ج : ان خلق البشر بدا في هذا العالم من ذرة حقيرة ثم ترقى في مدارج الكمال الجسمي شيئا فشيئا, حتى بلغ مرحلة نفخت فيها الروح في جسمه .
وقد وصف القرآن الكريم , خالق الكون بكونه ((احسن الخالقين ))نظرا الى تكميل خلق هذا الموجود المتميز.
ثـم انـه يـنـتقل بالموت من منزله الدنيوي الى عالم آخر, يعتبر كمالاللمرحلة المتقدمة وقد اشار القرآن الكريم الى هذا المعنى اذ قال : (ثم انشاناه خلقا آخر فتبارك اللّه احسن الخالقين # ثم انكم بعد ذلك لميتون # ثم انكم يوم القيامة تبعثون )239.

الاصل الخامس بعد المائة : جواب الشبهات المثارة حول المعاد

لـقـد طـرح منكروا القيامة والمعاد في عصر نزول القرآن , شبهات رد عليهاالقرآن , ضمن توضيحه لادلة وجود المعاد.
وفيما يلي بعض هذه الموارد:
الف : تارة يؤكد القرآن الكريم على قدرة اللّه المطلقة فيقول :
(الى اللّه مرجعكم وهو على كل شي قدير)240.
ب : وتارة يذكر بان الذي يقدر على خلق الانسان ابتدا قادر على اعادته , ولملمة رفاته , وارجاع الروح اليه ثانية .
فهو مثلا ينتقد قول المنكرين للمعاد قائلا: (فسيقولون من يعيدنا)؟.
ثم يقول : (قل الذي فطركم اول مرة )241.
ج : وفـي بـعـض الموارد يشبه احيا الانسان بعد موته باعادة الحياة الى الارض في فصل الربيع بعد رقـدة شتائية من جديد وولوج الحياة في الطبيعة وعلى هذا يقيس المعاد وعودة الروح الى الموتى قـال تعالى :(وترى الارض هامدة فاذا انزلنا عليها الما اهتزت وربت وانبتت من كل زوج بهيج #ذلك بـان اللّه هـو الـحـق وانه يحيي الموتى وانه على كل شي قدير # وان الساعة آتية لا ريب فيها وان اللّه يبعث من في القبور)242.
د : فـي الاجـابـة عـلـى هـذه الشبهة التي تقول ((من يحيي العظام )) وقد اصبحت رميما, وكيف يجمعها وقد ضاعت في الارض ويخلق منها جسداكالجسد الاول ؟ يقول سبحانه : ( بلى وهو الخلا ق العليم )243.
وفـي مـوضع آخر يخبر عن ذلك العلم الواسع قائلا: (قد علمنا ما تنقص الارض منهم وعندنا كتاب حفيظ) 2.
هـ : ربـما يتصور ان الانسان يتالف من اجزا جسمانية , واعضا مادية تنحل بموته وتستحيل الى تراب فـكـيف يكون الانسان يوم القيامة هو عينه في الحياة الدنيا, وبعبارة اخرى ما هي الصلة بين البدن الدنيوي والاخروي كي يحكم بوحدتهما؟.
والقرآن ينقل تلك الشبهة عن لسان الكافرين ويقول : (اذا ضللنا في الارض انا لفي خلق جديد)244.
ثم يعود ويجيب عليها بقوله : (قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم الى ربكم ترجعون ) 4.
ويكمن حاصل الجواب في الوقوف على معنى ((التوفي )) الماخوذفي الاية الذي هو ((الاخذ)), وهو يعرب ان للانسان ورا البدن الذي يبلى حين موته شيئا آخر ياخذه ملك الموت وهي الروح , فحينها تتضح اجابة القرآن عن الشبهة .
وهي ان ملاك وحدة البدنين والحكم بان البدن الاخروي هو عين البدن الدنيوي ـ مضافا الى وحدة الاجزا ـ هي الروح الماخوذة من قبل ملك الموت , فاذا ولجت نفس الاجزا يكون المعاد عين المبتدا.
فـيستفاد من هذه الاية ونظائرها ان الانسان المحشور يوم البعث هوعينه الموجود في نشاة الدنيا, قال سبحانه : (قل يحييها الذي انشاها اول مرة وهو بكل خلق عليم )245.

الاصل السادس بعد المائة : معاد الانسان هو جسماني وروحاني

صـرحـت الايـات القرآنية والاحاديث على ان معاد الانسان : جسماني وروحاني , ويراد من الاول هو حـشـر الانـسان ببدنه في النشاة الاخرى ,وان النفس الانسانية تتعلق بذلك البدن في تلك النشاة فيثاب او يعاقب بامور لا غنى في تحققها عن البدن والقوى الحسية .
ويـراد مـن الـثاني ان للانسان ورا الثواب والعقاب الحسيين لذات والا م روحية ينالها الانسان دون حاجة الى البدن , وقد اشير الى هذا النوع من الجزا في قوله سبحانه : (ورضوان من اللّه اكبر ذلك هو الـفـوز الـعـظـيـم ) 2,وقـال سـبـحانه : (وانذرهم يوم الحسرة اذ قضي الامر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون )246.
فرضوانه سبحانه من اكبر اللذائذ للصالحين , كما ان الحسرة من اكبر الالام للمجرمين .

الاصل السابع بعد المائة : البرزخ

لـيـس الـموت نهاية للحياة وانعدامها, بل انتقال من نشاة الى اخرى , وفي الحقيقة الى حياة خالدة نـعبر عنها بالقيامة , بيد ان بين النشاتين نشاة ثالثة متوسطة تدعى بالبرزخ , والانسان بموته ينتقل الـى تـلـك الـنـشـاة حـتـى قـيـام الـسـاعـة , الا انـنـا لا نعلم عن حقيقتها شيئا, سوى ما جا في القرآن والاحاديث , ولنذكر طائفة من الايات القرآنية بغية التعرف على ملامح تلك النشاة .
الـف : ان الـمـحـتـضـر اذا وقف على سؤ مصيره يتمنى عوده الى الدنياليتدارك ما فات منه , يقول سبحانه : (حتى اذا جا احدهم الموت قال رب ارجعون# لعلي اعمل صالحا فيما تركت )247.
ولـكـن يـخـيـب سـعيه , ويرد طلبه , ويقال له : (كلا انها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ الى يوم يبعثون )248.
والاية تحكي عن وجود حياة برزخية مخفية للمشركين .
ب : ويـصف حياة المجرمين , لاسيما آل فرعون , بقوله : (الناريعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة ادخلوا آل فرعون اشد العذاب )249.
فـالايـة تحكي عن ان آل فرعون يعرضون على النار صباحا ومسا,قبل القيامة واما بعدها فيقحمون في النار.
ج : ويصف سبحانه حياة الشهدا في تلك النشاة , بقوله : (ولا تقولوالمن يقتل في سبيل اللّه اموات بل احيا ولكن لا تشعرون )250.
ويـصـف فـي آية اخرى حياة الشهدا بقوله : (فرحين بما آتاهم اللّه من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم الا خوف عليهم ولاهم يحزنون )251.

الاصل الثامن بعد المائة : السؤال في القبر

تبتدا الحياة البرزخية بقبض الروح عن البدن , وعندما يودع بدن الانسان في القبر, ياتي اليه ملائكة الـرب فـيسالونه عن التوحيد والنبوة وامورعقائدية اخرى , ومن الواضح ان اجابة المؤمن ستختلف عن اجابة الكافروبالتالي يكون عالم البرزخ مظهرا من مظاهر الرحمة للمؤمن , او مصدرامن مصادر النقمة والعذاب للكافر.
ان السؤال في القبر وما يستتبع من الرحمة او العذاب من الامورالمسلمة عند ائمة اهل البيت , وفي الحقيقة ان القبر يعد اولى المراحل للحياة البرزخية التي تدوم الى ان تقوم الساعة .
ولقد صرح علما الامامية في كتب العقائد التي الفوها بما قلناه .
فقد قال الشيخ الصدوق (ره ): اعتقادنا في المسالة في القبر, انه حق لابد منها, فمن اجاب بالصواب فاز بروح وريحان في قبره , وبجنة النعيم في الاخرة , ومن لم يجب بالصواب فله نزل من حميم في قبره , وتصلية جحيم في الاخرة 252.
وقـال الـشـيـخ الـمـفـيد في كتابه ((تصحيح الاعتقاد)): جات الاثارالصحيحة عن النبي (ص ) ان الملائكة تنزل على المقبورين فتسالهم عن اديانهم , والفاظ الاخبار بذلك متقاربة فمنها ان ملكين للّه تـعـالى يقال لهماناكر ونكير ينزلان على الميت فيسالانه عن ربه ونبيه ودينه وامامه , فان اجاب بالحق سلموه الى ملائكة النعيم , وان ارتج عليه سلموه الى ملائكة العذاب 253.
وقـال المحقق نصير الدين الطوسي في كتابه : ((تجريد الاعتقاد))ايضا: وعذاب القبر واقع لامكانه , وتواتر السمع بوقوعه 254.
ومن راجع كتب العقائد لدى سائر المذاهب الاسلامية اتضح له ان هذه العقيدة هي موضع اتفاق بين جميع المسلمين , ولم ينسب انكارعذاب القبر الا الى شخص واحد هو ((ضرار بن عمرو))255.

الاصل التاسع بعد المائة : تفسير المعاد بالتناسخ ورده

لقد اتضح مما سبق ان حقيقة المعاد هي ان الروح بعد مفارقتها للجسدتعود مرة اخرى ـ وباذن اللّه ومـشـيئته ـ الى نفس البدن الذي عاشت به ليلقى الانسان جزا ما عمله في الدنيا, في العالم الاخر, ان خيرا فخير,وان شرا فشر.
ولـكـن ثـمـت مـن ينكر ((المعاد)) الذي دعت الشرائع السماوية الى الايمان به , وان اقروا بمسالة الثواب والعقاب , الذي يلحق اعمال البشر,الا انهم فسروه عن طريق ((التناسخ )).
انهم ادعوا ان الروح تعود مرة اخرى الى العالم الدنيوي عن طريق تعلقها بالجنين , وعبر طي مراحل الـرشـد والـنـمـو, ويـطـوي دورات الـطـفـولـة , والشباب , والشيخوخة , غاية ما في الامر, يحظى اصـحـاب الاعمال الصالحة بحياة لذيذة جميلة , بينما يعاني اصحاب الاعمال الفاسدة من حياة مرة وقاسية فهي اذن ولادة جديدة , تتبعها حياة سعيدة او تعيسة .
ولقد كان لعقيدة التناسخ هذه على طول التاريخ البشري انصارومؤيدون , وتعد احدى اصول الديانة الهندوسية .
ويجب ان ننتبه الى هذه النقطة , وهي ان النفوس والارواح البشرية اذا سلكت طريق التناسخ بصورة دائمية لم يبق مجال للمعاد والقيامة ,والحال ان الاعتقاد بالمعاد امر ضروري وبديهي في ضؤ ادلته وبراهينه العقلية والنقلية .
وفي الحقيقة لابد ان يقال : ان القائلين بالتناسخ حيث انهم لم يتمكنوا من تصور ((المعاد)) بصورته الصحيحة احلوا ((التناسخ )) محله , واعتقدوا به ,بدل الاعتقاد بالمعاد.
ان الـتـنـاسـخ في المنطق الاسلامي يستلزم الكفر, ولقد بحث في كتبناالاعتقادية واثبت بطلانه , وعدم انسجامه مع العقائد الاسلامية بشكل مفصل , ونحن نشير هنا الى ذلك باختصار:
1 ان النفس والروح البشرية تكون قد بلغت عند الموت مرتبة من الكمال .
وعلى هذا الاساس فان تعلق الروح المجدد بالجنين بحكم لزوم التناسق والانسجام بين ((النفس )) و ((الـبـدن )) يـسـتلزم تنزل النفس من مرحلة الكمال الى مرحلة النقص , والفعلية الى القوة , وهو يـتنافى مع السنة الحاكمة على عالم الخلق (المتمثلة في السير التكاملي للموجودات من القوة الى الفعل ).
2 اذا قـبلنا بان النفس تتعلق بعد الانفصال من البدن , ببدن حي آخر,فان هذا يستلزم تعلق نفسين بـبـدن واحـد, ونـتـيـجـته هي الازدواجية في الشخصية , ومثل هذا المطلب يتنافى مع الادراك الوجداني للانسان عن نفسه التي لا تمتلك الا شخصية واحدة لا شخصيتين 256.
3 الاعـتـقـاد بـالـتـنـاسـخ مع انه يتنافى مع السنة الحاكمة على نظام الخلق يعتبر بنفسه ذريعة لـلظالمين والنفعيين الذين يرون ان عزتهم ورفاههم الفعليين نتيجة لطهارة اعمالهم في حياتهم الـمـتقدمة , ويرون ان شقا الاشقيا كذلك نتيجة لسؤ اعمالهم في المرحلة السابقة , وبهذايبرر هؤلا الظلمة اعمالهم القبيحة , ووجود الظلم والجور في المجتمعات التي تخضع لسلطانهم .

الاصل العاشر بعد المائة : الفرق بين التناسخ والمسخ

في ختام البحث حول التناسخ من الضروري ان نجيب على سؤالين :
الـسـؤال الاول : لـقـد صـرح القرآن الكريم بوقوع حالات من المسخ في الامم السابقة , حيث تحول البعض الى قردة , والبعض الاخر الى خنازيركما يقول تعالى :
(وجعل منهم القردة والخنازير)257.
فكيف تحقق المسخ اذا كان التناسخ باطلا؟.
الـجـواب : ان ((الـمـسخ )) يختلف عن ((التناسخ )) الاصطلاحي , لان في التناسخ تتعلق الروح بعد انفصالها من بدنها بجنين او ببدن آخر.
ولـكن في المسخ لا تنفصل الروح عن البدن بل يتغير شكل البدن وصورته , ليرى العاصي والمجرم نفسه في صورة القرد والخنزير, فيتالم من ذلك .
وبـعـبـارة اخـرى : ان نفس الانسان لا تتنزل من المقام الانساني الى المقام الحيواني , لانه اذا كان كذلك لما كان اولئك الذين مسخوا من البشريدركون العذاب , ولما لمسوا عقاب عملهم , في حين يعتبر القرآن الكريم ((المسخ )) ((نكالا)) وعقوبة للعصاة258 .
يـقـول الـتـفـتـازانـي : ان الـنـفـوس بعد مفارقتها للابدان تتعلق في الدنيابابدان اخرى للتصرف والاكتساب , لا ان تتبدل صور الابدان كما في المسخ 259.
ويقول العلامة الطباطبائي : الممسوخ من الانسان انسان ممسوخ لاانه ممسوخ فاقد للانسانية 260.
السؤال الثاني : يذهب بعض المؤلفين الى ان القول بالرجعة ناشئ من القول بالتناسخ 261.
فهل يستلزم الاعتقاد بالرجعة القول بالتناسخ ؟.
الجواب : ان الرجعة ـ كما سنتحدث عنها في محلها ـ حسب اعتقاداكثر علما الشيعة الامامية تعني ان طائفة من اهل الايمان , واهل الكفرسيعودون الى هذه الحياة (اي العالم الدنيوي ) في آخر الزمان مرة اخرى , وتكون عودتهم الى الحياة مثل احيا الموتى على يد السيدالمسيح , ومثل عودة ((عزير)) للحياة بعد مائة سنة 262.
وعـلـى هـذا الاسـاس لا يـكون للاعتقاد بالرجعة اي ارتباط وعلاقة بمسالة التناسخ قط, وسنعطي المزيد من التوضيحات في هذه المسالة في مبحث ((الرجعة )) مستقبلا 263.

الاصل الحادي عشر بعد المائة : اشراط الساعة

لقد وردت في كلمات العلما تبعا للقرآن مسالة باسم ((اشراط الساعة ))وتعني علامات القيامة .
ان علامات يوم القيامة على قسمين :
الـف : حـوادث تـقع قبل وقوع القيامة وانهدام النظام الكوني وعندوقوع ذلك يكون البشر لا يزالون يعيشون على وجه الارض , ولفظة ((اشراط الساعة ))تطلق في الاغلب على هذا النمط من الحوادث والوقائع .
ب :الـحـوادث الـتـي تـوجـب تـخلخل النظام الكوني , وقد جا اكثرهافي سور: التكوير, والانفطار, والانشقاق والزلزال .
والعلائم من القسم الاول عبارة عن :
1 بعثة النبي الخاتم محمد (ص ) 264.
2 اندكاك السد وخروج ياجوج وماجوج265 .
3 اتيان السما بدخان مبين 266.
4 نزول السيد المسيح (ع ) 267.
5 خروج دابة من الارض 268.
ولابد من مراجعة كتب التفسير والحديث للحصول على تفاصيل هذه العلائم .
ولـقـد تـحـدث الـقرآن الكريم باسهاب حول العلائم والاشراط من النوع الثاني مثل : انهدام النظام الـكـونـي وتـلاشـيـه وتـكوير الشمس والقمر,وانكدار النجوم , وتناثرها, وتفجير البحار وتسجيرها, وتـسـييرالجبال269 , وغيرها من الحوادث التي ملخصها هو اندثار النظام السائدفعلا, وظهور نظام جـديـد, وهـو في حقيقته تجل للقدرة الالهية التامة , كماقال تعالى : (يوم تبدل الارض غير الارض والسماوات وبرزوا للّه الواحد القهار)270.

الاصل الثاني عشر بعد المائة : النفخ في الصور

ان القرآن الكريم يتحدث عن حادثة باسم ((النفخ في الصور)) والذي يتم مرتين :
الف ـ النفخ في الصور, الذي يوجب موت كل الاحيا في السماوات والارضين .
ب ـ النفخ في الصور, الذي يوجب احيا الموتى كما يقول :
(ونـفـخ فـي الصور فصعق من في السموت ومن في الارض الا من ش اللّه ثم نفخ فيه اخرى فاذا هم قيام ينظرون )271.
ان القرآن الكريم يتحدث عن خصوص حشر البشر ونشرهم يوم القيامة قائلا: (يخرجون من الاجداث كانهم جراد منتشر)2.

الاصل الثالث عشر بعد المائة : مراحل الحساب والقيامة

بـعـد عودة الموتى الى الحياة , وحشرهم ونشرهم , تتحقق عدة امور قبل دخول الجنة او النار, اخبر بها القرآن الكريم , والاحاديث الشريفة :
1 محاسبة الناس على اعمالهم بشكل خاص , او بصور معينة احداها اعطا صحيفة عمل كل احد بيده 272.
2 مـضافا الى ما هو مدرج في صحيفة كل واحد من الصغائروالكبائر, ثمت شهود من داخل الانسان وخارجه تشهد يوم القيامة باعماله التي عملها في العالم الدنيوي .
والشهود الذين من الخارج هم عبارة عن اللّه 273 ونبي كل امة 2ونبي الاسلام 3, والصفوة الاخيار من الامة 4, والملائكة 5, والارض 6.
واما الشهود من داخل الكيان البشري فهم عبارة عن الاعضاوالجوارح 7, وتجسم الاعمال نفسها 8.
3 هناك لمحاسبة الانسان على اعماله ـ مضافا الى ما قلناه ـ مايسمى ب ((موازين العدل )) التي تقام يـوم الـقـيامة , وتضمن وصول كل انسان الى ما يستحقه من الجزا على وجه الدقة كما يقول تعالى :
(ونـضـع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وان كان مثقال حبة من خردل اتينا بها وكفى بناحاسبين ) 9.
4 ويستفاد من الاحاديث الشريفة ان هناك ـ يوم القيامة ـ ممرا يجب ان يعبر منه الجميع بلا استثنا.
وهـذا الـممر يعبر عنه في الروايات بالصراط, وقد ذهب المفسرون الى ان الايات 71 ـ 72 من سورة مريم ناظرة اليه 274.
5 هـنـاك حائل بين اهل الجنة واهل النار اسماه القرآن الكريم بـ (الحجاب ) كما انه يقف شخصيات رفيعة المستوى على مكان مرتفع يعرفون كلا من اهل الجنة واهل النار بسيماهم كما يقول سبحانه :
.
(وبينهما حجاب وعلى الاعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم )275.
وهؤلا الشخصيات العالية المستوى هم ـ كما تصرح رواياتنا ـالانبيا واوصياؤهم الكرام البررة .
6 عندما تنتهي عملية الحساب ويتضح مصير الاشخاص يوم القيامة يعطي اللّه سبحانه لوا بيد النبي الاكرم محمد(ص ) يدعى ((لواالحمد)) فيتحرك امام اهل الجنة , الى الجنة 276.
7 اخـبـرت الروايات العديدة بوجود حوض كبير في المحشريعرف بحوض ((الكوثر)), يحضر عنده رسول اللّه (ص ) ويسقى الصالحون من الامة من ما ذلك الحوض بايدي النبي واهل بيته (ع ).

الاصل الرابع عشر بعد المائة : الشفاعة

تعتبر شفاعة الشافعين يوم القيامة باذن اللّه تعالى احدى العقائد الاسلامية المسلمة الضرورية .
ان الـشـفـاعـة تشمل اولئك الذين لم يقطعوا صلتهم باللّه , وبالدين بصورة كاملة , فصاروا صالحين لشمول الرحمة الالهية لهم بواسطة شفاعة الشافعين , رغم تورطهم في بعض المعاصي والذنوب .
والاعتقاد بالشفاعة ماخوذ من القرآن الكريم والسنة ونشير الى بعض تلك النصوص فيما ياتي :

الف : الشفاعة في القرآن

ان الايات القرآنية تحكي عن اصل وجود الشفاعة يوم القيامة ,وتصرح باصل وجود الشفاعة وانها تقع باذن اللّه تعالى .
ويقول :
(ولا يشفعون الا لمن ارتضى )277.
فمن هم الشفعا؟.
يستفاد من بعض الايات ان الملائكة من الشفعا يوم القيامة كمايقول : (وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا الا من بعد ان ياذن اللّه لمن يشاويرضى )278.
ويـذهـب الـمـفـسـرون في تفسير قوله تعالى : (عسى ان يبعثك ربك مقامامحمودا)279, الى ان المقصود من ((المقام المحمود)) هو مقام الشفاعة الثابت للنبي الاكرم (ص ).

ب : الشفاعة في الروايات

لقد تحدثت روايات كثيرة وردت في كتب الحديث عن الشفاعة مضافاالى القرآن الكريم ونشير الى بعض هذه الاحاديث :
1 يقول النبي الاكرم : ((انما شفاعتي لاهل الكبائر من امتي ))280.
والظاهر ان علة اختصاص الشفاعة بمرتكبي الكبائر من الذنوب وشمولها لهم خاصة , هو: ان اللّه وعد فـي القرآن بصراحة بان يغفر للناس السيئات الصغيرة اذا ما هم اجتنبوا الكبائر281 فبقية الذنوب ما عداالكبائر تشملها المغفرة , في الدنيا ومع المغفرة لا موضوع للشفاعة .
2 ((اعطيت خمسا واعطيت الشفاعة , فادخرتها لامتي فهي لمن لايشرك باللّه ))282.
وعـلى من اراد التعرف على غيره من شفعا يوم القيامة كالائمة المعصومين , والعلما, وكذا المشفوع لهم , ان يراجع كتب العقائد,والكلام , والحديث .
كـمـا انـه لابـد ان نعلم بان الاعتقاد بالشفاعة , مثل الاعتقاد بقبول التوبة , يجب ان لا يوجب تجرؤ الاشـخاص على ارتكاب الذنوب , بل يجب ان يعد هذا الامر ((نافذة امل )) تعيد الانسان الى الطريق الـصـحيح ,لكونه يرجو العفو, فلا يكون كالايسين الذين لا يفكرون في العودة الى الصراط المستقيم قط.
ومن هذا يتضح ان الاثر البارز للشفاعة هو مغفرة ذنوب بعض العصاة والمذنبين ولا ينحصر اثرها في رفع درجة المؤمنين كما ذهب الى ذلك بعض الفرق الاسلامية (كالمعتزلة ) 283.

الاصل الخامس عشر بعد المائة : طلب الشفاعة في الدنيا

ان الاعـتـقـاد بـاصـل الـشـفاعة في يوم القيامة (في اطار الاذن الالهي ) ـ كمااسلفنا ـ من العقائد الاسلامية الضرورية ولم يخدش فيها احد.
يبقى ان نرى هل يجوز ان نطلب الشفاعة في هذه الدنيا من الشافعين الماذون لهم في الشفاعة يوم الحساب , كالنبي الاكرم (ص ) ام لا؟.
وبعبارة اخرى , هل يصح ان يقول الانسان : يا رسول اللّه يا وجيهاعند اللّه اشفع لي عند اللّه ؟.
الـجواب هو: ان هذا الموضوع كان محل اتفاق واجماع بين جميع المسلمين الى القرن الثامن , ولم يـنـكـره الا اشـخـاص معدودون من منتصف القرن الثامن , حيث خالفوا طلب الشفاعة من الشفعا الـمـاذون لـهـم , ولـم يـجـوزوه فـي حـيـن ان الايـات الـقـرآنـيـة والاحاديث النبوية المعتبرة , وسيرة المسلمين المستمرة تشهد جميعها بجوازه , وذلك لان الشفاعة هودعاؤهم للاشخاص ومن الواضح ان طلب الدعا من المؤمن العادي (فضلا عن النبي (ص )) امر جائز ومستحسن , بلا ريب .
ولـقـد روى ابن عباس عن رسول اللّه (ص ) ما يستفاد منه بوضوح بان شفاعة المؤمن هو دعاؤه في حق الاخرين فقد قال (ص ): ((ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته اربعون رجلا لا يشركون باللّه شيئا الا شفعهم اللّه فيه ))284.
ومـن البديهي والواضح ان شفاعة اربعين مؤمن عند الصلاة على الميت ليس سوى دعاؤهم لذلك الميت .
ولو تصفحنا التاريخ الاسلامي لوجدنا ان الصحابة كانوا يطلبون الشفاعة من النبي (ص ).
فـهـا هـو الـترمذي يروي عن انس بن مالك انه قال : سالت النبي ان يشفع لي يوم القيامة فقال : انا فاعل .
قلت : فاين اطلبك ؟.
فقال : على الصراط 285.
ومـع الاخذ بنظر الاعتبار ان حقيقة الاستشفاع ليست سوى طلب الدعا من الشفيع , يمكن الاشارة الى نماذج من هذا الامر في القرآن الكريم نفسه :
1 طلب ابنا يعقوب من ابيهم ان يستغفر لهم , وقد وعدهم بذلك ووفى بوعده , يقول تعالى : (قالوا يا ابانا استغفر لنا ذنوبنا انا كنا خاطئين # قال سوف استغفر لكم ربي )286.
2 يـقـول الـقـرآن الـكـريم : (ولو انهم اذ ظلموا انفسهم جاوك فاستغفروا اللّه واستغفر لهم الرسول لوجدوا اللّه توابا رحيما)287.
3 يـقـول فـي شـان الـمنافقين : (واذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول اللّه لووارؤوسهم ورايتهم يصدون وهم مستكبرون )288.
فـاذا كـان الاعراض عن طلب الاستغفار من النبي ـ الذي يتحد في حقيقته مع الاستشفاع ـ علامة النفاق , والاستكبار, فان الاتيان بهذا الطلب وممارسته يعد بلاشك علامة الايمان .
وحـيـث ان مقصودنا ـ هنا ـ هو اثبات جواز طلب الشفاعة , ومشروعيته ,لذلك لا يضر موت الشفيع في هذه الايات بالمقصود, حتى لو فرض ان هذه الايات وردت في شان الاحيا من الشفعا لا الاموات , لان طـلـب الـشـفـاعة من الاحيا اذا لم يكن شركا فان من الطبيعي ان لا يكون طلبها من الاموات كـذلـك شـركـا لان حـياة الشفيع وموته ليس ملاكا للتوحيد والشرك ابدا, والامر الوحيد الذي هو ضروري ومطلوب عند الاستشفاع بالارواح المقدسة هو قدرتها على سماع ندااتنا, وهو امر قد اثبتناه في مبحث التوسل حيث اثبتنا ـ هناك ـ289 وجود مثل هذا الارتباط.
وهـنـا لابـد ان نـلـتفت الى نقطة هامة وهي ان استشفاع المؤمنين والموحدين من الانبيا والاوليا الالهيين يختلف اختلافا جوهريا عن استشفاع الوثنيين من اصنامهم واوثانهم .
فالفريق الاول يطلب الشفاعة من اوليا اللّه , وهو مذعن بحقيقتين اساسيتين :
1 ان مقام الشفاعة مقام خاص باللّه , وحق محض له سبحانه كماقال :
(قل للّه الشفاعة جميعا)290.
اي قـل : ان امـر الشفاعة كله بيد اللّه ولا يحق لاحد ان يشفع من دون اذنه ولن تكون شفاعة مؤثرة بغيره .
2 ان الشفعا الذين يستشفع بهم الموحدون عباد صالحون مخلصون للّه سبحانه يستجيب اللّه دعاهم لمكانتهم عنده ولقرب منزلتهم منه سبحانه .
وبهذين الشرطين يفترق الموحدون عن الوثنيين في مسالة الاستشفاع افتراقا اساسيا.
اولا : ان الـمـشركين لا يرون لنفوذ شفاعتهم وتاثيرها اي قيد اوشرط, وكان اللّه فوض امر الشفاعة الـى تلك الاصنام العميا الصما في حين ان الموحدين يعتبرون الشفاعة كلها حقا مختصا باللّه , تبعا لما جافي القرآن الكريم , ويقيدون قبول شفاعة الشافعين وتاثيرها باذن اللّه ورضاه واجازته .
ثـانيا : ان مشركي عصر الرسالة كانوا يعتبرون اوثانهم واصنامهم ومعبوداتهم المختلفة اربابا وآلهة , وكـانـوا يـظنون سفها ان لهذه الموجودات الميتة , والجمادات سهما في الربوبية , والالوهية , بينما لايـرى الـمـوحـدون , الانـبيا والائمة الا عبادا صالحين , وهم يرددون في صلواتهم وتحياتهم دائما عبارة : ((عبده ورسوله )) و ((عباد اللّه الصالحين )).
فانظر الى الفرق الشاسع , والتفاوت الواسع بين الرؤيتين والمنطقين .
بـنـا على هذا فان الاستدلال بالايات التي تنفي وتندد باستشفاع المشركين من الاصنام , على نفي اصل طلب الشفاعة في الاسلام ,استدلال مرفوض وباطل وهو من باب القياس مع الفارق .

الاصل السادس عشر بعد المائة : التوبة

ان انفتاح باب التوبة في وجه العصاة والمذنبين والدعوة اليها من التعاليم الاسلامية بل من مقررات جميع الشرائع السماوية .
فعندما يندم الانسان المذنب من عمله القبيح ندما حقيقيا ويملا التوجه الى اللّه , والتضرع اليه فضا روحـه , فـيـقـرر من صميم قلبه ان لا يرتكب ماارتكب ثانية , قبل اللّه الرحيم اوبته وتوبته , بشروط مذكورة في كتب العقيدة والتفسير يقول القرآن الكريم في هذا الصدد:
(وتوبوا الى اللّه جميعا ايها المؤمنون لعلكم تفلحون )291.
ان الـذيـن لا يـعرفون الاثار التربوية الايجابية للتوبة يتصورون ان فتح هذين البابين (باب الشفاعة وبـاب التوبة ) في وجه العصاة والمذنبين يشجعهم ـ بشكل ما ـ على المعصية , في حين يغفل هؤلا عـن ان كـثـيـرا من الناس متورطون في بعض المعاصي , وقلما يوجد من لم يرتكب ذنبا في حياته طوال عمره .
وعـلـى هـذا الاسـاس , اذا لـم يـكن باب التوبة مفتوحا في وجه هؤلالقال الذين يريدون ان يغيروا مـسـيـرهم ويقضوا بقية ايام حياتهم في الطهروالنقا مع انفسهم : اننا سنلقى ـ على كل حال ـ جزا ذنوبنا, وندخل جهنم فلم لا نستجيب لرغباتنا؟ ولم لا نحقق شهواتنا فيما تبقى من عمرناما دام هذا هو مصيرنا, وهو مصير لا يتغير قط ولا مفر منه ابدا؟.
وهـكـذا نـكون باغلاقنا باب التوبة قد فتحنا في وجه الناس باب الياس والقنوط, ومهدنا للمزيد من المعصية وللتمادي في ارتكاب القبائح والذنوب .
ان الاثـار الايجابية لاصل التوبة تتضح اكثر فاكثر عندما نعلم بان الاسلام يقيد قبول التوبة بشروط خاصة ذكرها ـ بتفصيل ـ ائمة الدين ,والمحققون من علما الاسلام .
ان القرآن الكريم يتحدث عن التوبة بصراحة تامة اذ يقول :
(كـتـب ربـكم على نفسه الرحمة انه من عمل منكم سؤا بجهالة ثم تاب من بعده واصلح فانه غفور رحيم )292.
ثم انه قد ذكر الاشخاص الذين لا تقبل توبتهم عند اللّه سبحانه في كتب الفقه , والتفسير, والعقيدة فمن شا راجعها.

الاصل السابع عشر بعد المائة : الانسان ينال جزا اعماله

يشهد العقل والنقل بان كل انسان يرى جزا عمله , ان خيرا فخير, وان شرا فشر.
يقول القرآن في هذا الصدد: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره )293.
ويقول ايضا: (وان سعيه سوف يرى # ثم يجزاه الجزا الاوفى )294.
ويـسـتـفاد من الايات السابقة ان اعمال الانسان القبيحة , لا تزيل اعماله الصالحة ولا تقضي عليها, ولـكـن يـجب ان نعلم في نفس الوقت ان الذين يرتكبون بعض الذنوب الخاصة كالكفر والشرك , او يسلكون سبيل الارتداد سيصابون بالحبط, اي ان اعمالهم الصالحة تحبط وتهلك ,ويلقون في الاخرة عذابا ابديا كما يقول سبحانه :
(ومـن يـرتـدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فاولئك حبطت اعمالهم في الدنياوالاخرة واولئك اصحاب النار هم فيها خالدون )295.
ونظرا الى ما قلناه فان كل انسان مؤمن سيرى ثواب اعماله الصالحة في الاخرة خيرا كانت او شرا, الا اذا ارتـد, او كفر, او اشرك , فان ذلك سياتي على اعماله الصالحة ويقضي عليها ـ كما دل على ذلك الكتاب والسنة .
وفي الختام لابد من التذكير بالنقطة التالية وهي : ان اللّه سبحانه وتعالى وان وعد المؤمنين بالثواب على اعمالهم الصالحة , وفي المقابل اوعد على الاعمال السيئة , ولكن ((الوعد)) و ((الوعيد)) هذين يـختلف احدهما عن الاخر ـ في نظر العقل ـ لان العمل بالوعد اصل عقلي , والتخلف عنه قبيح , لان في التخلف عنه تضييعا لحق الاخرين , وان كان هذا الحق ممااوجبه الواعد, نفسه على نفسه , وهذا بـخـلاف الـوعـيـد فـهو حق للموعدوله الصفح عن حقه والاعراض عنه ولهذا لا مانع من ان تستر بعض الاعمال الصالحة الحسنة قباحة بعض الاعمال السيئة وهو ما يسمى بالتكفير296.
وقـد صـرح الـقرآن الكريم بكون بعض الاعمال الصالحة الحسنة مكفرة للاعمال السيئة , واحد هذه الاعمال هو اجتناب الشخص للذنوب الكبيرة :
(ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاكريما)297.
وكذا يكون لاعمال اخرى مثل التوبة 3, وصدقة السر298 وغير ذلك مثل هذا الاثر.

الاصل الثامن عشر بعد المائة : الخلود في الجحيم خاص بالكفار

ان الـخـلـود فـي عـذاب جـهـنم خاص بالكفار, واما المؤمنون العصاة الذين اشرقت ارواحهم بنور التوحيد, فطريق المغفرة والخروج من النار غيرمسدودة عليهم كما يقول اللّه تعالى :
(ان اللّه لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشا ومن يشرك باللّه فقدافترى اثما عظيما) 5.
ان الايـة المذكورة التي تخبر بصراحة عن امكان المغفرة والعفو عن جميع الذنوب (ما عدا الشرك ) نـاظرة ـ من دون شك ـ الى اولئك الذين ماتوا من دون توبة , لان جميع الذنوب والمعاصي ـ حتى الشرك ـ يشملهاالعفو والغفران اذا تاب عنها الانسان .
وحيث ان هذه الاية فرقت بين المشرك وغير المشرك , وجب ان نقول :انها تحكي عن امكان مغفرة من ماتوا من دون توبة .
ومـن الـواضح ان مثل هذا الانسان اذا كان مشركا لم يغفر اللّه له , وامااذا لم يكن مشركا فيمكنه ان يامل في عفو اللّه ويطمع في غفرانه ولكن لابشكل قطعي وحتمي , انما يحظى بالعفو والغفران من تعلقت الارادة والمشيئة الالهية بمغفرته .
فـان قيد ((لمن يشا)) في الاية تضع العصاة والمذنبين بين حالتي ((الخوف )) و ((الرجا)) وتحثهم على التوقي من الخطر وهو التوبة قبل الموت .
ولهذا فان الوعد المذكور يدفع بالانسان على طريق التربية المستقيم , بابعاده عن منزلق ((الياس )) و ((التجري )).

الاصل التاسع عشر بعد المائة : الجنة والنار مخلوقتان

نحن نعتقد ان الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الان .
قـال الـشيخ المفيد: ((ان الجنة والنار في هذا الوقت مخلوقتان وبذلك جات الاخبار, وعليه اجماع اهل الشرع والاثار))299.
وان الايات القرآنية هي الاخرى تشهد بالوجود الفعلي للجنة والنار اذ يقول :
(ولقد راه نزلة اخرى # عند سدرة المنتهى # عندها جنة الماوى )300.
ويصرح في موضع آخر: بان الجنة مهيئة للمؤمنين , وان النارللكافرين , اذ يقول حول الجنة :
(اعدت للمتقين )301.
ويقول حول النار:
(واتقوا النار التي اعدت للكافرين )302.
ومع ذلك فلا نعرف مكان الجنة والنار على وجه الدقة واليقين , وان كان المستفاد من بعض الايات هو ان الجنة موجودة في القسم الاعلى كمايقول سبحانه :
(وفي السما رزقكم وما توعدون )303.

كليات في الـعقيدة

8.

الفصل التاسع

في معالم الايمان والكفر

الاصل العشرون بعد المائة : حد الايمان والكفر

ان حد ((الايمان )) و ((الكفر)) من المباحث الكلامية والاعتقادية الهامة جدا.
فـالايـمـان في اللغة يعني التصديق و ((الكفر)) يعني الستر, ولهذا يقال للزارع ((كافر)) لانه يستر الحبة بالتراب , ولكن المقصود من ((الايمان )) في المصطلح الديني (وفي علم الكلام والعقيدة ) هو الاعتقاد بوحدانية اللّه تعالى , والاخرة ورسالة النبي الخاتم محمد المصطفى (ص ).
عـلـى ان الايمان برسالة النبي الخاتم يشمل الايمان بنبوة الانبياالسابقين عليه , والكتب السماوية السابقة , وما اتى به نبي الاسلام من تعاليم واحكام اسلامية للبشر من جانب اللّه ايضا.
ان المكان الواقعي والحقيقي للايمان هو قلب الانسان وفؤاده كمايقول القرآن :
(اولئك كتب في قلوبهم الايمان )304.
كـمـا انـه يـقول لسكان البوادي الذين استسلموا للحاكمية الاسلامية وسلطتها من دون ان يدخل الايمان في افئدتهم :
(ولما يدخل الايمان في قلوبكم )305.
ولـكـن الحكم بايمان الشخص مشروط بان يعبر عن ذلك بلسانه واقراره اللفظي او يظهره بطريق آخر, او لا ينكر اعتقاده به على الاقل , وذلك لان في غير هذه الصورة لا يحكم بايمانه كما قال :
(وجحدوا بها واستيقنتها انفسهم )306.
في ضؤ هذا يكون قد تبين معنى ((الكفر)) وحده ايضا, فاذا انكرشخص وحدانية الحق تعالى , او انكر يـوم الـقـيـامـة , او رسـالـة الـنـبـي الاكـرم (ص ) حـكـم بـكفره حتما, كما ان انكار احد مسلمات الدين المحمدي وضرورياته التي يكون انكارها مستلزما لانكار رسالة النبي (ص )بشكل واضح يجعل الانسان محكوما بالكفر ايضا.
فـعـنـدما اعطى رسول اللّه (ص ) الراية لعلي (ع ) لفتح قلاع خيبر, واخبرالناس بان حامل هذه الراية سيفتح خيبرا, في هذه اللحظة قال الامام علي (ع ) لرسول اللّه (ص ) : يا رسول اللّه على م اقاتلهم ؟؟.
فقال النبي (ص ): ((قاتلهم حتى يشهدوا ان لا اله الا اللّه وان محمدارسول اللّه , فاذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماهم واموالهم الا بحقها,وحسابهم على اللّه )) 307.
وسال شخص الامام الصادق (ع ) فقال : ما ادنى ما يكون به العبدمؤمنا؟.
قـال (ع ): ((يـشهد ان لا اله الا اللّه , وان محمدا عبده ورسوله , ويقربالطاعة , ويعرف امام زمانه , فاذا فعل ذلك فهو مؤمن )) 308.

الاصل الواحد والعشرون بعد المائة : الايمان مشروط بالالتزام بالعمل الصالح

ان حـقـيـقة الايمان وان كانت هي الاعتقاد القلبي (المشروط بالاظهار اوعدم الانكار على الاقل ) ولـكـن يجب ان لا يظن ان هذا القدر من الايمان كاف في فلاح الانسان , بل يجب على الشخص ان يلتزم بلوازم الايمان وآثاره العملية ايضا.
ولـهـذا فـقـد وصف المؤمن الواقعي وعرف في كثير من الايات والروايات بانه الملتزم بثار الايمان , والمؤدي للفرائض الالهية .
فـقـد اعـتـبر القرآن الكريم في سورة ((العصر)) كل الناس في خسر الا من اتصف بالصفات التالية حيث قال :
(الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)309.
وقـد روى الامام الباقر (ع ) عن الامام علي (ع ) ان رجلا قال له : من شهد ان لا اله الا اللّه وان محمدا رسول اللّه (ص ) كان مؤمنا؟.
قال : ((فاين فرائض اللّه ))؟310.
وقال (ع ) ايضا: ((لو كان الايمان كلاما, لم ينزل فيه صوم , ولا صلاة ,ولا حلال , ولا حرام )) 311.
فـيـسـتـنـتـج من البيان السابق ان الايمان ذو مراتب ودرجات , وان لكل مرتبة اثرا خاصا بها, وان الاعـتـقاد اذا اقترن بالاظهار او عدم الانكار على الاقل , كان اضعف مراتب الايمان وادونها, وتترتب عـلـيـه سـلسلة من الاثار الدينية , والدنيوية , في حين ان المرتبة الاخرى للايمان التي توجب فلاح الانسان في الدنيا والاخرة رهن للالتزام بثاره العملية .
والـنـقـطـة الـجديرة بالذكر هي ان بعض الروايات اعتبرت العمل بالفرائض الدينية ركنا من اركان الايـمـان , فـقـد روى الامـام الرضا(ع ) عن رسول اللّه (ص ) انه قال : ((الايمان معرفة بالقلب واقرار باللسان وعمل بالاركان ))312.
وفـي بـعـض الـروايات جعلت امور, مثل اقامة الفرائض , وادا الزكاة والحج , وصوم شهر رمضان , الى جانب الشهادتين ايضا 313.
ان هذه الروايات اما هي ناظرة الى انه يمكن تمييز المسلم عن غيرالمسلم بواسطة هذه الاعمال , او ان ذكـر الـشـهـادتين انما يكون سببا للنجاة وموجبا للفلاح اذا اقترنت وانضمت الى اعمال شرعية اهمها وابرزها:الصلاة , والزكاة , والحج , والصوم .