back page fehrest page next page

فإن تعلقوا بقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فقد تكون مَعَنا للواحد كما تكون للجماعة و تكون للموعظة و التخويف كما تكون للتسكين و التبشير و إذا احتملت هذه الأقسام لم تقتض فضلا إلا أن ينضم إليها دليل من غيرها و برهان و ليس مع التعلق بها أكثر من ظاهر الإسلام .

فصل :

فأما الحجج منها على ما يوجب نقص أبي بكر و ذمه فهو قوله تعالى فيما أخبر به من نهي نبيه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لأبي بكر عن الحزن في ذلك المكان ، فلا يخلو أن يكون ذلك منه على وجه الطاعة لله سبحانه ، و عليه لما نهاه النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عنه ، و لا لفظ له في تركه ، لأنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لا ينهى عن طاعات ربه و لا يؤخر عن قربه ،

[191]

و من وصفه بذلك فقد قدح في نبوته ، و أخرجه عن الإيمان بالله تعالى و أدخله في جملة أعدائه و أهل مخالفته ، و ذلك ضلال عظيم . و إذا خرج أبو بكر بحزنه الذي كان منه في الغار على الاتفاق من طاعة الله تعالى ، فقد دخل به في معصية الله ، إذ ليس بين الطاعة و المعصية في أفعال العاقل الذاكر واسطة على تحقيق النظر ، ومن جعل بينهما قسما ثالثا و هو المباح ، لزمه فيه ما لزم في الطاعة ، إذ كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لا يحظر ما أباحه الله تعالى ، و لا يزجر عما شرعه الله ، وإذا صح أن أبا بكر كان عاصيا لله سبحانه بحزنه المجمع على وقوعه منه في الغار ، دل على استحقاقه الذم دون المدح ، و كانت الآية كاشفة عن نقصه بما بيناه .

و منها أن الله سبحانه أخبر في هذه الآية أنه خص نبيه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالسكينة دون أبي بكر ، و هذا دليل على أن حاله [ أي أبا بكر ] غير مرضية لله تعالى إذ لو كان من أولياء الله و أهل محبته لعمته السكينة مع النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في ذلك المقام كما عمت من كان معه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ببدر و حنين و نزل القرآن فقال تعالى في هذه السورة لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَ ضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَ أَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَ عَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ ذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ .

[192]

و قال في سورة الفتح لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَ أَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً .

و قال فيها أيضا إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ .

فدل عموم السكينة كل من حضر مع النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من المؤمنين مقاما سوى الغار بما أنزل به القرآن على صلاح حال القوم و إخلاصهم لله تعالى و استحقاقهم الكرامة منه بالسكينة التي أكرم بها نبيه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) و أوضح بخصوص نبيه في الغار بالسكينة دون صاحبه في تلك الحال على ما ذكرناه عن خروجه من ولاية الله تعالى و ارتكابه لما أوجب في العدل و الحكمة الكرامة بالسكينة من قبائح الأعمال و هذا بين لم تحجب عنه العباد و قد استقصيت الكلام في هذه المسألة في مواضع من كتبي و خاصة كتاب العيون و المحاسن فإنني فرغت فيها الكلام و استوفيت ما فيه على التمام فلذلك خففت القول هاهنا و تحريت الاختصار و فيما أثبته كفاية إن شاء الله تعالى .

[193]

مسألة أخرى :

إن الأمة مجمعة على أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خص أبا بكر و عمر يوم بدر بالكون معه في العريش

فإن قالوا : إن الأمة مجمعة على أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خص أبا بكر و عمر يوم بدر بالكون معه في العريش و صانهما عن البذل في الحرب و أشفق على حياتهما عن ضرب السيوف و فزع إليهما في الرأي و التدبير و هذا أمر أبين فضلا و أجل منقبة فقولوا في ذلك ما عندكم في معناه .

جواب :

قيل لهم : ما أراكم تعتمدون في الفضائل إلا على الرذائل و لا تصلون المناقب إلا بذكر المثالب و ذلك دليل خذلانكم و خزيكم في الدين و ضلالكم أما كون أبي بكر و عمر مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في العريش ببدر فلسنا ننكره لكنه لغير ما ظننتموه و الأمر فيه أوضح من أن يلتبس بما توهمتموه و ذلك أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لما علم من جبنهما عن الحروب و خوفهما من البراز للحتوف و جزعهما من لقاء الأبطال و ضعف بصيرتهما و عدم ثباتهما في القتال ما أوجب في الحكمة و الدين و التدبير

[194]

حبسهما في ذلك المكان و منعهما من التعرض إلى القتال و الاحتياط عليهما لأن لا يوقعا في تدبيره الفساد و لو علم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) منهما قوة في الجهاد و بصيرة في حرب أهل العناد و نية في الإصلاح و السداد لما حال بينهما و بين اكتساب الثواب و لا منعهما من التعرض لنيل المنازل العالية بجهاد الأعداء و لا اقتصر بهما على منازل القاعدين و لا أدخلهما في حكم المفضولين بما نطق به الذكر الحكيم حيث يقول سبحانه لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَ الْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَ كُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً و يؤكد ذلك أن الله تعالى أخبر عباده في كتابه بأنه اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ وَ الْقُرْآنِ وَ مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ فلا يخلو أن يكونا في جملة المؤمنين الذين نعتهم الله و أخبر عنهم بما ضمنه القرآن أو أن يكونا من غيرهم بخلاف صفاتهم التي جاء بها

[195]

التنزيل فلو كانوا من جملة المؤمنين ، لما منعهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من الوفاء بشرط الله عليهم في القتال ، و لا حال بينهم و بين التوصل بالجهاد إلى ما وعد الله عليه أهل الإيمان ، من عظيم الثواب في محل النعيم ، والأجر الكبير الذي من ظفر به كان من الفائزين ، لأنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إنما بعث بالحث على أعمال الخيرات ، و الاجتهاد في القرب و الطاعات ، والترغيب في بذل النفوس في جهاد الأعداء ، و إقامة المفترضات ، و لما وجدناه قد منع هذين الرجلين من الجهاد و حبسهما عما ندب إليه خيار العباد ، دل على أنهما بخلاف صفات من اشترى الله تعالى نفسه بالجنة من أهل الإيمان ، و هذا واضح لذوي العقول و الأذهان.

و يزيد ذلك بيانا انهزامهما مع المنهزمين في يوم أحد ، و فرارهما من مرحب يوم خيبر ، و كونهما من جملة المولين للأدبار في يوم الخندق ، و أنهما لم يثبتا لقرن قط ، و لا بارزا بطلا ، و لا أراقا في نصره الإسلام دما ، و لا احتملا في الذب عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ألما ، و كل ذلك يؤكد ما ذكرناه في معناه و يزيل عن ذوي الاعتبار الشبهات فيما ذكره أهل الضلالات .

و أما قولهم إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) صانهما عن البذل في الحرب و أشفق عليهما من ضرب السيف فهو أوهن كلام و أضعفه ، و ذلك أنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عرض في ذلك اليوم عمه حمزة أسد الله و أسد رسوله للحرب ، و بذل إليها أخاه و ابن عمه و صهره و أحب الخلق إليه أمير المؤمنين علي

[196]

بن أبي طالب (عليه السلام) ، و ابن عمه عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب رحمة الله عليه ، و أحباءه من الأخيار ، و خلصاءه من أهل الإيمان ، فكان (عليه السلام) يقدم كل من عظمت منزلته عنده للجهاد معرضا له بذلك إلى أجل منازل الثواب ، و يرى أن تأخره عن ذلك حط له عن شي‏ء من المقام ، إلا أن يكون بصفة من ذكرناه من المرتابين في الإيمان ، و الشاكين في نعيم الجنان ، و لم يك (عليه السلام) من أبناء الدنيا ، و الداعين إليها ، و إلى التمسك بأعمال أهلها ، و الترغيب عن حطامها ، فيتصور بما ذكره الجاهلون من الإشفاق على أحبته من الشهادة ، و المنع لهم ما يعقب لهم من الراحة ، و يحصل به الفضيلة . و لو كان بهذه الصفة لخرج عن النبوة و لحق بأهل الكبر و الجبرية و حاشاه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من ذلك .

فصل :

على أنه يقال لهم لو كان الأمر على ما ظننتموه في منع الرجلين من الجهاد كان سببه المحبة و الإشفاق لأشفق عليهما من ذلك في خيبر و لم يعرضهما له حتى افتضحا بالهزيمة بين المسلمين و أبان (عليه السلام) ذلك لأمته أجمعين عن حالهما في الظاهر و ما كانا عليه في السر و الباطن و سماهما فرارين و أخرجهما عن محبة الله تعالى حيث يقول عند فرارهما :

[197]

لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله و رسوله و يحبه الله و رسوله كرارا غير فرار لا يرجع حتى يفتح الله على يديه .

و قد بينا ما يقتضيه فيهما من فحوى هذا الكلام فيما تقدم و لا حاجة لنا إلى تكراره .

فصل :

حبس رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أبا بكر و عمر عن القتال في يوم بدر :

و أما قولهم إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إنما حبسهما عن القتال لحاجة منه إلى رأيهما في التدبير فإنه نظير ما سلف من جهلهم بل أفحش منه و ذلك لأن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان معصوما و كانا بالاتفاق غير معصومين و كان (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مؤيدا بالملائكة و لم يكونا مؤيدينو قد ثبت أن العاقل لا يستمد الرأي إلا ممن يعتقد فضله عليه و متى استمد ممن يساويه أو يقاربه في معناه فلجواز عدوله عن صوابه بالغلط عن طريقه و ما يلحقه من الآفات في النظر و يحول بينه و بين الحق فيه من الشبهاتو إذا فسد القول بفضل أبي بكر و عمر على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في الرأي بل في كل شي‏ء من الأشياء و بطل مساواتهما له و مقاربتهما إياه مع ما يبطل من جواز الغلط عليه و لحوق الآفات به لعصمته (صلّى الله عليه وآله وسلّم) استحال مقال من زعم أنه كان محتاجا إليهما في الرأي .

[198]

فصل :

على أنه لو كان ممن يجوز عليه الخطأ في الدين و الغلط في التدبير لكان ما يقع منه مستدركا بجبرئيل و ميكائيل و أمثالهما من الملائكة (عليه السلام) و لم يكله الله تعالى في شي‏ء منه إلى رعيته و لا أحوجه فيه إلى أحد من أمته لما تقتضيه الحكمة في تولى حراسته و تهدئته و غناه بذلك عمن أحوجه الله سبحانه إليه من جميع بريتهو لو جاز أن يلجئه الله تعالى إلى أحد من أمته في الرأي لجاز أن يضطر إليه في جميع معرفة الأحكام و لجعله تابعا لهم فيما يدركونه بالاجتهاد و القياس و هذا ما لا يذهب إليه مسلم فثبت ما بيناه من الغرض في حبس الرجلين عن القتال فإنه كما شرحناه و بينا وجهه و أوضحناه دون ما ظنه الجاهلون و الحمد لله .

فصل :

ثم يقال لهم خبرونا عن حبس رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أبا بكر و عمر عن القتال في يوم بدر لحاجة إلى مشورتهما عليه و تدبيرهما الأمر معه أ قلتم ذلك ظنا أو حدسا أم قلتموه و اعتمدتم فيه على اليقين فإن زعموا أنهم قالوا ذلك بالظن و الحدس و الترجيم فكفاهم بذلك خزيا في مقالهم و شناعة و قبحا و إن ادعوا العلم به و الحجة فيه طولبوا بوجه البرهان عليه و هل ذلك من وجه العقل أدركوه أم وجوه السمع و التوقيف فلا يجدون شيئا يتعلقون به من الوجهين جميعا

[199]

ثم يقال لهم أما العريش فكان من رأى الأنصار بلا اختلاف و لم يكن لأبي بكر و عمر و غيرهما من المهاجرين مقال و أما المشورة فلم تكن فيه و إنما أشار في الأسرى بعد القتال و اختلفا عند المشورة في الرأي و عدل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إذ ذاك عن رأى عمر بن الخطاب لمعرفته أنه صدر عن تراث بينه و بين القوم و قصد الشناعة على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) و شفاء غيظ بني عبد مناف و لم يرد بما قال وجه الله تعالى و صار إلى رأى أبي بكر لما أراد الله تعالى من المحنة لذلك فنزل القرآن بتخطئة صاحبكم و جاء الخبر عن علام الغيوب بخيانته في الدين و ركونه إلى الدنيا و إرادته لحطامها و ضعف بصيرته في الجهاد و أظهر منه ما كان يخفيه و كشف عن ضميره و فضحه الوحي بها ورد فيه حيث يقول الله سبحانه ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَ اللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ و هذا يدل على أن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حينما استشارهما لم يكن لفقر منه في الرأي و التدبير إليهما و إنما كان لاستبراء أحوالهما و الإظهار لباطنهما في النصيحة له أو ضدها كما أخبره الله سبحانه بتعريفه ذلك

[200]

عند نطقهما في الأمور و كلامهما و غيرهما من أضرابهما فقال تعالى وَ لَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ و إذا كان الأمر على ما وصفناه بطل ما ادعوه في العريش و كانت المشورة بعده من أوضح البرهان على نقص الرجلين دون فضلهما على ما قدمناه .

[201]

مسألة أخرى : صلاة أبي بكر بالناس في مؤضه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) :

فإن قالوا : أ فليس قدم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أبا بكر في حياته على جميع أهل بيته و أصحابه حيث أمره أن يصلي بالناس في مرضه مع قوله (عليه السلام) : الصلاة عماد الدين .

و قوله (عليه السلام) : إمامكم خياركم .

و هذا أوضح دليل على إمامته بعد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) و فضله على جميع أمته .

جواب :

قيل لهم : أما الظاهر المعروف فهو تأخير رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أبا بكر عن الصلاة و صرفه عن ذلك المقام و خروجه مستعجلا و هو من ضعف الجسم بالمرض على ما لا يتحرك معه العاقل إلا بالاضطرار و لتدارك ما يخاف بفوته عظيم الضرر و الفساد حتى كان عزله عما كان تولاه من تلك الصلاة

[202]

فأما تقدمه على الناس فكان بقول عائشة دون النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) و بذلك جاءت الأخبار و تواترت الأحاديث و الآثار و من ادعى غير ذلك فعليه حجة البرهان و البيان .

فصل :

على أننا لو صححنا حديث عائشة عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) و سلمنا لهم صدقها فيه تسليم جدل و إن كانت الأدلة تبطله و تقضي بفساده من كل وجه لما أوجب ما ادعوه من فضله على الجماعة لأنهم مطبقون على أن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) صلى خلف عبد الرحمن بن عوف الزهري و لم يوجب ذلك له فضلا عليه و لا على غيره من المسلمين ،

و لا يختلفون أنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أمر عمرو بن العاص على أبي بكر و عمر و جماعة من المهاجرين و الأنصار و كان يؤمهم طول زمان إمارته في الصلاة عليهم ، و لم يدل ذلك على فضله عليهم في الظاهر و لا عند الله تعالى على حال من الأحوال .

و هم متفقون على أن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال لأمته صلوا خلف كل بر و فاجر .

و أباح لهم الصلاة خلف الفجار و جوز بذلك إمامة إمام لهم

[203]

في الصلاة منقوص مفضول بل فاسق فاجر مرذول بما تضمنه لفظ الخبر و معناه و إذا كان الأمر على ما ذكرناه بطل ما اعتمدوه من فضل أبي بكر في الصلاة .

فصل :

اختلف المسلمون في تقديم النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أبا بكر للصلاة :

ثم يقال لهم قد اختلف المسلمون في تقديم النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أبا بكر للصلاة فقال المسلمون السنة إن عائشة أمرت بتقديمه عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)و قالت الشيعة إنها أمرته بذلك عن نفسها دون النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بلا اختلاف بينهم أن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خرج إلى المسجد و أبو بكر في الصلاة فصلى تلك الصلاة فلا يخلو أن يكون صلاها إماما لأبي بكر و الجماعة ، أو مأموما لأبي بكر مع الجماعة ، أو مشاركا لأبي بكر في إمامتهم ، و ليس قسم رابع يدعى فنذكره على التقسيم .

فإن كان (صلّى الله عليه وآله وسلّم) صلاها إماما لأبي بكر و الجماعة فقد صرفه بذلك عما أوجب فضله عندكم من إمامة القوم و حطه عن الرتبة التي ظننتم حصوله فيها بالصلاة و بطل ما اعتمدتموه من ذلك و وجب له خلافه من النقص و الخروج عن الفضل على التأبيد إذ كان آخر أفعال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) جار حكمها على التأبيد و إقامة الشريعة و عدم

[204]

نسخها إلى أن تقوم الساعة و هذا بين لا ريب فيه .

و إن كان (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مأموما لأبي بكر فقد صرف إذن عن النبوة و قدم عليه من أمره الله تعالى بالتأخر عنه و فرض عليه غض الطرف عنده و نسخ بذلك نبوته و ما يجب له بها من إمامة الجماعة و التقدم عليهم في الدين و هذا ما لا يطلقه مسلم .

وإن كان النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إماما للجماعة مع أبي بكر على الاشتراك في إمامتهم و كان ذلك آخر أعماله في الصلاة فيجب أن يكون سنة و أقل ما فيه جوازه و ارتفاع البدعة منه و الإجماع منعقد على ضد ذلك و فساد إمامة نفسين في الصلاة معا لجماعة من الناس .

و إذا كان الأمر على ما وصفناه فقد سقط ما تعلق به القوم من صلاة أبي بكر و ما ادعوه له بها من الفضل على تسليم الخبر دون المنازعة فيه فكيف و قد بينا سقوطه بما قدمناه .

فصل :

التناقض و الاختلاف في حديث عائشة :

على أن الخبر بصلاة أبي بكر و إن كان أصله من حديث عائشة ابنته خاصة على ما ذكروه فإنه قد جاء عنها في التناقض و الاختلاف و ذلك شاهد بفساده على البيان .

فروى أبو وائل عن مسروق عن عائشة قالت : صلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في مرضه الذي مات فيه خلف أبي بكر قاعدا .

[205]

و روى إبراهيم عن الأسود عن عائشة في حديث في الصلاة : أن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) صلى عن يسار أبي بكر قاعدا و كان أبو بكر يصلي بالناس قائما .

و في حديث وكيع عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة أيضا قالت : صلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في مرضه عن يمين أبي بكر جالسا و صلى أبو بكر قائما بالناس .

و في حديث عروة بن الزبير عن عائشة قالت : صلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بحذاء أبي بكر جالسا و كان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) و الناس يصلون بصلاة أبي بكر .

فتارة تقول كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إماما بأبي بكر و تارة تقول كان أبو بكر إماما و تارة تقول صلى عن يمين أبي بكر و تارة تقول صلى عن يساره و تارة تقول صلى بحذائه و هذه أمور متناقضة تدل بظاهر ما فيها من الاضطراب و الاختلاف على بطلان الحديث و تشهد بأنه موضوع .

فصل آخر :

على أن الخبر الثابت عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من قوله :

إنما جعل الإمام إماما ليؤتم به فإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعين

[206]

يبطل أيضا حديث صلاة أبي بكر و يدل على اختلاقه . لأنه يتضمن مناقضة ما أمر به مع ترك المتمكن منه على فاعله ، و متى ثبت أوجب تضليل أبي بكر ، و تبديعه على الإقدام على خلاف النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) .

و استدلوا بمثل ذلك في رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إذ كان هو المؤتم بأبي بكر . و في كلا الأمرين بيان فساد الحديث مع ما في الوجه الأول من دليل فساده .

فصل آخر :

مع أن الرواية قد جاءت من غير طريق .

عن عائشة أنها قالت : جاء بلال فأذن بالصلاة و رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مغمى عليه فانتظرنا إفاقته و كاد الوقت يفوت فأرسلنا إلى أبي بكر يصلي بالناس .

و هذا صريح منها بأن صلاته كانت عن أمرها و رأيها دون أمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) و إذنه و رأيه و رسمه و الذي يؤيد ذلك و يكشف عن صحته الإجماع على أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خرج مبادرا معجلا بين يدي رجلين من أهل بيته

[207]

حتى تلافى الأمر بصلاته و عزل الرجل عن مقامه ثم الإجماع أيضا على :

قول النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حين أفاق لعائشة و حفصة : إنكن كصويحبات يوسف (عليه السلام) ذما لهما على ما افتنتا به أمته و إخبارا عن إرادة كل واحدة منهما المنزلة بصلاة أبيها بالناس و لو كان هو (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تقدم بالأمر لأبي بكر بالصلاة لما حال بينه و بين تمامها و لا رجع باللوم على غيره فيها و هذا ما لا خفاء به على ذوي الأبصارو في هذه المسألة كلام كثير قد سبق أصحابنا رحمهم الله إلى استقصائه و صنف أبو عيسى محمد بن هارون الوراق كتابا مفردا في معناه سماه كتاب السقيفة يكون نحو مائتي ورقة لم يترك لغيره زيادة عليه فيما يوضح عن فساد قول الناصبة و شبههم التي اعتمدوها من الخبر بالصلاة و أشار إلى كذبهم فيه فلذلك عدلت عن الإطالة في ذكر البراهين على ما قدمت و اقتصرت على الاختصار و إن كان فيما أثبته كفاية لذوي الأبصار و الحمد لله .

[209]

مسألة أخرى :

إنفاق أبو بكر :

فإن قالوا : إن لأبي بكر من الإنفاق على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) و المواساة بماله ما لم يكن لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) و لا لغيره من الصحابة حتى جاء الخبر .

عنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال ما نفعنا مال كمال أبي بكر .

و قال (عليه السلام) في موطن آخر ما أحد من الناس أعظم نفعا علينا حقا في صحبته و ماله من أبي بكر بن أبي قحافة .

جواب :

قيل لهم : قد تقدم لنا من القول فيما يدعى من إنفاق أبي بكر ما يدل المتأمل له على بطلان مقال أهل الخلاف و إن كنا لم نبسط الكلام في معناه بعد فإن أصل الحديث في ذلك عائشة و هي التي ذكرته عن

[210]

رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) و إضافته بغير حجة و قد عرفت ما كان من خطئها في عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) و ارتكابها معصية الله تعالى في خلافه حتى نزل فيها و في صاحبتها حفصة بنت عمر بن الخطاب إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَ إِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَ جِبْرِيلُ وَ صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ ثم الذي كان منها في أمر عثمان بن عفان حتى صارت أوكد الأسباب في خلعه و قتله فلما كان من أمره ما كان و بايع الناس لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) حسدته على ذلك و كرهت أمره و رجعت عن ذم عثمان بن عفان إلى مدحه و قرفت أمير المؤمنين (عليه السلام) بدمه و خرجت من بيتها إلى البصرة إقداما على خلاف الله تعالى فيما أمرها به في كتابه فألبت عليه و دعت إلى حربه و اجتهدت في سفك دمه و استئصال ذريته و شيعته و أثارت من الفتنة ما بقي في الأمة ضررها في الدين إلى هذه الغايةو من كانت هذه حالها لم يوثق بها في الحديث عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) و لا أمنت على الإدغال في دين الله تعالى لا سيما فيما تجر به نفعا إليها و شهادة بفضل متى صح لكان لها فيه الحظ الأوفر و هذا ما لا يخفى على ذوي حجا .

back page fehrest page next page