن رشد الأندليسى (ت 595 للهجرة) في كتابه تهافت التهافت. وابن رشد هو الذي يثبت أن العقل الصريح والنقل الصحيح ليس بينهما أيّ تعارض، وهذا ما يبدو من كتابه فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتّصال. والعجيب أنّه في هذا الموقف يلتقي بابن تيمية في كتابه

ــــــــــــــــــــــــــــ

1 - الإمام الجويني، الإرشاد إلى قواطع الأدلة: 25، الغزالي، إلجام العوام عن علم الكلام: 66 - 67، الدكتور أحمد محمود صبحي، في علم الكلام 1: المقدّمة.
2 - ابن تيمية، مجموع الفتاوى 3: 306 - 307.
3 - الدكتور عبدالحليم محمود، التوحيد الخالص: 5 - 20.
«5»

موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول.

فكيف يمكن الجمع بين موقفي ابن تيمية هذين يا ترى؟!

إنّ منهج أهل الحديث لدى السنّة، والأخبارية لدى الشيعة(1) اتّباع ظواهر النصوص الشرعيّة من الآيات والروايات، ومحاولة اجتناب الرأي والقياس حسب الإمكان.(2)وينتشر المذهب السلفي أو مذهب أهل الحديث في عصرنا هذا في الجزيرة العربية (بلاد نجد)، وتوجد جماعات قليلة منهم في العراق والشام ومصر.(3)


المنهج العقلي المحض:

يتميز هذا المذهب باعتماده على العقل البشري كأداة للمعرفة، وهم أصحاب مدرسة الرأي في الفكر الإسلامي، وفي العقيدة يمثّلهم المعتزلة، وقد بدأ هذا المنهج من عصر مبكّر من تاريخ الاسلام، ويعتبر المؤسس الأول لهذه المدرسة واصل بن عطاء (80 - 131 للهجرة)، وزميله عمرو بن أبي دؤاد وزير المأمون العباسي، والقاضي عبدالجبار بن أحمد الهمذاني (ت 415 للهجرة)، ومن أكابرهم النظّام وأبوالهذيل العلاّف والجاحظ والجُبائيّان.

هذا الاتجاه يعطي العقل البشري قيمة كبرى ودوراً مهماً في معرفة الله سبحانه وصفاته، والشريعة الإسلامية في رؤيتهم لا يتمّ إدراكها وتطبيقها إلاّ بالعقل الإنساني.

ولكن لا يوجد لهذا المذهب في عصرنا الحاضر أتباع وأنصار بهذا الاسم، وإنما دخلت عناصر من فكرهم في المذهب الزيدي والإباضي. وبإمكاننا أن نقول إن هؤلاء مشتركون مع المعتزلة في عدّة مواقف فكرية، وتلتقي - المعتزلة - أيضاً بالشيعة الاثني عشرية والإسماعيلية في بعض الجوانب، وأهل الحديث يطلقون على المعتزلة لقب القدريّة); لقولهم بحريّة الإرادة الإنسانية.

ومن أهمّ كتبهم التي جاءت فيها عقائدهم، كتاب شرح الأصول الخمسة للقاضي عبدالجبار المعتزلي، و رسائل العدل والتوحيد تأليف جماعة من زعماء المعتزلة، كالحسن البصري والقاسم الرسّي وعبدالجبار بن أحمد.

كان المعتزلة إذا واجهوا آيات قرآنية أو سنّة مرويّة على خلاف معتقداتهم يؤوّلونها، ولذلك يعتبرون من أتباع مدرسة التأويل. وفي نفس الوقت قدّموا خدمات كبيرة للإسلام وتصدّوا للهجوم الفكري العنيف المضاد للإسلام في العهد العبّاسي الأول. وقد

ــــــــــــــــــــــــــــ

1 - الشيخ المفيد، أوائل المقالات.
2 - السيوطي، صون المنطق والكلام عن علمي المنطق والكلام: 252، الشوكاني، إرشاد الفحول: 202، علي سامي النشّار، مناهج البحث عند مفكّري الإسلام: 194 -195، علي حسين الجابري، الفكر السلفي عند الاثنا عشرية: 154 و 167 و 204 و 240 و 439. |
3 - القاسمي، تاريخ الجهميّة والمعتزلة: 56 - 57.

«6»

مال إليهم بعض الخلفاء كالمأمون والمعتصم، ولكن سرعان ما انقلب الأمر عليهم في عهد المتوكّل، وتتابع صدور أحكام الكفر والضلال والتفسيق عليهم، كما كانوا يؤذون مخالفيهم في عهد سيطرتهم على البلاط العباسي، ويعذّبون من لا يرى رأيهم.

ومن أراد التفصيل فليرجع إلى المؤلّفات الحديثة والقديمة في هذا المجال.(1)

وكان للمعتزلة خمسة أصول يعرفون بها:

1 - التوحيد، بمعنى تنزيه الله سبحانه عن صفات المخلوقين، وعدم إمكان رؤيته بالأبصار مطلقاً.

2 - العدل، بمعنى أنه سبحانه لا يظلم عباده ولا يجبر خلقه على المعصية.

3 - المنزلة بين المنزلتين، أي أنّ مرتكب المعصية الكبيرة لا مؤمن ولا كافر، بل فاسق.

4 - الوعد والوعيد، بمعنى أنه يجب الوفاء على الله في وعده بالجنّة للمؤمنين وفي وعيده بالنار للكافرين.

5 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي وجوب مخالفة الحكّام الظلمة إذا لم يرتدعوا عن ظلمهم.(2)


مكانة المذهب الأشعري والمذهب الماتريدي بين المناهج

المذهب الأشعري - ويمثّله اليوم غالبية أهل السنّة في العالم - مذهب معتدل بين المعتزلة وأهل الحديث، فإن الشيخ أباالحسن الأشعري (ت 324 للهجرة) كان في بداية أمره معتزلياً وعاش على هذا المذهب قرابة أربعين سنة، ونحو سنة (300 للهجرة) أعلن على منبر الجامع بالبصرة براءته من الاعتزال، ورجوعه إلى مذهب السنّة والجماعة، وأراد أن يسلك في الجمهور مسلكاً وسطاً على الظاهر بين الطريقة العقلية للمعتزلة وطريقة أهل الحديث، وأراد أن ينتصر لأهل الحديث ولكن بنفس أسلوب المعتزلة، أعني بالاستدلال العقلي والبرهنة.

وبسبب ذلك نفاه المعتزلة عنهم ورفضه أهل الحديث، وهم إلى الآن يؤاخذونه بملاحظات أساسية يعدّونها انحرافاً جذريّاً في العقيدة، حتى أن بعض المتطرّفين منهم يكفّرونه.

وكان رجل آخر معاصرٌ للأشعري يريد أن ينتهج نفس المنهج دون أن يكون بينهما صلة ولا علاقة، وهو أبو منصور الماتريدي السمرقندي (ت 333 للهجرة)، وهو أيضاً إمام لطائفة من أهل السنّة في العقيدة، وأحياناً توجد بين آراء الزعيمين اختلافات أنهاها

ــــــــــــــــــــــــــــ

1 - زهدي حسن جارالله، المعتزلة، ط 2، بيروت، دار الأهلية للنشر والتوزيع، 1974 م.
2 - القاسم الرسّي، رسائل العدل والتوحيد ونفي التشبيه عن الله الواحد الحميد 1: 105.

«7»

بعضٌ إلى أحد عشر فارقاً أساسياً.(1)

وأهم ميزات مدرسة الأشعري أنه كثيراً ما يتجنّب عن تأويل ظواهر الآيات والروايات ويحاول أن يهرب عن الوقوع في مهاوي التشبيه والتجسيم بالقول بلا كيف في صفات الباري، وعن مهاوي الجبر في مسألة القَدَر بقوله بالكسب، وإن كان منهجه هذا يعتبر لدى فريق آخر من العلماء عجزاً وقصوراً عن حلّ المسائل الفكرية والاعتقادية. وتدريجياً استطاع المذهب الأشعري الصمود أمام حملات أهل الحديث وانتشر في العالم الاسلامي.(2)


المنهج الذوقي

من هنا ننقل الحديث إلى اتّجاه آخر متمايز، يضع المسائل الكلامية على طاولة البحث والنقاش ويسلك فيها المسلك الرمزي الذوقي الخاص بالصوفية، وهو مسلك يختلف تماماً عن مسلك الفلاسفة والمتكلّمين القائم على العقليات ثم السمعيات. ويعتبر الحلاّج (ت 309 للهجرة) مؤسساً لهذه المدرسة في بغداد، والإمام الغزالي من أكبر روّاد هذه الطريقة، فهو يقول في كتابه إلجام العوام عن علم الكلام إن هذه طريق الخاصّة، وما دونها طريق العامّة ومن لا يفترق عنهم سوى أنّه يعرف الادلّة وليس الاستدلال.(3)

وقد أفرد بعض الباحثين كتاباً خاصاً في منهج الإمام الغزالي والصوفية في دراسة العقيدة الإسلامية.(4)

وقد نبّه على منهجه الدكتور صبحي قائلاً:

وإذا كان الغزالي قد حرّم النظر في حقيقة الذات الإلهية على العامّة، وذلك ما لا ينكره أحدٌ عليه، فانه أدرج ضمن العوام الأدباء والنحاة والمحدّثين والفقهاء والمتكلّمين، وجعل التأويل مقصوراً على الراسخين في العلم، وهم في نظره الأولياء الغارقون في بحار المعرفة، المتجرّدون عن دنيا الشهوات، وهي عبارة تعدّ قرينة لصحّة دعوى من رأى من الباحثين للغزالي معتقداً خاصّاً في الحكمة الإشراقية وفي الفيض، وفي نظرية المطاع مغايراً لمعتقده العامّ الذي أصبح به في نظر جمهور المسلمين حجة الإسلام.

ويتساءل الدكتور صبحي:

ــــــــــــــــــــــــــــ

1 - راجع في ذلك المصادر التالية: محمد أبو زهرة، تاريخ المذاهب الإسلامية، قسم الأشاعرة والماتريدية، الشيخ جعفر السبحاني: الملل والنحل، 1، 2، 4، والفرد بل، الفِرق الإسلامية في الشمال الإفريقي: 118 - 130، أحمد محمود صبحي، في علم الكلام 1.
2 - السبكي، طبقات الشافعية 3: 391، اليافعي، مرآة الجنان 3: 343، ابن كثير، البداية والنهاية 14: 76.
3 - إلجام العوام عن علم الكلام: 66 - 67.
4 - الدكتور سليمان دنيا، الحقيقة في نظر الغزالي.

«8»

هل الراسخون في العلم هم الصوفيّة دون الفقهاء والمفسّرين والمتكلّمين؟! وإذا كان الشر قد ثار منذ فشت صناعة الكلام، ألا يفتح هذا الاستثناء المجال للصوفيّة أن يكون لهم وحدهم السبيل إلى الشطحيات والدعاوى؟! ونظريات التصوّف الفلسفي كالفيض والاشراق وأصولها الأجنبيّة واضحة، وشرورها على العقيدة الإسلامية ليست بأهون من شرور المتكلّمين.(1)

ولكن مع ذلك كلّه فقد تركوا تراثاً ضخماً في العقيدة الإسلامية على النهج الصوفي، ومن أمثلة ذلك كتاب الفتوحات المكيّة.(2)


المنهج العلمي التجريبي

هذا منهج حديث في الفكر الإسلامي، وقد تبع فيه بعضُ العلماء المسلمين في القرن الأخير روّادَ الفكر الأوربي المعاصر، ويوجد أتباعه في مصر الحديثة وفي الهند والعراق، وجميع البلدان الإسلامية الّتي احتك أهلها بالاستعمار الغربي وبالتيّارات الفكرية الوافدة من الغرب إلى العالم الإسلامي.

ولهم رأي خاصّ في أدوات المعرفة البشرية، ومن ميزاتهم الاعتماد التامّ على الأساليب الحسّية والتجريبية، ورفض المنهج العقلي القديم والمنطق الأرسطاطاليسي رفضاً باتاً، وحاولوا البحث عن المعارف الإلهية و(الميتافيزيقا) والدين بأساليب العلوم العملية والتجربة الميدانية.(3)

ومن آثار هذا المذهب الكلامي تفسير المعجزات تفسيراً مادّياً وتفسير النبوّة بالنبوغ والعبقرية البشرية، وقد أفرد بعض الباحثين دراسته لهذا الاتّجاه.(4) وتوجد أمثال هذه الآراء في آثار السيد أحمد خان الهندي(5)، وهو ممن يقترب إلى هذا الاتّجاه، وإن لم يكن بإمكاننا أن نعدّه من أتباع هذه المدرسة، وسبب تقاربه إلى هذا المنهج أنه بطرحه آراء العلماء المحدثين الغربيّين في تفسير القرآن، وحشد تفسيره بها يحاول أن يثبت أن القرآن موافق تماماً للمكتشفات الحديثة، ولا يعدو أحمد خان الهندي أيضاً القول بأن القرآن ينطبق تماماً مع معطيات العلوم الحديثة، دون أن يضع لهذه النظرية حدّاً أو إطاراً، ويبيّن الموضوع والمنهج والمرمى في المسائل الدينية والدراسات العلمية الحديثة.(6)

ــــــــــــــــــــــــــــ

1 - الدكتور أحمد محمود صبحي، في علم الكلام 2: 604 - 606.
2 - راجع في ذلك: الشعراني عبدالوهاب بن أحمد، اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر، وسميح عاطف الزين، الصوفية في نظر الإسلام، ط 3، دار الكتاب اللبناني، 1405 للهجرة / 1985 م.
3 - الدكتور عبدالحليم محمود، التوحيد الخالص، أو الإسلام والعقل، المقدّمة.
4 - الدكتور عبدالرزاق نوفل، المسلمون والعلم الحديث. فريد وجدي، الإسلام في عصر العلم.
5 - ترجمة تفسير القرآن 1: 6 - 25.
6 - راجع: محمود شلتوت، تفسير القرآن الكريم، الأجزاء العشرة الأولى: 11 - 14، إقبال اللاهوري، إحياء الفكر الديني في الإسلام، مترجم إلى الفارسية بقلم أحمد آرام: 147 - 151، السيد جمال الدين الأسد آبادي، العروة الوثقى 7: 383، روما، إيطاليا.

«9»


منهج آل البيت (ع) أو المنهج الفطري

الملامح الأصلية لهذا المنهج موجودة في تعاليم آل البيت (ع)، وهم بيّنوا للناس أن الفهم الصحيح للعقيدة الإسلامية لا يمكن بدون تطبيق هذا المنهج، وهو في الأساس مأخوذ عن الكتاب الكريم والسنّة الشريفة، حيث جاء في الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه:

(فِطْرَةَ اللهِ الّتي فطر النّاس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدّين القيّم ولكنَّ أكثر النّاس لا يعلمون).(1)

وقد نوّه البارئ الكريم أنّ خير طريقة للوصول إلى المعارف الدينيّة هي الفطرة الإنسانية السليمة التي لم تتغيّر ولم تتبدّل بالبيئة الفاسدة وسوء التربية، ولم تنطمس بالأهواء والمجادلات، وأن أكثر الناس لا يستطيعون الوصول إلى الحقّ والحقيقة (لا يعلمون) بسبب أنّ العصبية أطفأت نور فطرتهم، والطغيان حال بينهم وبين الاهتداء بفطرتهم إلى الحقائق والعلوم الحقيقية الإلهية.

وكذلك جاءت السنّة المطهّرة لتؤكد هذه الظاهرة، فقد روي عن رسول الله (ص) أنّه قال: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أؤ يمجّسانه"(2).

وليس منهج الفطرة بعيداً عن استخدام العقل والنقل والشهود والإشراق والطريقة العلمية، والمهمّ في هذا المنهج عدم حصره لأدوات المعرفة في واحد منها، بل استخدام كل واحد في مكانه بحسب هداية الله سبحانه وتعالى كما تحدّث عنه الكتاب العزيز بقوله:

(يمنّون عليك أن أسلموا قل لا تمنّوا عليّ إسلامكم بل الله يمنّ عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين).(3)

ويقول في آية أخرى:

(ولو لا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً).(4)

ومن ميزات هذا المنهج أن أتباعه يتجنّبون الوقوع في المناظرات الكلامية والشكوك والشبهات المعقّدة، ويحتجّون بأحاديث أهل البيت (ع) في النهي عن الخصومات في

ــــــــــــــــــــــــــــ

1 - الروم: 30.
2 - صحيح البخاري، كتاب الجنائز، وكتاب التفسير 30، 1، قدر، 3، صحيح مسلم، كتاب القدر، ح 22، 23، 24، واحمد بن حنبل، المسند 2: 233، 275، 393، 410، 481، وج 3: 353، وراجع صراط الحق لآصف محسني.
3 - الحجرات: 17.
4 - النور: 21.