[54]
المرجئة و أصحاب الحديث إلا أن هؤلاء الفرق يجعلون بدل الإمام الحجة في ذلك الإجماع .
20- القول في وصف الباري تعالى بأنه سميع بصير و راء و مدرك :
و أقول إن استحقاق القديم سبحانه لهذه الصفات كلها من جهة السمع دون القياس و دلائل العقول و إن المعنى في جميعها العلم خاصة دون ما زاد عليه في المعنى إذ ما زاد عليه في معقولنا و معنى لغتنا هو الحس و ذلك مما يستحيل على القديم و قد يقال في معنى مدرك أيضا إذا وصف به الله تعالى إنه لا يفوته شيء و لا يهرب منه شيء و لا يجوز أن يراد به معنى إدراك الأبصار و غيرها من حواسنا لأنه الحس في الحقيقة على ما بيناه و لست أعلم من متكلمي الإمامية في هذا الباب خلافا و هو مذهب البغداديين من المعتزلة و جماعة من المرجئة و نفر من الزيدية و يخالف فيه المشبهة و إخوانهم من أصحاب الصفات و البصريون من أهل الاعتزال .
21- القول في علم الله تعالى بالأشياء قبل كونها :
و أقول إن الله تعالى عالم بكل ما يكون قبل كونه و إنه لا حادث إلا و قد
[55]
علمه قبل حدوثه و لا معلوم و ممكن أن يكون معلوما إلا و هو عالم بحقيقته و إنه سبحانه لا يخفى عليه شيء في الأرض و لا في السماء و بهذا قضت دلائل العقول و الكتاب المسطور و الأخبار المتواترة عن آل الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) و هو مذهب جميع الإمامية و لسنا نعرف ما حكاه المعتزلة عن هشام بن الحكم في خلافه و عندنا أنه تخرص منهم عليه و غلط ممن قلدهم فيه فحكاه من الشيعة عنه و لم نجد له كتابا مصنفا و لا مجلسا ثابتا و كلامه في أصول الإمامة و مسائل الامتحان يدل على ضد ما حكاه الخصوم عنه و معنا فيما ذهبنا إليه في هذا الباب جميع المنتسبين إلى التوحيد سوى الجهم بن صفوان من المجبرة و هشام بن عمرو الفوطي من المعتزلة فإنهما كانا يزعمان أن العلم لا يتعلق بالمعدوم و لا يقع إلا على موجود و أن الله تعالى لو علم الأشياء قبل كونها لما حسن منه الامتحان .
22- القول في الصفات :
و أقول إن الصفة في الحقيقة ما أنبأت عن معنى مستفاد يخص الموصوف و ما شاركه فيه و لا يكون ذلك كذلك حتى يكون قولا أو كتابة
[56]
يدل على ما يدل النطق عليه و ينوب منابه فيه و هذا مذهب أهل التوحيد و قد خالف فيه جماعة من أهل التشبيه .
23- القول فيما انفرد به أبو هاشم من الأحوال :
أقول إن وصف الباري تعالى بأنه حي قادر عالم يفيد معاني معقولات ليست الذات و لا أشياء تقوم بها كما يذهب إليه جميع أصحاب الصفات و لا أحوال مختلفات على الذات كما ذهب إليه أبو هاشم الجبائي و قد خالف فيه جميع الموحدين و قولي في المعنى المراد به المعقول في الخطاب دون الأعيان الموجودات و هذا مذهب جميع الموحدين و خالف فيه المشبهة و أبو هاشم كما ذكرناه .
24- القول في وصف الباري تعالى بالقدرة على العدل و خلافه و ما علم كونه و ما علم أنه لا يكون :
و أقول إن الله جل جلاله قادر على خلاف العدل كما أنه قادر على العدل إلا أنه لا يفعل جورا و لا ظلما و لا قبيحا و على هذا جماعة الإمامية و المعتزلة كافة سوى النظام و جماعة من المرجئة و الزيدية و أصحاب الحديث و المحكمة و يخالفنا فيه المجبرة بأسرها و النظام و من وافقهم في خلاف العدل و التوحيد .
[57]
و أقول إنه سبحانه قادر على ما علم أنه لا يكون مما لا يستحيل كاجتماع الأضداد و نحو ذلك من المحال و على هذا إجماع أهل التوحيد إلا النظام و شذاذ من أصحاب المخلوق .
25- القول في نفي الرؤية على الله تعالى بالأبصار :
و أقول إنه لا يصح رؤية الباري سبحانه بالأبصار و بذلك شهد العقل و نطق القرآن و تواتر الخبر عن أئمة الهدى من آل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) و عليه جمهور أهل الإمامة و عامة متكلميهم إلا من شذ منهم لشبهة عرضت له في تأويل الأخبار و المعتزلة بأسرها توافق أهل الإمامة في ذلك و جمهور المرجئة و كثير من الخوارج و الزيدية و طوائف من أصحاب الحديث و يخالف فيه المشبهة و إخوانهم من أصحاب الصفات .
26- القول في العدل و الخلق :
أقول إن الله عز و جل عدل كريم خلق الخلق لعبادته و أمرهم بطاعته و نهاهم عن معصيته و عمهم بهدايته بدأهم بالنعم و تفضل عليهم بالإحسان لم يكلف أحدا إلا دون الطاقة و لم يأمره إلا بما جعل له عليه
[58]
الاستطاعة لا عبث في صنعه و لا تفاوت في خلقه و لا قبيح في فعله جل عن مشاركة عباده في الأفعال و تعالى عن اضطرارهم إلى الأعمال لا يعذب أحدا إلا على ذنب فعله و لا يلوم عبدا إلا على قبيح صنعه لا يظلم مثقال ذرة فإن تك حسنة يضاعفها و يؤت من لدنه أجرا عظيما. و على هذا القول جمهور أهل الإمامية و به تواترت الآثار عن آل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) و إليه يذهب المعتزلة بأسرها إلا ضرارا منها و أتباعه و هو قول كثير من المرجئة و جماعة من الزيدية و المحكمة و نفر من أصحاب الحديث و خالف فيه جمهور العامة و بقايا ممن عددناه و زعموا أن الله تعالى خلق أكثر خلقه لمعصيته و خص بعض عباده بعبادته و لم يعمهم بنعمته و كلف أكثرهم ما لا يطيقون من طاعته و خلق أفعال جميع بريته و عذب العصاة على ما فعله فيهم من معصيته و أمر بما لم يرد و نهى عما أراد و قضى بظلم العباد و أحب الفساد و كره من أكثر عباده الرشاد تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا .
27- القول في كراهة إطلاق لفظ خالق على أحد من العباد :
و أقول إن الخلق يفعلون و يحدثون و يخترعون و يصنعون و يكتسبون و لا أطلق القول عليهم بأنهم يخلقون و لا أقول إنهم خالقون و لا أتعدي ذكر ذلك فيما ذكر الله تعالى و لا أتجاوز به مواضعه من القرآن و على هذا القول
[59]
إجماع الإمامية و الزيدية و البغداديين من المعتزلة و أكثر المرجئة و أصحاب الحديث و خالف فيه البصريون من المعتزلة و أطلقوا على العباد أنهم خالقون فخرجوا بذلك من إجماع المسلمين .
28- القول في اللطف و الأصلح : :
و أقول إن الله تعالى لا يفعل بعباده ما داموا مكلفين إلا أصلح الأشياء لهم في دينهم و دنياهم و إنه لا يدخرهم صلاحا و لا نفعا و إن من أغناه فقد فعل به الأصلح في التدبير و كذلك من أفقره و من أصحه و من أمرضه فالقول فيه كذلك.
و أقول إن ما أوجبه أصحاب اللطف من اللطف إنما وجب من جهة الجود و الكرم لا من حيث ظنوا أن العدل أوجبه و أنه لو لم يفعله لكان ظالما.
و أقول إن من علم الله تعالى أنه إذا خلقه و كلفه لم يؤمن و لا آمن أحد من الخلق لخلقه أو بقائه أو تكليفه أو فعل من أفعاله و لا انتفع به في دينه منتفع لم يجز أن يخلقه و من علم أنه إن أبقاه تاب من معصيته لم يجز أن يخترمه و أن عدل الله جل اسمه و جوده و كرمه يوجب ما وصفت و يقضي به و لا يجوز منه خلافه لاستحالة تعلق وصف العبث به أو البخل و الحاجة و هذا مذهب جمهور الإمامية و البغداديين كافة من المعتزلة و كثير
[60]
من المرجئة و الزيدية و البصريون من المعتزلة على خلافه و المجبرة توافقهم في الخلاف عليه .
29- القول في ابتداء الخلق في الجنة :
و أقول إنه لم يكن جائزا ابتداء الخلق في الجنة على وجه التنعيم من غير تكليف لأنه لو كان يكون اقتطاعا لمن علم الله تعالى منه أنه إن كلفه أطاع على النعيم المستحق على الأعمال الذي هو أعلى و أجل و أسنى من التفضل بالتنعيم و الله سبحانه أكرم من أن يقطع أحدا عن نفع حسن أو يقتصر به على فضل غيره أفضل منه له و أصلح في التدبير لأن ذلك لا يقع إلا من جاهل يحسن ذلك أو محتاج إلى منعه أو بخيل و الله تعالى عن هذه الصفات علوا كبيرا و هذا مذهب جمهور الإمامية و قد جاءت به آثار عن الأئمة (عليه السلام) و البغداديون من المعتزلة يوافقون فيه و البصريون منهم يخالفون الجماعة عليه و يوافقهم في هذا الخلاف المجبرة و المشبهة .
[61]
30- القول في المعرفة :
و أقول إن المعرفة بالله تعالى اكتساب و كذلك المعرفة بأنبيائه (عليه السلام) و كل غائب و إنه لا يجوز الاضطرار إلى معرفة شيء مما ذكرناه و هو مذهب كثير من الإمامية و البغداديين من المعتزلة خاصة و يخالف فيه البصريون من المعتزلة و المجبرة و الحشوية من أصحاب الحديث .
31- القول في أن الله لا يعذب إلا على ذنب أو على فعل قبيح :
و أقول إن الله جل جلاله عدل كريم لا يعذب أحدا إلا على ذنب اكتسبه أو جرم اجترمه أو قبيح نهاه عنه فارتكبه و هذا مذهب سائر أهل التوحيد سوى الجهم بن صفوان و عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي فأما الجهم بن صفوان فإنه كان يزعم أن الله يعذب من اضطره إلى المعصية و لم يجعل له قدرة عليها و لا على تركها من الطاعة و أما عبد السلام الجبائي فإنه كان يزعم أن العبد قد يخلو من فعل الخير و القبيح معا و يخرج عن الفعل و الترك جميعا فيعذبه الله سبحانه على أنه لم يفعل الواجب و إن لم يكن بخروجه منهما فعل شيئا أو فعل به شيء و هذا قول لم يسبقه إليه أحد من أهل التوحيد و هو في القبح كمذهب جهم و في بعض الوجوه أعظم قبحا منه .
[62]
32- القول في عصمة الأنبياء (عليه السلام) :
أقول إن جميع أنبياء الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) معصومون من الكبائر قبل النبوة و بعدها و مما يستخف فاعله من الصغائر كلها و أما ما كان من صغير لا يستخف فاعله فجائز وقوعه منهم قبل النبوة و على غير تعمد و ممتنع منهم بعدها على كل حال و هذا مذهب جمهور الإمامية و المعتزلة بأسرها تخالف فيه .
33- القول في عصمة نبينا محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) :
و أقول إن نبينا محمدا (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ممن لم يعص الله عز و جل منذ خلقه الله عز و جل إلى أن قبضه و لا تعمد له خلافا و لا أذنب ذنبا على التعمد و لا النسيان و بذلك نطق القرآن و تواتر الخبر عن آل محمد (عليه السلام) و هو مذهب جمهور الإمامية و المعتزلة بأسرها على خلافه.
و أما ما يتعلق به أهل الخلاف من قول الله تعالى لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ و أشباه ذلك في القرآن و يعتمدونه في الحجة على خلاف ما ذكرناه فإنه تأويل بضد ما توهموه و البرهان يعضده على البيان و قد نطق
[63]
الفرقان بما قد وصفناه فقال جل اسمه وَ النَّجْمِ إِذا هَوى ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَ ما غَوى فنفى بذلك عنه كل معصية و نسيان .
34- القول في جهة إعجاز القرآن :
و أقول إن جهة ذلك هو الصرف من الله تعالى لأهل الفصاحة و اللسان عن المعارضة للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بمثله في النظام عند تحديه لهم و جعل انصرافهم عن الإتيان بمثله و إن كان في مقدورهم دليلا على نبوته (صلّى الله عليه وآله وسلّم) و اللطف من الله تعالى مستمر في الصرف عنه إلى آخر الزمان و هذا من أوضح برهان في الإعجاز و أعجب بيان و هو مذهب النظام و خالف فيه جمهور أهل الاعتزال .
35- القول في النبوة أ هي تفضل أو استحقاق :
و أقول إن تعليق النبوة تفضل من الله تعالى على من اختصه بكرامته لعلمه بحميد عاقبته و اجتماع الخلال الموجبة في الحكمة بنبوته في التفضيل على من سواه فأما التعظيم على القيام بالنبوة و التبجيل و فرض الطاعة
[64]
فذلك يستحق بعلمه الذي ذكرناه و هذا مذهب الجمهور من أهل الإمامة و جميع فقهائنا و أهل النقل منها و إنما خالف فيه أصحاب التناسخ المعتزين إلى الإمامية و غيرهم و وافقهم على ذلك من متكلمي الإمامية بنو نوبخت و من اتبعهم بأسره من المنتمين إلى الكلام و جمهور المعتزلة على القول بالتفضل فيها و أصحاب الحديث بأسرهم على مثل هذا المقال .
36- القول في الإمامة أ هي تفضل من الله عز و جل أم استحقاق :
و أقول إن تكليف الإمامة في معنى التفضل به على الإمام كالنبوة على ما قدمت من المقال و التعظيم المفترض له و التبجيل و الطاعة مستحق بعزمه على القيام بما كلفه من الأعمال و على أعماله الواقعة منه أيضا حالا بعد حال و هذا مذهب الجمهور من الإمامية على ما ذكرت في النبوة و قد خالف فيه منهم من قدمت ذكره و معي فيه جمهور المعتزلة و سائر أصحاب الحديث .
[65]
37- القول في عصمة الأئمة (عليه السلام) :
و أقول إن الأئمة القائمين مقام الأنبياء (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في تنفيذ الأحكام و إقامة الحدود و حفظ الشرائع و تأديب الأنام معصومون كعصمة الأنبياء و إنهم لا يجوز منهم صغيرة إلا ما قدمت ذكر جوازه على الأنبياء و إنه لا يجوز منهم سهو في شيء في الدين و لا ينسون شيئا من الأحكام و على هذا مذهب سائر الإمامية إلا من شذ منهم و تعلق بظاهر روايات لها تأويلات على خلاف ظنه الفاسد من هذا الباب و المعتزلة بأسرها تخالف في ذلك و تجوز من الأئمة وقوع الكبائر و الردة عن الإسلام .
38- القول في ولاة الأئمة (عليه السلام) و عصمتهم و ارتفاعها و هل ولايتهم بالنص أو الاختيار :
و أقول إنه ليس بواجب عصمة ولاة الأئمة (عليه السلام) و واجب علمهم بجميع ما يتولونه و فضلهم فيه على رعاياهم لاستحالة رئاسة المفضول على الفاضل فيما هو رئيس عليه فيه و ليس بواجب في ولايتهم النص على أعيانهم و جائز أن يجعل الله اختيارهم إلى الأئمة المعصومين (عليه السلام) و هذا
[66]
مذهب جمهور الإمامية و بنو نوبخت رحمهم الله يوجبون النص على أعيان ولاة الأئمة كما يوجبونه في الأئمة (عليه السلام) .
39- القول في أحكام الأئمة (عليه السلام) :
و أقول إن للإمام أن يحكم بعلمه كما يحكم بظاهر الشهادات و متى عرف من المشهود عليه ضد ما تضمنته الشهادة أبطل بذلك شهادة من شهد عليه و حكم فيه بما أعلمه الله تعالى و قد يجوز عندي أن تغيب عنه بواطن الأمور فيحكم فيها بالظواهر و إن كانت على خلاف الحقيقة عند الله تعالى و يجوز أن يدله الله تعالى على الفرق بين الصادقين من الشهود و بين الكاذبين فلا يغيب عنه حقيقة الحال و الأمور في هذا الباب متعلقة بالألطاف و المصالح التي لا يعلمها على كل حال إلا الله عز و جل. و لأهل الإمامة في هذه المقالة ثلاثة أقوال فمنهم من يزعم أن أحكام الأئمة (عليه السلام) على الظواهر دون ما يعلمونه على كل حال. و منهم من يزعم أن أحكامهم إنما هي على البواطن دون الظواهر التي يجوز فيها الخلاف. و منهم من يذهب إلى ما اخترته أنا من المقال و لم أر لبني نوبخت رحمهم الله فيه ما أقطع على إضافته إليهم على يقين بغير ارتياب .
[67]
40- القول في معرفة الأئمة (عليه السلام) بجميع الصنائع و سائر اللغات :
و أقول إنه ليس يمتنع ذلك منهم و لا واجب من جهة العقل و القياس و قد جاءت أخبار عمن يجب تصديقه بأن أئمة آل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد كانوا يعلمون ذلك فإن ثبت وجب القطع به من جهتها على الثبات و لي في القطع به منها نظر و الله الموفق للصواب و على قولي هذا جماعة من الإمامية و قد خالف فيه بنو نوبخت رحمهم الله و أوجبوا ذلك عقلا و قياسا و وافقهم فيه المفوضة كافة و سائر الغلاة .
41- القول في علم الأئمة (عليه السلام) بالضمائر و الكائنات و إطلاق القول عليهم بعلم الغيب و كون ذلك لهم في الصفات :
و أقول إن الأئمة من آل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد كانوا يعرفون ضمائر بعض العباد و يعرفون ما يكون قبل كونه و ليس ذلك بواجب في صفاتهم و لا شرطا في إمامتهم و إنما أكرمهم الله تعالى به و أعلمهم إياه للطف في طاعتهم و التمسك بإمامتهم و ليس ذلك بواجب عقلا و لكنه وجب لهم من جهة السماع فأما إطلاق القول عليهم بأنهم يعلمون الغيب فهو منكر بين الفساد لأن الوصف بذلك إنما يستحقه من علم الأشياء بنفسه لا بعلم مستفاد و هذا لا يكون إلا الله عز و جل و على قولي هذا جماعة أهل الإمامة إلا من شذ عنهم من المفوضة و من انتمى إليهم من الغلاة .
[68]
42- القول في الإيحاء إلى الأئمة و ظهور الإعلام عليهم و المعجزات :
و أقول إن العقل لا يمنع من نزول الوحي إليهم و إن كانوا أئمة غير أنبياء فقد أوحى الله عز و جل إلى أم موسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَ لا تَخافِي وَ لا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ فعرفت صحة ذلك بالوحي و عملت عليه و لم تكن نبيا و لا رسولا و لا إماما و لكنها كانت من عباد الله الصالحين و إنما منعت من نزول الوحي عليهم و الإيحاء بالأشياء إليهم للإجماع على المنع من ذلك و الاتفاق على أنه من يزعم أن أحدا بعد نبينا (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوحى إليه فقد أخطأ و كفر و لحصول العلم بذلك من دين النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كما أن العقل لم يمنع من بعثة نبي بعد نبينا (صلّى الله عليه وآله وسلّم) و نسخ شرعه كما نسخ ما قبله من شرائع الأنبياء و إنما منع ذلك الإجماع و العلم بأنه خلاف دين النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من جهة اليقين و ما يقارب الاضطرار و الإمامية جميعا على ما ذكرت ليس بينها فيه على ما وصفت خلاف.
فأما ظهور المعجزات عليهم و الإعلام فإنه من الممكن الذي ليس بواجب عقلا و لا ممتنع قياسا و قد جاءت بكونه منهم (عليه السلام) الأخبار على التظاهر و الانتشار فقطعت عليه من جهة السمع و صحيح الآثار و معي في هذا الباب جمهور أهل الإمامة و بنو نوبخت تخالف فيه و تأباه و كثير من المنتمين
[69]
إلى الإمامية يوجبونه عقلا كما يوجبونه للأنبياء و المعتزلة بأسرها على خلافنا جميعا فيه سوى ابن الإخشيد و من اتبعه يذهبون فيه إلى الجواز و أصحاب الحديث كافة تجوزه لكل صالح من أهل التقى و الإيمان .
43- القول في ظهور المعجزات على المنصوبين من الخاصة و السفراء و الأبواب :
و أقول إن ذلك جائز لا يمنع منه عقل و لا سنة و لا كتاب و هو مذهب جماعة من مشايخ الإمامية و إليه يذهب ابن الإخشيد من المعتزلة و أصحاب الحديث في الصالحين و الأبرار و بنو نوبخت من الإمامية يمنعون ذلك و يوافقون المعتزلة في الخلاف علينا فيه و يجامعهم على ذلك الزيدية و الخوارج المارقة عن الإسلام .
44- القول في سماع الأئمة (عليه السلام) كلام الملائكة الكرام و إن كانوا لا يرون منهم الأشخاص :
و أقول بجواز هذا من جهة العقل و أنه ليس بممتنع في الصديقين من الشيعة المعصومين من الضلال و قد جاءت بصحته و كونه للأئمة (عليه السلام) و من
[70]
سميت من شيعتهم الصالحين الأبرار الأخيار واضحة الحجة و البرهان و هو مذهب فقهاء الإمامية و أصحاب الآثار منهم و قد أباه بنو نوبخت و جماعة من أهل الإمامة لا معرفة لهم بالأخبار و لم يمعنوا النظر و لا سلكوا طريق الصواب .
45- القول في صدق منامات الرسل و الأنبياء و الأئمة (عليه السلام) و ارتفاع الشبهات عنهم و الأحلام :
و أقول إن منامات الرسل و الأنبياء و الأئمة (عليه السلام) صادقة لا تكذب و إن الله تعالى عصمهم عن الأحلام و بذلك جاءت الأخبار عنهم (عليه السلام) على الظهور و الانتشار و على هذا القول جماعة فقهاء الإمامية و أصحاب النقل منهم و أما متكلموهم فلا أعرف لهم نفيا و لا إثباتا و لا مسألة فيه و لا جوابا و المعتزلة بأسرها تخالفنا فيه .
46- القول في المفاضلة بين الأئمة و الأنبياء (عليه السلام) :
قد قطع قوم من أهل الإمامة بفضل الأئمة (عليه السلام) من آل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على سائر من تقدم من الرسل و الأنبياء سوى نبينا محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) و أوجب فريق منهم لهم الفضل على جميع الأنبياء سوى أولي العزم منهم (عليه السلام) و أبى القولين فريق منهم آخر و قطعوا بفضل الأنبياء كلهم على سائر الأئمة (عليه السلام) و
[71]
هذا باب ليس للعقول في إيجابه و المنع منه مجال و لا على أحد الأقوال فيه إجماع و قد جاءت آثار عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في أمير المؤمنين (عليه السلام) و ذريته من الأئمة و الأخبار عن الأئمة الصادقين أيضا من بعد و في القرآن مواضع تقوي العزم على ما قاله الفريق الأول في هذا المعنى و أنا ناظر فيه و بالله أعتصم من الضلال .
47- القول في تكليف الملائكة :
و أقول إن الملائكة مكلفون و موعودون و متوعدون قال الله تبارك و تعالى وَ مَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ .
و أقول إنهم معصومون مما يوجب لهم العقاب بالنار و على هذا القول جمهور الإمامية و سائر المعتزلة و أكثر المرجئة و جماعة من أصحاب الحديث و قد أنكر قوم من الإمامية أن تكون الملائكة مكلفين و زعموا أنهم إلى الأعمال مضطرون و وافقهم على ذلك جماعة من أصحاب الحديث .
48- القول في المفاضلة بين الأئمة (عليه السلام) و الملائكة :
أما الرسل من الملائكة و الأنبياء (عليه السلام) فقولي فيهم مع أئمة آل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كقولي في الأنبياء من البشر و الرسل (عليه السلام) و أما باقي الملائكة فإنهم و إن بلغوا بالملكية فضلا فالأئمة من آل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أفضل منهم و أعظم ثوابا عند الله عز و جل بأدلة ليس موضعها هذا الكتاب .
[72]
49- القول في احتمال الرسل و الأنبياء و الأئمة الآلام و أحوالهم بعد الممات :
و أقول إن رسل الله تعالى من البشر و أنبياءه و الأئمة من خلفائه محدثون مصنوعون تلحقهم الآلام و تحدث لهم اللذات و تنمي أجسامهم بالأغذية و تنقص على مرور الزمان و يحل بهم الموت و يجوز عليهم الفناء و على هذا القول إجماع أهل التوحيد و قد خالفنا فيه المنتمون إلى التفويض و طبقات الغلاة و أما أحوالهم بعد الوفاة فإنهم ينقلون من تحت التراب فيسكنون بأجسامهم و أرواحهم جنة الله تعالى فيكونون فيها أحياء يتنعمون إلى يوم الممات يستبشرون بمن يلحق بهم من صالحي أممهم و شيعتهم و يلقونه بالكرامات و ينتظرون من يرد عليهم من أمثال السابقين من ذوي الديانات و إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) و الأئمة من عترته خاصة لا يخفى عليهم بعد الوفاة أحوال شيعتهم في دار الدنيا بإعلام الله تعالى لهم ذلك حالا بعد حال و يسمعون كلام المناجي لهم في مشاهدهم المكرمة العظام بلطيفة من لطائف الله تعالى بينهم بها من جمهور العباد و تبلغهم المناجاة من بعد كما جاءت به الرواية و هذا مذهب فقهاء الإمامية كافة و حملة الآثار منهم و لست أعرف
[73]
فيه لمتكلميهم من قبل مقالا و بلغني عن بني نوبخت ره خلاف فيه و لقيت جماعة من المقصرين عن المعرفة ممن ينتمي إلى الإمامة أيضا يأبونه و قد قال الله تعالى فيما يدل على الجملة وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ و ما يتلو هذا من الكلام . و قال في قصة مؤمن آل فرعون قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَ جَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ.