[313]

كلام أبي محمد الحسن العسكري ع

قال من مدح غير المستحق فقد قام مقام المتهم

و قال لا يعرف النعمة إلا الشاكر و لا يشكر النعمة إلا العارف

و قال ع ادفع المسألة ما وجدت التحمل يمكنك فإن لكل يوم رزقا جديدا و اعلم أن الإلحاح في المطالب يسلب البهاء و يورث التعب و العناء فاصبر حتى يفتح الله لك بابا يسهل الدخول فيه فما أقرب الصنيع من الملهوف و الأمن من الهارب المخوف فربما كانت الغير نوعا من أدب الله و الحظوظ مراتب فلا تعجل على ثمرة لم تدرك فإنما تنالها في أوانها و اعلم أن المدبر لك أعلم بالوقت الذي يصلح حالك فيه فثق بخيرته في جميع أمورك يصلح حالك فلا تعجل بحوائجك قبل وقتها فيضيق قلبك و صدرك و يغشاك القنوط و اعلم أن للسخاء مقدارا فإن زاد عليه فهو سرف و إن للحزم مقدارا فإن زاد عليه فهو تهور و احذر كل ذكي ساكن الطرف و لو عقل أهل الدنيا خربت

و قال خير إخوانك من نسي ذنبك و ذكر إحسانك إليه

و قال أضعف الأعداء كيدا من أظهر عداوته

و قال حسن الصورة جمال ظاهر و حسن العقل جمال باطن

و قال أولى الناس بالمحبة منهم من أملوه

و قال ع من أنس بالله استوحش من الناس و علامة الأنس بالله الوحشة من الناس

و قال ع جعلت الخبائث في بيت و الكذب مفاتيحها

و قال إذا نشطت القلوب فأودعوها و إذا نفرت فودعوها

و قال اللحاق بمن ترجو خير من المقام مع من لا تأمن شره

و قال الجهل خصم و الحلم حكم و لم يعرف راحة القلب من لم يجرعه

[314]

غصص الصبر و الغيظ

و قال من ركب ظهر الباطل نزل به دار الندامة

و قال المقادير الغالبة لا تدفع بالمغالبة و الأرزاق المكتوبة لا تنال بالشره و لا تدفع بالإمساك عنها

و قال نائل الكريم يحببك إليه و يقربك منه و نائل اللئيم يباعدك منه و يبغضك إليه

و قال من كان الورع سجيته و الكرم طبيعته و الحلم خلته كثر صديقه و الثناء عليه و انتصر من أعدائه بحسن الثناء عليه

و قال جابر بن يزيد الجعفي دخلت على أبي جعفر الباقر ع فقلت أوصني يا ابن رسول الله فقال ليعن قويكم ضعيفكم و ليعطف غنيكم على فقيركم و ليساعد ذو الجاه منكم بجاهه من لا جاه له و لينصح الرجل أخاه كنصحه لنفسه و اكتموا أسراركم و لا تحملوا الناس على رقابنا و انظروا أمرنا و ما جاءكم عنا منه فإن وجدتموه موافق القرآن فهو من قولنا و ما لم يكن موافقا للقرآن فقفوا عنده و ردوه إلينا حتى نشرحه لكم كما شرح لنا

روى عبد الله بن سنان عن الصادق ع أنه قال قال رسول الله ص أوحى الله إلى نبي من أنبيائه ابن آدم اذكرني عند غضبك أذكرك عند غضبي فلا أمحقك فيمن أمحق و إذا ظلمت بمظلمة فارض بانتصاري لك فإن انتصاري لك خير من انتصارك لنفسك و اعلم أن الخلق الحسن يذيب السيئة كما تذيب الشمس الجليد و إن الخلق السيئ يفسد العمل كما يفسد الخل العسل

و في التوراة مكتوب من يظلم يخرب بيته

و في الإنجيل ظالمون لا فالحون

و مصداق ذلك في كتاب الله تعالى فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا. و قيل إذا ظلمت من دونك عاقبك من فوقك

[315]

و قال رسول الله ص من ولى من أمور أمتي شيئا فحسنت سيرته رزقه الله الهيبة في قلوبهم و من بسط كفه إليهم بالمعروف رزقه الله المحبة منهم و من كف عن أموالهم وفر الله ماله و من أخذ للمظلوم من الظالم كان معي في الجنة مصاحبا و من كثر عفوه مد في عمره و من عم عدله نصر على عدوه و من خرج من ذل المعصية إلى عز الطاعة آنسه الله بغير أنيس و أعزه بغير عشيرة و أعانه بغير مال

و قال ع إن الله يمهل الظالم حتى يقول قد أهملني ثم يأخذه أخذة رابية إن الله حمد نفسه عند هلاك الظالمين فقال فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ

[316]

كلام الحسن بن علي بن أبي طالب ع

جاء في الحديث أن الحسن البصري كتب إلى الحسن ع أما بعد فإنكم معاشر بني هاشم الفلك الجارية في اللجج الغامرة مصابيح الدجى و أعلام الهدى و العروة الوثقى و الأئمة القادة الذين من تبعهم نجا و من تخلف عنهم هوى و السفينة التي بركوبها ينجو المؤمنون و يعتصم بها المستمسكون أما بعد فقد كثر يا ابن رسول الله عندنا الكلام في القضاء و القدر و اختلافنا في الاستطاعة فتعلمنا ما ترى عليه رأيك و رأي آبائك فإنكم ذرية بعضها من بعض من علم الله علمتم و هو الشاهد عليكم و أنتم الشهداء على الناس و السلام فأجابه الحسن ع أما بعد فقد انتهى إلي كتابك عند حيرتك و حيرة من زعمت من أمتنا و كيف ترجعون إلينا و أنتم بالقول دون الفعل و اعلم أنه لو لا ما انتهى إلي من حيرتك و حيرة الأمة قبلك لأمسكت عن الجواب و لكني الناصح ابن الناصح الأمين و اعلم أن الذي أنا عليه أنه من لم يؤمن بالقدر خيره و شره فقد كفر و من حمل المعاصي على الله عز و جل فقد فجر إن الله سبحانه لا يطاع بإكراه و لا يعصى بغلبة و لا أهمل العباد من الملكة و لكنه عز و جل المالك لما ملكهم و القادر على ما عليه أقدرهم فإن ائتمروا بالمعصية فشاء سبحانه أن يمن عليهم فيحول بينهم و بينها فعل فإن لم يفعل فليس هو الذي حملهم عليها إجبارا و لا ألزمهم بها إكراها بل الحجة له عليهم أن عرفهم و جعل لهم السبل إلى فعل ما دعاهم إليه و ترك ما نهاهم عنه و لله الحجة البالغة على جميع خلقه

و روي أن عبد الملك بن مروان كتب إلى الحجاج تكتب إلى علماء أهل البصرة يكتبون إليك بما عندهم في القضاء و القدر فجاءته منهم أربعة أجوبة الجواب الأول من الحسن البصري ليس عندي في ذلك شي‏ء أبلغ من قول علي ع أ يأمر بالعدل و يخالفه و ينهى عن المنكر و يؤالفه أ فلا افترى عليه من هو بهذا واصفه الجواب الثاني من واصل بن عطاء لا أجد في ذلك كلاما خيرا مما قاله علي بن أبي طالب أدلك على الطريق و لزم عليك المضيق إن هذا بالحكمة لا يليق

[317]

الثالث من عمرو بن عبيد قال ليس عندي شي‏ء في ذلك أتم حكمة من قول علي بن أبي طالب إذا كان الوزر في الأصل محتوما كان الوازر في القصاص مظلوما الجواب الرابع من عامر الشعبي قال ليس عندي شي‏ء في ذلك أصوب من قول علي ع ما استغفرته عليه فهو منك و ما حمدته عليه فهو منه و ما بكم من نعمة فمن الله و ما بكم من خيانة فبما كسبت أيديكم و ما الله بظلام للعبيد

و يقول العبد الفقير إلى رحمة ربه و رضوانه الحسن بن أبي الحسن مملي ما ذكرناه أعانه الله على طاعته و تغمده برأفته و رحمته إن الله تعالى قال ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً فهذا أمر منه بالدخول في باب الطاعة فكيف يجوز في العدل و الحكمة أن يأمرهم بدخولها و قد أغلقها عنهم و ما هذا إلا كمن أمر العميان أن ينظروا إلى الهلال و الزمن أن يعدو و الأصم أن يسمع خفي القول و الله تعالى يقول إنه لا يظلم العباد شيئا و لكن الناس أنفسهم يظلمون وقال سبحانه وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ

و روي أن طاوس اليماني دخل على جعفر بن محمد الصادق ع و كان يعلم أنه يقول بالقدر فقال له يا طاوس من أقبل للعذر من الله ممن اعتذر و هو صادق في اعتذاره فقال لا أحد أقبل للعذر منه فقال له من أصدق ممن قال لا أقدر و هو لا يقدر فقال طاوس لا أحد أصدق منه فقال له الصادق يا طاوس فما بال من هو أقبل للعذر لا يقبل عذر من قال لا أقدر و هو لا يقدر فقام طاوس و هو يقول ليس بيني و بين الحق عداوة و الله أعلم حيث يجعل

[318]

فقد قبلت نصيحتك

و قال الصادق ع لهشام بن الحكم أ لا أعطيك جملة في العدل و التوحيد قال بلى جعلت فداك قال من العدل أن لا تتهمه و من التوحيد أن لا تتوهمه

و روي عن أبي حنيفة أنه قال أتيت الصادق ع لأسأله عن مسائل فقيل لي إنه نائم فجلست أنتظر انتباهه فرأيت غلاما خماسيا أو سداسيا جميل المنظر ذا هيبة و حسن سمت فسألت عنه فقالوا هذا موسى بن جعفر فسلمت عليه و قلت له يا ابن رسول الله ما تقول في أفعال العباد ممن هي فجلس ثم تربع و جعل كمه الأيمن على الأيسر و قال يا نعمان قد سألت فاسمع و إذا سمعت فعه و إذا وعيت فاعمل إن أفعال العباد لا تعدو من ثلاث خصال إما من الله على انفراده أو من الله و العبد شركة أو من العبد بانفراده فإن كانت من الله على انفراده فما باله سبحانه يعذب عبده على ما لم يفعله مع عدله و رحمته و حكمته و إن كانت من الله و العبد شركة فما بال الشريك القوي يعذب شريكه على ما قد شركه فيه و أعانه عليه ثم قال استحال الوجهان يا نعمان فقال نعم فقال له فلم يبق إلا أن يكون من العبد على انفراده ثم أنشأ يقول

لم تخل أفعالنا اللاتي نذم بها إحدى ثلاث خصال حين نبديهاإما تفرد بارينا بصنعتها فيسقط اللوم عنا حين نأتيهاأو كان يشركنا فيها فيلحقه ما كان يلحقنا من لائم فيهاأو لم يكن لإلهي في جنايتها ذنب فما الذنب إلا ذنب جانيها

[319]

و ر

أن أبا الهذيل حضر عند أمير من أمراء البصرة و كان قدريا و قد أوتي بطرار أسود أعور فقال له كم يجب على هذا الطرار من سوط على طرارته قال له ستون سوطا فقال الأمير إنما يقول الفقهاء عشرون سوطا فقال نعم عشرون سوطا على طرارته و عشرون سوطا على عوره و عشرون على سواده فقال الأمير كيف تضربه على سواده و عوره و قد خلقهما الله فيه و ليسا من جنايته فقال له أبو الهذيل و كذلك طرارته مخلوقة فيه على مذهبك إذا ضربته عليها و هي من خلق الله فيه فكذلك تضربه على سواده و عوره فقال الأمير ما بيني و بين الحق عداوة ثم رجع عن القول بالجبر على القبيح و دان بالعدل

و روي أن شخصا من أهل الإيمان و العلم وشى به رجل قدري إلى أمير من أمراء البصرة أيضا و كان قدريا فقال له إن هذا لا يرى ما يراه أهل العلم من أن أفعال العباد من الحسن و القبح من الله فأحضره الأمير و قال إن هذا يقول فيك إنك لا ترى أن العبد مجبور على فعل الحسن و القبيح فقال له المؤمن أيها الأمير قد جعلتك بيني و بينه حكما ثم التفت إلى القدري فقال له ما تقول في كلمة العدل و الإخلاص و التوحيد من قالها في الموحد فقال الله فقال أ صادق هو أم لا فقال بل صادق فقال له فما تقول في كلمة الكفر و الإلحاد من قالها في الملحد قال الله على مذهبه

[320]

أ صادق هو أم كاذب فالتفت الأمير إلى القدري فقال له ويلك إن قلت صادق قتلتك و إن قلت كاذب قتلتك فخزي و انقطع و رجع الأمير عما كان يعتقده و قال بالعدل

و روي أنه كان رجل معتوه في بني عابد و كان صبيانهم يرجمونه ليلا فشكا ذلك إلى آبائهم فقالوا له إنهم لم يرجموك و إنما يرجمك الله فقال كذبتم فإنهم يرجموني فيصيبوني تارة و يخطئوني أخرى و لو رجمني الله ما أخطأني و كان رجل يجادل في القضاء و القدر أهله فيقول إن الله تعالى يقول كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ فلو كان هو الموقد لما احتاج أن يطفئ و كان لا يوقد و قد أخبر سبحانه بأنهم هم الموقدون فلا بد من تصديقه بذلك و بأنهم يوقدون و هو المطفئ

[321]

كلام أمير المؤمنين ع

ألا إن اللسان بضعة من الإنسان فلا يسعده القول إذا امتنع و لا يمهله النطق إذا اتسع و إنا لأمراء الكلام و فينا تنشبت عروقه و علينا تهدلت غصونه فاعلموا رحمكم الله أنكم في زمان القائل فيه بالحق قليل و اللسان عن الصدق كليل و اللازم للحق ذليل أهله معتكفون على العصيان مصطلحون على الإدهان فتاهم عارم و شائبهم آثم و عالمهم منافق و قارئهم مماذق لا يعظم صغيرهم كبيرهم و لا يعول غنيهم فقيرهم

و روى ع قال قال رسول الله ص للمسلم على أخيه المسلم ثلاثون حقا لا براءة له منها إلا بالأداء و العفو يغفر زلته و يرحم عبرته و يستر عورته و يقيل عثرته و يقبل معذرته و يرد غيبته و يديم نصيحته و يحفظ خلته و يرعى ذمته و يعود مرضته و يشهد ميتته و يجيب دعوته و يقبل هديته و يكافئ صلته و يشكر نعمته و يحسن نصرته و يحفظ حليلته و يقضي حاجته و يشفع مسألته و يسمت عطسته و يرشد ضالته و يرد سلامه و يطيب كلامه و يبر إنعامه و يصدق إقسامه و يوالي وليه و لا يعاديه و ينصره ظالما و مظلوما فأما نصره ظالما فيرده عن ظلمه و أما نصره مظلوما فيعينه على أخذ حقه و لا يسلمه و لا يخذله و يحب له من الخير ما يحبه لنفسه و يكره له من الشر ما يكرهه لنفسه ثم قال ع سمعت رسول الله ص يقول إن أحدكم ليدع من حقوق أخيه شيئا فيطالبه به يوم القيامة فيقضى له عليه

و قال أمير المؤمنين ع العفاف زينة الفقر و الشكر زينة الغنى الصبر زينة البلاء التواضع زينة الحسب الفصاحة زينة الكلام العدل زينة الإمارة السكينة زينة العباد الحفظ زينة الرواية خفض الجناح زينة الحلم بذل المجهود زينة

[322]

الخشوع زينة الصلاة الإيثار زينة الزهد حسن الأدب زينة العقل بسط الوجه زينة الحكم ترك ما لا يعني زينة الورع

و قال رسول الله ص أعبد الناس من أقام الفرائض و أزهد الناس من اجتنب المحارم و أسخى الناس من أدى زكاة ماله و أتقى الناس من قال الحق فيما له و عليه و أعدل الناس من رضي للناس ما يرضى لنفسه و كره لهم ما يكره لنفسه و أكيس الناس من كان أشد الناس ذكرا للموت و أغبط الناس من كان في التراب في أمن من العذاب يرجو الثواب و أغفل الناس من لم يتعظ بتغير الدنيا من حال إلى حال و أعظم الناس في الدنيا خطرا من لم يجعل للدنيا عنده خطرا و أعلم الناس من جمع علم الناس إلى علمه و أشجع الناس من غلب هواه و أكثر الناس قيمة أغزرهم علما و أقل الناس لذة الحسود و أقل الناس راحة البخيل و أبخل الناس من بخل بما افترض الله عز و جل عليه و أولى الناس بالحق أعلمهم به و أقل الناس حرمة الفاسق و أقل الناس وفاء الملوك و أفقر الناس الطمع و أغنى الناس من لم يكن للحرص أسيرا و أكرم الناس أتقاهم و أعظم الناس قدرا من ترك ما لا يعنيه و أورع الناس من ترك المراء و إن كان محقا و أقل الناس مروءة من كان كاذبا و أمقت الناس المتكبر و أشد الناس اجتهادا من ترك الذنوب و أسعد الناس من خالط كرام الناس و أغفل الناس أشدهم تهمة للناس و أولى الناس بالتهمة من جالس أهل التهمة و أظلم الناس من قتل غير قاتله أو ضرب غير ضاربه و أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة و أحق الناس بالذم السفيه المغتاب و أذل الناس من أهان الناس و أحزم الناس أكظمهم للغيض و أصلح الناس أصلحهم للناس و خير الناس من انتفع به الناس