و في حديث لهم آخر قالوا جاء محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالصدق و صدق به يوم القيامة إذا جاء به شهيدا .
فصل :
و قد رووا أيضا في ذلك ما اختصوا بروايته دون غيرهم
عن مجاهد في قوله تعالى وَ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ أنه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) و الذي صدق به أهل القرآن يجيئون به يوم القيامة فيقولون هذا الذي دعوتمونا إليه قد اتبعنا ما فيه .
[168]
فصل :
و قد زعم جمهور متكلمي العامة و فقهائهم أن الآية عامة في جميع المصدقين برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) و تعلقوا في ذلك بالظاهر أو العموم و بما تقدمه من قول الله تعالى فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَ كَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ وَ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَ صَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ وإذا كان الاختلاف بين روايات العامة و أقاويلهم في تأويل هذه الآية على ما شرحناه و إذا تناقضت أقوالهم فيه بما بيناه سقط جميعها بالمقابلة و المكافأة و ثبت تأويل الشيعة للاتفاق الذي ذكرناه و دلالته على الصواب حسب ما وصفناه و الله الموفق للصواب .
مسألة :
فإن قال : قائل منهم كيف يتم لكم تأويل هذه الآية في أمير المؤمنين (عليه السلام) و هي تدل على أن الذي فيه قد كانت له ذنوب كفرت عنه بتصديقه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حيث يقول الله تعالى لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَ يَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ و من قولكم إن أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يذنب ذنبا و لا قارف معصية
[169]
صغيرة و لا كبيرة على خطإ و لا عمد فكيف يصح أن الآية مع ما وصفناه فيه .
جواب :
قيل لهم : لسنا نقول في عصمة أمير المؤمنين (عليه السلام) بأكثر من قولنا في عصمة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) و لا نزيد على قول أهل العدل في عصمة الرسل (عليه السلام) من كبائر الآثام و قد قال الله تعالى في نبيه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ و قال تعالى لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ و قال تعالى وَ وَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ فظاهر هذا الكلام يدل على أنه قد قارف الكبائر و قد ثبت أنه مصروف عن ظاهره بضروب من البرهان فكذلك القول فيما تضمنته الآية في أمير المؤمنين (عليه السلام)وجه آخر أن المراد بذكر التكفير إنما هو ليؤكد التطهير له (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من الذنوب و هو و إن كان لفظه لفظ الخبر على الإطلاق فإنه مشترط بوقوع الفعل لو وقع و إن كان المعلوم أنه غير واقع أبدا للعصمة بدليل العقل الذي لا يقع فيه اشتراط.
[170]
وجه آخر :و هو أن التكفير المذكور بالآية إنما تعلق بالمحسنين الذين أخبر الله تعالى بجزائهم من التنزيل و جعله جزاء للمعني بالمدح للتصديق دون أن يكون متوجها إلى المصدق المذكور و هذا يسقط ما توهمه الخصوم .
[171]
مسألة أخرى :
قوله تعالى فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَ اتَّقى وَ صَدَّقَ بِالْحُسْنى :
فإن قالوا : فما عندكم في قوله تعالى فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَ اتَّقى وَ صَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى مع ما جاء في الحديث أنها نزلت في أبي بكر على التخصيص و هذا ظاهر عند الفقهاء و أهل التفسير .
الجواب :
قيل لهم : في ذلك كالذي قبله و هو من دعاوي العامة بغير بينة و لا حجة تعتمد و لا شبهة و ليس يمكن إضافته إلى صادق عن الله سبحانه و لا فرق بين من ادعاه لأبي بكر و بين من ادعاه لأبي هريرة أو المغيرة بن شعبة أو عمرو بن العاص أو معاوية بن أبي سفيان في تعري دعواه عن البرهان و حصولها في جملة الهذيان مع أن ظاهر الكلام يقتضي عمومه في كل معط من أهل التقوى و الإيمان و كل
[172]
من خلا من أهل الكفر و الطغيان و من حمله على الخصوص فقد صرفه عن الحقيقة إلى المجاز و لم يقنع منه فيه إلا بالجلي من البرهان .
فصل :
أبو الدحداح الأنصاري و سمرة بن جندب :
على أن أصحاب الحديث من العامة قد رووا ضد ذلك عن عبد الله بن عباس و أنس بن مالك و غيرهما من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد ذكروا : أنها نزلت في أبي الدحداح الأنصاري ، و سمرة بن جندب ، و أخبروا عن سبب نزولها فيهما بما يطول شرحه ، و أبو الدحداح الأنصاري هو الذي أعطى و اتقى ، و سمرة بن جندب هو الذي بخل و استغنى ، و في روايتهم لذلك إسقاط لما رواه بعضهم من خلافه في أبي بكر ، و لم يسنده إلى صحابي معروف ، و لا إمام من أهل العلم موصوف ، و هذا بين لمن تدبره .
فصل :
الآية نازلة في أبي بكر على ما ادعاه الخصوم :
مع أنه لو كانت الآية نازلة في أبي بكر على ما ادعاه الخصوم لوجب ظهورها فيه على حد يدفع الشبهة و الشكوك و يحصل معه اليقين بسبب ذلك و المعنى الذي لأجله نزل التنزيل و أسباب ذلك
[173]
متوفرة من الرغبة في نشره و الأمان من الضرر في ذكره و لما لم يكن ظهوره على ما وصفناه دل على بطلانه بما بيناه و الحمد لله .
[175]
مسألة أخرى :
وردت الأخبار بأن أبا بكر كان يعول على مسطح و يتبرع عليه :
فإن قالوا : أ فليس قد وردت الأخبار بأن أبا بكر كان يعول على مسطح و يتبرع عليه فلما قذف عائشة في جملة أهل الإفك امتنع من بره و قطع عنه معروفه و آلى في الامتناع من صلته فأنزل الله تعالى وَ لا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَ السَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَ الْمَساكِينَ وَ الْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لْيَعْفُوا وَ لْيَصْفَحُوا أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ و أخبر أن أبا بكر من أهل الفضل و الدين و السعة في الدنيا و بشره بالمغفرة و الأجر العظيم و هذا أيضا يضاد معتقدكم فيه .
الجواب :
قيل لهم : لسنا ندفع أن الحشوية قد روت ذلك إلا أنها لم تسنده
[176]
إلى الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) و لا روته عن حجة في الدين و إنما أخبرت به عن مقاتل و الضحاك و داود الحواري و الكلبي و أمثالهم ممن فسر القرآن بالتوهم و أقدم على القول فيه بالظن و التخرص حسب ما قدمناه و هؤلاء بالإجماع ليسوا من أولياء الله المعصومين و لا أصفيائه المنتجبين و لا ممن يلزم المكلفين قولهم و الاقتداء بهم على كل حال في الدين بل هم ممن يجوز عليه الخطأ و ارتكاب الأباطيل و إذا كان الأمر على ما وصفناه لم يضرنا ما ادعوه في التفسير و لا ينفع خصومنا على ما بيناه ممن يوجب اليقين على أن الآثار الصحيحة و الروايات المشهورة و الدلائل المتواترة قد كشفت عن فقر أبي بكر و مسكنته و رقة حاله و ضعف معيشته فلم يختلف أهل العلم أنه كان في الجاهلية معلما و في الإسلام خياطا و كان أبوه صيادا فلما كف بذهاب بصره و صار مسكينا محتاجا قبضه عبد الله بن جذعان لندي الأضياف إلى طعامه و جعل له في كل يوم على ذلك أجرا درهما و من كانت حالته في معيشته على ما وصفناه و حال أبيه على ما ذكرناه خرج عن جملة أهل السعة في الدنيا و دخل في الفقراء فما أحوجهم إلى المسألة و الاجتداء و هذا يبطل ما توهموه .
[177]
فصل :
على أن ظاهر الآية و معناها موجب لتوجهها إلى الجماعة دون الواحد و الخطاب بها يدل على تصريحه على ذلك فمن تأول القرآن بما يزيله عن حقيقته و ادعى المجاز فيه و الاستعارة بغير حجة قاطعة فقد أبطل بذلك و أقدم على المحظور و ارتكب الضلال .
فصل :
على أنا لو سلمنا لهم أن سبب نزول هذه الآية امتناع أبي بكر من بر مسطح و الإيلاء منه بالله تعالى لا يبره و يصله لما أوجب من فضل أبي بكر ما ادعوه و لو أوجبه لمنعه من خطئه في الدين و إنكاره النص على أمير المؤمنين (عليه السلام) و جحده ما لزمه الإقرار به على اليقين للإجماع على أن ذلك غير عاصم من الضلال و لا مانع من مقارفة الآثام فأين موضع التعلق بهذا التأويل في دفع ما وصفناه آنفا لو لا الحيرة و الصد عن السبيل .
[178]
فصل :
و بعد فليس يخلو امتناع أبي بكر عيلولة مسطح و الإنفاق عليه من أن يكون مرضيا لله تعالى و طاعة له و رضوانا ، أو أن يكون سخطا لله و معصية و خطأ ، فلو كان مرضيا لله سبحانه و قربة إليه ، لما زجر عنه و عاتب عليه و أمر بالانتقال عنه و حض على تركه ، و إذا لم يك لله تعالى طاعة فقد ثبت أنه معصية مسخوطة و فساد في الدين ، و هذا دال على نقص الرجل و ذمه و هو بالضد مما توهموه .
فصل :
مسطح من بني عبد مناف :
على أن مسطحا من بني عبد مناف و هو من ذوي القربى للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) و ما نزل من القرآن في إيجاب صلته و بره و النفقة عليه فإنما هو شيء على استحقاقه ذلك عند الله تعالى و دال على فضله و عائد على قومه بالتفضل و أهله و عشيرته و كاشف عما يجب بقرابة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من التعظيم لمحسنهم و العفو عن مسيئهم و التجاوز عن الخاطئ منهم و ليس يتعدى ذلك إلى المأمور به و لا يكسبه شيئا و في هذا إخراج لأبي بكر من الفضيلة بالآية على ما شرحناه .
[179]
فصل :
مسطح و إن كان من بني عبد مناف فإنه ابن خالة أبي بكر :
على أن مسطحا و إن كان من بني عبد مناف فإنه ابن خالة أبي بكر لأن أمه أثاثة بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيمو كان أبو بكر يمونه لرحمه منه دون حقه بالهجرة و الإيمان فلما كان منه من أمر عائشة ما كان امتنع من عيلولته و جفاه و قطع رحمه غيظا عليه و بغضا له فنهاه الله تعالى عن ذلك و أمره بالعود إلى بره و أخبره بوجوب ذلك عليه لهجرته و قرابته من النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) و دل بما أنزله فيه على خطئه في حقوقه و قطيعته من استحقاقه لضد ذلك بإيمانه و طاعته لله تعالى و حسن طريقته فأين يخرج من هذا فضل لأبي بكر إلا أن تكون المثالب مناقب و الذم مدحا و القبيح حسنا و الباطل حقا و هذا نهاية الجهل و الفساد .
فصل :
و يؤكد ذلك أن الله عز و جل رغب للنهي عن قطيعة من سماه في صلته في المغفرة إذا انتهى عما نهاه عنه و صار إلى مثل ما أمره به حيث يقول أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ فلو لا أنه كان مستحقا للعقاب لما جعل المغفرة له بشرط الانتقال و إذا لم تتضمن الآية انتقاله مع ما دلت عليه قبحت حاله و صارت وبالا عليه حسب ما ذكرناه .
[180]
فصل :
ادعاؤهم أن الله تعالى شهد لأبي بكر بأنه من أهل الفضل و السعة :
فأما ادعاؤهم أن الله تعالى شهد لأبي بكر بأنه من أهل الفضل و السعة فليس الأمر كما ظنوه و ذلك لقوله تعالى وَ لا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَ السَّعَةِ إنما هو نهي يختص بذكر أهل الفضل و السعة يعم في المعنى كل قادر عليه و ليس بخبر في الحقيقة و لا المجاز و إنما يختص بذكر من سميناه على حسب اختصاص الأمر بالطاعات بأهل الإيمان حيث يقول تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ و يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ و إن كان المعني من الأمر بذلك عاما لجميع المكلفين و المراد في الاختصاص من اللفظ على ما ذكرناه ملاءمة الوصف لما دعا إليه من الأعمال و هو يجري مجرى قول القائل لمن يريد تأديبه و وعظه لا ينبغي لأهل العقل و المروءة و السداد أن يرتكبوا الفساد و لا يجوز لأهل الدين و العفاف أن يأتوا قبائح الأفعال و إن كان المخاطب بذلك ليس من أهل المروءة و السداد و لا أهل الديانة و العفاف و إنما خص بالمنكر ما وصفناه لما قدمناه و بيناه
[181]
فيعلم أن ما تعلق به المخالف فيما ادعاه من فعل أبي بكر من لفظ القرآن على خلاف ما توهمه و ظنه و أنه ليس من الخبر في شيء على ما بيناه .
وأما قولهم : إن أبا بكر كان من أهل السعة في الدنيا بظاهر القرآن فالقول فيه كالمتقدم سواء و من بعد ذلك فإن الفضل و السعة و النقص و الفقر من باب التضايف فقد يكون الإنسان من ذوي الفضل بالإضافة إلى من دونه من أهل الضائقة و الفقر و يكون مع ذلك مسكينا بالإضافة إلى من هو أوسع حالا منه و فقيرا إلى من هو محتاج إليهو إذا كان الأمر على ما وصفناه لم ينكر وصف أبي بكر بالسعة عند إضافة حاله إلى مسطح و أنظاره من المضطرين بالفقر و من لا معيشة له و لا عائدة عليه كما يكون السقف سماء لمن هو تحته و تحتا لمن هو فوقه و يكون الخفيف ثقيلا عند ما هو أخف منه وزنا و القصير طويلا بالإضافة إلى من هو أقصر منه و هذا ما لا يقدح في قول الشيعة و دفعها الناصبة عما ادعته لأبي بكر من الإحسان و الإنفاق على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حسب ما تخرصوه من الكذب في ذلك و كابروا به العباد و أنكروا به ظاهر الحال و ما جاء به التواتر من الأخبار و دل عليه صحيح النظر و الاعتبار و هذا بين لمن تدبره .
[182]
فصل :
سبب نزول هذه الآية
و قد روت الشيعة سبب نزول هذه الآية من كلام جرى بين بعض المهاجرين و الأنصار فتظاهر المهاجرون عليهم وعلوا في الكلام فغضبت الأنصار من ذلك و آلت بينها أن لا تبر ذوي الحاجة من المهاجرين و أن تقطع معروفها عنهم فأنزل الله سبحانه هذه الآية فاتعظت الأنصار بها و عادت إلى بر القوم و تفقدهم و ذكروا في ذلك حديثا طويلا و شرح جوابه أمرا بينا فإذا ثبت مذهبهم في ذلك سقط السؤال من أصله و لم يكن لأبي بكر فيه ذكر و استغني بذلك عن تكلف ما قدمناه إلا أنا قد تطوعنا على القوم بتسليم ما ادعوه و أوضحنا لهم عن بطلان ما تعلقوا به فيه استظهارا للحجة و إصدارا عن البيان و الله الموفق للصواب .
فصل آخر :
ثم يقال لهم :خبرونا عما ادعيتموه لأبي بكر من الفضل في الدنيا لو انضاف إلى التقوى و نزل القرآن أن تصريح الشهادة له به عودا بعد سدى هل كان موجبا لعصمته من الضلال في مستقبل الأحوال ، و دالا على صوابه في كل فعل و قول ، و أنه لا يجوز عليه الخطأ و النسيان و ارتكاب الخلاف لله تعالى و العصيان ، فإن ادعوا له بالعصمة من الآثام ، و أحالوا من أجله عليه الضلال في الاستقبال ، خرجوا عن الإجماع و تفردوا بالمقال بما لم يقبله أحد من أهل الأديان ، و كابروا دلائل العقول و برهان السمع و دفعوا الأخبار .
[183]
و قيل لهم : دلوا على صحة ما ادعيتموه من ذلك . فلا يجدون شيئا يعتمدونه على كل حال .
و إن قالوا : ليس يجب له بالفضل و السعة و سائر ما عددناه و انضاف إليه و نطق به القرآن العصمة من الضلال ، بل جائز عليه الخطأ ، مع استحقاقه بجميعه و مقارفة الذنوب في الاستقبال .
قيل لهم : فهب أنا سلمنا لكم الآن من تأويل الآية على ما اقترحتموه ما أنكرتم في ضلال الرجل فيما بعد من إنكاره النص على أمير المؤمنين (عليه السلام) و دفعه عما أوجب الله تعالى عليه الإقرار به من الفرض و تغيير حاله من الفضل بالنقص إذ كانت العصمة مرتفعة عنه و الخطأ جائز عليه و الضلال عن الحق موهوم منه و مظنون به فلا يجدون حيلة في دفع ذلك و لا معتمدا في إنكاره و هذا مما تقدم معناه إنما ذكرته للتأكيد و البيان و هو مما لا محيص لهم عنه و الحمد لله .
[185]
مسألة أخرى :
أ فليس قد آنس الله تعالى نبيه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأبي بكر في خروجه إلى المدينة للهجرة و سماه صاحبا له في محكم كتابه :
فإن قالوا : أ فليس قد آنس الله تعالى نبيه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأبي بكر في خروجه إلى المدينة للهجرة و سماه صاحبا له في محكم كتابه و ثانيا لنبيه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في سفره و مستقرا معه في الغار لنجاته فقال تعالى إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَ جَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ و هذه فضيلة جليلة يشهد بها القرآن فهل تجدون من الحجة مخرجا .
جواب :
قيل لهم : أما خروج أبي بكر مع النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فغير مدفوع ، و كونه في الغار معه غير مجحود ، و استحقاق اسم الصحبة معروف ، إلا أنه ليس في واحدة منها ، و لا في جميعها ما يظنون له من الفضل . فلا تثبت
[186]
له منقبة في حجة سمع و لا عقل ، بل قد شهدت الآية التي تلوتموها في ذلك بزلل الرجل ، و دلت على نقصه ، و إنبات عن سوء أفعاله ، بما نحن موضحون عن وجهه إن شاء الله تعالى .
وأما ما ادعيتموه من أنس الله تعالى نبيه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فهو توهم منكم ، و ظن يكشف عن بطلانه الاعتبار ، و ذلك :
أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مؤيد بالملائكة المقربين الكرام ، والوحي ينزل عليه من الله تعالى حالا بحال ، و السكينة معه في كل مكان ، و جبرئيل (عليه السلام) آتيه بالقرآن ، و عصمته و التوفيق من الله تعالى ، و الثقة بما وعده من النصر و الظفر ، يرفع عنه الاستيحاش ، فلا حاجة إلى أنيس سوى من ذكرنا لا سيما و بمنقوص عن منزلة الكمال خائف وجل يحتاج إلى التسكين و الرفق و المداراة ، وقد نطق بصفته هذه صريح القرآن ، و أنبأ بمحنة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) و ما عالجه من تدبيره له بالتسكين و التشجيع ، و تلافي ما فرط منه لشدة جزعه و خوفه و قلقه ، كي لا يظهر منه ما يكون به عظيم الفساد ، حيث يقول سبحانه فيما أخبر به عن نبيه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا .
و بعد فلو كان لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مؤنس على ما ادعاه الجاهل لم يكن له بذلك فضل في الدين ، لأن الأنس قد يكون لأهل التقوى و الإيمان بأمثالهم من أهل الإيمان و بأغيارهم من أهل الضلال و البهائم و الشجر و الجمادات ، بل ربما أنس العاقل بمن يخالفه في دينه
[187]
و استوحش ممن يوافقه ، و كان أنسه بعبده و إن كان ذميا أكثر من أنسه بعالم و فقيه و إن كان مهذبا ، و يأنس بوكيله أحيانا و لا يأنس برئيسه ، كما يأنس بزوجته أكثر من أنسه بوالدته ، و يأنس إلى الأجنبي فيما لا يأنس فيه إلى الأقرب منه ، و تأتي عليه الأحوال يرى أن التأنس ببعيره و فرسه أولى من التأنس بأخيه و ابن عمه ، كما يختار المسافر استصحاب من يخبره بأيام الناس ، و يضرب له الأمثال ، و ينشده الأشعار ، و يلهيه بالحديث عن الذكر و ما يبهج الخواطر بالبال ، و لا يختار استصحاب أعبد الناس ، و أعرفهم بالأحكام ، و لا أقرأهم للقرآن . و إذا كان الأمر على ما وصفناه لم يثبت لأبي بكر فضل بالأنس به و لو سلمناه و لم نعترض في بطلانه بما قدمناه و هذا بين لا إشكال فيه عند ذوي الألباب .
و أما كونه للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثانيا ، فليس فيه أكثر من الأخبار بالعدد في الحال ، و قد يكون المؤمن في سفره ثاني كافر ، أو فاسق ، أو جاهل ، أو صبي ، أو ناقص ، كما يكون ثاني مؤمن ، و صالح ، و عالم ، و بالغ ، و كامل ، و هذا ما ليس فيه اشتباه . فمن ظن به فضلا فليس من العقلاء .
و أما الصحبة فقد تكون بين المؤمن و الكافر ، كما تكون بينه و بين المؤمن ، و قد يكون الصاحب فاسقا كما يكون برا تقيا ، و يكون أيضا بهيمة ، و طفلا ، فلا معتبر باستحقاقها فيما يوجب المدح أو الذم و يقتضي الفضل أو النقص .
[188]
قال الله تعالى فيما خبر به عن مؤمن و كافر قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَ هُوَ يُحاوِرُهُ أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَ لا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً . فوصف أحدهما بالإيمان و الآخر بالكفر و الطغيان ، و حكم لكل واحد منهما بصحبة الآخر على الحقيقة و ظاهر البيان ، و لم يناف الصحبة اختلاف ما بينهما في الأديان .
و قال الله سبحانه مخاطبا الكفار الذين بهتوا نبيه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) و ادعوا عليه الجنون و النقصان وَ ما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ وَ لَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ فأضافه (عليه السلام) إلى قومه بذكر الصحبة و لم يوجب ذلك لهم فضلا ، و لا بإقامتهم كفرا و ذما فلا ينكر أن يضيف إليه (عليه السلام) رجلا بذكر الصحبة و إن كان المضاف إليه كافرا و منافقا و فاسقا ، كما أضافه إلى الكافرين بذكر الصحبة و هو رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) و سيد الأولين و الآخرين ، و لم يوجب لهم فضلا و لا وفاقا في الدين و لا نفى عنهم بذلك نقصا و لا ضلالا عن الدين ، و قد ثبت أن إضافته إليهم بذكر الصحبة أوكد في معناها من
[189]
إضافة أبي بكر بها لأن المضاف إليه أقوى في السبب من المضاف و هذا ظاهر البرهان . فأما استحقاق الصبي اسم الصحبة من الكامل العاقل و إن لم يوجب ذلك له كمالا فهو أظهر من أن يحتاج فيه إلى الاشتهار بإفاضته على ألسن الناس العام و الخاص و لسقوطه بكل لسان .
و قد تكون البهائم صاحبا و ذلك معروف في اللغة قال عبيد بن الأبرص :
بل رب ماء أردت آجن سبيله خائف جديب
قطعته غدوة مسيحا و صاحبي بادن خبوب
يريد بصاحبه بعيره بلا اختلاف .
و قال أمية بن أبي الصلت :
إن الحمار مع الحمار مطية *** فإذا خلوت به فبئس الصاحب
و قال آخر :
زرت هندا و ذاك بعد اجتناب *** و معي صاحب كتوم اللسان
يعني به السيف فسمى سيفه صاحبا .
و إذا كان الأمر على ما وصفناه لم يثبت لأبي بكر بذكر الصحبة فضيلة و لا كانت له منقبة على ما بيناه و شرحناه . وأما حلوله مع النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في الغار فهو كالمتقدم غير موجب له
[190]
فضلا ، و لا رافع عنه نقصا و ذما ، و قد يحوي المكان البر و الفاجر و المؤمن و الكافر و الكامل و الناقص و الحيوان و الجماد و البهيمة و الإنسان . وقد ضم مسجد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الذي هو أشرف من الغار المؤمنين و أهل النفاق و حملت السفينة البهائم و أهل الإيمان من الناس و لا معتبر حينئذ بالمكان و من اعتقد به فضلا لم يرجع في اعتقاده ذلك إلى حجة عقلية و لا عبارة و لا سمع و لا قياس و لم يحصل بذلك إلا على ارتكاب الجهالات.